فكذلك قول الصحابيّ:من السنّة كذا، فمطلق السنة منصرف إلى سنة النبي ﷺ ، ولهذا يقال: كتاب الله تعالى وسنّة النبيّ ﷺ ، وإذا قيل: الكتاب والسنّة فإنّما يفهم من السنة سنة النبيّ ﷺ ، ولأنَّ السنّة هي الطريقة المتبعة لأهل الدين، والطريقة المتبعة لأهل الدين هي المشروعة في الدين، والمشروع في الدين إنما يكون من الله
стр. 37
تعالى أو رسوله ﷺ فأما من غير الله ورسوله فلا ".
ثمّ قال:" وأيضاً فإن غرض الصحابيّ من هذا القول أن يعلّمنا الشرع أو يفيدنا الحكم، فيجب حمل ذلك على من يصدر الشرع منه دون الأئمّة والولاة، لإنَّ أمرهم غير مؤثر في الشرع، وهذا راجع إلى الدليل الذي قدمناه فيكون تقريراً له ".١ اهـ ملخّصاً
وقال ﵀ في موضع آخر:" وأما مذهب الشافعيّ إنَّ مطلق السنة سنة رسول الله ﷺ ، وإضافتها إلى غيره مجاز لاقتدائه فيها بسنة النبيّ ﷺ ، فوجب أن يحمل الإطلاق على حقيقته دون مجازه " ٢.
وقال ابن الأثير:" وأما قوله: من السنة كذا، والسنة جارية بكذا، فالظاهر أنَّه لا يريد إلا سنة رسول الله ﷺ ، ومن يجب اتباعه دون غيره ممن لا تجب طاعته، ولا فرق
стр. 38
أن يقول الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، أو بعد وفاته " ١.
٥ - قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) :" قول الصحابيّ: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا من نوع المسند المرفوع عند أصحاب الحديث وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق منهم أبو بكر الإسماعيليّ ". ٢
ثمّ قال:" والأول هو الصحيح لأنَّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ ، وهكذا قول الصحابيّ:من السنة كذا فالأصحّ ٣
стр. 39
أنَّه مسند مرفوع لأنَّ الظاهر أنه لا يريد به إلا سُنَّة رسول الله ﷺ وما يجب اتباعه، وكذلك قول أنس ﵁:" أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة "، وسائر ما جانس ذلك ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمن رسول الله ﷺ أو بعده " ١.
٦ - قال الحافظ أبو زكريا محي الدين يحيى بن شرف النوويّ (ت ٦٧٦ هـ) :" إذا قال الصحابيّ:أُمِرنا بكذا، أو نُهِينا عن كذا، أو من السنّة كذا، أو مضت السنة بكذا ونحو ذلك فكلّه مرفوع إلى رسول الله ﷺ على المذهب الصحيح الذي قاله الجماهير من أصحاب الفنون "
ثمّ قال:" وقيل: موقوف " ٢.
وهذا إشارة إلى ما ذهب إليه أبو بكر إسماعيل بن
стр. 40
إبراهيم الإسماعيليّ (ت ٣٧١ هـ) ١، وأبو بكر الصيرفيّ (ت ٣٣٠ هـ) ، وأبو الحسن الكرخيّ (ت ٣٤٠ هـ) ٢.
٧ - قال أبو حفص عمر بن رسلان البلقينيّ (ت ٨٠٥ هـ) ٣:" وأما مثل قوله: لا تلبسوا علينا سنّة نبينا كما روي عن عمرو بن العاص في عدّة أمّ الولد ٤، وقوله: أصبت السنّة كما جاء بإسناد صحّحه الدارقطنيّ في " سننه " ٥ عن عقبة بن عامر في المسح على
стр. 41
الخفين - وإن كان فيه علّة نبَّه عليها الدارقطنيّ في " علله " ١ -، وقوله:سنة أبي القاسم، كما في حديث ابن عباس في متعة الحجّ ٢، فهذه الألفاظ في حكم قوله: من السنّة ... ، وبعضها أقرب من بعض، وأقربها للرفع: سنَّة أبي القاسم، ويليها: لا تلبِّسوا علينا سنَّة نبيِّنا، ويلي ذلك: أصبت السنّة ".
ثم قال:" ونظير حديث: أُمِر بلال حديث عائشة ﵂:فكنّا نؤمر بقضاء الصوم ... " ٣.
стр. 42
تنبيهات:
وأختم هذا المبحث بتنبيهات ذكرها الحافظ ابن حجر وغيره، وهي كالتتمة والتكميل لهذا البحث:
١ - قال الحافظ ابن حجر:" لا اختصاص لذلك بقوله:" أمرنا أو نهينا "، بل يلحق به ما إذا قال:أُمِر فلان بكذا أو نُهِي فلان عن كذا، أو أُمِر أو نُهِي بلا إضافة وكذا مثل قول عائشة ﵂: كنّا نؤمر بقضاء الصّوم ... الحديث " ١، وأما إذا قال الصحابيّ:أوجب علينا كذا أو حُرِّم علينا كذا أو أبيح لنا كذا، فهو مرفوع، ويبعد تطرّق الاحتمالات المتقدّمة إليه بعداً قوياًّ جداًّ ٢.
٢ - إذا قال الصحابيّ:أمرنا رسول الله ﷺ بكذا، أو سمعته يأمر بكذا، فهو مرفوع بلا خلاف لانتفاء
стр. 43
الاحتمال المتقدم. ١
قال الحافظ زين الدين العراقيّ (ت ٨٠٦ هـ) :" لا أعلم فيه خلافاً إلا ما حكاه ابن الصباغ - أبو نصر عبد السيّد بن محمَّد ت ٤٧٧ هـ - في " العدّة " عن داود الظاهريّ وبعض المتكلّمين، أن لا يكون ذلك حجّة حتى ينقل لنا لفظه، وهذا ضعيف مردود ".٢
قال ابن حجر:" وأجيب بإنَّ الظاهر من حال الصحابيّ مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة: أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقّق أنَّه أمر أو نهي من غير شكّ نفياً للتلبيس عنه بنقل ما يوجب سامعه اعتقاد الأمر والنهي فيما ليس هو بأمر ولا نهي " ٣.
٣ - إذا أضاف الصحابيّ السُّنَّة إلى النبيّ ﷺ فمقتضى
стр. 44
كلام الجمهور أنَّه يكون مرفوعاً قطعاً ١.
٤ - قال في الكوكب المنير:" وقول الصحابيّ: أمر النبيّ ﷺ ، أو أمرنا رسول الله بكذا، أو نهى النبيّ ﷺ عن كذا، أو رخّص لنا في كذا، وقوله: جرت السنة أو مضت السنّة بكذا، أو كنّا نفعل كذا، أو نقول كذا أو نرى كذا على عهد رسول الله ﷺ ونحو ذلك حُجَّة "
قال الشارح:" يعني إنَّ حكم ذلك حكم قول الصحابيّ: قال النبيّ ﷺ لكنّه في الدلالة دون ذلك لاحتمال الواسطة، أو اعتقاد ما ليس بأمر ولا نهي أمراً أو نهياً، لكن الظاهر أنَّه لم يصرّح بنقل الأمر إلا بعد جزمه بوجود حقيقته، ومعرفة الأمر مستفادة من اللغة وهم أهلها فلا تخفى عليهم، فعلى هذا يكون حجّة وهو الصحيح وعليه جماهير العلماء، وخالف في ذلك بعض المتكلّمين كالصيرفيّ، والباقلانيّ، وأبي بكر الرازي،
стр. 45
والكرخيّ، وإمام الحرمين " ١.
٥ - قال ابن الأثير:" أما إذا قال:أُبِيح، وأُوجب، أو حُظِر فيقوى في جانبه ألا يكون مضافاً إلا إلى النبيّ ﷺ ، لأنَّ الإيجاب والإباحة والحظر إلى النبيّ ﷺ دون غيره بخلاف الأمر ". ٢
٦ - قال الحافظ العراقيّ:" فإذا قال التابعيّ:أُمِرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فجزم ابن الصباغ في " العدّة في أصول الفقه " أنَّه مرسل، وذكر الغزاليّ في " المستصفى " فيه احتمالين من غير ترجيح هل يكون موقوفاً أو مرفوعاً مرسلاً؟ ... ". ٣
стр. 46
المبحث الثالث: قول التابعيّ عن الصحابيّ:" يرفع الحديث، وينميه، ويبلغ به، وروايةً ". ١
١ - من أمثلته:
أ - ما رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁:" الشفاء في ثلاث: شرطة محجم، ولعقة عسل، وكيّة لنار، وأنهى أمتي عن الكيّ، رفع الحديث ". ٢
ب - ما رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به:" الناس تبع لقريش ". ٣
стр. 47
ج - وبه عن أبي هريرة ﵁ روايةً:" تقاتلون قوماً صغار الأعين ... الحديث ". ١
د - ما رواه مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁:" كان النّاس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة، قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنَّه ينمي ذلك ". ٢
٢ - صيغ هذا النوع هي: يرفع الحديث، رفعه، ينميه، يبلغ به، رواية. زاد السخاويّ ٣:يسنده أو يأثره
٣ - ما هو السبب الحامل للراوي للعدول إلى هذه الصيغة بدلاً من التصريح؟
للعلماء في الإجابة عدّة أقوال:
стр. 48
الأول: قال المنذريّ عبد العظيم بن عبد القويّ (ت ٦٥٦ هـ) :" يشبه أن يكون التابعيّ مع تحقّقه بإنَّ الصحابيّ رفع الحديث إلى النبيّ ﷺ شكّ في الصيغة بعينها، فلما لم يمكنه الجزم بما قاله له أتى بلفظ يدلّ على رفع الحديث " ١.
الثاني:قال الحافظ ابن حجر:" ويحتمل أن يكون من صنع ذلك صنعه طلباً للتخفيف وإيثاراً للاختصار، ويحتمل أيضاً أن يكون شكّ في ثبوت ذلك عن النبيّ ﷺ فلم يجزم بلفظ: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، بل كنى عنه تحرّزاً ". ٢
الثالث:قال الحافظ السخاويّ:" ويحتمل أن يكون ذلك منه ورعاً حيث علم إنَّ المرويّ بالمعنى ". ٣
стр. 49
رابعاً: قال الحافظ السيوطيّ:" وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعاً فلِمَ لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ ؟ فجوابه: أنّهم تركوا الجزم بذلك تورّعاً واحتياطاً، ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: من السنّة إذا تزوّج البكر على الثّيب أقام عندها سبعاً. ١ قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إنَّ أنساً رفعه إلى النبيّ ﷺ ، أي: لو قلت لم أكذب، لأنَّ قوله:من السنّة هذا معناه، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابيّ أولى ". ٢
стр. 50
٤ - حكم الحديث المرويّ بهذه الصيغة:
أخرج الخطيب بإسناده إلى الأثرم أحمد بن محمَّد بن هانئ الطائيّ (ت ٢٦١ هـ) قال:" قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) :فإذا قال: يرفع الحديث فهو عن النبيّ ﷺ ؟ قال: فأي شيء؟! "
ثمّ قال الخطيب:" كلّ هذه الألفاظ كناية عن رفع الصحابيّ الحديث، وروايته إياه عن رسول الله ﷺ ، ولا يختلف أهل العلم إنَّ الحكم في هذه الأخبار وفيما صرح برفعه سواء في وجوب القبول والتزام العمل ". ١
وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح بعد أن ذكر هذه الصيغ:" فكلّ ذلك وأمثاله كناية عن رفع الصحابيّ الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وحكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحاً ". ٢
стр. 51
وقال الحافظ محي الدين النوويّ (ت ٦٧٦ هـ) :" ... وأما إذا قال التابعيّ عند ذكر الصحابيّ:يرفعه أو يبلغ به أو رواية، فكلّه مرفوع متّصل بلا خلاف ". ١
قال الحافظ ابن حجر:" ويلحق بقولي:" حكماً " ما ورد بصيغة الكناية في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه ﷺ كقول التابعيّ عن الصحابيّ:يرفع الحديث أو يرويه أو ينميه أو رواية أو يبلغ به أو رواه، وقد يقتصرون على القول مع حذف القائل ويريدون به النبيّ ﷺ كقول ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁: قال: قال:" تقاتلون قوماً ... الحديث "، وفي كلام الخطيب أنَّه اصطلاح خاصّ بأهل البصرة ". ٢
стр. 52
تتمة:
قال الحافظ النوويّ:" وأما إذا قال التابعيّ: من السنّة كذا، فالصحيح أنَّه موقوف، وقال بعض أصحابنا الشافعيين: أنَّه مرفوع مرسل.
أما إذا قال التابعيّ:كانوا يفعلون، فلا يدلّ على فعل جميع الأمَّة، بل على بعض الأمة، فلا حجّة فيه إلا أن يصرّح بنقله عن أهل الإجماع ". ١
وقال الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين
стр. 53
العراقيّ (ت ٨٠٦ هـ) :" وإن يقل هذه الألفاظ - يرفعه، يبلغ به، روايةً ونحو ذلك - تابعيّ ١، فهو مرسل - أي: مرفوع مرسل -، فإذا قال التابعيّ: من السنّة كذا، فهل هو موقوف متّصل أو مرفوع مرسل كالذي قبله فيه وجهان لأصحاب الشافعيّ، مثاله ما رواه البيهقيّ من قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:" السنّة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات ". ٢
ثمّ قال:" والفرق بينه وبين الذي قبله إنَّ قوله: يرفع الحديث تصريح بالرفع، وأما قوله: من السنّة فكثيراً ما يعبّر به عن سنّة الخلفاء الراشدين، ويترجّح ذلك إذا قاله التابعيّ بخلاف ما إذا قال الصحابيّ، فإنَّ الظاهر أنَّ مراده
стр. 54
سنة النبيّ ﷺ ". ١ ثمّ قال:" وإذا قال التابعيّ:أُمِرنا بكذا ونحوه، فهل يكون موقوفاً أو مرفوعاً مرسلاً؟ فيه احتمالان لأبي حامد الغزاليّ ولم يرجح واحداً من الاحتمالين، وجزم ابن الصباغ في " العدّة " بأنَّه مرسل. وحكى فيما إذا قال ذلك سعيد بن المسيب هل يكون حجّة؟ وجهين، والله أعلم ". ٢
قال السخاويّ:" ... نعم ألحق الشافعيّ ﵀ بالصحابة سعيد بن المسيب في: من السنّة ... وكذا قال عليّ بن المدينيّ: إذا قال سعيد: مضت السنّة ... فحسبك به، وحينئذ فهو مستثنى من التابعين كما في المرسل أيضاً ". ٣
стр. 55
ثمّ قال:" أما إذا جاء عن التابعيّ:كنّا نفعل فليس بمرفوع قطعاً ولا بموقوف إن لم يضفه لزمن الصحابة، بل مقطوع، فإن أضافه احتمل الوقف لإنَّ الظاهر اطّلاعهم على ذلك وتقريرهم له، ويحتمل عدمه ". ١
وقال في " الكوكب المنير ":" وقول التابعيّ:أُمِرنا ونُهِينا ومن السنّة وكانوا يفعلون كذا كقول الصحابيّ ذلك حجّة ".
قال الشارح:" أي: في الاحتجاج به عند أصحابنا، وأومأ إليه أحمد ﵁، لكنّه كالمرسل وخالف الشيخ تقيّ الدين في قوله: كانوا يفعلون كذا وقال: ليس بحجّة لأنَّه قد يعني من أدركه كقول إبراهيم النخعيّ:كانوا يفعلون يريد أصحاب عبد الله بن مسعود ".٢
стр. 56
المبحث الرابع: ما وقف على الصحابيّ مما ليس للرأي فيه مجال: ١
أولاً: يراد بما ليس للرأي فيه مجال الأمور الآتية:
أ - الإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، وقصص الأنبياء ونحو ذلك.
ب - الإخبار عن الأمور الآتية كالملاحم، والفتن، والبعث، وصفة الجنّة والنار.
ج - الإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص.
ثانياً: من أمثلته:
١ - ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم في " معرفة
стр. 57
علوم الحديث " ١ بسنده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال:" من أتى ساحراً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ ".
٢ - ما رواه البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أنَّه كان يقول:" شرّ الطعام الوليمة، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ". ٢
стр. 58
٣ - ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال وقد رأى رجلاً يخرج من المسجد بعد الأذان:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". ١
٤ - ما أخرجه البخاريّ معلّقاً موقوفاً عن عمار بن ياسر ﵁ قال:" من صام اليوم الذي يشكّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". ٢
стр. 59
ثالثاً: حكمه:١
ذهب الجماهير من المحدّثين والفقهاء والأصوليين إلى أنَّه مرفوع، وهذه أهمّ أقوالهم في ذلك:
١ - قال أبو عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) :
النوع السادس من معرفة علوم الحديث هو معرفة الأسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله ﷺ ، ثمّ ذكر أمثلة لذلك وهي:
أ - ذكر بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال:" كنّا نتمضمض من اللبن ولا نتوضّأ منه ".
ب - وبإسناده إلى أنس بن مالك قال:" كان يقال في أيام العشر بكلّ يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف "،
стр. 60
قال: يعني في الفضل.
ج - وبسنده أيضاً إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال:" من أتى ساحراً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ ".
ثمّ قال ﵀:" هذا باب كبير يطول ذكره بالأسانيد فمن ذلك ما ذكرنا ... وأشباه ما ذكرناه إذا قاله الصحابيّ المعروف بالصحبة فهو حديث مسند وكلّ ذلك مخرّج في المسانيد " ١.
٢ - وبعد أن ذكر ابن عبد البرّ ﵀ حديثي أبي هريرة:
أ - " شرّ الطعام طعام الوليمة ... الحديث ".
ب - وحديث:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ " يعني الخارج من المسجد بعد الأذان قال:" ولا يختلفون في هذا أو ذاك أنّهما مسندان مرفوعان ". ٢
стр. 61
٣ - قال أبو حفص عمر بن رسلان سراج الدين البلقينيّ (ت ٨٠٥ هـ) :" ... وأما حديثه في صيام يوم الشّكّ، وحديث أبي هريرة في الخارج من المسجد بعد الأذان ونسبة كلّ منهما إلى أنَّه عصى أبا القاسم، فالأقرب أنَّه ليس بمرفوع، لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد ". ١
٤ - قال الحافظ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) :" لم يتعرّض ابن الصلاح إلى بيان حكم ما ينسب الصحابيّ فاعله إلى الكفر أو العصيان كقول ابن مسعود:" من أتى عرافاً أو ساحراً أو كاهناً فصدّقه فقد كفر بما أنزل على محمَّد ﷺ "، وكقول أبي هريرة:" ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله "، وقوله في الخارج من المسجد بعد الأذان:" أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ "، وقول عمار بن ياسر:" من صام اليوم الذي يشكّ فيه فقد عصى
стр. 62
أبا القاسم ﷺ " ١، فهذا ظاهره إنَّ له حكم الرفع، ويحتمل أن يكون موقوفاً لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، والأول أظهر، بل حكى ابن عبد البرّ الإجماع على أنَّه مسند، وبذلك جزم الحاكم في " علوم الحديث " ٢، والإمام فخر الدين الرازيّ في " المحصول " ". ٣
٥ - وقال أيضاً:" ومثال المرفوع من القول حكماً لا تصريحاً أن يقول الصحابيّ الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات ما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا تعلّق له ببيان لغة أو شرح غريب، كالإخبار عن الأمور الماضية كبدء الخلق وأخبار الأنبياء، أو الآتية كالملاحم والفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل بفعله ثواب
стр. 63
مخصوص أو عقاب مخصوص، وإنّما كان له حكم الرفع لأنَّ إخباره بذلك يقتضي مخبراً له، وما لا مجال للاجتهاد فيه يقتضي موقفا للقائل به، ولا موقف للصحابة إلا النبيّ ﷺ أو بعض من يخبر عن الكتب القديمة، فلهذا وقع الاحتراز عن القسم الثاني، وإذا كان كذلك فله حكم ما لو قال: قال رسول الله ﷺ ، فهو مرفوع سواء كان مما سمعه منه أو عنه بواسطة ". ١
٦ - وقال الحافظ محمَّد بن عبد الرحمن السخاويّ (ت ٩٠٢ هـ) :" وأدخل ابن عبد البرّ في كتابه " التقصّي الموضوع لما في الموطّأ من المرفوع " ٢ عدّة أحاديث ذكرها مالك في " الموطّأ " موقوفة، منها حديث
стр. 64
سهل بن حثمة في صلاة الخوف ١، وصرّح في " التمهيد " بأنَّه لا يقال من جهة الرأي ٢، ثمّ قال: وقال أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان الداني (ت ٤٤٤ هـ) :وقد يحكي الصحابيّ قولاً يوقفه على نفسه فيخرجه أهل الحديث في المسند لامتناع أن يكون الصحابيّ قاله إلا بتوقيف، كحديث أبي صالح السمان عن أبي هريرة أنَّه قال:" نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات " ٣ فمثل هذا لا يقال بالرأي فيكون من جملة المسند ".
стр. 65
ثمّ قال السخاويّ:" وقال ابن العربيّ في " القبس ":إذا قال الصحابيّ قولاً لا يقتضيه القياس، فأنَّه محمول على المسند إلى النبيّ ﷺ ، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنَّه كالمسند. اهـ
وهو الظّاهر من احتجاج الشافعيّ ﵀ في الجديد بقول عائشة:" فرضت الصلاة ركعتين ركعتين " ١ حيث أعطاه حكم المرفوع لكونه مما لا مجال للرأي فيه ".
ثمّ قال:" إذا علم هذا فقد ألحق ابن العربيّ بالصحابة في ذلك ما يجيء عن التابعين أيضاً مما لا مجال للاجتهاد فيه على أنَّه يكون في حكم المرفوع، وادّعى أنَّه مذهب مالك ". ٢
٧ - قال الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ (ت ٨٠٦ هـ) :" ما جاء عن صحابيّ موقوفاً
стр. 66
عليه ومثله لا يقال من قبل الرأي حكمه حكم المرفوع، كما قال الإمام فخر الدين في " المحصول " ١، فقال: إذا قال الصحابيّ قولاً ليس للاجتهاد فيه مجال فهو محمول على السماع تحسيناً للظنّ به ".
ثمّ قال:" وما قاله في " المحصول " موجود في كلام غير واحد من الأئمّة كأبي عمر ابن عبد البرّ وغيره، وقد أدخل في كتابه " التقصّي " عدّة أحاديث ذكرها مالك في الموطّأ موقوفة مع إنَّ موضوع الكتاب لما في الموطّأ من الأحاديث المرفوعة، ومنها حديث سهل بن حَثْمَة في صلاة الخوف، وقال في " التمهيد ":هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، قال: ومثله لا يقال من جهة الرأي ". ٢
٨ - قال الشيخ محمَّد الأمين الشنقيطيّ ﵀ في
стр. 67
مسألة قول الصحابيّ الموقوف عليه:" لها حالتان: الأولى أن يكون مما لا مجال للرأي فيه، الثانية: أن يكون مما له فيه مجال. فإن كان مما لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع كما تقرّر في علم الحديث، فيقدّم على القياس ويخصّ به النّصّ إن لم يعرف الصحابيّ بالأخذ عن الإسرائيليّات ... ". ١
стр. 68
المبحث الخامس: هل تفسير الصحابيّ للقرآن من قبيل المسند المرفوع أم هو موقوف ؟
تتلخّص الإجابة على هذا السؤال في قولين للعلماء:١
الأول: إن كان مما يتعلّق بسبب النزول أو الإخبار عن نزول آية بذلك فهو مسند مرفوع. وما سوى ذلك فهو موقوف على الصحابيّ.
الثاني: يضاف إلى سبب النزول ما كان مما لا مجال للاجتهاد فيه كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء ونحو ذلك، أو عن الأمور الآتية كالملاحم والفتن وصفة الجنّة والنار، أو الإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فيكون هذا كلّه مرفوعاً، وما سواه من تفسير آية تتعلق بحكم شرعيّ
стр. 69
يحتمل أن يكون استفاد ذلك من النبيّ ﷺ أو من القواعد الشرعيّة العامّة، أو تفسير مفرد نقله عن اللسان خاصّة، فهذا لا يجزم برفعه.
وفيما يأتي أقوال الأئمّة في هذه المسألة:
١ - قال الحافظ ابن الصّلاح:" ما قيل من إنَّ تفسيير الصحابيّ حديث مسند، فإنّما ذلك في تفسير يتعلّق بسبب نزول آية يخبر به الصحابيّ أو نحو ذلك، ثمّ قال: فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله ﷺ فمعدودة في الموقوفات، والله أعلم ".١
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم تقيّ الدين ابن تيميّة (ت ٧٢٨ هـ) :" وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: نزلت هذه الآية في كذا، هل يجري مجرى المسند كما يذكر السبب الذي نزلت لأجله، أو يجري
стр. 70
مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند. فالبخاريّ يدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما ذكر سبباً نزلت عقبه الآية، فإنّهم كلّهم يدخلون مثل هذا في المسند". ١
٢ - قال أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) :" ومن الموقوف الذي يستدلّ به على أحاديث كثيرة ما حدثناه أحمد بن كامل القاضي - ثمّ ذكر بإسناده إلى أببي هريرة ﵁ في قول الله : ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ قال أبو هريرة: تلقاهم جهنّم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحماً على عظم إلا وضعت على العراقيب ".
قال:" هذا وأشباهه من الموقوفات تعدّ في تفسير الصحابيّ، فأما ما نقول في تفسير الصحابيّ مسند، فإنّما
стр. 71
نقوله في غير هذا النوع، فإنَّه كما أخبرنا أبو عبد الله الصفار - ثمّ ذكر بإسناده إلى محمَّد بن المنكدر - عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ١ الآية ".
قال الحاكم:" هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها وليست بموقوفة، فإنَّ الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنّها نزلت في كذا أو كذا فأنَّه حديث مسند - مرفوع - ". ٢
٣ - قال الخطيب أحمد بن عليّ بن ثابت البغداديّ (ت ٤٦٣ هـ) تعقيباً على حديث جابر الآنف الذكر:
стр. 72
" ... فهذا يتوهّم موقوفاً لأنَّه لا ذكر فيه للنبيّ ﷺ ، وليس بموقوف، وإنّما هو مسند، لأنَّ الصحابيّ الذي شاهد الوحي إذا أخبر عن آية أنّها نزلت في كذا وكذا كان ذلك مسنداً - مرفوعاً - ". ١
٤ - قال الحافظ ابن حجر:" أطلق الحاكم النقل عن البخاريّ ومسلم أنَّ تفسير الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل حديث مسند " ٢.
стр. 73
ثمّ قال:" والحقّ إنَّ ضابط ما يفسّره الصحابيّ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولاً عن لسان العرب، فحكمه الرفع، وإلا فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء وعن الأمور الآتية كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنّة والنار والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع ".
ثمّ قال:" وأما إذا فسّر آية تتعلّق بحكم شرعيّ فيحتمل أن يكون ذلك مستفاداً عن النبيّ ﷺ ، وعن القواعد، فلا يجزم برفعه. وهذا التحرير الذي حرّرناه هو معتمد خلق كثير من الأئمّة كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعيّ، وأبي جعفر الطبريّ، وأبي جعفر الطحاويّ،
стр. 74
وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقيّ، وابن عبد البرّ في آخرين. إلا أنَّه يستثنى من ذلك ما كان المفسّر له من الصحابة ممن عرف بالنظر في الإسرائيليّات كمسلمة أهل الكتاب مثل: عبد الله بن سلام وغيره وكعبد الله بن عمرو بن العاص فأنَّه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب ... فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدّمنا ذكرها الرفع لقوّة الاحتمال، والله أعلم ". ١
اعترض الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الرحمن السخاويّ (ت ٩٠٢ هـ) على شيخه ومن سبقه كابن حزم في هذا الاستثناء - مسألة الأخذ عن أهل الكتاب - واعتراضه قويّ، وهو في موضعه، وهذا هو الظنّ بأصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، وقد اختارهم الله لحمل الرسالة إلى الأمَّة من بعد وفاة نبيّها عليه أفضل
стр. 75
الصلاة وأزكى التّسليم.
فقال ﵀ بعد أن أورد كلام شيخه في هذه المسألة:" وفي ذلك نظر، فإنَّه يبعد إنَّ الصحابيّ المتّصف بالأخذ عن أهل الكتاب يسوّغ حكاية شيء من الأحكام الشرعيّة التي لا مجال للرأي فيها مستنداً لذلك من غير عزو، مع قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ﴾ ١ التي جنح البخاريّ إلى تبيين قوله ﷺ :" ليس منَّا من لم يتغنّ بالقرآن " بها. وعلمه - الصحابيّ - بما وقع فيه من التبديل والتحريف بحيث سمى ابن عمرو بن العاص صحيفته النبويّة: الصادقة احترازاً عن الصحيفة اليرموكيّة ٢، وكونه في مقام تببيّن الشريعة المحمّديّة كما قيل به في:" أمرنا ونهينا وكنّا نفعل " ونحو ذلك،