والزبير: هو ابن العوام من بني قُصَي بن كلاب ابن عمة رسول الله ﷺ انصرف يوم الجمل عن قتال علي فلقيه ابن جرموز فقتله في جمادي الأولى سنة ٣٦ عن ٦٧ سنة.
وعبد الرحمن بن عوف: من بني زهرة بن كلاب توفي سنة ٣٢هـ عن ٧٢ سنة ودفن بالبقيع.
وسعد بن أبي وقاص: هو ابن مالك من بني عبد مناف ابن زهرة، أول من رَمَى بسهم في سبيل الله، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ودفن بالبقيع سنة ٥٥هـ عن ٨٢ سنة.
وسعيد بن زيد: هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، كان من السابقين إلى الإسلام، توفي بالعقيق ودفن بالمدينة سنة ٥١هـ عن بضع وسبعين سنة.
أبو عبيدة: هو عامر بن عبد الله بن الجراح من بني فهر من السابقين إلى الإسلام، توفي في الأردن في طاعون عَمْواس سنة ١٨هـ عن ٥٨ سنة.
وممن شهد له النبي ﷺ بالجنة، الحسن والحسين وثابت بن قيس.
قال النبي ﷺ : "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح١٣٦.
стр. 142
وقال ﷺ في ثابت بن قيس: "إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة" رواه البخاري١٣٧.
المُعيَّنون من أهل النار في الكتاب والسنة
من المعينين بالقرآن أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وامرأته أم جميل أَرْوى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان لقوله تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] إلى آخر السورة.
ومن المعينين بالسنَّة أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب لقول النبي ﷺ : "أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه" رواه البخاري١٣٨.
стр. 143
ومنهم عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي قال النبي ﷺ : "رأيته يجر أمعاءه في النار" رواه البخاري وغيره ١٣٩.
[٨٣] ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعملٍ.
[٨٤] ونرى الحج والجهاد ماضيًا مع طاعة كل إمام، بَرًّا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة.
[٨٥] قال أنس: قال النبي ﷺ : "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار". رواه أبو داود١٤٠.
стр. 144
... الشرح....
تكفير أهل القبلة بالمعاصي
أهل القبلة هم المسلمون المصلون إليها لا يكفرون بفعل الكبائر ولا يخرجون من الإسلام بذلك ولا يخلدون في النار؛ لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] .
إلى قوله:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] .
فأثبت الإخوة الإيمانية مع القتال وهو من الكبائر، ولو كان كفرًا لانتفت الإخوة الإيمانية.
وقال النبي ﷺ يقول الله تعالى: "من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه" يعني من النار، متفق عليه١٤١.
وخالف في هذا طائفتان:
الأولى: الخوارج قالوا: فاعل الكبيرة كافر خالد في النار.
الثانية: المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان ليس بمؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين وهو خالد في النار، ونرد على الطائفتين بما يأتي:
١- مخالفتهم لنصوص الكتاب والسنة.
٢- مخالفتهم لإجماع السلف.
стр. 145
[٨٦] ومن السنة تَوَلي أصحاب رسول الله ﷺ ومحبتهم وذكر محاسنهم والتَّرحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] .
وقال تعالى:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
.... الشرح....
حقوق الصحابة ﵃
للصحابة ﵃ فضل عظيم على هذه الأمة حيث قاموا بنصرة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وحفظ دين الله بحفظ كتابه وسنة رسوله ﷺ علما وعملا وتعليما حتى بَلَّغُوه الأمة نقيا طريا.
وقد أثنى الله عليهم في كتابه أعظم ثناء حيث يقول في سورة الفتح:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة.
стр. 146
وحمى رسول الله ﷺ حمى كرامتهم حيث يقول ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" متفق عليه١٤٢. فحقوقهم على الأمة من أعظم الحُقُوق فلهم على الأمة:
١- محبتهم بالقلب والثناء عليهم باللسان بما أسدوه من المعروف والإحسان.
٢- الترحم عليهم والاستغفار لهم تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] .
٣- الكف عن مساوئهم التي إن صدرت عن أحد منهم فهي قليلة بالنسبة لما لهم من المحاسن والفضائل وربما تكون صادرة عن اجتهاد مغفور وعمل معذور لقوله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي" الحديث.
[٨٧] وقال النبي ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ١٤٣.
стр. 147
... الشرح....
حكم سب الصحابة
سب الصحابة على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفر أكثرهم أو أن عامتهم فسقوا فهذا كفر؛ لأنه تكذيب لله ورسوله بالثناء عليهم والترضي عنهم، بل من شك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين؛ لأن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب أو السنة كفار أو فساق.
الثاني: أن يسبهم باللعن والتقبيح ففي كفره قولان لأهل العلم، وعلى القول بأنه لا يكفر يجب أن يجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عما قال.
الثالث: أن يسبهم بما لا يقدح في دينهم، كالجبن والبخل فلا يكفر ولكن يُعَزَّر بما يردعه عن ذلك، ذكر معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الصارم المسلول ونقل عن أحمد في ص: ٥٧٣، قوله: لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص فَمَنْ فعل ذلك أُدِّبَ فإن تاب وإلا جلد في الحبس حتى يموت أو يرجع.
[٨٨] ومن السنة: التَّرضى عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهم خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي ﷺ في الدُّنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.
.... الشرح....
حقوق زوجات النبي ﷺ
زوجات النبي ﷺ زوجاته في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين ولهن من الحرمة والتعظيم ما يليق بهن كزوجات لخاتم النبيين فهن من آل بيته طاهرات
стр. 148
مطهرات طيبات مطيبات بريئات مبرآت من كل سوء يقدح في أعراضهن وفرشهن، فالطيبات للطيبيين والطيبون للطيبات فرضي الله عنهن وأرضاهن أجمعين وصلى الله وسلم على نبيه الصادق الأمين.
زوجاته ﷺ اللاتي كان فراقهن بالوفاة وهن:
١- خديجة بنت خويلد أم أولاده ما عدا إبراهيم، تزوجها رسول الله ﷺ بعد زوجين الأول عتيق بن عابد والثاني أبو هالة التميمي، ولم يتزوج ﷺ عليها حتى ماتت سنة ١٠هـ من البعثة قبل المعراج.
٢- عائشة بنت أبي بكر الصديق أريها ﷺ في المنام١٤٤ مرتين أو ثلاثة، وقيل: هذه امرأتك، فعقد عليها وله ست سنين بمكة ودخل عليها في المدينة ولها تسع سنين، توفيت سنة ٥٨هـ.
٣- سودة بنت زمعة العامرية، تزوجها بعد زوج مسلم هو السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، توفيت آخر خلافة عمر وقيل: سنة ٥٤هـ.
٤- حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها ﷺ بعد زوج مسلم هو خنيس بن حذافة الذي قتل في أحد وماتت سنة ٤١هـ.
٥- زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، تزوجها بعد استشهاد زوجها عبد الله بن جحش في أُحد وماتت سنة ٤هـ بعد زواجها بيسير.
٦- أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، تزوجها بعد موت زوجها أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد من جراحة أصابته في أُحد وماتت سنة ٦١هـ.
٧- زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته ﷺ تزوجها بعد مولاه زيد بن حارثة سنة ٥هـ، وماتت سنة ٢٠هـ.
стр. 149
٨- جويرية بنت الحارث الخزاعية تزوجها بعد زوجها مسافع بن صفوان، وقيل: مالك بن صفوان سنة ٦هـ، وماتت سنة ٥٦هـ.
٩- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، تزوجها بعد زوج أسلم ثم تنصر هو عبيد الله بن جحش، وماتت في المدينة في خلافة أخيها سنة ٤٤هـ.
١٠- صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من ذرية هارون بن عمران ﷺ أعتقها وجعل عتقها صداقها بعد زوجين أولهما سلام بن مشكم، والثاني: كنانة بن أبي الحقيق بعد فتح خيبر سنة ٦هـ، وماتت سنة ٥٠هـ.
١١- ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها سنة ٧هـ في عمرة القضاء بعد زوجين، الأول ابن عبد ياليل، والثاني أبو رهم بن عبد العزى، بنى بها في سرف، وماتت فيه سنة ٥١هـ.
فهذه زوجات النبي ﷺ اللاتي كان فراقهن بالوفاة اثنتان توفيتا قبله وهما: خديجة وزينب بن خزيمة، وتسع توفي عنهن وهن البواقي.
وبقى اثنتان لم يدخل بهما ولا يثبت لهما من الأحكام والفضيلة ما يثبت للسابقات وهما:
١- أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها النبي ﷺ ثم فارقها، واختلف في سبب الفراق، فقال ابن اسحق: إنه وجد في كشحها بياضًا ففارقها فتزوجها بعده المهاجر بن أبي أمية.
٢- أميمة بنت النعمان بن شراحيل الجونية، وهي التي قالت: أعوذ بالله منك١٤٥ ففارقها والله أعلم.
стр. 150
وأفضل زوجات النبي ﷺ خديجة وعائشة ﵄، ولكل منهما مزية على الأخرى١٤٦، فلخديجة في أول الإسلام ما ليس لعائشة من السبق والمؤازرة والنصرة، ولعائشة في آخر الأمر ما ليس لخديجة من نشر العلم ونفع الأمة، وقد برأها الله مما رماها به أهل النفاق من الإفك في سورة النور.
قذف أمهات المؤمنين
قذف عائشة بما برأها الله منه كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم أصحهما أنه كفر؛ لأنه قدح في النبي ﷺ فإن الخبيثات للخبيثين.
[٨٩] ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وَحْي الله، أحد خلفاء المسلمين ﵃.
.... الشرح....
معاوية بن أبي سفيان
هو أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب، ولد قبل البعثة بخمس سنين، وأسلم عام الفتح، وقيل: أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه وَلَّاه عمر الشام
стр. 151
واستمر عليه وتسمى بالخلافة بعد الحكمين عام ٣٧هـ، واجتمع الناس عليه بعد تنازل الحسن بن علي سنة ٤١هـ، كان يكتب للنبي ﷺ ومن جُمْلة كُتَّاب الوحي، توفي في رجب سنة ٦٠هـ عن ٧٨ سنة، وإنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه، وسماه خال المؤمنين؛ لأنه أخو أم حبيبة إحدى أمهات المؤمنين، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ص: ١٩٩، ج: ٢ نزاعًا بين العلماء، هل يُقَال لإخوة أمهات المؤمنين أخوال المؤمنين أم لا؟
[٩٠] ومن السنة: السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، مالم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.
[٩١] ومن وَلِىَ الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وَسُمَّى أمير المؤمنين، وجبت طاعته وحرمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين.
.... الشرح....
الخلافة
الخلافة منصب كبير ومسئولية عظيمة وهي تَوَلّى تدبير أمور المسلمين بحيث يكون هو المسئول الأول في ذلك، وهي فرض كفاية؛ لأن أمور الناس لا تقوم إلا بها، وتحصل الخلافة بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: النص عليه من الخليفة السابق كما في خلافة عمر بن الخطاب فإنها بنص من أبي بكر ﵁.
الثاني: اجتماع أهل الحل والعقد سواء كانوا معينين من الخليفة السابق كما في خلافة عثمان ﵁ فإنها باجتماع من أهل الحل والعقد المعينين من قبل عمر بن
стр. 152
الخطاب ﵁ أم غير معينين كما في خلافة أبي بكر ﵁ على أحد الأقوال، وكما في خلافة علي ﵁.
الثالث: القهر والغلبة كما في خلافة عبد الملك بن مروان حين قتل ابن الزبير وتمت الخلافة له.
حكم طاعة الخليفة
طاعة الخليفة وغيره من ولاة الأمور واجبة في غير معصية الله لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
ولقوله ﷺ : "السمع والطاعة على المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" متفق عليه١٤٧.
وسواء كان الإمام بَرًّا: وهو القائم بأمر الله فعلا وتركًا، أو فاجرًا: وهو الفاسق؛ لقوله ﷺ : "إلا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة". رواه مسلم١٤٨.
والحج والجهاد مع الأئمة ماضيان نافدان وصلاة الجمعة خلفهم جائزة سواء كانوا أبرارًا أو فجارًا؛ لأن مخالفتهم في ذلك توجب شق عصا المسلمين والتمرد عليهم.
стр. 153
والحديث الذي ذكره المؤلف: "ثلاث من أصل الإيمان ... إلخ" ضعيف، كما رمز له السيوطي في الجامع الصغير وفيه راوٍ، قال المزي: إنه مجهول، وقال المنذري في مختصر أبي داود: شبه مجهول١٤٩.
والثلاث خصال المذكورة فيه هي: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، والثانية: الجهاد ماضٍ ... إلخ، والثالثة: الإيمان بالأقدار.
والخروج على الإمام محرم، لقول عبادة بن الصامت ﵁: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان. متفق عليه١٥٠.
وقال ﷺ : "يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ماصلوا لا ماصلوا".
أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه. رواه مسلم١٥١.
ومن فوائد الحديثين أن ترك الصلاة كفر بواح؛ لأن النبي ﷺ لم يجز الخروج على الأئمة إلا بكفر بواح، وجعل المانع من قتالهم فعل الصلاة، فدل على أن تركها مبيح لقتالهم، وقتالهم لا يباح إلا بكفر بواحٍ كما في حديث عبادة.
стр. 154
[٩٢] ومن السُّنة: هجران أهل البدع، ومُبَاينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدِّين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثةٍ في الدِّين بدعة.
.... الشرح....
هجران أهل البدع
الهجران مصدر هَجَرَ وهو لغة: الترك والمراد بهجران أهل البدع الابتعاد عنهم، وترك محبتهم وموالاتهم والسلام عليهم وزيارتهم وعيادتهم ونحو ذلك.
وهجران أهل البدع واجب لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
ولأن النبي ﷺ هجر كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلَّفوا عن غزوة تبوك١٥٢.
لكن إن كان في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك، وربما يكون ذلك مطلوبًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
وهذا قد يكون بالمجالسة والمشافهة وقد يكون بالمراسلة والمكاتبة، ومن هجر أهل البدع ترك النَّظر في كتبهم خوفًا من الفتنة بها أو ترويجها بين الناس فالابتعاد
стр. 155
عن مواطن الضلال واجب لقوله ﷺ في الدجال: "من سمع به فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات". رواه أبو داود، قال الألباني: وإسناده صحيح١٥٣.
لكن إن كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها فلا بأس بذلك لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به، وكان قادرًا على الرد عليهم بل ربما واجبًا؛ لأن رد البدعة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الجدال والخصام في الدين
الجدال: مصدر جادل، والجدل منازعة الخصم للتغلب عليه، وفي القاموس الجدل: اللدد في الخصومة، والخصام المجادلة فَهُمَا بمعنى واحد.
وينقسم الخصام والجدال في الدين إلى قسمين:
الأول: أن يكون الغرض من ذلك إثبات الحق وإبطال الباطل وهذا مأمور به إما وجوبًا أو استحبابًا بحسب الحال لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .
الثاني: أن يكون الغرض منه التعنيت أو الانتصار للنفس أو للباطل فهذا قبيح منهي عنه لقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] .
стр. 156
وقوله: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] .
[٩٣] وكل مُتَّسمٍ بغير الإسلام والسُّنة مبتدع، كالرافضة، والجهمية والخوارج والقدرية والمرجئة والمعتزلة والكرامية والكلابية ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها.
.... الشرح....
علامة أهل البدع وذكر بعض طوائفهم:
لأهل البدع علامات منها:
١- أنهم يتصفون بغير الإسلام والسنة بما يحدثونه من البدع القولية والفعلية والعقائدية.
٢- أنهم يتعصبون لآرائهم فلا يرجعون إلى الحق وإن تبين لهم.
٣- أنهم يكرهون أئمة الإسلام والدين.
ومن طوائفهم:
١- الرافضية: وهم الذين يغلون في آل البيت ويُكَفَّرون من عداهم من الصحابة أو يفسقونهم، وهم فرق شتى فمنهم الغلاة الذين ادعوا أن عليًا إله ومنهم دون ذلك.
وأول ما ظهرت بدعتهم في خلافة علي بن أبي طالب حين قال له عبد الله بن سبأ: أنت الإله، فأمر علي ﵁ بإحراقهم وهرب زعيمهم عبد الله بن سبأ إلى المدائن.
стр. 157
ومذهبهم في الصفات مختلف، فمنهم المشبه ومنهم المعطل ومنهم المعتدل، وسموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه عن أبي بكر وعمر ﵄ فترحم عليهما فرفضوه وأبعدوا عنه. وسموا أنفسهم شيعة؛ لأنهم يزعمون أنهم يتشيعون لآل البيت وينتصرون لهم ويطالبون بحقهم في الإمامة.
٢- الجهمية: نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي قتله سالم أو سلم بن أحوز سنة ١٢١هـ، مذهبهم في الصفات التعطيل والنفي، وفي القدر القول بالجبر، وفي الإيمان القول بالإرجاء، وهو أن الإيمان مجرد الإقرار بالقلب وليس القول والعمل من الإيمان، ففاعل الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، فهم معطلة جبرية مرجئة وهم فرق كثيرة.
٣- الخوارج: وهم الذين خرجوا لقتال علي بن أبي طالب بسبب التحكيم.
مذهبهم التبرؤ من عثمان وعلي والخروج على الإمام إذا خالف السنة، وتكفير فاعل الكبيرة وتخليده في النار وهم فرق عديدة.
٤- القدرية: وَهُم الذين يقولون بنفي القدر عن أفعال العبد وأن العبد إرادة وقدرة مستقلين عن إرادة الله وقدرته، وأول من أظهر القول به معبد الجهني في أواخر عصر الصحابة، تلقاه عن رجل مجوسي في البصرة، وهما فرقتان غلاة وغير غلاة فالغلاة ينكرون علم الله وإرادته وقدرته وخلقه لأفعال العبد وهؤلاء انقرضوا أو كادوا، وغير الغلاة يؤمنون بأن الله عالم بأفعال العباد لكن ينكرون وقوعها بإرادة الله وقدرته وخلقه وهو الذي استقر عليه مذهبهم.
٥- المرجئة: وهم الذين يقولون بإرجاء العمل عن الإيمان، أي تأخيره عنه، فليس العمل عندهم من الإيمان، والإيمان مجرد الإقرار بالقلب، فالفاسق عندهم مؤمن كامل الإيمان وإن فعل ما فعل من المعاصي أو ترك ما ترك من الطاعات وإذا حكمنا
стр. 158
بكفر من ترك بعض شرائع الدين فذلك لعدم الإقرار بقلبه لا لترك هذا العمل، وهذا مذهب الجهمية وهو مع مذهب الخوارج على طرفي نقيض.
٦- المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري وقرر أن الفاسق في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر وهو مخلد في النار وتابعه في ذلك عمرو بن عبيد، ومذهبهم في الصفات التعطيل كالجهمية، وفي القدر قدرية ينكرون تعلق قضاء الله وقدره بأفعال العبد، وفي فاعل الكبيرة أنه مخلد في النار وخارج من الإيمان في منزلة بين منزلتين، الإيمان والكفر، وهم عكس الجهمية في هذين الأصلين.
٧- الكرامية: أتباع محمد بن كرام المتوفى سنة ٢٥٥هـ، يميلون إلى التشبيه والقول بالإرجاء وهم طوائف متعددة.
٨- السالمة: أتباع رجل يقال له ابن سالم يقولون بالتشبيه.
وهذه هي الطوائف التي ذكرها المؤلف ثم قال: ونظائرهم مثل الأشعرية أتباع الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، كان في أول أمره يميل إلى الاعتزال حتى بلغ الأربعين من عمره ثم أعلن توبته من ذلك وبين بطلان مذهب المعتزلة وتمسك بمذهب أهل السنة ﵀ أما من ينتسبون إليه فبقوا على مذهب خاص يعرف بمذهب الأشعرية، لا يثبتون من الصفات إلا سبعًا زعموا أن العقل دل عليها، ويؤولون ما عداها وهي المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له ... إرادة وكذلك السمع والبصر
ولهم بدع أخرى في معنى الكلام والقدر وغير ذلك.
[٩٤] وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين كالطَّوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مُثَابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.
стр. 159
[٩٥] نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسُّنة، ويجعلنا ممن يتَّبع رسول الله ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات برحمته وفضله، آمين.
وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
.... الشرح....
الخلاف في الفروع
الفروع: جمع فرع وهو لغة: ما بني غلى غيره، واصطلاحًا: ما لا يتعلق بالعقائد، كمسائل الطهارة والصلاة ونحوها.
والاختلاف فيها ليس بمذموم حيث كان صادرًا عن نية خالصة واجتهاد لا عن هوى وتعصب؛ لأنه وقع في عهد النبي ﷺ ولم ينكره حيث قال في غزوة بني قريظة: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فحضرت الصلاة قبل وصولهم فأخر بعضهم الصلاة حتى وصلوا بني قريظة وصلى بعضهم حين خافوا خروج الوقت، ولم ينكر النبي ﷺ على واحد منهم" رواه البخاري١٥٤، ولأن الاختلاف فيها موجود في الصحابة وهم خير القرون؛ ولأنه لا يورث عداوة ولا بغضاء ولا تفرق كلمة بخلاف الاختلاف في الأصول.
وقول المؤلف: المختلفون فيه محمودون في اختلافهم، ليس ثناء على الاختلاف فإن الاتفاق خير منه وإنما المراد به نفي الذم عنه، وأن كل واحد محمود على ما قال؛ لأنه مجتهد فيه مريد للحق فهو محمود على اجتهاده واتباع ما ظهر له من الحق وإن كان قد
стр. 160
لا يصيب الحق وقوله: إن الاختلاف في الفروع رحمة وإن اختلافهم رحمة واسعة، أي داخل في رحمة الله وعفوه حيث لم يكلفهم أكثر مما يستطيعون ولم يلزمهم بأكثر مما ظهر لهم، فليس عليهم حرج في هذا الاختلاف بل هم فيه داخلون تحت رحمة الله وعفوه إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.
الإجماع وحكمه
الإجماع لغة: العزم والاتفاق، واصطلاحًا: اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد ﷺ على حكم شرعي بعد النبي ﷺ وهو حجة لقوله تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] .
وقول النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة". رواه الترمذي١٥٥.
стр. 161
التقليد
التقليد لغة: وضع القلادة في العنق. واصطلاحًا: اتباع قول الغير بلا حجة.
وهو جائز لمن لا يصل إلى العلم بنفسه لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
والمذاهب المشهورة أربعة:
المذهب الحنفي: وإمامه أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام أهل العراق ولد سنة ٨٠هـ وتوفي سنة ١٥٠هـ.
المالكي: وإمامه أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة ولد سنة ٩٣هـ وتوفي سنة ١٧٩هـ.
الشافعي: وإمامه أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ولد سنة ١٥٠هـ وتوفي سنة ٢٠٤هـ.
الحنبلي: وإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ولد سنة ١٦٤هـ وتوفي سنة ٢٤١هـ.
стр. 162
وهناك مذاهب أخرى كمذهب الظاهرية والزيدية والسفيانية وغيرهم وكلٌ يؤخذ من قوله ما كان صوابًا ويترك من قوله ما كان خطأ، ولا عصمة إلا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا وأن يتوفانا على ذلك وأن يتولانا في الدنيا والآخرة وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
والحمد لله كثيرًا، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه عز جلاله والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآل وصحبه.
تم في عصر الجمعة الموافق ١٣٩٢/١/١٠هـ
بقلم مؤلفة الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين.
стр. 163
الفهارس العامة للكتاب
١- فهرس الآيات
٢- فهرس الأحاديث
٣- فهرس الآثار
٤- فهرس الموضوعات