مباحث في علوم القرآن
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الأولى للطبعة الجديدة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أُقَدِّم هذه الطبعة للدارسين والقراء، وهي طبعة جديدة خاصة بمكتبة المعارف للنشر والتوزيع في الرياض، بعد أن لقي هذا الكتاب قبولًا بتوفيق الله تعالى ما كنت أتوقعه، وترجم إلى عدة لغات، وتقررت دراسته في أكثر الجامعات الإسلامية.
ولست أدعي أنه لا يعدله كتاب آخر في مادته العلمية، ولكنني بذلت جهدي ما استطعت في اصطفاء موضوعاته، واستخلاص لبها، وانتقاء المفيد منها، وصغت ذلك بأسلوب عذب شائق، وعبارات واضحة جلية، وترتيب محكم دقيق. وكان رواج الكتاب إعلانًا عن قبوله ومدى الحاجة إليه.
وأسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، وأن ينفعنا وينفع بنا، إنه سميع مجيب.
مناع خليل القطان
الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
والمشرف على الدراسات العليا
في ٢٠/ ٢ /١٤١٣هـ
стр. 2
التعريف بالعلم وبيان نشأته وتطوره:
القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الخالدة التي لا يزيدها التقدم العلمي إلا رسوخًا في الإعجاز، أنزله الله على رسولنا محمد ﷺ ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، فكان صلوات الله وسلامه عليه يبلغه لصحابته –وهم عرب خُلَّصٌ- فيفهمونه بسليقتهم، وإذا التبس عليهم فهم آية من الآيات سألوا رسول الله ﷺ عنها.
رَوَى الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ١, شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ٢, إنما هو الشرك".
وكان رسول الله ﷺ يُفَسِّرُ لهم بعض الآيات.
أخرج مسلم وغيره عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ٣, "ألا إن القوة الرمي".
وحرص الصحابة على تلقي القرآن الكريم من رسول الله ﷺ وحفظه وفهمه، وكان ذلك شرفًا لهم.
عن أنس ﵁ قال: "كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا" أي عَظُم.
وحرصوا كذلك على العمل به والوقوف عند أحكامه.
стр. 3
رُوِيَ عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا"١.
ولم يأذن لهم رسول الله ﷺ في كتابة شيء عنه سوى القرآن خشية أن يلتبس القرآن بغيره.
رَوَى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني, ومَن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدِّثوا عني ولا حَرَج، ومَن كَذَبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
ولئن كان رسول الله ﷺ قد أذن لبعض صحابته بعد ذلك في كتابة الحديث فإن ما يتصل بالقرآن ظل يعتمد على الرواية بالتلقين في عهد رسول الله ﷺ وفي خلافة أبي بكر وعمر ﵄.
جاءت خلافة عثمان٢ ﵁، واقتضت الدواعي -التي سنذكرها فيما بعد٣– إلى جمع المسلمين على مصحف واحد، فتم ذلك، وسُمِّيَ بالمصحف الإمام، وأُرْسلت نسخ منه إلى الأمصار، وسُمِّيَتْ كتابته بالرسم العثماني، نسبة إليه، ويُعتبر هذا بداية "لعلم رسم القرآن".
ثم كانت خلافة عليٍّ ﵁ فوضع أبو الأسود الدؤلي بأمر منه قواعد النحو، صيانة لسلامة النطق، وضبطًا للقرآن الكريم، ويُعتبر هذا كذلك بداية لـ"علم إعراب القرآن".
стр. 4
استمر الصحابة يتناقلون معاني القرآن وتفسير بعض آياته على تفاوت فيما بينهم، لتفاوت قدرتهم على الفهم، وتفاوت ملازمتهم لرسول الله ﷺ وتناقل عنهم ذلك تلاميذهم من التابعين.
ومن أشهر المفسرين من الصحابة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير.
وقد كثرت الرواية في التفسير عن: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، وما رُوِيَ عنهم لا يتضمن تفسيرًا كاملًا للقرآن، وإنما يقتصر على معاني بعض الآيات، بتفسير غامضها، وتوضيح مجملها.
أما التابعون، فاشتهر منهم جماعة، أخذوا عن الصحابة، واجتهدوا في تفسير بعض الآيات.
فاشتهر من تلاميذ ابن عباس بمكة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعِكرمة مولى ابن عباس، وطاوس بن كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح.
واشتهر من تلاميذ أُبَيِّ بن كعب بالمدينة: زيد بن أسلم، وأبو العالية، ومحمد بن كعب القرظي.
واشتهر من تلاميذ عبد الله بن مسعود بالعراق: علقمة بن قيس، ومسروق، والأسود بن يزيد، وعامر الشعبي، والحسن البصري، وقتادة بن دعامة السدوسي.
قال ابن تيمية: "وأما التفسير، فأعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعِكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به عن غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل: زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب"١.
стр. 5
والذي رُوِيَ عن هؤلاء جميعًا يتناول: علم التفسير، وعلم غريب القرآن، وعلم أسباب النزول، وعلم المكي والمدني، وعلم الناسخ والمنسوخ، ولكن هذا كله ظل معتمدًا على الرواية بالتلقين.
جاء عصر التدوين في القرن الثاني، وبدأ تدوين الحديث بأبوابه المتنوعة، وشمل ذلك ما يتعلق بالتفسير، وجمع بعض العلماء ما رُوِيَ من تفسير للقرآن الكريم عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة، أو عن التابعين.
واشتهر منهم: يزيد بن هارون السلمي المتوفى سنة ١١٧ هجرية، وشُعْبَة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هجرية، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هجرية، وسفيان بن عُيينة المتوفى سنة ١٩٨ هجرية، وعبد الرزاق بن همام المتوفى سنة ٢١١ هجرية.
وهؤلاء جميعًا كانوا من أئمة الحديث، فكان جمعهم للتفسير جمعًا لباب من أبوابه، ولم يصلنا من تفاسيرهم شيء مكتوب سوى مخطوطة تفسير عبد الرزاق بن همام.
ثم نهج نهجهم بعد ذلك جماعة من العلماء وضعوا تفسيرًا متكاملًا للقرآن وفق ترتيب آياته، واشتهر منهم ابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هجرية.
وهكذا بدأ التفسير أولًا بالنقل عن طريق التلقي والرواية، ثم كان تدوينه على أنه باب من أبواب الحديث، ثم دُوِّنَ على استقلال وانفراد، وتتابع التفسير بالمأثور، ثم التفسير بالرأي.
وبإزاء علم التفسير كان التأليف الموضوعي في موضوعات تتصل بالقرآن ولا يستغني المفسر عنها.
فألَّف عليُّ بن المديني شيخ البخاري المتوفى سنة ٢٣٤ هجرية في أسباب النزول.
وألَّف أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤ هجرية في الناسخ والمنسوخ، وفي القراءات.
стр. 6
وألَّف ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هجرية في مُشْكَل القرآن.
وهؤلاء من علماء القرن الثالث الهجري.
وألَّف محمد بن خلف المرزبان المتوفى سنة ٣٠٩ هجرية "الحاوي في علوم القرآن".
وألَّف أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري المتوفى سنة ٣٢٨ هجرية في علوم القرآن.
وألَّف أبو بكر السجستاني المتوفى سنة ٣٣٠ هجرية في غريب القرآن.
وألَّف محمد بن عليٍّ الأدفوي المتوفى سنة ٣٨٨ هجرية "الاستغناء في علوم القرآن".
وهؤلاء من علماء القرن الرابع الهجري.
ثم تتابع التأليف بعد ذلك.
فألَّف أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هجرية في إعجاز القرآن. وعليُّ بن إبراهيم بن سعيد الحوفي المتوفى سنة ٤٣٠ هجرية في إعراب القرآن.
والماوردي المتوفى سنة ٤٥٠ هجرية في أمثال القرآن.
والعز بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠ هجرية في مجاز القرآن.
وعلم الدين السخاوي المتوفى سنة ٦٤٣ هجرية في علم القراءات.
وابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ هجرية في "أقسام القرآن".
وهذه المؤلَّفات يتناول كل مؤلف منها نوعًا من علوم القرآن وبحثًا من مباحثه المتصلة به.
أما جمع هذه المباحث وتلك الأنواع –كلها أو جلها- في مؤلف واحد فقد ذكر الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في كتابه "مناهل العرفان في علوم
стр. 7
القرآن"١ أنه ظفر في دار الكتب المصرية بكتاب مخطوط لعلي بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي، اسمه "البرهان في علوم القرآن" يقع في ثلاثين مجلدًا، يوجد منها خمسة عشر مجلدًا غير مرتبة ولا متعاقبة، حيث يتناول المؤلف الآية من آيات القرآن الكريم بترتيب المصحف فيتكلم عما تشتمل عليه من علوم القرآن، مفردًِا كل نوع بعنوان، فيجعل العنوان العام في الآية: "القول في قوله ... " ويذكر الآية، ثم يضع تحت هذا العنوان: "القول في الإعراب" ويتحدث عن الآية من الناحية النحوية واللغوية، ثم "القول في المعنى والتفسير" ويشرح الآية بالمأثور والمعقول، ثم "القول في الوقف والتمام" ويبين ما يجوز من الوقف وما لا يجوز، وقد يُفْرِد القراءات بعنوان مستقل فيقول: "القول في القراءة"، وقد يتكلم عن الأحكام التي تؤخذ من الآية عند عرضها.
والحوفي بهذا النهج يعتبر أول من دَوَّن علوم القرآن، وإن كان تدوينه على النمط الخاص الآنف الذكر، وهو المتوفى سنة ٤٣٠هـ.
ثم تبعه ابن الجوزي سنة ٥٩٧ هجرية في كتابه "فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن"٢.
ثم جاء بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هجرية وألف كتابًا وافيًا سماه "البرهان في علوم القرآن"٣.
ثم أضاف إليه بعض الزيادات جلال الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٢٤ هجرية في كتابه "مواقع العلوم من مواقع النجوم".
стр. 8
ثم ألف جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هجرية كتابه المشهور "الإتقان في علوم القرآن".
ولم يكن نصيب علوم القرآن من التأليف في عصر النهضة الحديثة أقل من العلوم الأخرى. فقد اتجه المتصلون بحركة الفكر الإسلامي اتجاهًا سديدًا في معالجة الموضوعات القرآنية بأسلوب العصر، مثل كتاب "إعجاز القرآن" لمصطفى صادق الرافعي، وكتابي "التصوير الفني في القرآن" و"مشاهد القيامة في القرآن" للشهيد سيد قطب. و"ترجمة القرآن" للشيخ محمد مصطفى المراغي، وبحث فيها لمحب الدين الخطيب، و"مسألة ترجمة القرآن" لمصطفى صبري، و"النبأ العظيم" للدكتور محمد عبد الله دراز، ومقدمة تفسير "محاسن التأويل" لمحمد جمال الدين القاسمي.
وألف الشيخ طاهر الجزائري كتابًا سماه "التبيان في علوم القرآن".
وألف الشيخ محمد علي سلامة كتابه "منهج الفرقان في علوم القرآن" تناول فيه المباحث المقررة بكلية أصول الدين بمصر تخصص الدعوة والإرشاد.
وتلاه الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني فألف كتابه "مناهل العرفان في علوم القرآن".
ثم الشيخ أحمد أحمد علي في "مذكرة علوم القرآن" التي ألقاها على طلابه بالكلية، قسم إجازة الدعوة والإرشاد.
وصدر أخيرًا "مباحث في علوم القرآن" للدكتور صبحي الصالح.
وللأستاذ أحمد محمد جمال، أبحاث "على مائدة القرآن".
هذه المباحث جميعها هي التي تُعرف بعلوم القرآن، حتى صارت علمًا على العلم المعروف بهذا الاسم.
стр. 9
والعلوم: جمع عِلم، والعلم: الفهم والإدراك. ثم نُقِلَ بمعنى المسائل المختلفة المضبوطة ضبطًا علميًّا.
والمراد بعلوم القرآن: العلم الذي يتناول الأبحاث المتعلقة بالقرآن من حيث معرفة أسباب النزول، وجمع القرآن وترتيبه، ومعرفة المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمُحْكَمِ والمتشابه، إلى غير ذلك مما له صلة بالقرآن.
وقد يسمى هذا العلم بأصول التفسير, لأنه يتناول المباحث التي لا بد للمفسر من معرفتها للاستناد إليها في تفسير القرآن١.
стр. 10
القرآن
مدخل
...
القرآن:
من فضل الله على الإنسان أنه لم يتركه في الحياة يستهدي بما أودعه الله فيه من فطرة سليمة، تقوده إلى الخير، وترشده إلى البر فحسب، بل بعث إليه بين فترة وأخرى رسولًا يحمل من الله كتابًا يدعوه إلى عبادة الله وحده، ويبشر وينذر، لتقوم عليه الحجة: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١.
وظلت الإنسانية -في تطورها ورقيها الفكري- والوحي يعاودها بما يناسبها ويحل مشكلاتها الوقتية في نطاق قوم كل رسول، حتى اكتمل نضجها، وأراد الله لرسالة محمد ﷺ أن تشرق على الوجود، فبعثه على فترة من الرسل. ليكمل صرح إخوانه الرسل السابقين بشريعته العامة الخالدة، وكتابه المنزَّل عليه، وهو القرآن الكريم ... "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون منه، ويقولون: لولا هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" ٢.
فالقرآن رسالة الله إلى الإنسانية كافة وقد تواترت النصوص الدالة على ذلك في الكتاب والسٌّنَّة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٣.. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٤، "وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة" ٥، ولن يأتي بعده رسالة أخرى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٦.
стр. 11
فلا غرو من أن يأتي القرآن وافيًا بجميع مطالب الحياة الإنسانية على الأسس الأولى للأديان السماوية: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١..
وتحدى رسول الله ﷺ العرب بالقرآن، وقد نزل بلسانهم، وهم أرباب الفصاحة والبيان، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله، فثبت له الإعجاز، وبإعجازه ثبتت الرسالة.
وكتب الله له الحفظ والنقل المتواتر دون تحريف أو تبديل، فمن أوصاف جبريل الذي نزل به: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ٢, ومن أوصافه وأوصاف المنزل عليه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ, ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ, مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ, ومَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ, وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ, وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ٣، ﴿إَنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٍ, فيِ كِتَابٍ مَّكَنُونٍ, لاَ يَمَسُّهُ إلاَّ المُطَهَّروَنَ﴾ ٤..
ولم تكن هذه الميزة لكتاب آخر من الكتب السابقة لأنها جاءت موقوتة بزمن خاص، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٥.
وتجاوزت رسالة القرآن الإنس إلى الجن: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ, قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ, يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ ٦..
والقرآن بتلك الخصائص يعالج المشكلات الإنسانية في شتى مرافق الحياة، الروحية والعقلية والبدنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية علاجًا حكيمًا، لأنه تنزيل الحكيم الحميد، ويضع لكل مشكلة بَلْسَمَها الشافي في أسس عامة،
стр. 12
تترسم الإنسانية خُطاها، وتبني عليها في كل عصر ما يلائمها، فاكتسب بذلك صلاحيته لكل زمان ومكان، فهو دين الخلود، وما أروع ما قاله داعية الإسلام في القرن الرابع عشر: "الإسلام نظام شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خُلُقٌ وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة، أو كسب وغِنَى، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة، وعبادة صحيحة سواء بسواء"١.
والإنسانية المعذَّبة اليوم في ضميرها، المضطربة في أنظمتها، المتداعية في أخلاقها، لا عاصم لها من الهاوية التي تتردى فيها إلا القرآن: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى, وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٢.
والمسلمون هم وحدهم الذين يحملون المشعل وسط دياجير النظم والمبادئ الأخرى، فحري بهم أن ينفضوا أيديهم من كل بهرج زائف، وأن يقودوا الإنسانية الحائرة بالقرآن الكريم حتى يأخذوا بيدها إلى شاطئ السلام. وكما كانت لهم الدولة بالقرآن في الماضي. فإنها كذلك لن تكون لهم إلا به في الحاضر.
стр. 13
تعريف القرآن:
"قرأ": تأتي بمعنى الجمع والضم، والقراءة: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، والقرآن في الأصل كالقراءة: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا. قال تعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقَرُآنَهُ, فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ١. أي قراءته، فهو مصدر على وزن "فُعلان" بالضم:
стр. 14
كالغفران والشكران، تقول: قرأته قرءًا وقراءة وقرآنًا، بمعنى واحد. سمي به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر.
وقد خص القرآن بالكتاب المنزل على محمد ﷺ فصار له كالعلم الشخصي.
ويطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن، وعلى كل آية من آياته، فإذا سمعت من يتلو آية من القرآن صح أن تقول إنه يقرأ القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ١..
وذكر بعض العلماء أن تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كتب الله لكونه جامعًا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم. كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ ٣..
وذهب بعض العلماء إلى أن لفظ القرآن غير مهموز الأصل في الاشتقاق، إما لأنه وضع علمًا مرتجلًا على الكلام المنزل على النبي ﷺ وليس مشتقًا من "قرأ"، وإما لأنه من قرن الشيء بالشيء إذا ضمه إليه، أو من القرائن لأن آياته يشبه بعضها بعضًا فالنون أصلية، وهذا رأي مرجوح، والصواب الأول.
والقرآن الكريم يتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص. بحيث يكون تعريفه حدًّا حقيقيًّا، والحد الحقيقي له هو استحضاره معهودًا في الذهن أو مُشاهدًا بالحس كأن تشير إليه مكتوبًا في المصحف أو مقروءًا باللسان فتقول: هو ما بين هاتين الدفتين، أو تقول: هو من ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٤ ... إلى قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ٥..
стр. 15
ويذكر العلماء تعريفًا له يُقَرِّبُ معناه ويميزه عن غيره، فيُعَرِّفُونَهُ بأنه: "كلام الله، المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته". فـ "الكلام" جنس في التعريف، يشمل كل كلام، وإضافته إلى "الله" يُخْرِجُ كلام غيره من الإنس والجن والملائكة.
و"المنزَّل" يُخْرِج كلام الله الذي استأثر به سبحانه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ١، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّه﴾ ٢.
وتقييد المنزَّل بكونه "على محمد, ﷺ " يُخرج ما أُنْزِلَ على الأنبياء قبله كالتوراة والإنجيل وغيرهما.
و"المتعبد بتلاوته" يُخرج قراءات الآحاد، والأحاديث القدسية -إن قلنا إنها منزَّلة من عند الله بألفاظها- لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك.
و"الذكر".. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١..
و"التنزيل".. ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.. إلى غير ذلك مما ورد في القرآن.
وقد غلب من أسمائه: "القرآن" و"الكتاب"، قال الدكتور محمد عبد الله دراز:
"رُوعِيَ في تسميته "قرآنًا" كونه متلوًّا بالألسن، كما رُوعِيَ في تسميته "كتابًا" كونه مدوَّنًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه".
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وُضِعَ عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفَّاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها. بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفَّل بحفظه حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند"٣.
وبيَّن سر هذه التفرقة بأن سائر الكتب السماوية جِيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جِيء به مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سائرًا مسيرها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى
стр. 18
قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يَسَّر له أسبابه -وهو الحكيم العليم- وهذا تعليل جيد.
ووصف الله القرآن بأوصاف كثيرة كذلك:
منها "نور".. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ١..
و"هدى" و"شفاء" و"رحمة" و"موعظة".. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
و"مبارك".. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه﴾ ٣.
و"مبين".. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ٤.
و"بشرى".. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥.
و"عزيز".. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ ٦.
و"مجيد".. ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ٧.
و"بشير" و"نذير".. ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ, بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٨.
وكل تسمية أو وصف فهو باعتبار معنى من معاني القرآن.
стр. 19
الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي
سبق تعريف القرآن، ولكي نعرف الفرق بينه وبين الحديث القدسي والحديث النبوي نعطي التعريفين الآتيين:
الحديث النبوي:
الحديث في اللغة: ضد القديم، ويُطلق ويراد به كلام يُتحدث به ويُنقل ويَبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه، وبهذا المعنى سُمِّيَ القرآن حديثًا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ١، وسُمِّيَ ما يُحَدَّثُ به الإنسان في نومه: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ ٢..
والحديث في الاصطلاح: ما أُضِيفَ إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
فالقول: كقوله, ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.." ٣.
والفعل: كالذي ثبت من تعليمه لأصحابه كيفية الصلاة ثم قال: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" ٤، وما ثبت من كيفية حجه، وقد قال: "خذوا عني مناسككم" ٥.
والإقرار: كأن يُقِرَّ أمرًا عَلِمَهُ عن أحد الصحابة من قول أو فعل. سواء أكان ذلك في حضرته ﷺ أما في غيبته ثم بلغه، ومن أمثلته: "أكل الضب على مائدته, ﷺ "، "وما رُوِي من أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ ٦, فلما رجعوا ذكروا ذلك له ﵊، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي, ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه" ٧.
стр. 20
والصفة: كما رُوِيَ: "من أنه ﷺ كان دائم البِشر، سهل الخُلُق، لَيِّنَ الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا صخَّاب ولا فحَّاش ولا عيَّاب ... ".
الحديث القدسي:
عرَّفنا معنى الحديث لغة, والقدسي: نسبة إلى القدس، وهي نسبة تدل على التعظيم، لأن مادة الكلمة دالة على التنزيه والتطهير في اللغة، فالتقديس: تنزيه الله تعالى، والتقديس: التطهير، وتقدَّس: تطهَّر، قال الله تعالى على لسان ملائكته: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ١, أي نُطَهِّرُ أنفسنا لك.
والحديث القدسي في الاصطلاح: هو ما يضيفه النبي ﷺ إلى الله تعالى، أي إن النبي ﷺ يرويه على أنه من كلام الله، فالرسول راوٍ لكلام الله بلفظ من عنده، وإذا رواه أحد رواه عن رسول الله مُسْنَدًا إلى الله ، فيقول: "قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ....".
أو يقول: "قال رسول الله, ﷺ : قال الله تعالى - أو يقول الله تعالى ... ".
ومثال الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه : "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحَّاء الليل والنهار ... " ٢.
ومثال الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منه ... " ٣.
стр. 21
الفرق بين القرآن والحديث القدسي:
هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي أهمها:
١- أن القرآن الكريم كلام الله أَوْحَى به إلى رسول الله بلفظه، وتحدى به العرب، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله، ولا يزال التحدي به قائمًا، فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين.
والحديث القدسي لم يقع به التحدي والإعجاز.
٢- والقرآن الكريم لا يُنْسَب إلا إلى الله تعالى، فيقال: قال الله تعالى.
والحديث القدسي -كما سبق- قد يُرْوَى مضافًا إلى الله وتكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء فيقال: قال الله تعالى، أو: يقول الله تعالى، وقد يُرْوَى مضافًا إلى رسول الله ﷺ وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار لأنه ﵊ هو المُخْبِرُ به عن الله، فيقال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه .
٣- والقرآن الكريم جميعه منقول بالتواتر، فهو قطعي الثبوت، والأحاديث القدسية أكثرها أخبار آحاد، فهي ظنية الثبوت. وقد يكون الحديث القدسي صحيحًا، وقد يكون حسنًا، وقد يكون ضعيفًا.
٤- والقرآن الكريم من عند الله لفظًا ومعنًى، فهو وحي باللفظ والمعنى.
والحديث القدسي معناه من عند الله، ولفظه من عند الرسول ﷺ على الصحيح فهو وحي بالمعنى دون اللفظ، ولذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدِّثين.
٥- والقرآن الكريم مُتَعَبَّدٌ بتلاوته، فهو الذي تتعين القراءة به في الصلاة: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ١, وقراءته عبادة يُثيب الله عليها بما جاء في الحديث: "من قرأ حرفًا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "ألم" حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" ٢.
стр. 22
والحديث القدسي لا يجزئ في الصلاة، ويثيب الله على قراءته ثوابًا عامًّا، فلا يصدق فيه الثواب الذي ورد ذكره في الحديث على قراءة القرآن، بكل حرف عشر حسنات.
стр. 23
الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي:
الحديث النبوي قسمان:
"قسم توقيفي" وهو الذي تلقى الرسول ﷺ مضمونه من الوحي فبيَّنه للناس بكلامه، وهذا القسم وإن كان مضمونه منسوبًا إلى الله فإنه -من حيث هو كلام- حَرِي بأن يُنسب إلى الرسول ﷺ لأن الكلام إنما يُنسب إلى قائله وإن كان ما فيه من المعنى قد تلقاه عن غيره.
و"قسم توفيقي" وهو الذي استنبطه الرسول ﷺ من فهمه للقرآن، لأنه مبيِّن له، أو استنبطه بالتأمل والاجتهاد. وهذا القسم الاستنباطي الاجتهادي يقره الوحي إذا كان صوابًا، وإذا وقع فيه خطأ جزئي نزل الوحي بما فيه الصواب١ وليس هذا القسم كلام الله قطعًا.
ويتبين من ذلك: أن الأحاديث النبوية بقسميها: التوقيفي، والتوفيقي الاجتهادي الذي أقره الوحي، يمكن أن يقال فيها إن مردها جميعًا بجملتها إلى الوحي، وهذا معنى قوله تعالى في رسولنا, ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى, إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢..
والحديث القدسي معناه من عند الله ، يُلْقَى إلى الرسول ﷺ بكيفية من كيفيات الوحي -لا على التعيين- أما ألفاظه فمن عند الرسول ﷺ على
стр. 24
الراجح ونسبته إلى الله تعالى نسبة لمضمونه لا نسبة لألفاظه، ولو كان لفظه من عند الله لما كان هناك فرق بينه وبين القرآن، ولوقع التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته.
ويرد على هذا شبهتان!
الشبهة الأولى: أن الحديث النبوي وحي بالمعنى كذلك، واللفظ من الرسول ﷺ فلماذا لا نسميه قدسيًّا أيضًا؟
والجواب: أننا نقطع في الحديث القدسي بنزول معناه من عند الله لورود النص الشرعي على نسبته إلى الله بقوله, ﷺ : "قال الله تعالى، أو يقول الله تعالى" ولذا سميناه قدسيًّا، بخلاف الأحاديث النبوية فإنها لم يرد فيها مثل هذا النص، ويجوز في كل واحد منها أن يكون مضمونه معلَّمًا بالوحي "أي توقيفيًّا" وأن يكون مستنبطًا بالاجتهاد "أي توفيقيًّا" ولذا سمينا الكل نبويًّا وقوفًا بالتسمية عند الحد المقطوع به، ولو كان لدينا ما يميز الوحي التوقيفي لسميناه قدسيًّا كذلك.
الشبهة الثانية: أنه إذا كان لفظ الحديث القدسي من الرسول ﷺ فما وجه نسبته إلى الله بقوله, ﷺ : "قال الله تعالى، أو يقول الله تعالى".
والجواب: أن هذا سائغ في العربية، حيث ينسب الكلام باعتبار مضمونه لا باعتبار ألفاظه، فأنت تقول حينما تنثر بيتًا من الشعر: يقول الشاعر كذا، وحينما تحكي ما سمعته من شخص: يقول فلان كذا، وقد حكى القرآن الكريم عن موسى وفرعون وغيرهما مضمون كلامهم بألفاظ غير ألفاظهم، وأسلوب غير أسلوبهم، ونسب ذلك إليهم: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ, قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ, قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ, وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ, وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ
٣- الوحي:
إمكانية الوحي ووقوعه:
ازدهرت الحياة العلمية وبددت أشعتها كل ريبة كانت تساور الناس إلى عهد قريب فيما وراء المادة من روح، وآمن العلم المادي الذي وضع جل الكائنات تحت التجربة والاختبار بأن هناك عالمًا غيبيًّا وراء هذا العالمَ المشاهَد، وأن عالَم الغيب أدق وأعمق من عالَم الشهادة، وأكثر المخترعات الحديثة التي أخذت بألباب الناس تحجب وراءها هذا السر الخفي الذي عجز العلم عن إدراك كنهه وإن لاحظ آثاره ومظاهره، وقَرَّبَ هذا بُعْدَ الشقة بين التنكر للأديان والإيمان بها مصداقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ١، وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢..
فالبحوث النفسية الروحية لها في مضمار العلم الآن مكانتها، ويساندها ويُقرِّبها إلى الأفهام تفاوت الناس في مداركهم وميولهم وغرائزهم، فمن العقولِ العبقريُّ الفذ الذي يبتكر كل جديد، ومنها الغبي الذي يستعصي عليه إدراك بديهي الأمور، وبين المنزلتين درجات. والنفوس كذلك، منها الصافي المشرق، والخبيث المعتم.
وجسم الإنسان يطوي وراءه روحًا هي سر حياته، وإذا كان الجسم تبلى ذرَّاته وتفنى أنسجته وخلاياه ما لم يتناول قسطه من الغذاء، فجدير بالروح أن يكون لها غذاء يمدها بالطاقة الروحية كي تحتفظ بمقوماتها وقيمها.
وليس ببعيد على الله تعالى أن يختار من عباده نفوسًا لها من نقاء الجوهر وسلامة الفطرة ما يعدها للفيض الإلهي، والوحي السماوي، والاتصال بالملأ
стр. 27
الأعلى، ليُلقي إليها برسالاته التي تسد حاجة البشر في رقي وجدانه، وسمو أخلاقه، واستقامة نظامه، وهؤلاء هم رسله وأنبياؤه.
ولا غرابة في أن يكون هذا الاتصال بالوحي السماوي.
فالناس اليوم يشاهدون التنويم المغناطيسي، وهو يوضح لهم أن اتصال النفس الإنسانية بقوة أعلى منها يُحدث أثرًا يُقرِّب إلى الأفهام ظاهرة الوحي؛ حيث يستطيع الرجل القوي الإرادة أن يتسلط بإرادته على من هو أضعف منه فينام نومًا عميقًا، ويكون رهن إشارته، ويُلَقِّنه ما يريد فيجري على قلبه ولسانه، وإذا كان هذا فعل الإنسان بالإنسان فما ظنك بمن هو أشد منه قوة؟ ١.
ويسمع الناس الأحاديث المسجلة التي تحملها اليوم موجات الأثير، عابرة الوهاد والنجاد، والسهول والبحار، دون رؤية ذويها، بل بعد وفاتهم.
وأصبح الرجلان يتخاطبان في الهاتف، أحدهما في أقصى المشرق، والآخر في أقصى المغرب، وقد يتراءيان مع هذا التخاطب، ولا يسمع الجالسون بجانبهما شيئًا سوى أزيز كدوي النحل الذي في صفة الوحي.
ومَن منا ليس له حديث نفس في يقظته أو منامه يدور في خلده دون أن يرى متكلمًا أمامه؟
هذه وغيرها أمثلة تفسر لعقولنا حقيقة الوحي.
وقد شاهد الوحي معاصروه، ونُقِلَ بالتواتر المستوفي لشروطه بما يفيد العلم القطعي إلى الأجيال اللاحقة، ولمست الإنسانية أثره في حضارة أمته، وقوة أتباعه، وعزتهم ما استمسكوا به وانهيار كيانهم وخذلانهم ما فرَّطوا في جنبه، مما لا يدع مجالًا للشك في إمكان الوحي وثبوته. وضرورة العودة إلى الاهتداء به إطفاء للظمأ النفسي بِمُثُلِهِ العليا، وقيمه الروحية.
стр. 28
ولم يكن رسولنا ﷺ أول رسول أُوحِيَ إليه، بل أَوْحَى الله تعالى إلى الرسل قبله بمثل ما أَوْحَى إليه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا, وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١..
فليس هناك في نزول الوحي على محمد ﷺ ما يدعو إلى العجب، ولذا أنكر الله على العقلاء هذا في قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ ٢..
стр. 29
معنى الوحي:
يقال: وحيت إليه وأوحيت: إذا كلَّمته بما تخفيه عن غيره، والوحي: الإشارة السريعة، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد، وبإشارة ببعض الجوارح.
والوحي مصدر، ومادة الكلمة تدل على معنيين أصليين، هما: الخفاء والسرعة، ولذا قيل في معناه: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجَّه إليه بحيث يخفى على غيره، وهذا معنى المصدر، ويُطلق ويُراد به الوحي، أي بمعنى اسم المفعول. والوحي بمعناه اللغوي يتناول:
١- الإلهام الفطري للإنسان، كالوحي إلى أُم موسى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ١..
стр. 30
٢- والإلهام الغريزي للحيوان، كالوحي إلى النحل ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ ١.
٣- والإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيحاء كإيحاء زكريا فيما حكاه القرآن عنه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ٢..
٤- ووسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ٣، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ٤..
٥- وما يُلقيه الله إلى ملائكته من أمر ليفعلوه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٥..
ولغة القرآن الفاشية "أوحى" بالألف -ولم يستعمل مصدرها- وإنما جاء فيه مصدر الثلاثي: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٦..
ووحي الله إلى أنبيائه قد عرَّفوه شرعًا بأنه: كلام الله تعالى المُنَزَّلُ على نبي من أنبيائه. وهو تعريف له بمعنى اسم المفعول أي الموحى.
والوحي بالمعنى المصدري اصطلاحًا: هو إعلام الله تعالى مَن يصطفيه من عباده ما أراد من هداية بطريقة خفية سريعة.
وعرَّفه الأستاذ محمد عبده في رسالة التوحيد بأنه:
"عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قِبَلِ الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. ويُفَرَّقُ بينه وبين الإلهام
стр. 31
بأن الإلهام: وجدان تستيقنه النفس فتنساق إلى ما يُطلب على غير شعور منها من أين أتى؟ وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور"١.
وهو تعريف للوحي بالمعنى المصدري، وبدايته وإن كانت توهم شبهه بحديث النفس أو الكشف، إلا أن الفرق بينه وبين الإلهام الذي جاء في عجز التعريف ينفي هذا.
стр. 32
كيفية وحي الله إلى ملائكته:
١- جاء في القرآن الكريم ما ينص على كلام الله لملائكته: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ١.
وعلى إيحائه إليهم: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢.
وعلى قيامهم بتدبير شئون الكون حسب أمره: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ ٣، ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ٤.
وهذه النصوص متآزرة تدل على أن الله يُكَلِّمُ الملائكة دون واسطة بكلام يفهمونه.
ويؤيد هذا ما جاء في الحديث عن النوَّاس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله, ﷺ : "إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السموات منه رجفة -أو قال: رعدة- شديدة خوفًا من الله ، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخرُّوا لله سجَّدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيُكَلِّمُهُ الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر
стр. 33
بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: "قال الحق وهو العلي الكبير" فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله "١.
فهذا الحديث يبين أن كيفية الوحي تكلم من الله، وسماع من الملائكة، وهول شديد لأثره، وإذا كان ظاهره -في مرور جبريل وانتهائه بالوحي- يدل على أن ذلك خاص بالقرآن فإن صدره يبين كيفية عامة، وأصله في الصحيح: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضرب الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان"..
٢- وثبت أن القرآن الكريم كُتِبَ في اللَّوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ, فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٢.
كما ثبت إنزاله جملة إلى بيت العزة من السماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٣، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٤، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ٥..
وفي السٌّنَّة ما يوضح هذا النزول، ويدل على أنه غير النزول الذي كان على قلب رسول الله ﷺ فعن ابن عباس موقوفًا: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم أُنزل بعد ذلك بعشرين سنة ثم قرأ: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٦، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٧، ٨، وفي رواية: "فُصِلَ القرآن من الذكر فوُضِعَ في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي, ﷺ " ٩.
стр. 34
ولذلك ذهب العلماء في كيفية وحي الله إلى جبريل بالقرآن إلى المذاهب الآتية:
أ- أن جبريل تلقفه سماعًا من الله بلفظه المخصوص.
ب- أن جبريل حفظه من اللَّوح المحفوظ.
جـ- أن جبريل أُلقي إليه المعنى - والألفاظ لجبريل، أو لمحمد, ﷺ .
والرأي الأول هو الصواب، وهو ما عليه أهل السٌّنَّة والجماعة، ويؤيده حديث النوَّاس بن سمعان السابق.
ونسبة القرآن إلى الله في أكثر من آية: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ١..
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٢.. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٣.
فالقرآن الكريم كلام الله بألفاظه لا كلام جبريل أو محمد.
أما الرأي الثاني فلا اعتبار له، إذ إن ثبوت القرآن في اللَّّوح المحفوظ كثبوت سائر المغيبات التي لا يخرج القرآن عن أن يكون من جملتها.
والرأي الثالث أنسب بالسٌّنَّة لأنها وحي من الله أُوحي إلى جبريل، ثم إلى محمد ﷺ بالمعنى، فعبَّر عنه رسول الله بعبارته: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى, إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٤.. ولذا جازت رواية السٌّنَّة بالمعنى لعارف بما لا يحيل المعاني دون القرآن..
стр. 35
ويُجاب على من قال: إنه كلام جبريل، بأن هذا قول فاسد لوجوه:
أحدها: أن المسلمين أجمعين إذا تلوا آية قالوا: قال الله تعالى، ولو كان هذا قول جبريل لقالوا: قال جبريل.
الثاني: أن هذا الذي بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين هو كتاب الله، وعلى قولهم فإنه يكون كتاب جبريل.
الثالث: أن الله تعالى قال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ١. وعلى قولهم، ما نزَّله من ربك، إنما نزَّله من كلام نفسه.
الرابع: أن الله تعالى قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ٣.. وعلى قولهم لا يكون هذا صحيحًا، وإنما يكون المسموع كلام جبريل.
ويُجاب على من قال: إنه كلام محمد بأن هذا باطل لتلك الوجوه الآنفة الذكر كلها. ومن وجه آخر، فإنهم وافقوا الوليد بن المغيرة في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٤.. فدخلوا معه في الوعيد بقوله تعالى: ﴿سَاُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ٥..
ويرد عليهم من الجواب ما أجاب الله تعالى به المشركين بقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ, فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٦..
وسبق أن ذكرنا الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي.
فمن خصائص القرآن:
١- أنه مُعْجِز.
٢- قطعي الثبوت.
٣- يُتَعَبَّدُ بتلاوته.
٤- ويجب أداؤه بلفظه، والحديث القدسي -على القول بنزول لفظه- ليس كذلك.
стр. 36
والحديث النبوي قسمان: الأول: ما اجتهد فيه الرسول ﷺ وهذا ليس وحيًا ويكون إقرار الوحي له بسكوته إذا كان صوابًا.
والثاني: ما أُوحِيَ إليه بمعناه واللَّفظ لرسول الله، ولذا يجوز روايته بالمعنى. والحديث القدسي -على القول الراجح بنزول معناه دون لفظه- يكون من هذا القسم ونسبته إلى الله في الرواية لورود النص الشرعي على ذلك دون الأحاديث النبوية.
стр. 37
كيفية وحي اللله إلى رسله
...
كيفية وحي الله إلى رسله
يوحي الله إلى رسله بواسطة وبغير واسطة.
فالأول: بواسطة جبريل مَلك الوحي وسيأتي بيانه.
والثاني: هو الذي لا واسطة فيه.
أ- منه الرؤيا الصالحة في المنام: فعن عائشة ﵂ قالت: "أول ما بُدِئَ به ﷺ الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"١. وكان ذلك تهيئة لرسول الله ﷺ حتى ينزل عليه الوحي يقظة وليس في القرآن شيء من هذا النوع لأنه نزل جميعه يقظة، خلافًا لمن ادَّعى نزول سورة "الكوثر" منامًا للحديث الوارد فيها، ففي صحيح مسلم عن أنس, ﵁: "بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: "نزلت عليَّ آنفًا سورة"، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ, فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ, إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ٢.. فلعل الإغفاء هذه هي الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي.
стр. 38
ومما يدل على أن الرؤية الصالحة للأنبياء في المنام وحي يجب اتباعه ما جاء في قصة إبراهيم من رؤيا ذبحه لولده إسماعيل١: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ, فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ, فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ, وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ, قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ, إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ, وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ, وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ, سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ, كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ, إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ, وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢.. ولو لم تكن هذه الرؤيا وحيًا يجب اتباعه لما أقدم إبراهيم ﵇ على ذبح ولده لولا أن منَّ الله عليه بالفداء.
الرؤيا الصالحة ليست خاصة بالرسول، فهي باقية للمؤمنين، وإن لم تكن وحيًا، قال ﵊: "انقطع الوحي وبقيت المبشرات، رؤيا المؤمن" ٣.
والرؤيا الصالحة في المنام للأنبياء هي القسم الأول من أقسام التكليم الإلهي المذكور في قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٤.
ب- ومنه الكلام الإلهي من وراء حجاب بدون واسطة يقظة، وهو ثابت لموسى ﵇ ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٥، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٦.
стр. 39
كما ثبت التكلم على الأصح لرسولنا ﷺ ليلة الإسراء والمعراج.
وهذا النوع هو القسم الثاني المذكور في الآية: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وليس في القرآن شيء منه كذلك.
стр. 40
كيفية وحي المَلَكِ إلى الرسول:
وحي الله إلى أنبيائه إما أن يكون بغير واسطة، وهو ما ذكرناه آنفًا. وكان منه الرؤيا الصالحة في المنام، والكلام الإلهي من وراء حجاب يقظة، وإما أن يكون بواسطة مَلَك الوحي وهو الذي يعنينا في هذا الموضوع لأن القرآن الكريم نزل به.
ولا تخلو كيفية وحي المَلَكِ إلى الرسول من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: وهي أشد على الرسول، أن يأتيه مثل صلصلة الجرس، والصوت القوي يثير عوامل الانتباه فتُهَيَّأ النفس بكل قواها لقبول أثره، فإذا نزل الوحي بهذه الصورة على الرسول ﷺ نزل عليه وهو مستجمع القوى الإدراكية لتلقيه وحفظه وفهمه، وقد يكون هذا الصوت حفيف أجنحة الملائكة المشار إليه في الحديث: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسلة على صفوان" ١ وقد يكون صوت المَلَكِ نفسه في أول سماع الرسول له.
والحالة الثانية: أن يتمثل له المَلَكُ رجلًا ويأتيه في صورة بشر، وهذه الحالة أخف من سابقتها، حيث يكون التناسب بين المتكلم والسامع، ويأنس رسول النبوَّة عند سماعه من رسول الوحي، ويطمئن إليه اطمئنان الإنسان لأخيه الإنسان.
والهيئة التي يظهر فيها جبريل بصورة رجل لا يتحتم فيها أن يتجرد من