نقوله في غير هذا النوع، فإنَّه كما أخبرنا أبو عبد الله الصفار - ثمّ ذكر بإسناده إلى محمَّد بن المنكدر - عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ١ الآية ".
قال الحاكم:" هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها وليست بموقوفة، فإنَّ الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنّها نزلت في كذا أو كذا فأنَّه حديث مسند - مرفوع - ". ٢
٣ - قال الخطيب أحمد بن عليّ بن ثابت البغداديّ (ت ٤٦٣ هـ) تعقيباً على حديث جابر الآنف الذكر:
стр. 72
" ... فهذا يتوهّم موقوفاً لأنَّه لا ذكر فيه للنبيّ ﷺ ، وليس بموقوف، وإنّما هو مسند، لأنَّ الصحابيّ الذي شاهد الوحي إذا أخبر عن آية أنّها نزلت في كذا وكذا كان ذلك مسنداً - مرفوعاً - ". ١
٤ - قال الحافظ ابن حجر:" أطلق الحاكم النقل عن البخاريّ ومسلم أنَّ تفسير الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل حديث مسند " ٢.
стр. 73
ثمّ قال:" والحقّ إنَّ ضابط ما يفسّره الصحابيّ إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولاً عن لسان العرب، فحكمه الرفع، وإلا فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء وعن الأمور الآتية كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنّة والنار والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع ".
ثمّ قال:" وأما إذا فسّر آية تتعلّق بحكم شرعيّ فيحتمل أن يكون ذلك مستفاداً عن النبيّ ﷺ ، وعن القواعد، فلا يجزم برفعه. وهذا التحرير الذي حرّرناه هو معتمد خلق كثير من الأئمّة كصاحبي الصحيح، والإمام الشافعيّ، وأبي جعفر الطبريّ، وأبي جعفر الطحاويّ،
стр. 74
وأبي بكر بن مردويه في تفسيره المسند، والبيهقيّ، وابن عبد البرّ في آخرين. إلا أنَّه يستثنى من ذلك ما كان المفسّر له من الصحابة ممن عرف بالنظر في الإسرائيليّات كمسلمة أهل الكتاب مثل: عبد الله بن سلام وغيره وكعبد الله بن عمرو بن العاص فأنَّه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب ... فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدّمنا ذكرها الرفع لقوّة الاحتمال، والله أعلم ". ١
اعترض الحافظ أبو عبد الله محمَّد بن عبد الرحمن السخاويّ (ت ٩٠٢ هـ) على شيخه ومن سبقه كابن حزم في هذا الاستثناء - مسألة الأخذ عن أهل الكتاب - واعتراضه قويّ، وهو في موضعه، وهذا هو الظنّ بأصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، وقد اختارهم الله لحمل الرسالة إلى الأمَّة من بعد وفاة نبيّها عليه أفضل
стр. 75
الصلاة وأزكى التّسليم.
فقال ﵀ بعد أن أورد كلام شيخه في هذه المسألة:" وفي ذلك نظر، فإنَّه يبعد إنَّ الصحابيّ المتّصف بالأخذ عن أهل الكتاب يسوّغ حكاية شيء من الأحكام الشرعيّة التي لا مجال للرأي فيها مستنداً لذلك من غير عزو، مع قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ﴾ ١ التي جنح البخاريّ إلى تبيين قوله ﷺ :" ليس منَّا من لم يتغنّ بالقرآن " بها. وعلمه - الصحابيّ - بما وقع فيه من التبديل والتحريف بحيث سمى ابن عمرو بن العاص صحيفته النبويّة: الصادقة احترازاً عن الصحيفة اليرموكيّة ٢، وكونه في مقام تببيّن الشريعة المحمّديّة كما قيل به في:" أمرنا ونهينا وكنّا نفعل " ونحو ذلك،
стр. 76
فحاشاهم من ذلك خصوصاً وقد منع عمر ﵁ كعباً من الحديث بذلك قائلاً له:" لتتركنّه أو لألحقنّك بأرض القردة " ١، وأصرح منه منع ابن عباس له ولو وافق كتابنا، وقال أنَّه لا حاجة بنا إلى ذلك، وكذا نهى عن مثله ابن مسعود وغيره من الصحابة ... إلى أن قال: ولا ينافيه " حدّثوا عن بني إسرائيل ولاحرج " ٢، فهو خاصّ بما وقع فيهم من الحوادث والأخبار المحكيّة عنهم، لما في ذلك من العبرة والعظة، ولما فيها من الأعاجيب ". ٣ اهـ ملخّصاً.
٥ - بعد أن أورد الحافظ السخاويّ كلام من سبقه مثل الخطيب والحاكم وابن الصلاح في التفريق بين سبب
стр. 77
النزول وغيره قال:" ... وإنّما كان كذلك لأنَّ من التّفسير ما ينشأ عن معرفة طرق البلاغة واللغة كتفسير مفرد بمفرد، أو يكون متعلّقا بحكم شرعيّ ونحو ذلك مما للرأي فيه مجال، فلا يحكم لما يكون من نحو هذا القبيل بالرفع لعدم تحتّم إضافته إلى الشارع. أما اللغة والبلاغة فلكونهم في الفصاحة والبلاغة بالمحلّ الرفيع. وأما الأحكام فلاحتمال أن يكون مستفاداً من القواعد، بل هو معدود في الموقوفات ".
ثمّ قال:" ومن المرفوع ما لا تعلّق للسان العرب به ولا مجال للرأي فيه كتفسير أمر مغيب من أمر الدنيا أو الآخرة أو الجنّة أو النّار، أو تعيّن ثواب أو عقاب ونحو ذلك من سبب نزول كقول جابر: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية ". ١
стр. 78
الخاتمة:
وفيها أهمّ النتائج التي توصّلت إليها في هذا البحث:
أولاً: يمكن تقسيم الصيغ الواردة في هذا البحث إلى قسمين:
١ - ما كان منها بصيغة الجمع ودالّة على تكرار القول أو الفعل من الصحابة مثل قول الراوي: كانوا يفعلون كذا، كنّا نقول كذا، كانوا لا يرون بأساً بكذا، أُمرنا أو نُهِينا عن كذا ونحو ذلك، فهذه محمولة على الرفع إلا ما استثني من ذلك، كأن يكون الفعل مما يخفى غالباً.
٢ - ما كان بصيغة الإفراد كقول الصحابيّ أو فعله أو تفسيره، فهو محمول على الوقف إلا ما استثني من ذلك، كالتفسير المتعلّق بسبب النزول، وما قاله الصحابيّ أو فعله مما لا مجال للرأي فيه فيكون مرفوعاً حكماً.
ثانياً:إنَّ من أمثلة ما لا مجال للرأي فيه ما يأتي:
١ - الإخبار عن الأمور الماضية كقصص الأنبياء وبدء
стр. 79
الخلق ونحو ذلك.
٢ - الإخبار عن الأمور الآتية كالملاحم والفتن وما يكون في اليوم الآخر وصفة الجنّ والنار ونحو ذلك.
٣ - الإخبار عن عمل أنَّه طاعة أو معصية ويحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص.
ثالثاً: يمكن تقسيم تفسير الصحابيّ للقرآن إلى ثلاثة أقسام هي:
١ - ما كان في تفسير مفرد بمفرد أو استنباط حكم ونحو ذلك فهو موقوف.
٢ - ما كان في ذكر سبب النزول ونحوه فهذا مرفوع.
٣ - ما كان من التفسير مما لا مجال للرأي فيه فهذا - أيضاً - مرفوع.
رابعاً: إنَّ هذه المباحث من المباحث المشتركة بين علوم الحديث وأصول الفقه، وذلك إنَّ غالب الأحاديث المرويّة بهذه الصيغ تدخل تحت تقرير رسول الله ﷺ ،
стр. 80
وتقريره ﷺ أحد أقسام السنّة، إذ السنّة ما أضيف إلى النبيّ ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، لهذا اهتمّت جلّ كتب أصول الفقه بذكر هذه المباحث، وعلى وجه الخصوص المباحث الأول والثاني والثالث والرابع.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمدٍ ﷺ وعلى آله وصحابته أجمعين