← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11367

ما له حكم الرفع من أقوال الصحابة وأفعالهم

محمد بن مطر الزهراني

Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَأَفْعَالِهِمْ جمع وترتيب: د. محمَّد بن مطر الزهرانيّ ال مقدّمة: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله سيّدنا محمَّد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: فإنَّ فنَّ علوم الحديث بفنونه المختلفة من العلوم التي ابتكرت لخدمة سنة المصطفى ﷺ ، وذبِّ الكذب عنها. وقد بذل السَّلف ﵏ جهوداً عظيمة في حفظ السُّنَّة المطهَّرة قولاً وعملاً، وقد تمثّل ذلك في الآتي: ١ - الحفظ التَّامّ لألفاظها وحروفها. ٢ - التَّثبُّت في روايتها ونقلها. ٣ - العلم والعمل بها. ٤ - الفقه فيها. ٥ - السَّعي الجادّ لنشرها وتعليمها لجميع الأمَّة حفظاً للدّين وتبليغاً للرسالة. وإنَّ مما عني به علماء الحديث في علوم الحديث: صيغَ أداء رواية الحديث النَّبويّ وطريقةَ نقله، وقد بلغ بهم التّدقيق في ذلك أن فرَّقوا بين قول الراوي: " حدّثنا "،

стр. 2

وقوله: " أخبرنا "، بل وبين قوله: " حدّثنا " و " حدّثني " و " أخبرنا " و " أخبرني ". ومما اعتنوا به في هذا المجال: مراتب وصيغ نقل الصَّحابة للسُّنَّة، وقد لخّصها الحافظ مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) وذلك في مقدّمة كتابه " جامع الأصول " فقال: مراتب الأخبار خمس: الأولى: وهي أعلاها: أن يقول الصحابيُّ: " سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا "، أو " حدّثني بكذا "، أو " أخبرني بكذا "، أو " شافهني بكذا "، وكذلك غير الصَّحابيّ من الرواة عمَّن رووا عنه، فهذا لا يتطرّق إليه احتمال، وهو الأصل في الرواية وتبليغ الأخبار. المرتبة الثانية: أن يقول الصحابيّ: " قال رسول الله ﷺ كذا "، أو " حدّثنا، أو أخبرنا بكذا "، وكذلك غير الصحابيّ عن شيخه، فهذا ظاهره النّقل وليس نصاًّ صريحاً. المرتبة الثالثة: أن يقول الراوي: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 3

بكذا "، أو " نهى عن كذا "، فهذا يتطرّق إليه احتمالات ثلاثة: أحدها: في سماعه. والثاني: في الأمر، إذ ربّما يرى ما ليس بأمرٍ أمراً، والصحيح أنَّه لا يظنّ بالصحابيّ إطلاق ذلك إذا علم تحقيقاً أنَّه أمر بذلك. والثالث: احتمال العموم والخصوص، حتى ظنّ قوم إنَّ مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة ... المرتبة الرابعة: أن يقول الراوي: " أُمرنا بكذا، نُهينا عن كذا، أُوجِب علينا كذا، أُبيح لنا كذا، حُظر علينا كذا، من السُّنَّة كذا، السُّنَّة جارية بكذا "، فهذا جميعه في حكم واحد، ويتطرّق إليه الاحتمالات الثلاثة التي تطرّقت إلى المرتبة الثالثة، واحتمال رابع: وهو الآمر، فإنَّه لا يُدرى أنَّه رسول الله ﷺ أو غيره من العلماء، وذهب الأكثرون إلى أنَّه لا يحمل إلا على أمر الله، وأمر رسوله، لأنَّه يريد به إثبات شرع وإقامة حجّة.

стр. 4

المرتبة الخامسة: أن يقول الراوي: " كنا نفعل كذا "، وغرضه تعريف الشرع، فإنَّ ظاهره يقتضي إنَّ جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد النبيّ ﷺ على وجه ظهر للنبيّ ﷺ ولم ينكره، لأنَّ تعريف الحكم يقع به. فإن قال: " كانوا يفعلون كذا " وأضافه إلى زمن رسول الله ﷺ ، فهو دليل على جواز الفعل لإنَّ ذكره في معرض الحجّة يدلّ على أنَّه أراد ما فعله الرسول أو سكت عليه دون ما لم يبلغه. ١ وقد ضمّنتُ بحثي هذا الرتبتين: الرابعة والخامسة مما ذكره ابن الأثير ﵀، ثمّ أضفتُ إليها ما شاكلها من الصيغ التي تعدّ من المرفوع حكماً، فجاء البحث في خمسة مباحث، قدّمت لها بهذه المقدِّمة وختمتها بذكر أهمِّ النتائج التي توصّلت إليها في البحث.

стр. 5

والخمسة مباحث هي: المبحث الأوّل: قول الصحابيّ: " كنّا نقول كذا "، أو " نفعل كذا "، أو " نرى كذا ". المبحث الثاني:قول الصحابيّ:" أُمِرنا بكذا "، أو " نُهِينا عن كذا "، أو " من السُّنَّة كذا ". المبحث الثالث:قول التابعيّ عند ذكر الصحابيّ:" يبلغ به "، أو " يرفعه "، أو " رفعه "، أو " ينميه "، أو " رواية ". المبحث الرابع:ما وقف على الصحابيّ مما ليس للرأي فيه مجال. المبحث الخامس:تفسير الصحابيّ للقرآن. وختاماً أسأل الله العليّ القدير أن يتقبَّل منِّي عملي هذا، وأن ينفعني به وينفع به إخواني من طلبة العلم، وصلى الله وسلّم على نبينا محمَّدٍ وعلى آله. وكتبه في:٢٩ / ٧ / ١٤١٨ هـ محمَّد بن مطر الزهرانيّ في المدينة النبويّة حرسها الله

стр. 6

المبحث الأوّل: قول الصحابيّ:" كنّا نقول كذا "، أو " نفعل كذا "، أو " نرى كذا ". أولاً: هذه الألفاظ غالباً ما ترد بإحدى الصياغتين التاليتين: أ - كنا نقول كذا أو نفعل كذا، أو كانوا يقولون أو يفعلون، أو كنا نرى كذا أو لا نرى بأساً بكذا ونحو ذلك، في حياة النبيّ ﷺ ، أو في زمنه أو عصره أو وهو فينا أو بين أظهرنا ونحو ذلك. ب - كنا نقول أو نفعل أو نرى ... ولا يضيف ذلك إلى زمن النبي ﷺ ١.

стр. 7

ثانياً: من أمثلته: ١ - ما رواه الإمام أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريّ (ت ٢٥٦ هـ) ، في " صحيحه " عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:" كنّا إذا صعدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سبّحنا " ١. ٢ - ما رواه البخاريّ، ومسلم بن الحجّاج (ت ٢٦١ هـ) في " صحيحيهما " عن جابر بن عبد الله ﵄:" كنّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ". وفي رواية: " كنّا نعزل والقرآن ينزل " ٢. ٣ - ما رواه أبو داود سليمان بن الأشعث (ت ٢٧٥ هـ) في سننه عن سالم بن عبد الله بن عمر

стр. 8

إنَّ ابن عمر قال:" كنّا نقول ورسول الله ﷺ حيٌّ: أفضل أمَّة النبيّ ﷺ بعده أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان ﵃ أجمعين " ١. ولفظه في البخاريّ:" كنّا نخيّر بين النّاس في زمن النبيّ ﷺ فنخيّر أبا بكر، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان ﵃ " ٢. ثالثاً: اختلف العلماء في الحديث الوارد بهذه الصّيغة هل له حكم الرّفع أم أنَّه موقوف؟ وذلك على أقوال ٣: الأول:- أنَّه مرفوع مطلقاً، أضيف إلى زمن النبيّ ﷺ

стр. 9

أم لم يضف. قال الحافظ ابن حجر:" هو الذي اعتمده الشيخان في صحيحهما، وأكثر منه البخاريّ " ١. وقال أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) :" ... إذا قاله الصحابيّ المعروف بالصحبة فهو حديث مسند - مرفوع -، وكلّ ذلك مخرّج في المسانيد " ٢. وقال أبو زكريا محي الدين بن شرف النوويّ (ت ٦٧٦ هـ) :" وظاهر استعمال كثير من المحدّثين، وأصحابنا في كتب الفقه أنَّه مرفوع مطلقاً سواء أضافه أو لم يضفه، وهذا قويّ فإنَّ الظاهر من قوله: كنّا نفعل، أو كانوا يفعلون الاحتجاج به، وأنَّه فعل على وجه يحتجّ به،

стр. 10

ولا يكون ذلك إلا في زمن النبيّ ﷺ ويبلغه " ١. قال الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ (ت ٨٠٦ هـ) :" وقد أطلق الحاكم في " علوم الحديث " ٢ الحكم برفعه ولم يقيّده بإضافته إلى زمنه ﷺ ، وكذا أطلقه الإمام فخر الدين الرازيّ في " المحصول " ٣، والسيف الآمديّ في " الإحكام " ٤، وقال أبو نصر الصبَّاغ في كتاب " العدّة ":أنَّه ظاهر، ومثّله بقول عائشة ﵂: كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه " ٥. الثاني:- التفريق بين ما يضيفه راويه إلى زمن

стр. 11

النبيّ ﷺ وما لم يضفه، فما أضيف إلى زمن النبيّ ﷺ فهو مرفوع، وما لم يضف فهو موقوف. قال أبو بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغداديّ (ت ٤٦٣ هـ) :" قول الصحابيّ:كنّا نقول كذا، ونفعل كذا، من ألفاظ التّكثير ومما يفيد تكرار الفعل والقول واستمرارهم عليه، فمتى أضاف ذلك إلى زمن النبيّ ﷺ على وجه كان يعلم به رسول الله ﷺ فلا ينكره، وجب القضاء بكونه شرعاً، وقام إقراره له مقام نطقه بالأمر به، ويبعد فيما كان يتكرّر قول الصحابة له وفعلهم إياه على عهد رسول الله ﷺ أن يخفى عليه وقوعه ولا يعلم به، ولا يجوز في صفة الصحابيّ أن يعلم إنكاراً من النبيّ ﷺ في ذلك فلا يرويه، لأنَّ الشرع والحجّة في إنكاره لا في فعلهم لما ينكره، ولا يمكن في صفته رواية الفعل الذي ليس بشرع وتركه رواية إنكاره له الذي هو الشرع، فوجب أن يكون المتكرّر في زمن الرسول ﷺ مع إقراره شرعاً ثابتاً لما قلناه ".

стр. 12

ثمّ ساق بإسناده إلى عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنّا لا نرى بكراء الأرض بأساً حتى حدّثنا رافع ابن خديج إنَّ النبيّ ﷺ نهى عن كراء الأرض، فكان ابن عمر يقول: لقد نهى ابن خديج عن أمرٍ نافعٍ لنا ١. فجمع ابن عمر بين ما كانوا عليه من فعل الاستكراء وبين حديث رافع بن خديج، عن النبيّ ﷺ في النهي عنه ... " ٢. ثمّ قال ﵀:" ومتى جاءت رواية عن الصَّحابة بأنّهم كانوا يقولون أو يفعلون شيئاً، ولم يكن في الرواية ما يقتضي إضافة وقوع ذلك إلى زمن النبيّ ﷺ ، لم يكن

стр. 13

حجّة " ١. وتابع الخطيب على ذلك أبو عمرو بن الصّلاح (ت ٦٤٣ هـ) ، فقال:" قول الصحابيّ: كنّا نفعل كذا أو كنّا نقول كذا، إن لم يضفه إلى زمان رسول الله ﷺ فهو من قبيل الموقوف " ٢. وقال أبو المظفّر منصور بن محمَّد السمعانيّ (ت ٤٨٩ هـ) :" وإذا قال الصحابيّ:كنّا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ فهو بمنزلة المسند إلى رسول الله ﷺ ". ثمّ قال في ردّه على الذين قالوا: أنَّه ليس بمنزلة المسند:" ... وأما نحن فنقول: إنَّ الظاهر من أمر الصَّحابة أنّهم ما كانوا يقدمون على شيء من أمور الدين والنبيّ ﷺ بين

стр. 14

أظهرهم إلا عن أمره وإذنه فصار قولهم: كنّا نفعل كذا في زمان النبيّ ﷺ بمنزلة المسند، لهذا الظاهر، والظاهر حجّة " ١. وقد ذكر مثل ذلك بحروفه الحافظ أبو إسحاق إبراهيم ابن عليّ الشيرازيّ (ت ٤٧٦ هـ) في كتابه " التبصرة في أصول الفقه " ٢. وقال الحافظ محي الدين يحيى بن شرف النوويّ (ت ٦٧٦ هـ) :" وقال الجمهور من المحدّثين وأصحاب الفقه والأصول: إن لم يضفه إلى زمن رسول الله ﷺ فليس بمرفوع بل هو موقوف، وإن أضافه فقال: كنّا نفعل في حياة النبيّ ﷺ أو في زمنه أو وهو فينا أو بين أظهرنا أو نحو ذلك، فهو مرفوع، وهذا هو المذهب الصحيح الظاهر،

стр. 15

فإنَّه إذا فعل في زمنه ﷺ فالظاهر اطّلاعه عليه، وتقريره إياه ﷺ ، وذلك مرفوع " ١. وقال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) :" ومثال المرفوع من القول حكماً لا تصريحاً أن يقول الصحابيّ: كنّا نقول على عهد رسول الله ﷺ كذا، فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ ، فهو مرفوع سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة ... "، ثمّ قال:" ومثال المرفوع من التّقرير حكماً: أن يخبر الصحابيّ أنّهم كانوا يفعلون في زمان النبيّ ﷺ كذا، فإنَّه يكون له حكم الرّفع من جهة أنَّ الظّاهر اطّلاعه ﷺ على ذلك، لتوفّر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم، ولإنَّ ذلك زمان نزول الوحي فلا يقع من الصحابة فعل شيء ويستمرّون عليه إلا وهو غير ممنوع الفعل، وقد استدلّ جابر وأبو سعيد الخدريّ ﵄ على جواز العزل بأنّهم كانوا

стр. 16

يفعلونه والقرآن ينزل، ولو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن " ١. وذهب إلى كونه مرفوعاً يحتجّ به الحافظ محمَّد بن أحمد الفتوحي الحنبليّ (ت ٩٧٢ هـ) فقال:" إنَّ حكم ذلك حكم قول الصحابي: قال رسول الله ﷺ ... "٢. الثالث:- أنَّه من قبيل الموقوف مطلقاً أضيف أو لم يضف إلى زمنه ﷺ وقد جزم بهذا القول الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيليّ (ت ٣٧١ هـ) فيما رواه عنه تلميذه الحافظ أبو بكر أحمد بن محمَّد بن غالب الخوارزميّ البرقانيّ (ت ٤٢٥ هـ) ٣. قال السيوطيّ (ت ٩١١ هـ) :" وهو بعيد

стр. 17

جداًّ " ١. الرابع:- التفصيل فيما جاء بهذه الصيغة وأضيف إلى زمن النبيّ ﷺ ، بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالباً فيكون مرفوعاً أو يخفى فيكون موقوفاً ٢. قال أبو المظفّر منصور بن محمَّد السمعانيّ التّيميّ (ت ٤٨٩ هـ) :" ... وإذا قال الصحابيّ:كانوا يفعلون كذا ... ، فإن أضافه إلى عصر الرسول ﷺ وكان مما لا يخفى مثله: حُمِل على إقرار الرسول ﷺ وصار شرعاً، وإن كان مثله يخفى؛ فإن تكرّر منهم وكثر حمل على إقراره؛ لأنَّ الأغلب فيما كثر منهم أنَّه لا يخفى عليه، كما روي عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنَّه قال:" كنّا نخرج صدقة الفطر في زمان رسول الله ﷺ صاعاً من برّ

стр. 18

أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر ... " ١ الحديث. ثمّ قال:" وعلى هذا إذا أخرج الراوي الرواية مخرج التكثير بأن قال:كانوا يفعلون كذا، حملت الرواية على علمه وإقراره، فصار المنقول شرعاً، وإن تجرّد عن لفظ التّكثير كقوله: فعلوا كذا، فهو محتمل، ولا يثبت شرع باحتمال"٢. قال الحافظ النوويّ عند ذكر الخلاف في هذه الصيغة: " قال أبو إسحاق الشيرازيّ في " اللمع ":إن كان ذلك مما لا يخفى في العادة كان كما لو رآه النبيّ ﷺ ولم ينكره، فيكون مرفوعاً؛ وإن جاز خفاؤه عليه ﷺ لم يكن مرفوعاً

стр. 19

كقول بعض الأنصار:كنّا نجامع فنكسل ولا نغتسل، فهذا لا يدلّ على عدم وجوب الغسل من الإكسال لأنَّه يفعل سراًّ فيخفى " ١. الخامس:- إن أورده الصحابيّ في معرض الحجّة حمل على الرفع، وإلا فموقوف؛ قال الحافظ ابن حجر:" حكاه القرطبيّ " ٢.

стр. 20

تنبيهات: هذه التنبيهات ذكرها الحافظ ابن حجر في كتاب " النكت على كتاب ابن الصّلاح " ١. وجعلها الحافظ السخاويّ (ت ٩٠٢ هـ) في " فتح المغيث " ٢ أقوالاً في حكم الحديث الوارد بهذه الصّيغة، وأتبعتها بما يشاكلها من التنبيهات: الأول: قول الصحابي:" كنّا نرى كذا "، ينقدح فيها من الاحتمال أكثر مما ينقدح في قوله:" كنّا نقول أو نفعل "، لأنّها من الرأي، ومستنده قد يكون تنصيصاً أو استنباطاً. الثاني: قوله:" كان يقال كذا ". قال الحافظ المنذريّ:" اختلفوا هل يلتحق بالمرفوع أو الموقوف؟ " قال:" والجمهور على أنَّه إذا أضافه إلى

стр. 21

زمن النبيّ ﷺ يكون مرفوعاً ". قال الحافظ ابن حجر: " ومما يؤيّد إنَّ حكمها الرفع مطلقاً ما رواه النسائيّ من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال:" كان يقال: صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر " ١، فإنَّ ابن ماجه رواه ٢ من الوجه الذي أخرجه منه النسائيّ بلفظ:" قال رسول الله ﷺ ... "، فدلّ على أنّها عندهم من صيغ الرفع، والله أعلم ". الثالث: لا يختصّ جميع ما تقدّم بلإثبات، بل يلتحق به النّفي كقولهم:" كانوا لا يفعلون كذا "، ومنه قول عائشة رضي

стр. 22

الله عنها:" كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه " ١. الرابع ٢: قال الحافظ السخاويّ:" وكلّ ما أوردناه من الخلاف حيث لم يكن في القصّة اطّلاعه ﷺ ، أما إذا كان فيها اطلاعه كقول ابن عمر:" كنّا نقول ورسول الله ﷺ حيّ: أفضل هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكر، وعمر، وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره " ٣ فحكمه الرّفع

стр. 23

إجماعاً " ١. الخامس: ذكر أبو عبد الله الحاكم في " معرفة علوم الحديث " عن محمَّد بن سيرين، عن المغيرة بن شعبة قال:" كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير ". ٢ ثمّ عقّب عليه بقوله:" هذا حديث يتوهّمه من ليس من أهل الصنعة مسنداً لذكر رسول الله ﷺ فيه، وليس بمسند، فإنَّه موقوف على صحابيّ حكى عن أقرانه من

стр. 24

الصحابة فعلاً وليس يسنده واحد منهم " ١. نقل كلام الحاكم هذا الحافظ ابن الصّلاح في " علوم الحديث " ثمّ عقّب عليه فقال:" بل هو مرفوع، وهو بأن يكون مرفوعاً أحرى، لكونه أحرى باطّلاعه ﷺ ، والحاكم معترف بكون ذلك من قبيل المرفوع، ولعلّه أراد أنَّه ليس بمسند لفظاً، بل هو موقوف لفظاً، وكذلك سائر ما سبق موقوف لفظاً، وإنّما جعلناه مرفوعاً من حيث المعنى، والله أعلم ". ٢ وقد فسّر الحافظ ابن حجر كلام ابن الصّلاح - الأخير - فقال:" وقد حقّق المصنّف - ابن الصّلاح - المناط فيه بما حاصله: إنَّ له جهتين: جهة الفعل وهو صادر من الصحابة فيكون موقوفاً، وجهة التّقرير وهي مضافة إلى النبيّ ﷺ من حيث إنَّ فائدة قرع بابه أنَّه يعلم

стр. 25

أنَّه قرع، ومن لازم علمه بكونه قرع مع عدم إنكاره ذلك على فاعله، التقرير على ذلك الفعل، فيكون مرفوعاً " ١. السادس: قال الحافظ السيوطيّ (ت ٩١١ هـ) بعد كلامه على حديث المغيرة في القرع بالأظافر الآنف الذكر:" ومن المرفوع أيضاً اتفاقاً الأحاديث التي فيها ذكر صفة النبيّ ﷺ ونحو ذلك " ٢. السابع: قال الحافظ العراقيّ:" إذا قال التابعيّ:كنّا نفعل كذا فليس بمرفوع قطعاً، وهل هو موقوف؟ لا يخلو إما أن يضيفه إلى زمن الصحابة أم لا، فإن لم يضفه إلى زمنهم فليس بموقوف أيضاً بل هو مقطوع، وإن أضافه إلى

стр. 26

زمنهم فيحتمل أن يقال: أنَّه موقوف، لأنَّ ظاهره اطّلاعهم على ذلك وتقريرهم، ويحتمل أن يقال: ليس بموقوف أيضاً لأنَّ تقرير الصحابيّ قد لا ينسب إليه بخلاف تقرير النبيّ ﷺ فإنَّه أحد وجوه السنن " ١.

стр. 27

المبحث الثاني: قول الصحابيّ:" أُمِرنا بكذا "، أو " نُهِينا عن كذا "، أو " من السُّنَّة كذا ". أولاً:- وقع الخلاف في حكم الحديث الوارد بهذه الصيغة كما وقع الخلاف في التي قبلها. ومحصّل الأقوال فيها قولان مشهوران لأهل العلم ١: الأول:إنَّ الحديث الوارد بهذه الصيغة له حكم الرفع وبهذا قال جماهير العلماء من المحدّثين والفقهاء وغيرهم. والثاني: إنَّ له حكم الوقف. ثانياً:- من أمثلة ذلك: ١ - ما رواه البخاريّ في كتاب الصلاة، باب وجوب الصلاة في الثياب، ومسلم في صلاة العيدين،

стр. 28

باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى الصَّلاة من حديث أمّ عطيّة:" أُمِرنا أن نخرج إلى العيدين العواتق وذوات الخدور ". ٢ - ما رواه البخاريّ في الجنائز، باب اتباع النساء الجنائز، ومسلم في الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، من حديث أمّ عطيّة - أيضاً -:" نُهِينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ". ٣ - ما رواه البخاريّ في الحجّ، باب الجمع بين الصّلاتين بعرفة من طريق الزهريّ عن سالم بن عبد الله بن عمر:" إنَّ الحجّاج بن يوسف سأل عبد الله بن عمر ﵁ كيف يصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنّة فهجّر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبد الله بن عمر صدق ... الحديث ". ثالثاً:- فيما يأتي أقوال أهل العلم في حكم الحديث الوارد بهذه الصيغة: ١ - قال أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن البيّع

стр. 29

الحاكم النيسابوريّ (ت ٤٠٥ هـ) :" قول الصحابيّ المعروف بالصحبة:أُمِرنا أن نفعل كذا، أو نُهِينا عن كذا وكذا، وكنّا نؤمر بكذا، وكنّا ننهى عن كذا ... ، وقول الصحابيّ أيضاً: من السنّة كذا، وأشباه ما ذكرناه، إذا قاله الصحابيّ المعروف بالصحبة فهو حديث مسند - مرفوع -، وكلّ ذلك مخرّج في المسانيد " ١. وقال في " المستدرك ":" أجمعوا على إنَّ قول الصحابيّ: من السنّة كذا حديث مسند - مرفوع -" ٢. قال الخطيب البغداديّ (ت ٤٦٣ هـ) :" باب في حكم قول الصحابيّ:أُمِرنا بكذا أو نُهِينا عن كذا، أو من السنّة كذا، هل يجب حمله على أمر الرسول ﷺ ونهيه أو يجوز كونه أمراً ونهياً له ولغيره؟ " ٣.

стр. 30

ثمّ ساق ﵀ بأسانيده الأمثلة الآتية: ١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال:" أمرنا - أو قال: نهينا - ألا نزيد أهل الكتاب على وعليكم " ١. ٢ - وعن أنس - أيضاً -:" نهينا أن يبيع حاضرٌ لبادٍ " ٢. ٣ - عن عبد الله بن مسعود قال:" من السنّة الغسل يوم الجمعة " ٣.

стр. 31

ثمّ قال:" قال أكثر أهل العلم: يجب الوقف في ذلك لأنَّه لا يؤمن أن يعني بذلك أمر الأئمّة والعلماء، كما يعني بذلك أمر رسول الله ﷺ ١، والقول الأول أولى بالصواب. والدليل على ذلك أنَّ الصحابيّ إذا قال: أمرنا بكذا فإنّما يقصد الاحتجاج لإثبات شرع، وتحليل وتحريم،

стр. 32

وحكم يجب كونه مشروعاً، وقد ثبت أنَّه لا يجب بأمر الأئمّة والعلماء تحليل ولا تحريم، إذا لم يكن ذلك أمراً عن الله ورسوله ... " إلى أن قال:" وإذا كان كذلك لم يجز أن يقول الصحابيّ:أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا ليخبر بإثبات شرع ولزوم حكم في الدين، وهو يريد أمر غير الرسول ﷺ ". ثمّ قال:" وهذه الدلالة بعينها توجب حمل قوله: من السنّة كذا على أنّها سنّة الرسول ﷺ ". ثمّ قال:" فإن قيل: هل تفصلون بين قول الصحابيّ ذلك في زمن النبيّ ﷺ وبين قوله ذلك بعد وفاته؟ قيل: لا، لأنا لا نعرف أحداً فصل بين ذلك " ١. ٣ - وقال أبو عمر ابن عبد البرّ عقب قول سالم بن عبد الله بن عمر للحجاج:" إن كنت تريد السنة فهجّر

стр. 33

بالصلاة يوم عرفة ... " الحديث ١:" وهذا الحديث يدخل عندهم في المسند لقوله فيه:" إن كنت تريد السنّة " لا يختلفون في ذلك، لأنَّه إذا أطلق الصاحب ذكر السنّة فالمراد سنّة رسول الله ﷺ ، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها كقولهم:" سنّة العمرين " وما أشبه ذلك " ٢. ٤ - وقال أبو المظفّر منصور بن محمَّد السمعانيّ (ت ٤٨٩ هـ) : ... فإن قال الصحابيّ: أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا، أو من السنّة كذا يكون مسنداً ويكون حجّة، وقال أبو بكر محمَّد بن عبد الله الصيرفي (ت ٣٣٠ هـ) :لا يكون مسنداً ولا يكون حجّة، وهو قول أبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخيّ

стр. 34

(ت ٣٤٠ هـ) من أصحاب أبي حنيفة، فهم يقولون: قد تطلق السنّة ويراد بها سنة النبيّ ﷺ وقد تطلق ويراد بها سنّة غيره ١ ... ، وذكر لهم دليلين: الأول: قول عليّ ﵁:" جلد رسول الله ﷺ في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر ﵁ أربعين، وجلد عمر ﵁ أربعين، وكلّ سنّة " ٢. والثاني: قوله ﷺ :" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " ٣. ثمّ أجاب على أدلّتهم بما معناه: إنَّ علياًّ ﵁ أراد بالسنة سنة النبيّ ﷺ ، لأنَّ الزيادة عن الأربعين كانت تعزيراً، والتعزير بالضرب ثابت بالسنّة، وأما قوله:

стр. 35

" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي "، فهي سنّة مقيّدة منسوبة إلى أبي بكر وعمر، وكلامنا في السنّة مطلقاً١، ولعلّ المراد ما أخبروكم من سنتي. ثمّ قال:" وأما دليلنا فنقول: قول الصحابيّ في الأمر والنهي:أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا مطلقاً يرجع إلى النبيّ ﷺ ، لأن الأصل أنَّه الآمر والناهي في الشرائع خصوصاً إذا كان الصحابيّ قال هذا في حياة النبيّ ﷺ ، وعلى هذا قول أنس ﵁:" أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " ٢، ولهذا لو قال الصحابيّ:" رُخِّص لنا أن نفعل كذا " ينصرف إلى النبيّ ﷺ بالاتفاق. ٣

стр. 36

فكذلك قول الصحابيّ:من السنّة كذا، فمطلق السنة منصرف إلى سنة النبي ﷺ ، ولهذا يقال: كتاب الله تعالى وسنّة النبيّ ﷺ ، وإذا قيل: الكتاب والسنّة فإنّما يفهم من السنة سنة النبيّ ﷺ ، ولأنَّ السنّة هي الطريقة المتبعة لأهل الدين، والطريقة المتبعة لأهل الدين هي المشروعة في الدين، والمشروع في الدين إنما يكون من الله

стр. 37

تعالى أو رسوله ﷺ فأما من غير الله ورسوله فلا ". ثمّ قال:" وأيضاً فإن غرض الصحابيّ من هذا القول أن يعلّمنا الشرع أو يفيدنا الحكم، فيجب حمل ذلك على من يصدر الشرع منه دون الأئمّة والولاة، لإنَّ أمرهم غير مؤثر في الشرع، وهذا راجع إلى الدليل الذي قدمناه فيكون تقريراً له ".١ اهـ ملخّصاً وقال ﵀ في موضع آخر:" وأما مذهب الشافعيّ إنَّ مطلق السنة سنة رسول الله ﷺ ، وإضافتها إلى غيره مجاز لاقتدائه فيها بسنة النبيّ ﷺ ، فوجب أن يحمل الإطلاق على حقيقته دون مجازه " ٢. وقال ابن الأثير:" وأما قوله: من السنة كذا، والسنة جارية بكذا، فالظاهر أنَّه لا يريد إلا سنة رسول الله ﷺ ، ومن يجب اتباعه دون غيره ممن لا تجب طاعته، ولا فرق

стр. 38

أن يقول الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، أو بعد وفاته " ١. ٥ - قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) :" قول الصحابيّ: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا من نوع المسند المرفوع عند أصحاب الحديث وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق منهم أبو بكر الإسماعيليّ ". ٢ ثمّ قال:" والأول هو الصحيح لأنَّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ ، وهكذا قول الصحابيّ:من السنة كذا فالأصحّ ٣

стр. 39

أنَّه مسند مرفوع لأنَّ الظاهر أنه لا يريد به إلا سُنَّة رسول الله ﷺ وما يجب اتباعه، وكذلك قول أنس ﵁:" أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة "، وسائر ما جانس ذلك ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمن رسول الله ﷺ أو بعده " ١. ٦ - قال الحافظ أبو زكريا محي الدين يحيى بن شرف النوويّ (ت ٦٧٦ هـ) :" إذا قال الصحابيّ:أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا، أو من السنّة كذا، أو مضت السنة بكذا ونحو ذلك فكلّه مرفوع إلى رسول الله ﷺ على المذهب الصحيح الذي قاله الجماهير من أصحاب الفنون " ثمّ قال:" وقيل: موقوف " ٢. وهذا إشارة إلى ما ذهب إليه أبو بكر إسماعيل بن

стр. 40

إبراهيم الإسماعيليّ (ت ٣٧١ هـ) ١، وأبو بكر الصيرفيّ (ت ٣٣٠ هـ) ، وأبو الحسن الكرخيّ (ت ٣٤٠ هـ) ٢. ٧ - قال أبو حفص عمر بن رسلان البلقينيّ (ت ٨٠٥ هـ) ٣:" وأما مثل قوله: لا تلبسوا علينا سنّة نبينا كما روي عن عمرو بن العاص في عدّة أمّ الولد ٤، وقوله: أصبت السنّة كما جاء بإسناد صحّحه الدارقطنيّ في " سننه " ٥ عن عقبة بن عامر في المسح على
следующие страницы →