← Общие книги

Общие книги · id 11364

لمحات في الثقافة الإسلامية

عمر عودة الخطيب

Полный текст (407 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ١. وفي ذلك يقول : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٢.

стр. 352

طريقان لا تسوية بينهما: ١- هنالك فرق هائل كبير بين جوهر الدعوة الإلهية ومبادئها وأهدافها ووسائلها وآثارها في حياة الفرد والجماعة والإنسانية في آفاقها الواسعة ومجالاتها الرحبة.. وبين جوهر الدعوات الأرضية والتصورات الضيقة، والنظم الملتوية ... إن المحور لهذا الفرق -كما يحدده المنهج القرآني- هو عدم التسوية بين المنهجين المتضادين، والطريقين المتعارضين، وهي حقيقة تشير إلى التباين الكامل بين الوجود الحق الذي ينبغي أن يحرص عليه الإنسان ويتطلع إليه، وبين الضياع الفارغ الذي يجب أن يحذر منه وينأى عنه إذا أراد لإنسانيته أن تمارس وجودها الذاتي الصحيح على هذه الأرض. إنها حقيقة تدركها العقول وتشعر بها النفوس وتستوعبها الضمائر.. حقيقة فطرية بسيطة لا مجال للمكابرة فيها والتعامي عنها، والغفلة عن إيحائها العميق ومدلولها البالغ ... ولذا فقد عرضها المنهج القرآني بأسلوب جميل أخاذ، نابض

стр. 353

بالحركة والحياة، مُشِيرًا -بالمثل المصور والمشهد المعبِّر- إلى أنها حقيقة يراها الناسُ بأبصارهم، ويشهدونها بحواسهم، ويعيشونها بخلجات قلوبهم ودفق مشاعرهم. إنها مشاهد مرئية محسوسة مدْرَكَةُ في نواميس الكون، وواقع الأحياء، تستثير في الإنسان روح النزوع نحو الخير، وتبعد به عن الشر، وتحدد له السبيل الطيب الكريم، سبيل الإيمان الذي يحقق السعادة والطمأنينة والفلاح، وتنأى به عن السبيل المعوجة الفاسدة التي لا تتضح فيها الرؤية الصحيحة بما يغمرها من الظلام، ولا يفيء الإنسان فيها إلى ظل الأمن أو ينعم بحقيقة الحياة ... وفي ذلك يقول : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِير﴾ ١. ٢- فإذا كان من طبيعة الإنسان -كما أسلفنا- الإحساس بالسعادة والشقاء وإدراك هذا التنافي البعيد بين طريقي الخير والشر.. فإن من طبيعته كذلك الحرص على الثواب، والخوف من العقاب، ولهذا كان لا بد من تربيته على قاعدة المسئولية ومبدأ الجزاء، فذلك هو الحافز القوي الذي يدفع إلى الخير، والرادع الحاسم الذي يُكَفْكِفُ من غُلُوَاء الشر.. وذلك هو نهج الفطرة الذي جاءت به عقيدة الإسلام.. وهو نهج لا مجال لإنكاره والعدول عنه، فلا قيمة لأي محاولة ترمي إلى تربية الإنسان بمنأى عن فطرته، وتقويمه بما يتنافر مع خصائصه،

стр. 354

فهي محاولة محكوم عليها بالإخفاق؛ لأنها مبنية على المغالطة والأوهام، مهما برع أصحابها في تزيينها والدعاوة لها، وأطلقوا عليها أجمل الأسماء وأبرز الشعارات ... وفي ذلك يقول : ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.

стр. 355

العقيدة ذخيرة الخير: ١- يقف هذا الإنسان بمقتضى حكمة الله في خلقه وتكوينه بين قوتين، وعلى مفترق طريقين مختلفين، إنهما قوتا الخير والشر، وطريقا الهدى والضلال، ولو ترك الإنسان ونفسه في تجاذب القوتين والحيرة بين الطريقين؛ لما استطاع أن يحقق المسلك القويم والنهج الصحيح بل تلتوي عليه السبل وتَكْتَنِفُهُ الهواجس ويستبد به القلق ويضيع في غمار الحيرة.. وهنا لا بد أن تحيط به جواذب الأهواء، وتستبد به زخارف الحياة ومغرياتها، فينزلق في تيارها، ويخضع لضغطها، ويسلك سبيل الشر، وينحرف عن الغاية التي خلق من أجلها، وينتهي إلى الخسران المبين. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١. ويقول : ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ

стр. 356

الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلاَّ الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ١. ٢- لا بُدَّ إذًا لقوة الخير في الإنسان وجوهر الفطرة فيه من ذخيرة تقويها، ورِفْدٍ يُنَمِّيهَا؛ حتى لا تؤثر عليها الأهواء، ولا تفترسها الشهوات، ولتكون الحاجز القوي الذي يصُدُّ دواعي الشر وطغيانه المدمر، وليست تلك الذخيرة الحية والرفد الدائم والمدد القوي سوى العقيدة الحقة التي أنعم الله بها على عباده، وبعث بها رسله، وأنزل بها كتبه؛ إنها الهداية الإلهية التي جاءت تتعهد هذا الإنسان في جميع أطواره وحالاته، وتربيه على مراقبة الله وخشيته، وترشده إلى ما يصلحه ويزكيه وينجيه في الدارين، وقد وضع الله ﵎ هذه الهداية أساسًا لحياة الإنسان منذ خلقه، وكلفه عمارة هذه الأرض. قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٢. وبعد أن أرسل سبحانه بهذه الهداية رسله الكرام أكمل ببعثة محمد ﷺ هدايته، وأتم نعمته، وجعل هذه الرسالة الخاتمة دستور الحياة للبشر جميعًا تهديهم إلى أقوم السبل وأصح المناهج وأكرم الأخلاق وأعدل النظم. قال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ٣.

стр. 357

العقيدة تحدد الهدف: ١- تضع العقيدة هذا الإنسان في موضعه الصحيح، فتنير له دربه في الحياة؛ ليسير على هدى وبصيرة، ويسلك سبيل الحق والرشاد، في معالم واضحة، وخطىً ثابتة، وهدفٍ مرسوم، وقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وسوَّاه ونفخ فيه من روحه، وجعله خليفة في الأرض ليعمرها بالخير، وليقيم فيها مُثُلَ العقيدة الصالحة، والفكر السليم، والخلق القويم، وغَرَسَ فيه روح العبودية الخاشعة، والامتثال الكامل، وجعله ذلك المخلوق الجدير بأن يحمل هذه الأمانة الثقيلة، وينهض بأعباء هذه الرسالة الجليلة، بما أفاض عليه من النعم التي لا تحصى، وما زوده به من عقل مدرك، وفطرة نقية، وضمير طاهر، وإرادة فاعلة، وكلفه أن يسعى في إصلاح نفسه، ورعاية أهله، والبر بإخوانه، وأن يلتزم ما شرع له ربه من أحكام، وحَدَّ من حدود، ويؤدي ما افترضه عليه من فرائض، ودعاه إليه من فضائل، وفي هذا كله تكريم له، وإعزاز لشأنه، وإحاطة له بجو الطمأنينة والراحة النفسية. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ١. وقال : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون﴾ ٢.

стр. 358

وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١. ٢- ثمة -إلى جانب هذه الحقيقة- واقعٌ صارخٌ مرير وهو: أن هذا الإنسان قد جعلته الفلسفة اليونانية حيوانًا ناطقًا، وورثت المدنية الأوربية هذه النزعة، فرسمت له هدفه استغراقًا في المتاع الحسي والتقدم العلمي، ثم ظهرت المادية التاريخية فحولته إلى معدة جائعة لا ضمير لها ولا شعور، في تيار الاقتصاد الذي يوجه البشر إلى الصراع الحاقد بين الطبقات.. وفَقَدَ الإنسان في قبضته هذه العقائد الغامضة، والفلسفات المضطربة معنى وجوده الحق؛ ذلك لأن كل هذه المحاولات التي أرادت أن تحدد للإنسان هدفه كانت متنافرة مع أصل نشأته وجوهر فطرته، وحسبت أن توسُّعها في فهم المادة وطرق التصنيع يُخَوِلُهَا وضع هدف للإنسان، فكان فيما جاءت به -على ما بينها من تناقض واختلاف- التدمير الشامل لخصائص الإنسان، والانحراف الخطير عن الهدف الخير الكريم الذي يجب أن يحاول بلوغه. ٣- إن العقيدة وحدها -عقيدة التوحيد- هي التي تحدد للإنسان هدفه في الحياة، باعتباره خليفة في الأرض، مسئولًا عن إعمارها ونشر الخير والصلاح فيها، وبذلك تسمو به هذه العقيدة إلى ذُرَى الكرامة وآفاق الخير، وتجعل لحياته معنى الوجود الحق، لا الوجود المادي المثقل بالحس وجواذب الأرض، إنه يحمل بالإيمان رسالة الإصلاح ومنهج التقويم فيحرر إيمانه وجدانه تحريرًا كاملًا، ويزوده بأرفع مُثُل الحق

стр. 359

والكمال التي تعود إلى أسمى الاعتبارات الذاتية فيه -اعتبارات الفطرة والتكريم والمسئولية- بحيث تصغر إزاءها -وهي من نعم الله وفضله- كل القيم المادية مهما بلغت، وتنهار في فكره ووجدانه آثارها، وتصبح خارج حدود التحكم به والسيطرة عليه؛ لأنها اعتبارات لا تمس جوهره الأصيل، وروحه العالية، وإن كانت تلامس جانب الضعف فيه، فتقصيه أحيانًا عن التصاعد والسمو، وتهبط به -ولو في حدود الخاطرة والتمني- من أجواء الرفعة والإشراق، لكنه لا يلبث -بوحي عقيدته وأثرها العظيم في الفكر والسلوك- أن يصحو من غفلته، وينأى عن الانزلاق، ويدرك الحقيقة، ويتحرك بروح الإيمان نحو الهدف، في ثقة وصبر ويقين. إن الذي أيقظ بصيرته فاهتدى إلى طريق الخير، ونأى عن طريق الشر، هو هذا التذكر الذي تثيره العقيدة في قلبه وفكره وضميره، فلا يَزِلُّ ولا يتيه، ولا يستغرقه الشرود، ويعصف به تيار الضياع.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ١. ٤- وليس أدل على تحرير الإيمان لوجدان المؤمن من الخضوع للقيم المادية بما فيها من أموال ومطامع وجهالة واستكبار، حتى لا يضعف الإنسان أمامها، ويناله الوهن أمام إغرائها الشديد، وبريقها الخادع، من هذا الحوار القرآني الرائع الذي تصوره قصة قارون، وفي ذلك يقول : ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ

стр. 360

إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرض إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ، فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ، وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرض وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.

стр. 361

إقصاء العقيدة عدوان على الإنسان: ١- إن أي محاولة لإقصاء الإيمان عن حياة الإنسان، وحجب أشعته عن أن تغمر الفرد والمجتمع بالضياء، ليتاح لطواغيت الأرض وأبالسة الشر إخضاعه لمنهج مادي، لا مكان فيه لأشواق الروح وقيم الخير ومثل

стр. 362

الحق في زحمة البحث عن الطعام، ولا سيطرة فيه لغير قيود التراب وضغط الآلة.. إن أي محاولة لا تقيم لغير المنهج المادي أي وزن أو اعتبار -كما يعمل على ذلك الماديون- لا تعدو أن تكون في حقيقتها وفيما تهدف إليه، عدوانًا صارخًا على الإنسان وتجاهلا لحقيقته، وزِرَايَةٍٍ خطيرة لمعنى الإنسانية فيه، وإيذاءً شديدًا له.. ذلك أن أي دعوة تتخطى حدود الله وتتجاوز شريعته، وتعادي منهجه الرباني المحكم العظيم، إنما تهبط بالإنسان من آفاق السمو والطهر والكرامة إلى حضيض الضعة والدنس والمهانة. إنها تدفعه في طريق التخلف والانهزام، وتجعله سادرًا في الضلال، غارقًا في الظلام، من حيث تزعم أنها تحرره وتفتح له منافذ النور، وتقوده في معركة انتصار كبير: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ، اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ، كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١. وقال تعالى في بيان حقيقة هذا المنهج المنحرف، وتقرير أنه من إيحاء الشيطان؛ ليوهن النفس ويصُدَّها عن الثقة بالله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.

стр. 363

ولقد صور القرآن الكريم أولئك الذين لم يؤمنوا بالله بأن ينبوع الرحمة قد غاض في قلوبهم وفقدوا معنى إنسانيتهم وكانوا مثلًا في الشح وقسوة القلب وموت الضمير.. وذلك حيث يقول : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. ولم يكف هؤلاء -وقد جف معين الإحسان في قلوبهم- أن يمتنعوا عن البذل، ويمسكوا أيديهم عن العطاء، بل راحوا يفلسفون بخلهم بإطار من الاستهزاء، ونزعة من الاستعلاء! ... ٢- ومن عجب أن هؤلاء الذين انعدم فيهم المعنى الإنساني، حين فقدوا الضمير المؤمن الذين يربط الإنسان بالله القوي القادر، الذي يعلم ما تخفي النفوس وما تكن السرائر، إن هؤلاء أكثر الناس ادعاءً بنمو الشعور الإنساني فيهم ... فهم يتخذون من الفكرة الإنسانية المرتكزة على العمل العقلي وحده دستور الحياة، ويجعلونها مقياس الفضيلة والرذيلة، والمعيار الذي يحدد الخير من الشر، ويحاولون أن يخضعوا للعمل العقلي وحده كل شيء، والواقع أن وضع العقل موضع الحكم المطلق، وجعله القيِّم على حياة الإنسان، ليس سوى فرض لا يغني من الحق شيئًا، "ولايستطيع أصحابه أن يصلوا به إلى الحكمة المقصودة من خلق الإنسان، وجعله خليفة في الأرض، يعمرها وينميها وينشر فيها روح الأمن والطمأنينة والاستقرار، وقد جربته الإنسانية حينًا من الدهر، ولا تزال تتقلب في جمره بين حرب حامية تأكل الأخضر واليابس، وتدمر الجهود التي تبذل في بناء الحضارات وإقامة المنشآت،

стр. 364

وبين حرب باردة تملأ القلوب خوفًا وهلعًا، وهي في الحربين لا تعرف إنصاف مظلوم من ظالم، ولا تترفع عن استعباد الضعفاء وسلب الحقوق والحريات، وهي في الحربين لا تتسم روحًا من نسمات الروحية الفاضلة التي تعصم الإنسان من التبذل في نفسه، وتقيه الارتكاس في حمأة الإباحية الضالة، والمادية المظلمة"١.

стр. 365

الإنسان في رحاب الإيمان: ١- إن من يتقصَّى بالدرس والتحليل أثر الإيمان في النفس الإنسانية، تحليةً لها بأنبل الصفات وأكرم الأخلاق، وتخليةً لها عن الشر والفساد والانحراف، يَبْهَرُهُ -ولاشك- سر هذا الإيمان وصنعه العجيب.. فهو إلى جانب تطهيره للنفس، وإنماء معاني الخير فيها، وعلاج ما يعتريها من علل، وما يلم بها من تغير، تلك الذخيرة الحية التي لا تنفد، في مدها الإنسان بالقوة والصبر، والطمأنينة والأمل في معركة الحياة التي يحتدم فيها الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، وما يُسْعِدُ المرء وما يشقيه.. وحين ينأى الإنسان عن نبع الإيمان العذب الغزير يعيش في ظلمأ دائم، وحين ينصرف عن نوره الوضاء يضل في ظلام الحياة، ومن عاش في ظمأ وظلام لا يرجى له أن ينعم بحياة هادئة هانئة، أو يقطع رحلة العمر في أمن واطمئنان، ويبلغ النهاية الطيبة والمصير الحسن.. إنه حين يفقد وقود الإيمان، تُشَلُّ فيه قوى الحركة الخيِّرة، وينعدم في ذاته عنصر الثبات والاستقرار، ويفترسه القلق والاضطراب.. وتتحكم به ردود الفعل، وتنقله دوامة الأحداث من سعادة موهومة يتعلق بها، إلى شقاء مرير يمزقه فينهار وييأس.. وقد صوَّر الله حقيقة هذا النموذج الخاسر بقوله:

стр. 366

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ١. ٢- أما من يحيا في رحاب الإيمان، ويعتصم بحبله المتين، ويستضيء بنوره المشرق، فهو يعيش حياته في رؤية واضحة، يدرك بها حكمة الله الأزليَّة، ورحمته بخلقه، وسنته في هذا المكان، وقضاءه النافذ، وقدرته البالغة، فتطمئن بذلك نفسه، وتصفو سريرته؛ لأنه يوقن أن ما أصابه لم يكن لِيُخْطِئهُ، وما أخطأه لم يكن لِيُصِيبهُ، فلا يتسرب إلى قلبه الشك، ولا ينفذ إلى وجدانه القلق، بل يسير في دنياه بخطىً ثابتة موزونة، ويسعى إلى أن يبلغ ما يصبو إليه من نهاية صالحة ومصير كريم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ٢. فالمؤمن إنسان موصول القلب بالله ﵎ تزوِّدُه صلته هذه بطاقة كبرى من اليقين والثقة، والعزيمة والصبر، تأتيه النعم الوفيرة فلا يبطر ولا يستكبر، بل يشكر ربه على آلائه، ويحمده على مزيد نعمائه، وتصيبه المحن، وتحل به الشدائد، فلا يقنط ولا ينهار أو

стр. 367

تمزق قلبه الهموم والحسرات.. بل يعتصم بالصبر، ويرضى بالقدر، ويستمسك بعزائم الأمور. ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١. عن صُهَيبِ بن سنان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن، إِنَّ أمره كٌلَّهُ له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" ٢. ٣- ولقد وصف الله ﵎ هذا الإيمان -وهو مقياس حق وعدل واطمئنان.. بأنه روح يبعث الحياة الخيرة الكريمة في كيان الإنسان، ويخرجه من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية، فإذا هو إنسان سويٌّ كيس فَطِنٌ، يسير في مدارج الكمال، ويؤدي لكل ذي حق حقه، وينفع نفسه والناس، ويحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ينظر إلى الحياة نظرة المتجاوب مع ما فيها من خير وبر ومُثُلِ رفيعة، لا تغره بما تقدم من زخارف، ولا تأسره بما تتيح من متع، بل يمر بها في جوانبها هذه كأنه غريب أو عابر سبيل، ويراها على حقيقتها -دون بهرج أو خداع- متعةً زائلةً، وسحابةً عارضةً، وحطامًا تافهًا لا يتعلق به عاقل، فهي عنده كما قال فيها سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا

стр. 368

حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١. ولكن المؤمن -مع ذلك- لا يهرب من الحياة وينهزم أمامها، ويفرق نفسه في أوهام وأحلام.. أو يرى في اشتغاله بنفسه وتساميه بروحه سبيل الخلاص، بل يجد أنه يحمل أمانة الله، ودعوة الحق ورسالة الهدى، ولا بد له من أن يؤدي الأمانة، ويبلغ الرسالة، ويقيم شرعة الحق بجهاد وصبر كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ ٢. ويدرك أنه بغير هذه الروح الإيجابية لا يعد من الأحياء ولو بلغ من الكبر عتيًا، وعاش في راحة وعافية، ورغد من العيش.. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٣. وفي قوله: ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ تأكيد عظيم على هذه الإيجابية الرائعة التي هي إحدى خصائص المنهج الإيماني.. وقال سبحانه مخاطبًا نبيه ﷺ مخبرًا أن وحيه إليه روح ونور: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ٤.

стр. 369

٤- وقد بين جل شأنه أن الحياة النافعة لا تتم إلا بالاستجابة الكاملة لله والرسول، فَمَنْ أصم أذنيه عن هذه الدعوى الخيرة، فليس مِمَّنْ يستحق أن يوصف بالحياة.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١. قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀: "فمن تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ظاهرًا وباطنًا فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول، فإنَّ كل ما دعا إليه فيه الحياة، فمن فاته جزء منه، فاتهُ جزءٌ من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول ﷺ . إن هذا الإيمان الإيجابي الذي يحيي ويبني، ويحفز إلى الخير ويردع عن الشر، هو ذلك الإيمان الذي يمتزج بروح الإنسان وفكره وضميره. ويملأ عليه وجوده كله، يستمع إلى ندائه إذا دعاه، طاعةً لله، واتباعًا للرسول، وجهادًا وبذلًا، وتبليغًا وثباتًا، ويقينًا بصادق الوعد، وحسن المآب. قال تبارك تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 370

الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. فإذا أصبح هذا الإيمان مقياس الإنسان في الحياة عرف به حقيقة إنسانيته.. وحقيقة الحياة، ومن أدرك الحقيقة صحَّ سيره، واستقام أمره، ومارست إنسانيته -التي صقلها الإيمان، وملأها بقيم الحق والخير والكمال- وظيفتها في تزكية النفس، وإصلاح المجتمع.. في توازن دقيق، وتكامل رائع، فإذا بالمؤمن إنسان نموذجي في وضوح نظرته، واستقامة سيرته، لا تصرفه أشواق روحه إلى التسامي والتطهير عن أدائه حقوق نفسه وبدنه، وأهله وإخوانه، لا يشده إلى التراب متاعُ الجسد، ولا تلصقه بالأرض لذائذ الحس، ولكنه لا يدع البشر في الأرض لفكرٍ منحرف، ومنهجٍ فاسد، ويعيش في حدود ذاته في عزلة تامة مع الأماني والأحلام.. وصدق رسول الله ﷺ الذي قال: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في الصدر وصدَّقه العمل".

стр. 371

الصلة بالله وأثرها في الطاقات الإنسانية ... الصلة بالله وأثره في الطاقات الإنسانية: ١- إن من فضل الله علينا أن أكرمنا بهذا الدين الذي جاء هدىً وموعظة ونورًا يضيء لنا معالم الطريق، ويحفزنا إلى كل خير وبر وفلاح، ويصل ما بيننا وبين المُثُل الرفيعة والقيم العالية بأوثق سبب وأشرف نسب؛ حتى نكون دائمًا على بصيرة واعية في هذه الحياة، لا تصرفنا عن الغاية المُثْلَى وهي تقوى الله واتباع أمره واجتناب نهيه أهواء النفس ﴿إِنَّ النَّفْسَ

стр. 372

لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ١. ونزغات الشيطان ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢. ولا تنأى بنا عن جادة الحق والصواب مطالب الحياة وشواغلها الكثيرة ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٣. ولذلك جاءت هذه العقيدة تضع الإنسان -كما أسفلنا- في موضعه الطبيعي الصحيح مخلوقًا لله، قبضة من تراب الأرض فيه نفخة من روح الله. ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِين﴾ ٤. وقد وفَّرت هذه العقيدة لهذا الإنسان -الذي كرَّمه الله فَنَفَخَ فيه من روحه وحمَّله أعباء الأمانة وجعله خليفة في الأرض- المُنَاخ الملائم لنوازع الخير الأصيلة فيه؛ حيث تنطلق روحه في آفاق السمو والإشراق، وتتحرك إرادته في مجال الخير والإحسان، ويتفاعل فكره مع جوهر عقيدته، وطبيعة وظيفته، وحقائق الوجود من حوله. ولا ريب أن صلة الإنسان الدائمة بربه بقوة الإيمان واستقامة العمل دِعَامَة ذلك كله، فإذا كانت هذه الصلة صحيحة سليمة قوية دائمة تحرك فكر الإنسان وضميره في رحاب الحق والخير والعدل، فلا انحراف عن الهدى، ولا انزلاق في الشرور، ولا ضياع في الغفلة والأهواء. ويكون

стр. 373

الإنسان بذلك نموذجًا طيبًا فاضلًا في صحة مقاييسه، وطهارة نفسه، وصفاء روحه، وصلاح عمله ونبل أخلاقه، ويستحق -بفضلٍٍ من الله- أن يكون ممن ينال الدرجات العالية والثواب العميم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ١. عن أبي عمرو -وقيل أبي عَمْرَة- سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: "قُلْ لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك". قال: "قل: آمنت بالله ثم استقم" ٢. إن هذه الصلة بالله تغمر بالاستقامة والخير كيان الإنسان كله، فهي تنبثق كالنبع المتفجر من فطرته الطيبة التي فطره الله عليها، شأنها في ذلك شأن العين الجارية التي تفيض بالماء على الأرض، فتشيع الحياة في جنباتها، فتنبت وتزهر وتثمر، وينتفع منها الإنسان والحيوان والطير. قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ

стр. 374

الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرض الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ٢. ٢- وميزة هذه الصلة بالله أنها شاملة تعم جميع طاقات الإنسان وقواه، وتملأ بالخير والبر ووضوح الرؤية وصحة العلم ونبل الغاية كل جانب من جوانب هذه القوى والطاقات، بل إنها لا تَفصِل جانبًا عن جانب؛ لأن في هذا الفصل تمزيقًا خطيرًا للإنسان الذي خلقه الله كيانًا متصلًا مترابطًا في جسمه وروحه وعقله في أصل الفطرة الإنسانية. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣. فهذه الصلة بالله من شأنها أن تمتّن أواصر العلاقة بين هذه الطاقات نفسها، وبينها وبين عقيدة الإنسان ووظيفته في الحياة؛ بحيث تكون كلها متحركة فعّالة -في تعاون وتآزر وإيجابية ووحدة غاية- لا تعمل واحدة وتتعطل أخرى، أو تنطلق إحداها في اتجاه مخالف لاتجاه سواها، فإذا الإنسان مجموعة من الطاقات المتدابرة المختلفة المتصارعة، كما هو حاله اليوم في قبضة النظم المنحرفة التي زورت طبيعة الإنسان وشوَّهت

стр. 375

فطرته، وصرفته عن الصلة بالله التي يجد فيها وحدها حقيقة إنسانيته، ووحدة كيانه، ومصدر أمنه وطمأنينته. ٣- ثم إن هذه الصلة بالله ﵎ لا تفصل بين الإنسان ومطالب دنياه والعمل لآخرته، بل تخرج -في وحدة وتناسق رائعين- بين سعي الإنسان لدنياه وعمله لآخرته، وتصل بين السعي في الأرض والإقبال على الله، في فكر المسلم وضميره، وسلوكه وعمله؛ بحيث يكون الإنسان إذا خلصت نيته وحسن مقصده، وتجرد من الأهواء، وتحرر من نزغات الشيطان في عبادة دائمة لله، وإقبال مستمر عليه، ورضا لا ينقطع له.. وبذلك يحقق الغاية التي خلق من أجلها وهي العبودية الكاملة لله، وهذا هو معنى التوحيد الخالص في الاتجاه التام لله، ونفي العبودية لأحد غيره، فهو وحده ينبغي أن تعنو له الجباه، وتتجه إليه القلوب ويفرد بالامتثال والخضوع. قال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٢. ٤- وليست هذه الصلة الكريمة بالله ﵎ إشراقة الروح في أوقات

стр. 376

العبادة المفروضة فحسب، بل هي في كل عمل يتجه به الإنسان إلى خالقه منيبًا إليه مخلصًا له، بحيث تتحول طاقات جسمه وفكره وروحه وضميره وشتى ألوان نشاطه الفطري السليم إلى ضرب من العبادة إذا التزم فيها حدود ما شرع الله، وكان على ذكر دائم من هذه الحقيقة الإسلامية الأصلية وهي: أن هذه الطاقات التي أنعم الله عليه، ينبغي أن يؤدي لواهبها حقه من الشكر، وذلك بأن يضعها فيما خُلِقَتْ له، ويجعل منها سبيل صلته الدائمة بربه. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرض إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لَيَرْضَى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها" ٢ وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضعٌ وسبعون شعبةً فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٣.

стр. 377

إنسان العقيدة: ١- لا بد لأي دعوة حتى تمتد وتبلغ أهدافها وتحقق ما ترمي إليه؛ من أن

стр. 378

تتوافر لها عناصر أساسية، تبث فيها روح الحياة، وتجعلها دانية الثمرات وافية الخِصْبِ والإنتاج، ولعل في مقدمة هذه العناصر وأكثرها فعالية في سير الدعوات ونجاحها، وتقدُّمِها الطاقة البشرية؛ لأن الإنسان -بما حباه الله من مواهب وملكات- يستطيع أن يمنح الفكرة التي يؤمن بها قوة تنقلها من حيِّز التجريد إلى ساحة الحركة، فتكتسب الفكرة بذلك مضمونًا حيًا واقعيًا، يتفاعل مع السلوك، ويحدث تأثيرًا كبيرًا في حياة الفرد والمجتمع، ويمتد ذلك التأثير إلى جوانب الحياة الإنسانية امتدادًا يتناسب اتساعًا وعمقًا مع ما يبذله الأفراد من جهد، ويقدمونه من عمل، فإذا كانت الفكرة صحيحة سليمة طيبة الوسيلة نبيلة الغاية؛ وأضيف إليها صدق الدعوى لها وإخلاص العمل على نشرها، كانت الغرسةَ التي أصابت أرضًا خِصْبَةً ووافاها الماء الغزير والجو المواتي فنمت وأينعت وأنبتت من كل زوج بهيج. ٢- من أجل هذا عني الإسلام عناية كبيرة بتربية الإنسان تربية متكاملة، تحرر عقله، وتهذب نفسه، وتطهر وجدانه، وتوازن بين ضرورات جسمه وأشواق روحه، وتزوده بحوافز الخير وتنمي فيه بواعث الإيمان؛ لتحوله بعد ذلك إلى إنسان تملأ عليه عقيدته جوانب حياته، فيضع لنشرها وبث تعاليمها وإعلاء شأنها كل قواه وملكاته، لا يبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا ولايرمي إلى عرض من أعراض الحياة الدنيا، فَحَسْبُهُ أن يؤدي حق الله عليه بصدق وتجردٍٍٍٍ وإخلاص، ويكون في مرتبة من أثنى الله ﵎ عليهم بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١. إن إنسان العقيدة الذي يعيش لها وبها، يهب وجوده كله لإعلاء

стр. 379

شأنها، ولا يعرف معنى السعادة إلا بالعطاء الدائم الذي يدينه من رضى ربه، ولو كان هذا العطاء بذلًا سخيًا للمال والروح؛ إنه إنسان فَذٌّ أوتي حظًا عظيمًا من وضوح الرؤية وقوة الإدراك ونفاذ البصيرة، فأعطى الحياة قيمتها الحقيقية، ووعى وظيفته فيها فأداها حق أدائها. ولا بد لدعوة الحق من هذه النماذج الرفيعة التي تتحرر من أغلال الأهواء، وتسمو عن نوازع النفس وتعلو فوق قيود التراب؛ لتنطلق بعزم وإخلاص في آفاق رحبةٍ وضيئةٍ، تزرع في جنباتها غرس الإيمان الخالص الذي سرعان ما يخرج نباته بإذن ربه طيبًا داني القطوف. ومن الطبيعي أن المحن والشدائد وعنف المجابهة وحدة الصراع؛ هو المُنَاخ الصالح لإعداد هذه النماذج الفريدة وتربيتها وتكوينها، وجعلها القاعدة الصلبة الثابتة التي يُعَوَّلُ ويُسْتَنَدُ إليها في المعارك والأزمات؛ لأنها الصفوة الخالصة التي لا يزيدها لهب المعارك ووهج الصراع إلا ألقًا وصفاء ... وقد أتيح لدعوة الإسلام في فجر الرسالة إعدادُ فئةٍ من هؤلاء الأفذاذ الذين ضَرَبُوا أروع الأمثلة في البطولة والفداء، وفيهم يقول الله ﵎: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ١. ٣- نجد في سيرة السلف الصالح من صحابة رسول الله ﷺ وفي تاريخ أبطال الإسلام في مختلف العصور الصورة الحية الرائعة لإنسان العقيدة في إيمانه وبسالته، وإخلاصه وبذله، وصدقه وصبره، ونشعر ونحن نعيش في ظلال هذا الإيمان الدافق المكافح أن هؤلاء الأبرار الذين نهلوا من معين النبوة؛ إنما كانوا الترجمة الحية المتحركة للمبادئ المثلى التي جاءت

стр. 380

بها عقيدة الإسلام؛ لأنهم آمنوا بها وفهموا ووَعُوا أبعادها الكبرى في الحياة، فلم يقفوا عند حدود معرفتها والتعمق في معناها، بل خَطَوْا بها أشواطًا بعيدة في مضمار التبليغ والتطبيق والتنفيذ، فكانوا مشاعل الهداية التي أضاءت للبشر سبل الرشاد؛ حيث حملوها عبر الصحاري والقفار، وتجاوزوا بها المغاور والجبال، وعبروا بها السهول والبحار، ونشروا رايتها في كل أرض وطئتها أقدامهم، ودخل الناس -بفضل من الله ثم بجهادهم وصدق دعوتهم- في دين الله أفواجًا، وليس هذا الرصيد العلمي والفكري والحضاري الضخم الذي وعاه التاريخ وسطره بمداد المجد والفخار إلا أثرًا بسيطًا من آثار فتح العقيدة النيّر في تلك الأمم والشعوب، ولقد لفتت هذه الظاهرة العظيمة نظر كثير من الباحثين ومؤرخي الحضارة وراصدي نتائجها، وذكر كثير من المنصفين منهم: أن عقيدة الإسلام ومبادئه وثقافته، هي الباعث الأساسي لهذه النهضة الكبيرة التي أفادت الإنسانية منها، وجنت من ثمارها، وكانت من بَعْدُ العامل الأول لتَقَدُّم أوروبا وخروجها من ظلام القرون الوسطى. ٤- إن هذه الآثار الجليلة التي تركها أولئك الأبرار الصادقون، وهذا الرصيد الضخم الكبير الذي خلفوه لمن بعدهم ميراثًا حيًّا لا يبلى على مر الزمان، إن هذا كله يُلْقِي على أبناء دعوة الإسلام مسئولية جسيمة لا يقوى على النهوض بأعبائها إلا إنسان العقيدة الذي يستمد من إيمانه قوة الصمود إزاء الأحداث والفتن والأهواء، فلا تهزه أعاصيرها العاتية، ولا تنال منه منحها القاسية، ولا يصرفه شيء مما في هذه من رغبة مغرية أو رهبة مؤذية عن هدفه الكبير في الوفاء لعقيدته والانتصار لها والثبات عليها والعمل على نشرها والجهاد لإعلاء قدرها..

стр. 381

ثم إذا كانت الأزمة تَلِدُ الهمة، والمعارك تصنع الأبطال، فما أجدرَ أزمة المسلمين اليوم -وقد استشرى العداء- أن تلد هممًا عالية لا تأبه بالمصاعب ولا ترضى بضيم، وحري بهم أن تصهر المعارك نفوسهم وتصقل أرواحهم؛ ليكون كل منهم إنسان العقيدة الصادق الذي توجِّهُهُ نحو الحق والخير هادية الله، ولا ينطلق إلا ابتغاء مثوبته ورضاه.

стр. 382

خَصَائِصُ العقيدة العقيدة قوة هدم وبناء: ١- إن الإيمان بالله ﵎ هو الغذاء الوافي لقوى النفس في الإنسان، وهو المداد الخالد لحيويتها وتفتحها وإشراقها، وليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوته، أو تدانيه في ضمان استقامة الفرد ويقظة ضميره ومتانة خلقه، ثم تماسك المجتمع وتضامن أبنائه وتعاونهم على الخير والبر. وسر ذلك أن الإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره، وليست أنظمة الأمم والجماعات -مهما بلغت من الدقة والإحكام، ولا سلطان الحكومات والهيئات، مهما بالغت في المراقبة والتنظيم- بكافيتين وحدهما بمعزل عن العقيدة؛ لإقامة حياة فاضلة كريمة تحترم فيها الحقوق وتُؤَدِّي الواجبات على وجه مرضيٍّ مقبول، فإن الذي يقوم بواجبه رهبةً من السوط أو خشية من العقاب؛ لا يلبث أن يسيطر عليه الإهمال متى اطمأن إلى أنه سينجو من العقاب، ويفلت من قبضة القانون. من أجل هذا كان لا بد من العقيدة في الحياة؛ لتملأها بالخير والحق والصدق والاستقامة، بل إن الحياة بغير عقيدة ضياع وعبث، وفراغ نفسي، وخواء روحي، وقلق دائم، واضطراب مستمر، وغرق في لجج

стр. 383

المتاعب والأزمات، ودخول في المعركة بلا سلاح. ثم نهاية بائسة، ومصير مرير، قال تعالى في بيان شأن العقيدة في الحياة، وأثرها في مهمة الإنسان منذ خلقه لعمارة الأرض: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ١. ٢- ليست العقيدة -كما قررها الإسلام- موجة عاطفة تهز القلوب وتثير المشاعر فحسب، بل هي قوة عقلية ووجدانية معًا، تهدم وتبني، تهوي على جذوع الخرافة والوهم والشك بالحجة والعلم والمنطق، فتهدم آفة التقليد الأعمى الذي يغل الفكر، ويخنق الحرية، ويشوه معالم الشخصية المتطلعة نحو المثل العليا. وفي المنهج القرآني آيات كثيرة تحض على التأمل والتدبر والتفكير، وتسوق أمام العقل المدرك والبصيرة الواعية دلائل كثيرة على قدرة الله، ومشاهد متعددة من بديع صنعه، فإذا نظر فيها الإنسان بإمعان، وفكَّر فيها بعمق، واستعمل ما آتاه الله من وسائل الحواس، وما هداه إليه من أجهزة العلم الاستعمال الصحيح، فإنه يزاداد إيمانًا بالله ويقينًا بقدرته وسجودًا لعظمته.. وفي ذلك يقول سبحانه:

стр. 384

﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١. ويقول : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٢. ولقد أثنى الله ﵎ على الذين يستعملون عقولهم فيما خلقت له فيبحثون ويفكرون ويمحِّصُون الأمور ويزنونها بميزان الفكر السليم، ويخلصون للحقائق، ويستجيبون للحق، ويستمعون أحسن القول.. وفي ذلك يقول : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٣. وفي مقابل الثناء على أولي الألباب الذين يفكرون فيحملهم التفكير على الإيمان وصدق الاستجابة وحسن الاتباع، يجيء التنديد -في كتاب الله- بالذين يَجْمُدُون على ميراث الباطل الذي تلقوه عن ضلال الآباء والأجداد، أولئك الذين لم يستعملوا عقولهم فيما خلقت له، فتركوا النظر في دلائل الحق وآيات الهدى، وجمدوا على ما ألِفُوُه في جاهليتهم، وما وجدوا عليه آباءهم مما لا يصح في عقل، ولايستقيم في منطق. وفي ذلك يقول : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا

стр. 385

أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ١. ١- إن العقيدة حين تهدم كل زيف في فكر الإنسان وضميره وروحه؛ تبني صروح المُثُل الرفيعة الطيبة، التي تجعل من المؤمن إنسانًا سويَّ التفكير، طاهر الضمير، طيب السريرة، يقظ البصيرة، يستعمل طاقته الفكرية في وظيفتها الصحيحة المجدية؛ فينظر ويتأمل في هذا الكون ليتعرف على مظاهر عظمة الله، وجليل حكمته، ونفوذ قدرته، وشمول علمه، وتفرده بالخلق والإبداع. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ٢. وقال : ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة﴾ ٣. فإذا انطلق الإنسان من قاعدة الإيمان الراسخ والعمل الطيب والسلوك القويم؛ كان داعية خير وصانع حضارة ورمز سلام، يكافح في الحياة لا من أجل الخبز وزيادة الإنتاج وفتح الأسواق، ومناطق النفوذ، والتسلط على الناس، واستعمار الشعوب، واستثمار الخيرات، وسيادة طبقة على طبقة، وتَحَكُّمِ فئة في رقاب فئة، كما هو حال من استعبدتهم

стр. 386

المادة، فانحرفوا عن سبيل الإيمان، وضلوا سواء السبيل، وظلموا أنفسهم، وكانوا عناصر شر وتخريب، وفساد مدمرٍ رهيب. ١- إن كفاح الإنسان الذي بَنَتْهُ العقيدة الحقة على ركائز الإيمان والاستقامة وصدق العزيمة، وصفاء النفس، وصحة الاتجاه؛ لا يمكن أن تشغله سفاسف الأمور عن معاليها، فهو يكافح حتى يقيم على هذه الأرض المنهج الإلهي القويم، الذي تسود به وحده شرعة الحق، ومُثُل العدالة والحرية والمساواة.. في إنسانية نموذجية رائدة، لا تعرف الحقد والشر، ولا تضمر لبني البشر -إذا لم يعيقوا سير دعوته، ويقفوا في طريقها، ويبدؤُوها بالعدوان- إلا كل حب ورعاية، وعدل وتسامح، وكرامة وإحسان. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ١. وقال : ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ

стр. 387

هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١. وقال جل شأنه: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢. لم يكن يحفز المجاهدين الأولين إلى الجهاد طمع في خفض من العيش ورخائه على حساب الآخرين، ولم يقصد منه إلا بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي، كما أن العلم بالفضيلة حسب تعاليم الإسلام يفرض على الإنسان تبعة العمل بالفضائل، فالإسلام لا يوافق أبدًا على الفصل الأفلاطوني والتفريق النظري البحت بين الفضيلة والرذيلة، بل يرى أنه من الوقاحة والرذيلة أن يميز الإنسان نظريًّا بين الحق والباطل، ولا يجاهد لارتقاء الحق وإزاحة الباطل، فإن الفضيلة -تحيا إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض، وتموت إذا خذلها وتقاعد عن نصرتها"٣.

стр. 388

العقيدة منهج القصد والاعتدال: ١- إن الإيمان حين يهدم في وجدان الإنسان اعتبار القيم المادية والخضوع لها -على نحو ما ذُكِرَ في قصة قارون- يهدم مع ذلك نزعة السلبية في الحياة، ويعتبر ذلك رهبانية لا تتلاءم مع فطرة الإنسان، وهروبًا من الحياة إلى أوهام وانحرافات، وتعذيب للجسد وإرهاق للنفس. كما

стр. 389

يعتبر مثل هذا السلوك تنطعًا وظلمًا، فهجر الطيبات والغلو في العبادات مخالفة لمنهج الإسلام المعتدل الذي لا يكلف النفس الإنسانية فوق طاقاتها، ولا يحرمها ما هي بحاجة إليه، ولا غنى لها عنه من منافع وطيبات، ما دام ذلك في حدود ما شرع الله وأَحَلَّ لعباده، فلا حرج في هذا المنهج ولا عسر ولا إرهاق ولا إعنات. وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ١. ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢. ويقول سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٣. ٢- لقد سيطرت فكرة الانفصام بين الروح والجسد سيطرة كبيرة على كثير من الفلسفات، وانبعثت من هذه الفكرة طائفة غريبة من التصورات المتناقضة، فاتخذت المادية سبل الإغراق الحسي طريقًا للرقي الإنساني، وأصبحت القيم المادية لديها محور الحياة، وتحول الإنسان في نظرها إلى آلة تتحرك وَمَعِدَةٍ تهضم وكائنٍ يلهو ويستمتع.. وانغمس في عبودية المادة أقبح انغماس.

стр. 390

أما الذين آثروا الروحانية المغرقة؛ فقد رأوا في الجسد سجنًا للروح يحول بينها وبين أشواقها العالية، وسموها الكبير، فتنكبوا سبيل الفطرة بما اخترعوا من ضروب الرياضات الروحية الشاقة التي تقوم على تعذيب الجسد وإرهاقه، وتحول الإنسان بنزعتهم هذه إلى شبح معروق هزيل مقطوع الصلة بالحياة.. يسكن المغاور والكهوف ويلوذ بالزوايا المعتمة، وينفر من حركة العمران البشري، ويقطع صلته بإخوانه من بني الإنسان. ١- أما موقف الإسلام من هذا فهو مختلف عما تراه النظم الدينية والفلسفية الأخرى في العالم، فهو يقول: "إن الروح البشرية قد جعلها الله خليفة في الأرض، وفَوَّضَ إليها جملة صالحة من حقوق التصرف والواجبات والتبعات، وأنعم عليها الأداء -كل ذلك- بجسد من أحسن الأجساد هيئة وتقويمًا، فالحق أن الروح لم تُؤْتَ هذا الجسد إلا لتستخدمه فيما وهب لها الله من التصرف، ولتؤدي بها ما عليها من الواجبات، فالجسد ليس بسجن للروح، بل هو معمل لها، فإن كانت هذه الرُّوح قُدِّرَ لها شيء من النمو والرقي؛ فإنما يمكن تحققه بإظهار مواهبها واستعدادها الفطري باستخدام آلات هذا المعمل وقواه"١. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدين أحد إلا غَلَبَهُ، فسدِّدُوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة" ٢. فمنهج الإيمان -وفق ما رسمته شريعة الإسلام- هو منهج القصد والاعتدال الذي تستقيم به الحياة، ويصلح أمر الإنسان، وبهذا المنهج
следующие страницы →