← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11368

مباحث في علوم القرآن لمناع القطان

مناع القطان

Полный текст (528 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والحديث النبوي قسمان: الأول: ما اجتهد فيه الرسول ﷺ وهذا ليس وحيًا ويكون إقرار الوحي له بسكوته إذا كان صوابًا. والثاني: ما أُوحِيَ إليه بمعناه واللَّفظ لرسول الله، ولذا يجوز روايته بالمعنى. والحديث القدسي -على القول الراجح بنزول معناه دون لفظه- يكون من هذا القسم ونسبته إلى الله في الرواية لورود النص الشرعي على ذلك دون الأحاديث النبوية.

стр. 37

كيفية وحي اللله إلى رسله ... كيفية وحي الله إلى رسله يوحي الله إلى رسله بواسطة وبغير واسطة. فالأول: بواسطة جبريل مَلك الوحي وسيأتي بيانه. والثاني: هو الذي لا واسطة فيه. أ- منه الرؤيا الصالحة في المنام: فعن عائشة ﵂ قالت: "أول ما بُدِئَ به ﷺ الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"١. وكان ذلك تهيئة لرسول الله ﷺ حتى ينزل عليه الوحي يقظة وليس في القرآن شيء من هذا النوع لأنه نزل جميعه يقظة، خلافًا لمن ادَّعى نزول سورة "الكوثر" منامًا للحديث الوارد فيها، ففي صحيح مسلم عن أنس, ﵁: "بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: "نزلت عليَّ آنفًا سورة"، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ, إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ, فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ, إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ٢.. فلعل الإغفاء هذه هي الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي.

стр. 38

ومما يدل على أن الرؤية الصالحة للأنبياء في المنام وحي يجب اتباعه ما جاء في قصة إبراهيم من رؤيا ذبحه لولده إسماعيل١: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ, فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ, فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ, وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ, قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ, إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ, وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ, وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ, سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ, كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ, إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ, وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢.. ولو لم تكن هذه الرؤيا وحيًا يجب اتباعه لما أقدم إبراهيم ﵇ على ذبح ولده لولا أن منَّ الله عليه بالفداء. الرؤيا الصالحة ليست خاصة بالرسول، فهي باقية للمؤمنين، وإن لم تكن وحيًا، قال ﵊: "انقطع الوحي وبقيت المبشرات، رؤيا المؤمن" ٣. والرؤيا الصالحة في المنام للأنبياء هي القسم الأول من أقسام التكليم الإلهي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٤. ب- ومنه الكلام الإلهي من وراء حجاب بدون واسطة يقظة، وهو ثابت لموسى ﵇ ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٥، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٦.

стр. 39

كما ثبت التكلم على الأصح لرسولنا ﷺ ليلة الإسراء والمعراج. وهذا النوع هو القسم الثاني المذكور في الآية: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وليس في القرآن شيء منه كذلك.

стр. 40

كيفية وحي المَلَكِ إلى الرسول: وحي الله إلى أنبيائه إما أن يكون بغير واسطة، وهو ما ذكرناه آنفًا. وكان منه الرؤيا الصالحة في المنام، والكلام الإلهي من وراء حجاب يقظة، وإما أن يكون بواسطة مَلَك الوحي وهو الذي يعنينا في هذا الموضوع لأن القرآن الكريم نزل به. ولا تخلو كيفية وحي المَلَكِ إلى الرسول من إحدى حالتين: الحالة الأولى: وهي أشد على الرسول، أن يأتيه مثل صلصلة الجرس، والصوت القوي يثير عوامل الانتباه فتُهَيَّأ النفس بكل قواها لقبول أثره، فإذا نزل الوحي بهذه الصورة على الرسول ﷺ نزل عليه وهو مستجمع القوى الإدراكية لتلقيه وحفظه وفهمه، وقد يكون هذا الصوت حفيف أجنحة الملائكة المشار إليه في الحديث: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسلة على صفوان" ١ وقد يكون صوت المَلَكِ نفسه في أول سماع الرسول له. والحالة الثانية: أن يتمثل له المَلَكُ رجلًا ويأتيه في صورة بشر، وهذه الحالة أخف من سابقتها، حيث يكون التناسب بين المتكلم والسامع، ويأنس رسول النبوَّة عند سماعه من رسول الوحي، ويطمئن إليه اطمئنان الإنسان لأخيه الإنسان. والهيئة التي يظهر فيها جبريل بصورة رجل لا يتحتم فيها أن يتجرد من

стр. 41

روحانيته، ولا يعني أن ذاته انقلبت رجلًا، بل المراد أنه يظهر بتلك الصورة البشرية أُنْسًا للرسول البشري، ولا شك أن الحالة الأولى -حالة الصلصلة- لا يوجد فيها هذا الإيناس، وهي تحتاج إلى سمو روحي من رسول الله يتناسب مع روحانية المَلَكِ فكانت أشد الحالتين عليه، لأنها كما قال ابن خلدون: "انسلاخ من البشرية الجسمانية واتصال بالمَلَكِيَّةِ الروحانية، والحالة الأخرى عكسها لأنها انتقال المَلَكِ من الروحانية المحضة إلى البشرية الجسمانية". وكلتا الحالتين مذكور فيما رُوِيَ عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله.. كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله, ﷺ : "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي المَلَكُ رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول". وروت عائشة ﵂ ما كان يصيب رسول الله ﷺ من شدة فقالت: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا"١. والحالتان هما القسم الثالث من أقسام التكليم الإلهي المشار إليه في الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ١- إِلَّا وَحْيًا ٢- أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ٣- أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٢.. أما النفث في الرُّوع -أي القلب- فقد ذُكِرَ في قول الرسول, ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب" ٣. والحديث لا يدل على أنه حالة مستقلة,

стр. 42

فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين المذكورتين في حديث عائشة، فيأتيه المَلَكُ في مثل الصلصلة وينفث في روعه، أو يتمثل له رجلًا وينفث في روعه، وربما كانت حالة النفث فيما سوى القرآن الكريم.

стр. 43

شُبَهُ الجاحدين على الوحي: وقد حرص الجاهليون قديمًا وحديثًا على إثارة الشُّبَهِ في الوحي عتوًّا واستكبارًا، وهي شُبَهٌ واهية مردودة. ١- زعموا أن القرآن الكريم من عند محمد ﷺ ابتكر معانيه، وصاغ أسلوبه، وليس وحيًا يُوحَى. وهذا زعم باطل، فإنه ﵊ إذا كان يدَّعي لنفسه الزعامة ويتحدى الناس بالمعجزات لتأييد زعامته فلا مصلحة له في أن ينسب ما يتحدى به الناس إلى غيره، وكان في استطاعته أن ينسب القرآن لنفسه، ويكون ذلك كافيًا لرفعة شأنه، والتسليم بزعامته، ما دام العرب جميعًا على فصاحتهم قد عجزوا عن معارضته، بل ربما كان هذا أدعى للتسليم المطلق بزعامته لأنه واحد منهم أتى بمالم يستطيعوه. ولا يقال إنه أراد بنسبة القرآن إلى الوحي الإلهي أن يجعل لكلامه حرمة تفوق كلامه حتى يستعين بهذا على استجابة الناس لطاعته وإنفاذ أوامره، فإنه صدر عنه كلام نسبه لنفسه فيما يسمى بالحديث النبوي ولم ينقص ذلك من لزوم طاعته شيئًا، ولو كان الأمر كما يتوهمون لجعل كل أقواله من كلام الله تعالى. وهذا الادعاء يفترض في رسول الله أنه كان من أولئك الزعماء الذين يعبرون الطريق في الوصول إلى غايتهم على قنطرة من الكذب والتمويه، وهو افتراض يأباه الواقع التاريخي في سيرته ﵊، وما اشتهر به من صدق وأمانة شهد له بهما أعداؤه قبل أصدقائه.

стр. 44

لقد اتهم المنافقون زوجه عائشة بحديث الإفك، وهي أحب زوجاته إليه، واتهامها يمس كرامته وشرفه، وأبطأ الوحي، وتحرَّج الرسول ﷺ وتحرَّج صحابته معه حتى بلغت القلوب الحناجر، وبذل جهده في التحري والاستشارة، ومضى شهر بأكمله، ولم يزد على أنه قال لها آخر الأمر: "أما إنه بلغني كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فيسيبرِّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله" ١, وظل هكذا إلى أن نزل الوحي ببراءتها، فماذا كان يمنعه لو أن القرآن كلامه من أن يقول كلامًا يقطع به ألسنة المتخرصين، ويحمي عرضه؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ, لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ, ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ, فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ٢. واستأذن جماعة في التخلف عن غزوة تبوك وأبدوا أعذارًا، وكان منهم مَن انتحل هذه الأعذار من المنافقين وأذن لهم، فنزل القرآن الكريم معاتبًا له لخطأ رأيه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣. ولو كان هذا العتاب صادرًا عن وجدانه تعبيرًا عن ندمه حين تبين له فساد رأيه لما أعلنه عن نفسه بهذا التعنيف الشديد والعتاب القاسي. ونظير هذا معاتبته ﷺ في قبول الفداء من أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ, لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٤. ومعاتبته في توليه عن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ﵁ اهتمامًا بنفر من أكابر قريش في دعوتهم إلى الإسلام: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى, أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى, وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى, أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ

стр. 45

الذِّكْرَى, أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى, فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى, وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى, وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى, وَهُوَ يَخْشَى, فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى, كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ ١.. والمعهود في سيرته ﷺ أنه كان منذ نعومة أظفاره مثلًا فريدًا في حسن الخُلُق، وكريم السجايا، وصدق اللَّهجة، وإخلاص القول والعمل، وقد شهد له بهذا قومه عندما دعاهم في مطلع الدعوة وقال لهم: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بظهر هذا الوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟ " قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك كذبًا"٢. وكانت سيرته العطرة مهوى أفئدة الناس إليه للدخول في الإسلام، عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: "لما قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة، انجفل الناس إليه، وقيل: قَدِمَ رسول الله، قَدِمَ رسول الله، فجئتُ في الناس لأنظر إليه فلما استثبت وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذَّاب"٣. وصاحب هذه الصفات العظيمة التي يُتَوِّجها الصدق ما ينبغي لأحد أن يمتري في قوله حينما أعلن نفسه بأنه ليس واضع ذلك الكتاب: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٤. ٢- وزعم الجاهليون قديمًا وحديثًا أنه ﵊ كان له من حدة الذكاء، ونفاذ البصيرة، وقوة الفراسة، وشدة الفطنة، وصفاء النفس، وصدق التأمل، ما يجعله يدرك مقاييس الخير والشر، والحق والباطل، بالإلهام، ويتعرف على خفايا الأمور بالكشف والوحي النفسي، ولا يخرج القرآن عن أن يكون أثرًا للاستنباط العقلي، والإدراك الوجداني عبر عنه محمد بأسلوبه وبيانه. وأي شيء في القرآن يعتمد على الذكاء والاستنباط والشعور؟ فالجانب الإخباري -وهو قسم كبير من القرآن- لا يماري عاقل في أنه لا يعتمد إلا على التلقي والتعلم.

стр. 46

لقد ذكر القرآن أنباء من سبق من الأمم والجماعات والأنبياء والأحداث التاريخية بوقائعها الصحيحة الدقيقة كما يذكر شاهد العيان مع طول الزمن الذي يضرب في أغوار التاريخ إلى نشأة الكون الأولى بما لا يدع مجالًا لإعمال الفكر ودقة الفراسة، ولم يعاصر محمد ﷺ تلك الأمم وهذه الأحداث في قرونها المختلفة حتى يشهد وقائعها وينقل أنباءها، كما لم يتوارث كتبها ليدرس دقائقها ويروي أخبارها: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ, وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ ١.. ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ ٢.. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٣.. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ٤.. ومنها أنباء دقيقة تتناول الأرقام الحسابية التي لا يعلمها إلا الدارس البصير، ففي قصة نوح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٥. وهذا موافق لما جاء في سفر التكوين من التوراة. وفي قصة أصحاب الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ٦.. وهي عند أهل الكتاب ثلاثمائة سنة شمسية، والسنون التسع هي فرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية. فمن أين أتى محمد ﷺ بهذه الدقائق الصحيحة لو لم يكن يُوحى إليه وهو الرجل الأمي الذي عاش في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب؟ وقد كان أهل الجاهلية الأولى أذكى من ملاحدة الجاهلية المعاصرة، فإن

стр. 47

أولئك لم يقولوا إن محمدًا استقى هذه الأخبار من وحي نفسه كما يقول هؤلاء، بل قالوا إنه درسها وأُمليت عليه ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ١. ولم يتلق رسول الله ﷺ درسًا على معلم قط -كما سيأتي- فمن أين جاءته هذه الأنباء فجأة بعد أن بلغ الأربعين؟ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢.. هذا في الجانب الإخباري. أما في سائر العلوم التي تضمنها القرآن فإن قسم العقائد يتناول كذلك أمورًا تفصيلية عن بدء الخلق ونهايته، والحياة الآخرة وما فيها من الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، وما يتبع ذلك من الملائكة وأوصافهم ووظائفهم - وهذه معلومات لا مجال فيها لذكاء العقل وقوة الفراسة البتة: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ ٣.. ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.. ناهيك بما تضمنه القرآن من أحكام قاطعة عن أخبار المستقبل التي تجري على سُنن الله الاجتماعية، في القوة والضعف، والصعود والهبوط، والعزة والذلة، والبناء والدمار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شيئًا﴾ ٥، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ, الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ ٦

стр. 48

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ١.. أضف إلى هذا أن القرآن الكريم قد حكى عن رسول الله اتباعه للوحي: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ٢. وأنه بشر لا يعلم الغيب ولا يملك من أمر نفسه شيئًا ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣. ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ٤. وقد كان ﵊ عاجزًا عن إدراك حقيقة ما وقع بين خصمين شاهدين أمامه ليقضي بينهما وهو يسمع أقوالهما فهو بلا شك أشد عجزًا عن إدراك ما فات وما هو آت: سمع رسول الله ﷺ خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" ٥. قال الدكتور محمد عبد الله دراز: "هذا الرأي هو الذي يروجه الملحدون اليوم باسم "الوحي النفسي" زاعمين أنهم بهذه التسمية قد جاءونا برأي علمي جديد، وما هو بجديد، وإنما هو الرأي الجاهلي القديم، لا يختلف عنه في جملته ولا في تفصيله، فقد صوَّروا النبي ﷺ رجلًا ذا خيال واسع وإحساس عميق فهو إذن شاعر، ثم زادوا فجعلوا وجدانه يطغى كثيرًا على حواسه حتى يُخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصًا يكلمه، وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة أخيلته ووجداناته فهو إذن الجنون أو أضغاث الأحلام، على أنهم لم

стр. 49

يطيقوا الثبات طويلًا على هذه التعليلات، فقد اضطروا أن يهجروا كلمة "الوحي النفسي" حينما بدا لهم في القرآن جانب الأخبار الماضية والمستقبلة، فقالوا: لعله تلقفها من أفواه العلماء في أسفاره للتجارة، فهو إذن قد علمه بشر, فأي جديد ترى في هذا كله؟ أليس كله حديثًا معادًا يضاهون به قول جهال قريش؟ وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة منتسخة، بل ممسوخة منه في أقدم أثوابه، وكان غذاء هذه الأفكار المتحضرة في العصر الحديث مستمدًا من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجرة في عصور الجاهلية الأولى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ١.. وإن تعجب فعجب قولهم مع هذا كله إنه كان صادقًا أميناً، وإنه كان معذورًا في نسبة رؤاه إلى الوحي الإلهي، لأن أحلامه القوية صورتها له وحيًا إلهيًّا، فما شهد إلا بما علم، وهكذا حكى الله لنا عن أسلافهم حيث يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢.. فإن كان هذا عذره في تصوير رؤاه وسماعه فما عذره في دعواه أنه لم يكن يعلم تلك الأنباء لا هو ولا قومه من قبل هذا، بينما هو قد سمعها -بزعمهم من قبل- فليقولوا إذن إنه افتراه ليتم لهم بذلك محاكاة كل الأقاويل، ولكنهم لا يريدون أن يقولوا هذه الكلمة لأنهم يدعون الإنصاف والتعقل، ألا فقد قالوها من حيث لا يشعرون"٣. ٣- وزعم الجاهليون قديمًا وحديثًا أن محمدًا قد تلقى العلوم القرآنية على يد معلم. وهذا حق، إلا أن المعلم الذي تلقى عنه القرآن هو مَلَك الوحي، أما أن يكون له معلم آخر من قومه، أو من غير قومه فلا. إنه ﵊ قد نشأ أميًّا وعاش أميًّا، في أمة أمية لم

стр. 50

يُعرف فيها أحد يحمل وسام العلم والتعليم، وهذا واقع يشهد به التاريخ، ولا مرية فيه. أما أن يكون له معلم من غير قومه فإن الباحث لا يستطيع أن يقع في التاريخ على كلمة واحدة تشهد بأنه لقي أحدًا من العلماء حدثه عن الدين قبل إعلان نبوته. حقيقة إنه رأى في طفولته بحيرى الراهب في سوق بصرى بالشام، ولقي في مكة ورقة بن نوفل إثر مجيء الوحي، ولقي بعد الهجرة علماء من اليهود والنصارى، لكن المقطوع به أنه لم يتلق عن أحد من هؤلاء شيئًا من الأحاديث قبل نبوته، أما بعد النبوة، فقد كانوا يسألونه مجادلين فيستفيدون منه ويأخذون عنه، ولو كان رسول الله ﷺ أخذ شيئًا عن واحد منهم لما سكت التاريخ عنه، لأنه ليس من الهنات الهينات التي يتغاضى عنها الناس، لا سيما الذين يقفون للإسلام بالمرصاد، والكلمات التي ذكرها التاريخ عن راهب الشام أو ورقة بن نوفل كانت بشارة بنبوته عليه الصلاة والسلام١ أو اعترافًا بها٢. ونقول لهؤلاء الذين يزعمون أن محمدًا كان يعلمه بشر: ما اسم هذا المعلم؟ وعندئذ نرى الجواب المتهافت المتداعي في "حدَّاد رومي"٣ ينسبون إليه ذلك، فكيف يستساغ عقلًا أن تكون العلوم القرآنية صادرة من رجل لم تعرفه

стр. 51

مكة عالماً متفرغًا لدراسة الكتب، بل عرفته حدَّادًا منهمكًا في مطرقته وسندانه، عامي الفؤاد، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة بالنسبة إلى العرب: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ١. ولقد كان العرب أحرص الناس على دفع هذا القرآن إمعانًا في خصومة محمد ﷺ ولكنهم عجزوا ووجدوا السبل أمامهم مغلقة, وباءت كل محاولاتهم بالفشل, فما للملحدين اليوم -وقد مضى أربعة عشر قرنًا على ذلك- يبحثون في قمامات التاريخ ملتمسين سبيلًا من تلك السبل الفاشلة نفسها؟! وبهذا يتبين أن القرآن الكريم لا يوجد له مصدر إنساني، لا في نفس صاحبه، ولا عند أحد من البشر، فهو تنزيل الحكيم الحميد. ونشأة رسول الله ﷺ في بيئة أمية جاهلية، وسيرته بين قومه، من أقوى الدلائل على أن الله قد أعده لحمل رسالته، وأوحى إليه بهذا القرآن هداية لأمته: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ, صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ ٢. يقول الأستاذ محمد عبده في رسالة التوحيد: "من السنن المعروفة أن يتيمًا فقيرًا أميًّا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول نشأته إلى زمن كهولته، ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه، لا سيما إن كان من ذوي قرابته، وأهل عُصبته، ولا كتاب يرشده، ولا أستاذ ينبهه، ولا عضد إذا عزم يؤيده، فلو جرى الأمر فيه على جاري السنن لنشأ على عقائدهم، وأخذ بمذاهبهم، إلى أن يبلغ مبلغ الرجال، ويكون للفكر والنظر مجال، فيرجع إلى مخالفتهم، إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم، كما فعل القليل ممن كانوا على عهده"٣.

стр. 52

ولكن الأمر لم يجر على سننه، بل بُغِّضَت إليه الوثنية من مبدأ عمره، فعاجلته طهارة العقيدة، كما بادره حسن الخليقة، وما جاء في الكتاب من قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ ١. لا يُفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد، أو على غير السبيل القويم، قبل الخُلُق العظيم، حاشى لله، إن ذلك لهو الإفك المبين، وإنما هي الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص، فيما يرجون للناس من الخلاص، وطلب السبيل إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين، وإرشاد الضالين، وقد هدى الله نبيه إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته، واختياره من بين خلقه لتقرير شريعته".

стр. 53

متاهات المتكلمين: وقد خاض المتكلمون في بيان كلام الله على نهج الفلاسفة فأوقعوا الناس في متاهات أضلتهم عن سواء السبيل، حيث قسموا كلام الله تعالى إلى قسمين: نفسي قديم قائم بذاته تعالى ليس بحرف ولا صوت ولا ترتيب ولا لغة، وكلام لفظي هو المنزل على الأنبياء ﵈، ومنه الكتب الأربعة، وأغرق علماء الكلام في خلافاتهم الكلامية المبتدعة: أيكون القرآن بهذا المعنى الثاني مخلوقًا أم لا؟ ورجحوا أن يكون مخلوقًا، وخرجوا بذلك عن منهج السلف الصالح فيما لم يرد به كتاب ولا سنة، وتناولوا صفات الله بالتحليل الفلسفي الذي يؤدي إلى التشكيك في عقيدة التوحيد. ومذهب أهل السٌّنَّة والجماعة إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات أو أثبته رسوله ﷺ فيما صح عنه، وحسبك أن تؤمن بأن الكلام صفة من صفاته تعالى، قال سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ١. وأن القرآن الكريم؛ وهو الوحي المنزل على محمد ﷺ كلام الله؛ غير مخلوق.

стр. 54

قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١، وإثبات هذا ونحوه مما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله وإن كان يوصف به العباد فإنه لا ينافي كمال تنزيهه تعالى عما لا يليق به من نقائص عباده، ولا يقتضي مماثلته لهم. إذ إن الاشتراك في الأسماء لا يقتضي الاشتراك في المسميات، فشتان بين الخالق والمخلوق في الذات والصفات والأفعال، فذاته تعالى أكمل، وصفاته أسمى، وأفعاله أتم وأعلى، وإذا كان الكلام صفة كمال للمخلوق فكيف ينتفي هذا عن الخالق؟ ويسعنا ما وسع أصحاب رسول الله ﷺ وعلماء التابعين وأئمة الحديث والفقه في العصور المشهود لها بالخير قبل ظهور بدعة المتكلمين من الإيمان بما جاء عن الله أو صح عن رسوله في صفاته تعالى وأفعاله إثباتًا ونفيًا من غير تعطيل ولا تشبيه، ولا تمثيل ولا تأويل، وليس لنا أن نحكِّم رأينا في كنه ذات الله أو كيفية صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.

стр. 55

المكي والمدني مدخل ... ٤- المكي والمدني: تُولى الأمم اهتمامها البالغ بالمحافظة على تراثها الفكري ومقومات حضارتها، والأمة الإسلامية أحرزت قصب السبق في عنايتها بتراث الرسالة المحمدية التي شرفت به الإنسانية جمعاء، لأنها ليست رسالة علم أو إصلاح يحدد الاهتمام بها مدى قبول العقل لها واستجابة الناس إليها، وإنما هي -فوق زادها الفكري وأسسها الإصلاحية- دين يخامر الألباب ويمتزج بحبات القلوب، فنجد أعلام الهدى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يضبطون منازل القرآن آية آية ضبطًا يحدد الزمان والمكان, وهذا الضبط عماد قوي في تاريخ التشريع يستند إليه الباحث في معرفة أسلوب الدعوة، وألوان الخطاب، والتدرج في الأحكام والتكاليف، ومما رُوِي في ذلك ما قاله ابن مسعود ﵁: "والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبتُ إليه"١. والدعوة إلى الله تحتاج إلى نهج خاص في أسلوبها إزاء كل فساد في العقيدة، والتشريع والخلق والسلوك، ولا تفرض تكاليفها إلا بعد تكوين النواة الصالحة لها وتربية اللبنات التي تأخذ على عاتقها القيام بها، ولا تسن أسسها التشريعية ونظمها الاجتماعية إلا بعد طهارة القلب وتحديد الغاية حتى تكون الحياة على هدًى من الله وبصيرة. والذي يقرأ القرآن الكريم يجد للآيات المكية خصائص ليست للآيات المدنية في وقعها ومعانيها، وإن كانت الثانية مبنية على الأولى في الأحكام والتشريع.

стр. 56

فحيث كان القوم في جاهلية تعمى وتصم، يعبدون الأوثان، ويشركون بالله، وينكرون الوحي، ويكذبون بيوم الدين، وكانوا يقولون: ﴿أإِذَا مِتنا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا إَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ١. ﴿مَا هِيَ إلًَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهلِكُنَا إلَّا الدَّهْرُ﴾ ٢. وهم ألداء في الخصومة، أهل مماراة ولجاجة في القول عن فصاحة وبيان؛ حيث كان القوم كذلك نزل الوحي المكي قوارع زاجرة، وشهبًا منذرة، وحججًا قاطعة، يحطم وثنيتهم في العقيدة، ويدعوهم إلى توحيد الألوهية والربوبية، ويهتك أستار فسادهم، ويسَفِّه أحلامهم، ويقيم دلائل النبوة، ويضرب الأمثلة للحياة الآخرة وما فيها من جنة ونار، ويتحداهم -على فصاحتهم- بأن يأتوا بمثل القرآن، ويسوق إليهم قصص المكذبين الغابرين عبرة وذكرى، فتجد في مكي القرآن ألفاظًا شديدة القرع على المسامع، تقذف حروفها شرر الوعيد والسٌّنَّة العذاب، فـ "كلا" الرادعة الزاجرة، والصاخة والقارعة، والغاشية والواقعة، وألفاظ الهجاء في فواتح السور، وآيات التحدي في ثناياها، ومصير الأمم السابقة، وإقامة الأدلة الكونية، والبراهين العقلية - كل هذا نجده في خصائص القرآن المكي. وحين تكونت الجماعة المؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وامتُحنت في عقيدتها بأذى المشركين فصبرت وهاجرت بدينها مؤثرة ما عند الله على متع الحياة -حين تكونت هذه الجماعة- نرى الآيات المدنية طويلة المقاطع، تتناول أحكام الإسلام وحدوده، وتدعو إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وتفصل أصول التشريع، وتضع قواعد المجتمع، وتحدد روابط الأسرة، وصلات الأفراد، وعلاقات الدول والأمم، كما تفضح المنافقين وتكشف دخيلتهم، وتجادل أهل الكتاب وتلجم أفواههم -وهذا هو الطابع العام للقرآن المدني.

стр. 57

عناية العلماء بالمكي والمدني وأمثلة ذلك وفوائده مدخل ... عناية العلماء بالمكي والمدني وأمثلة ذلك وفوائده: وقد عَنِيَ العلماء بتحقيق المكي والمدني عناية فائقة، فتتبعوا القرآن آية آية، وسورة سورة، لترتيبها وفق نزولها، مراعين في ذلك الزمان والمكان والخطاب، لا يكتفون بزمن النزول، ولا بمكانه، بل يجمعون بين الزمان والمكان والخطاب، وهو تحديد دقيق يعطي للباحث المنصف صورة للتحقيق العلمي في علم المكي والمدني، وهو شأن علمائنا في تناولهم لمباحث القرآن الأخرى. إنه جهد كبير أن يتتبع الباحث منازل الوحي في جميع مراحله، ويتناول آيات القرآن الكريم فيعيِّن وقت نزولها، ويحدد مكانه، ويضم إلى ذلك الضوابط القياسية لأسلوب الخطاب فيها، أهو من قبيل المكي أم من قبيل المدني؟ مستعينًا بموضوع السورة أو الآية، أهو من الموضوعات التي ارتكزت عليها الدعوة الإسلامية في مكة أم من الموضوعات التي ارتكزت عليها الدعوة في المدينة؟ وإذا اشتبه الأمر على الباحث لتوافر الدلائل المختلفة رجَّح بينها فجعل بعضها شبيهًا بما نزل في مكة، وبعضها شبيهًا بما نزل في المدينة. وإذا كانت الآيات نزلت في مكان ثم حملها أحد من الصحابة فور نزولها لإبلاغها في مكان آخر ضبط العلماء هذا كذلك، فقالوا: ما حُمل من مكة إلى المدينة، وما حُمل من المدينة إلى مكة. قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب "التنبيه على فضل علوم القرآن": "من أشراف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجُحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا،

стр. 58

وما نزل مشيعًا١، وما نزل مفردًا، والآيات المدنيات من السور المكية, والآيات المكيات في السور المدنية، وما حُمل من مكة إلى المدينة، وما حُمل من المدينة إلى مكة، وما حُمل من المدينة إلى أرض الحبشة، وما نزل مُجملًا، وما نزل مفسرًا، وما اختلفوا فيه، فقال بعضهم مدني وبعضهم مكي، فهذه خمسة وعشرون وجهًا من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى"٢. وحرص العلماء على الدقة، فرتبوا السور حسب منازلها سورة بعد سورة، وقالوا سورة كذا نزلت بعد سورة كذا، وازدادوا حرصًا في الاستقصاء. ففرقوا بين ما نزل ليلًا وما نزل نهارًا، وما نزل صيفًا وما نزل شتاء، وما نزل في الحضر وما نزل في السفر. وأهم الأنواع التي يتدارسها العلماء في هذا المبحث: ١- ما نزل بمكة. ٢- ما نزل بالمدينة. ٣- ما اختُلِفَ به. ٤- الآيات المكية في السور المدنية. ٥- الآيات المدنية في السور المكية. ٦- ما نزل بمكة وحكمه مدني. ٧- ما نزل بالمدينة وحكمه مكي. ٨- ما يشبه نزول المكي في المدني. ٩- ما يشبه نزول المدني في المكي.

стр. 59

١٠- ما حُمل من مكة إلى المدينة. ١١- ما حُمل من المدينة إلى مكة. ١٢- ما نزل ليلًا وما نزل نهارًا. ١٣- ما نزل صيفًا وما نزل شتاءً. ١٤- ما نزل في الحَضَر وما نزل في السَّفَر. فهذه أنواع أساسية، يرتكز محورها على المكي والمدني، ولذا سُمِّي هذا بـ "علم المكي والمدني".

стр. 60

أمثلة: ١- أقرب ما قيل في تعداد السور المكية والمدنية إلى الصحة، أن المدني عشرون سورة: ١- البقرة. ٢- آل عمران. ٣- النساء. ٤- المائدة. ٥- الأنفال. ٦- التوبة. ٧- النور. ٨- الأحزاب. ٩- محمد. ١٠- الفتح. ١١- الحجرات. ١٢- الحديد. ١٣- المجادلة. ١٤- الحشر. ١٥- الممتحنة. ١٦- الجمعة. ١٧- المنافقون. ١٨- الطلاق. ١٩- التحريم. ٢٠- النصر. ٢- وأن المختلف فيه اثنتا عشرة سورة: ١- الفاتحة. ٢- الرعد. ٣- الرحمن. ٤- الصف. ٥- التغابن. ٦- التطفيف. ٧- القدر. ٨- البينة. ٩- الزلزلة. ١٠- الإخلاص. ١١- الفلق. ١٢- الناس.

стр. 61

٣- وأن ما سوى ذلك مكي، وهو اثنتان وثمانون سورة، فيكون مجموع سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة. ٤- الآيات المكية في السور المدنية: لا يُقصد بوصف السورة بأنها مكية أو مدنية أنها بأجمعها كذلك، فقد يكون في المكية بعض آيات مدنية، وفي المدنية بعض آيات مكية، ولكنه وصف أغلبي حسب أكثر آياتها، ولذا يأتي في التسمية: سورة كذا مكية إلا آية كذا فإنها مدنية، وسورة كذا مدنية إلا آية كذا فإنها مكية - كما نجد ذلك في المصاحف. ومن أمثلة الآيات المكية في السور المدنية "سورة الأنفال" مدنية، واستثنى منها كثير من العلماء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١, قال مقاتل في هذه الآية: نزلت بمكة، وظاهرها كذلك، لأنها تضمنت ما كان من المشركين في دار الندوة عند تآمرهم على رسول الله ﷺ قبل الهجرة، واستثنى بعضهم كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢, لما أخرجه البزَّار عن ابن عباس أنها نزلت لما أسلم عمر ابن الخطاب, ﵁. ٥- الآيات المدنية في السور المكية: ومن أمثلة الآيات المدنية في السور المكية "سورة الأنعام" قال ابن عباس: نزلت بمكة جملة واحدة. فهي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة: ﴿قُُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا

стр. 62

وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ, وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١. و"سورة الحج" مكية سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة، من أول قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٢. ٦- ما نزل بمكة وحكمه مدني: ويمثلون له بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٣. فإنها نزلت بمكة يوم الفتح، وهي مدنية لأنها نزلت بعد الهجرة, والخطاب فيها عام، ومثل هذا لا يسميه العلماء مكيًّا، كما لا يسمونه مدنيًّا على وجه التعيين، بل يقولون فيه: ما نزل بمكة وحكمه مدني. ٧- ما نزل بالمدينة وحكمه مكي، ويمثلون له بسورة الممتحنة، فإنها نزلت بالمدينة، فهي مدنية باعتبار المكان، ولكن الخطاب في ثناياها توجه إلى مشركي أهل مكة.. ومثل هذا صدر سورة "براءة" نزل بالمدينة، والخطاب فيه لمشركي أهل مكة. ٨- ما يشبه نزول المكي في المدني: ويعني العلماء به ما كان في السور المدنية من آيات جاء أسلوبها في خصائصه وطابعه العام على نمط السور المكية، ومن أمثلته قوله تعالى في سورة الأنفال - وهي مدنية: ﴿َإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤, فإن استعجال المشركين للعذاب كان بمكة. ٩- ما يُشبه نزول المدني في المكي: ويعني العلماء به ما يقابل النوع السابق، ويمثلون له بقوله تعالى في سورة النجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ ٥.. قال السيوطي: فإن الفواحش كل ذنب

стр. 63

فيه حد، والكبائر كل ذنب عاقبته النار، واللَّمم ما بين الحدين من الذنوب، ولم يكن بمكة حد ولا نحوه١. ١٠- ما حُمل من مكة إلى المدينة: ومن أمثلته سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ٢, أخرج البخاري عن البرَّاء بن عازب قال: "أول من قدم علينا من أصحاب النبي, ﷺ : مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن. ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين. ثم جاء النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، فما جاء حتى قرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ في سورة مثلها" وهذا المعنى يصدق على كل ما حمله المهاجرون من القرآن وعلموه الأنصار. ١١- ما حُمل من المدينة إلى مكة: ومن أمثلته أول سورة "براءة"، حيث أمَّر رسول الله ﷺ أبا بكر على الحج في العام التاسع. فلما نزل صدر سورة "براءة" حمَّله رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب ليلحق بأبي بكر حتى يبلِّغ المشركين به. فأذَّن فيهم بالآيات وأبلغهم ألا يحج بعد العام مشرك. ١٢- ما نزل ليلًا وما نزل نهارًا: أكثر القرآن نزل نهارًا، أما ما نزل بالليل فقد تتبعه القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري واستخرج له أمثلة منها: أواخر آل عمران: أخرج ابن حبان في صحيحه، وابن المنذر، وابن مردويه وابن أبي الدنيا عن عائشة ﵂: أن بلالًا أتى النبي ﷺ يؤذنه لصلاة الصبح فوجده يبكي، فقال: يا رسول الله.. ما يبكيك؟ قال: "وما يمنعني أن أبكي وقد أُنزل عليَّ هذه الليلة": ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ٣.. ثم قال: " ويل لمن قرأها ولم يتفكر".

стр. 64

ومنها: آية الثلاثة الذين خُلِّفوا، ففي الصحيحين من حديث كعب: "فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من الليل"١. ومنها: أول سورة الفتح، ففي البخاري من حديث عمر: "لقد نزلت عليَّ الليلة سورة هي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس"، فقرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ٢.. ١٣- ما نزل صيفًا وما نزل شتاءً: ويمثل العلماء لما نزل صيفًا بآية الكلالة التي في آخر سورة النساء، ففي صحيح مسلم عن عمر: "ما راجعتُ رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: "يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر في النساء"؟ ٣. ومن أمثلته الآيات التي نزلت في غزوة تبوك، فإنها كانت في الصيف في شدة الحر كما في القرآن نفسه٤. ويمثلون للشتائي بآيات حديث الإفك في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ٥ ... إلى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٦, ففي الصحيح عن عائشة: "أنها نزلت في يوم شات".

стр. 65

ومن أمثلته الآيات التي في غزوة الخندق من سورة الأحزاب حيث كانت في شدة البرد: أخرج البيهقي في "دلائل النبوة" عن حذيفة قال: "تفرق الناس عن رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب إلا اثني عشر رجلًا، فأتاني رسول الله ﷺ فقال: " قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب"، قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما قمت لك إلا حياء، من البرد، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ١.. ١٤- ما نزل في الحضر وما نزل في السَّفَر: أكثر القرآن نزل في الحضر، ولكن حياة رسول الله ﷺ كانت عامرة بالجهاد والغزو في سبيل الله حيث يتنزل عليه الوحي في مسيره، وقد ذكر السيوطي لما نزل في السفر كثيرًا من الأمثلة٢.. منها أول سورة الأنفال، نزلت ببدر عقب الواقعة، كما أخرجه أحمد عن سعد ابن أبي وقاص - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣.. أخرج أحمد عن ثوبان أنها نزلت في بعض أسفاره ﷺ وأول سورة الحج، أخرج الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين قال: "لما نزلت على النبي, ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ٤ ... إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ٥.. أنزلت عليه هذه وهو في سفر. وسورة الفتح، أخرج الحاكم وغيره عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: "نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها".

стр. 66

فوائد العلم بالمكي والمدني: وللعلم بالمكي والمدني فوائد أهمها: أ- الاستعانة به في تفسير القرآن: فإن معرفة مواقع النزول تساعد على فهم الآية وتفسيرها تفسيرًا صحيحًا، وإن كانت العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص

стр. 67

السبب. ويستطيع المفسر في ضوء ذلك عند تعارض المعنى في آيتين أن يُميز بين الناسخ والمنسوخ، فإن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم. ب- تذوق أساليب القرآن والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله، فإن لكل مقام مقالًا، ومراعاة مقتضى الحال من أخص معاني البلاغة، وخصائص أسلوب المكي في القرآن والمدني منه تعطي الدارس منهجًا لطرائق الخطاب في الدعوة إلى الله بما يلائم نفسية المخاطب، ويمتلك عليه لُبّه ومشاعره، ويعالج فيه دخيلته بالحكمة البالغة، ولكل مرحلة من مراحل الدعوة موضوعاتها وأساليب الخطاب فيها، كما يختلف الخطاب باختلاف أنماط الناس ومعتقداتهم وأحوال بيئاتهم، ويبدو هذا واضحًا جليًّا بأساليب القرآن المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين والمنافقين وأهل الكتاب. جـ- الوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية.. فإن تتابع الوحي على رسول الله ﷺ ساير تاريخ الدعوة بأحداثها في العهد المكي والعهد المدني منذ بدأ الوحي حتى آخر آية نزلت، والقرآن الكريم هو المرجع الأصيل لهذه السيرة الذي لا يدع مجالًا للشك فيما رُوِيَ عن أهل السير موافقًا له، ويقطع دابر الخلاف عند اختلاف الروايات.

стр. 68

معرفة المكي والمدني وبيان الفرق بينهما: اعتمد العلماء في معرفة المكي والمدني على منهجين أساسيين: المنهج السماعي النقلي، والمنهج القياسي الاجتهادي. والمنهج السماعي النقلي يستند إلى الرواية الصحيحة عن الصحابة الذين عاصروا الوحي، وشاهدوا نزوله، أو عن التابعين الذين تلقوا عن الصحابة وسمعوا منهم كيفية النزول ومواقعه وأحداثه، ومعظم ما ورد في المكي والمدني من هذا القبيل، وفي الأمثلة السابقة خير دليل على ذلك، وقد حفلت بها كتب

стр. 69

التفسير بالمأثور، ومؤلفات أسباب النزول، ومباحث علوم القرآن، ولم يرد عن رسول الله ﷺ شيء في ذلك، حيث إنه ليس من الواجبات التي تجب على الأمة إلا بالقدر الذي يُعرف به الناسخ والمنسوخ، قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في "الانتصار": "إنما يُرجع في معرفة المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين, ولم يرد عن رسول الله ﷺ في ذلك قول لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم ومعرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يُعرف ذلك بغير نص الرسول"١. والمنهج القياسي الاجتهادي يستند إلى خصائص المكي وخصائص المدني، فإذا ورد في السورة المكية آية تحمل طابع التنزيل المدني أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مدنية، وإذا ورد في السورة المدنية آية تحمل طابع التنزيل المكي أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مكية، وإذا وُجِدَ في السورة خصائص المكي قالوا إنها مكية، وإذا وُجِدَ فيها خصائص المدني قالوا إنها مدنية، وهذا قياس اجتهادي، ولذا قالوا مثلًا: كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية، وكل سورة فيها فريضة أو حد مدنية، وهكذا، قال الجعبري: "لمعرفة المكي والمدني طريقان: سماعي وقياسي"٢, ولا شك أن السماعي يعتمد على النقل، والقياسي يعتمد على العقل, والنقل والعقل هما طريقا المعرفة السليمة والتحقيق العلمي.

стр. 70

الفرق بين المكي والمدني: للعلماء في الفرق بين المكي والمدني ثلاثة آراء اصطلاحية، كل رأي منها بُنِيَ على اعتبار خاص. الأول: اعتبار زمن النزول، فالمكي: ما نزل قبل الهجرة وإن كان بغير مكة، والمدني: ما نزل بعد الهجرة وإن كان بغير المدينة، فما نزل بعد الهجرة

стр. 71

ولو بمكة، أو عرفة: مدني، كالذي نزل عام الفتح، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأمَانَات إلَى أهْلِهَا﴾ ١, فإنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم، أو نزل بحجة الوداع كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا﴾ ٢, وهذا الرأي أولى من الرأيين بعده لحصره واطراده. الثاني: اعتبار مكان النزول، فالمكي: ما نزل بمكة وما جاورها كمِنى وعرفات والحديبية. والمدني: ما نزل بالمدينة وما جاورها كأُحد وقُباء وسلع. ويترتب على هذا الرأي عدم ثنائية القسمة وحصرها، فما نزل بالأسفار أو بتبوك أو ببيت المقدس لا يدخل تحت القسمة٣، فلا يسمى مكيًّا ولا مدنيًّا، كما يترتب عليه كذلك أن ما نزل بمكة بعد الهجرة يكون مكيًّا. الثالث: اعتبار المخاطَب، فالمكي: ما كان خطابًا لأهل مكة، والمدني: ما كان خطابًا لأهل المدينة. وينبني على هذا الرأي عند أصحابه أن ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكي، وما فيه من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُواُ﴾ مدني. وبالملاحظة يتبين أن أكثر سور القرآن لم تُفْتَتَحْ بأحد الخطابين، وأن هذا الضابط لا يطرد، فسورة البقرة مدنية، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤.. وقوله

стр. 72

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١، وسورة النساء مدنية وأولها: ﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ﴾ وسورة الحج مكية، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢، والقرآن الكريم هو خطاب الله للخلق أجمعين، ويجوز أن يخاطب المؤمنون بصفتهم وباسمهم وجنسهم، كما يجوز أن يؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار والازدياد منها.

стр. 73

مميزات المكي والمدني مدخل ... مميزات المكي والمدني: استقرأ العلماء السور المكية والسور المدنية، واستنبطوا ضوابط قياسية لكل من المكي والمدني، تبين خصائص الأسلوب والموضوعات التي يتناولها. وخرجوا من ذلك بقواعد ومميزات.

стр. 74

ضوابط المكي ومميزاته الموضوعية: ١- كل سورة فيها سجدة فهي مكية. ٢- كل سورة فيها لفظ "كلا" فهي مكية، ولم ترد إلا في النصف الأخير من القرآن. وذُكرت ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة. ٣- كل سورة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواُ﴾ فهي مكية، إلا سورة الحج ففي أواخراها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ١.. ومع هذا فإن كثيرًا من العلماء يرى أن هذه الآية مكية كذلك. ٤- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الغابرة فهي مكية سوى البقرة. ٥- كل سورة فيها آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة كذلك.

стр. 75

٦- كل سورة تفتح بحروف التهجي كـ "ألم" و"الر" و"حم" ونحو ذلك فهي مكية سوى الزهراوين: وهما البقرة وآل عمران، واختلفوا في سورة الرعد. هذا من ناحية الضوابط، أما من ناحية المميزات الموضوعية وخصائص الأسلوب فيمكن إجمالها فيما يأتي: ١- الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء، وذكر القيامة وهولها، والنار وعذابها، والجنة ونعيمها، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية، والآيات الكونية. ٢- وضع الأسس العامة للتشريع والفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع، وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء، وأكل أموال اليتامى ظلمًا، ووأد البنات، وما كانوا عليه من سوء العادات. ٣- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرًا لهم حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم، وتسلية لرسول الله ﷺ حتى يصبر على أذاهم ويطمئن إلى الانتصار عليهم. ٤- قصر الفواصل مع قوة الألفاظ، وإيجاز العبارة، بما يصخ الآذان، ويشتد قرعه على المسامع، ويصعق القلوب، ويؤكد المعنى بكثرة القَسَم، كقصار المفصَّل إلا نادرًا.
следующие страницы →