تعريف العام وصيغ العموم:
العام: هواللفظ المستغرق لما يصلح له من غير حصر١
وقد اختلف العلماء في معنى العموم، أله في اللغة صيغة موضوعة له خاصة به تدل عليه أم لا؟
فذهب أكثر العلماء إلى أن هناك صيغًا وُضِعت في اللغة للدلالة حقيقة على العموم، وتُستعمل مجازًا فيما عداه، واستدلوا على ذلك بأدلة نصية، وإجماعية ومعنوية.
أ- فمن الأدلة النصية قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ, قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ٢, ووجه الدلالة أن نوحًا ﵇ توجه بهذا النداء
стр. 282
تمسكًا منه بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ ١, وأقرَّه الله تعالى على هذا النداء، وأجابه بما دل على أنه ليس من أهله، ولولا أن إضافة الأهل إلى نوح للعموم لما صح ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ, قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ٢, ووجه الدلالة أن إبراهيم فهم من قول الملائكة: ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ العموم، حيث ذكر "لوطًا" فأقرَّه الملائكة على ذلك، وأجابوه بتخصيص لوط وأهله بالاستثناء، واستثناء امرأته من الناجين، وذلك كله يدل على العموم.
ب- ومن الأدلة الإجماعية إجماع الصحابة على إجراء قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤, ونحو ذلك على العموم في كل زان وسارق.
جـ- ومن الأدلة المعنوية، أن العموم يُفهم من استعمال ألفاظه، ولو لم تكن هذه الألفاظ موضوعة له لما تبادر إلى الذهن فهمه منها، كألفاظ الشرط والاستفهام والموصول.
وإننا ندرك الفرق بين "كل" و"بعض" ولو كان "كل" غير مفيد للعموم لما تحقق الفرق.
стр. 283
ولو قال قائل في النكرة المنفية "لا رجل في الدار" فإنه يعد كاذبًا إذا قدر أنه رأى رجلًا ما، كما ورد قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ١. تكذيبًا لما قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢, وهذا يدل على أن النكرة بعد النفي للعموم، ولو لم تكن للعموم لما كان قولنا: "لا إله إلا الله" توحيدًا لعدم دلالته على نفي كل إله سوى الله تعالى"٣.
وبناء على هذا فللعموم صيغة التي تدل عليه.
منها "كل" كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٤، وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥, ومثلها "جميع".
ومنها: المعرف بـ "ال" التي ليست للعهد كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ, إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٦, أي كل إنسان، بدليل قوله بعد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٧.
وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٨.
وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٩.
ومنها: النكرة في سياق النفي والنهي كقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ١٠.
وقوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَ﴾ ١١.
أو في سياق الشرط كقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١٢.
стр. 284
ومنها: "الذي" و"التي" وفروعهما كقوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ ١. أي كل من قال ذلك بدليل قوله بعد بصيغة الجمع: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَولُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن﴾ ٤.
وأسماء الشرط كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٥, للعموم في العاقل.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ٦, للعموم في غير العاقل.
وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ ٧, للعموم في المكان.
وقوله: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٨, للعموم في الأسماء. ومنها: اسم الجنس المضاف إلى معرفة كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٩, أي كل أمر لله، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ١٠.
стр. 285
أقسام العام:
والعام على ثلاثة أقسام:
الأول: الباقي على عمومه، وقد قال القاضي جلال الدين البلقيني١:
стр. 286
ومثاله عزيز، إذ ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص، وذكر الزركشي في "البرهان" أنه كثير في القرآن. وأورد منه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٣. فإنه لا خصوص فيها.
الثاني: العام المراد به الخصوص - كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ٤, فالمراد بالناس الأولى نعيم بن مسعود، والمراد بالناس الثانية أبو سفيان لا العموم في كل منهما، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ٥, فوقعت الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى به جمعًا لقال: "إنما أولئكم الشيطان" وكقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ ٦, والمنادى جبرائيل كما في قراءة ابن مسعود، وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ٧, والمراد بالناس إبراهيم، أو سائر العرب غير قريش.
الثالث: العام المخصوص - وأمثلته في القرآن كثيرة وستأتي.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٨.
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٩.
стр. 287
الفرق بين العام المراد به الخصوص والعام المخصوص:
الفرق بين العام المراد به الخصوص والعام المخصوص من وجوه، أهمها:
١- أن العام المراد به الخصوص لا يراد شموله لجميع الأفراد من أول الأمر، لا من جهة تناول اللفظ، ولا من جهة الحكم، بل هو ذو أفراد استعمل في فرد واحد منها أو أكثر.
أما العام المخصوص فأريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لا من جهة الحكم، فالناس في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وإن كان عامًّا إلا أنه لم يرد به لفظًا وحكمًا سوى فرد واحد، أما لفظ الناس في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ١, فهو عام أريد به ما يتناوله اللفظ من الأفراد. وإن كان حكم وجوب الحج لا يتناول إلا المستطيع منهم خاصة.
٢- والأول مجاز قطعًا، لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي واستعماله في بعض أفراده، بخلاف الثاني فالأصح فيه أنه حقيقة، وعليه أكثر الشافعية، وكثير من الحنفية، وجميع الحنابلة، ونقله إمام الحرمين٢ عن جميع الفقهاء، وقال الشيخ أبو حامد الغزالي: إنه مذهب الشافعي وأصحابه، وصححه السبكي، لأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص، وذلك التناول حقيقي اتفاقًا، فليكن هذا التناول حقيقيًّا أيضًا.
٣- وقرينة الأول عقلية غالبًا ولا تنفك عنه، وقرينة الثاني لفظية وقد تنفك.
стр. 288
تعريف الخاص وبيان المخصص:
والخاص: يقابل العام، فهو الذي لا يستغرق الصالح له من غير حصر. والتخصيص: هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، والمخصص: إما متصل: وهو الذي لم يُفصل فيه بين العام والمخصص له بفاصل، وإما منفصل: وهو بخلافه: والمتصل خمسة: أحدها: الاستثناء، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ، عَظِيمٌ, إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ٢.
الثاني: الصفة: كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ٣، فقوله: ﴿اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة لـ"نسائكم" والمعنى: أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها.
الثالث: الشرط: كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٤، فقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي مالًا، شرط في الوصية.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ٥ أي قدرة على الأداء، أو أمانة وكسبًا.
الرابع: الغاية: كقوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ٦.
стр. 289
وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ١.
الخامس: بدل البعض من الكل: كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٢, فقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل من "الناس" فيكون وجوب الحج خاصًّا بالمستطيع.
والمخصص المنفصل: ما كان في موضع آخر من آية أو حديث أو إجماع أو قياس. فما خُصَّ بالقرآن كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ﴾ ٣, فهو عام في كل مطلقة حاملًا كانت أو غير حامل، مدخولًا بها أو غير مدخول بها، خُصَّ بقوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٤، وبقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ ٥.
وما خُصَّ بالحديث كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٦, خص من البيع البيوع الفاسدة التي ذكرت في الحديث، كما في البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل"، وفي الصحيحين عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة" وكان بيعًا تبتاعه الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها - واللفظ للبخاري، إلى غير ذلك من الأحاديث.
ورخص من الربا العرايا الثابتة بالسٌّنَّة فإنها مباحة، فعن أبي هريرة, ﵁: "أن رسول الله ﷺ رخَّص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق"٧.
وما خُص بالإجماع آية المواريث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٨, خص منها بالإجماع الرقيق لأن الرق مانع من الإرث.
стр. 290
وما خُص بالقياس آية الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١, خُص منها العبد بالقياس على الأمة التي نص على تخصيصها عموم الآية في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ٢.
стр. 291
تخصيص السٌّنَّة بالقرآن:
وقد يخصص القرآن السٌّنَّة، ويمثلون لذلك بما رُوي عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: قال النبي, ﷺ : "ما قُطِع من البهيمة وهي حية فهو ميت" ١ فهذا الحديث خُص بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ٢.
стр. 292
صحة الاحتجاج بالعام بعد تخصيصه فيما بقي:
اختلف العلماء في صحة الاحتجاج بالعام بعد تخصيصه فيما بقي، والمختار عند المحققين صحة الاحتجاج به فيما وراء صور التخصيص١. واستدلوا على ذلك بأدلة إجماعية، وأدلة عقلية.
أ- فمن أدلة الإجماع: أن فاطمة ﵂ احتجت على أبي بكر ﵁ في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢, مع أنه مخصص بالكافر والقاتل،
стр. 293
ولم ينكر أحد من الصحابة صحة احتجاجها مع ظهوره وشهرته، فكان إجماعًا على صحة احتجاجها، ولذا عدل أبو بكر ﵁ في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله, ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نُورَّث ... ما تركناه صدقة"١.
ب- ومن الأدلة العقلية: أن العام قبل التخصيص حُجة في كل واحد من أقسامه إجماعًا، والأصل بقاء ما كان قبل التخصيص بعده، إلا أن يوجد له معارض، وليس هناك معارض فيما وراء صور التخصيص، فيظل العام بعد التخصيص حُجة فيما بقي.
стр. 294
ما يشمله الخطاب:
اختُلِف في الخطاب الخاص بالرسول ﷺ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ١.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر﴾ ٢, هل يشمل الأمة أم لا يشملها؟
أ- فذهب قوم إلى أنه يشملها باعتباره قدوة لها.
ب- وذهب آخرون إلى أنه لا يشملها؛ لأن الصيغة تدل على اختصاصه بها.
واختلفوا أيضًا في الخطاب من الله تعالى بـ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ" كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٣, هل يشمل الرسول أم لا؟ والصحيح في ذلك أنه يشمله لعمومه وإن كان الخطاب قد ورد على لسانه ليُبلِّغ غيره.
стр. 295
وقد فصل بعضهم فقال: إن اقترن الخطاب بـ "قل" لم يشمله لأن ظاهره البلاغ كقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١, وإلا شمله.
وما ورد في الخطاب مضافًا إلى الناس أو المؤمنين كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ ٢، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ٣.
فالمختار في الأول: أنه يشمل الكافر والعبد والأنثى.
والمختار في الثاني: أنه يشمل الأخيرين فقط لمراعاة التكليف بالنسبة إلى الجميع، وخروج العبد عن بعض الأحكام كوجوب الحج والجهاد إنما هو لأمر عارض كفقره واشتغاله بخدمة سيده.
ومتى اجتمع المذكر والمؤنث غلب التذكير. وأكثر خطاب الله تعالى في القرآن بلفظ التذكير، والنساء يدخلن في جملته. وقد يأتي ذكرهن بلفظ مفرد تبيينًا وإيضاحًا. وهذا لا يمنع دخولهن في اللفظ العام الصالح لهن، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ٤.
стр. 296
الناسخ والمنسوخ
مدخل
...
١٤- الناسخ والمنسوخ: ١
تنزل التشريعات السماوية من الله تعالى على رسله لإصلاح الناس في العقيدة والعبادة والمعاملة. وحيث كانت العقيدة واحدة لا يطرأ عليها تغيير لقيامها على توحيد الألوهية والربوبية فقد اتفقت دعوة الرسل جميعًا إليها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، أما العبادات والمعاملات فإنها تتفق في الأسس العامة التي تهدف إلى تهذيب النفس والمحافظة على سلامة المجتمع وربطه برباط التعاون والإخاء، إلا أن مطالب كل أمة قد تختلف عن مطالب أختها، وما يلائم قومًا في عصر قد لا يلائمهم في آخر، ومسلك الدعوة في طور النشأة والتأسيس يختلف عن شرعتها بعد التكوين والبناء، فحكمة التشريع في هذه غيرها في تلك، ولا شك أن المشرِّع يسع كل شيء رحمة وعلمًا، ولله الأمر والنهي ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ٣, فلا غرابة في أن يرفع تشريع بآخر مراعاة لمصلحة العباد عن علم سابق بالأول والآخر.
стр. 297
تعريف النسخ وشروطه:
والنسخ لغة: يُطلق بمعنى الإزالة، ومنه يقال: نسخت الشمس الظل: أي أزالته. ونسخت الريح أثر المشي - ويطلق بمعنى نقل الشيء من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب: إذا نقلت ما فيه. وفي القرآن: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١, والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف.
стр. 298
والنسخ في الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي - فخرج بالحكم رفع البراءة الأصلية، وخرج بقولنا: "بخطاب شرعي" رفع الحكم بموت أو جنون أو إجماع أو قياس.
ويطلق الناسخ على الله تعالى كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ١، وعلى الآية وما يُعرف به النسخ، فيقال: هذه الآية ناسخة لآية كذا، وعلى الحكم الناسخ لحكم آخر.
والمنسوخ هو الحكم المرتفع، فآية المواريث مثلًا أو ما فيها من حكم ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين كما سيأتي, ومقتضى ما سبق أنه يُشترط في النسخ:
١- أن يكون الحكم المنسوخ شرعيًّا.
٢- أن يكون الدليل على ارتفاع الحكم خطابًا شرعيًّا متراخيًا عن الخطاب المنسوخ حكمه.
٣- وألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدًا بوقت معين. وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا يُعَد هذا نسخًا. قال "مكي"٢:
"ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرًا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ٣, مُحكم غير منسوخ، لأنه مؤجل بأجل، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه.
стр. 299
ما يقع فيه النسخ:
ومِن هنا يُعلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي - سواء أكانت صريحة في الطلب أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي، على أن يكون ذلك غير متعلق بالاعتقادات التي ترجع إلى ذات الله تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أو الآداب الخُلُقية، أو أصول العبادات والمعاملات لأن الشرائع كلها لا تخلو عن هذه الأصول. وهي متفقة فيها، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١.
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ ٣.
وقال في القِصاص: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٤.
وقال في الجهاد: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِير﴾ ٥.
وفي الأخلاق: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ ٦.
كما لا يدخل النسخ الخبر الصريح الذي ليس بمعنى الطلب كالوعد والوعيد.
стр. 300
ما به يُعرف النسخ وأهميته:
ولمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم من الفقهاء والأصوليين والمفسرين حتى لا تختلط الأحكام، ولذلك وردت آثار كثيرة في الحث على معرفته، فقد رُوِي أن عليًّا ﵁ مرَّ على قاض فقال له: أتعرف
стр. 301
الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال: هلكت وأهلكت. وعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ١, قال: "ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره، وحرامه وحلاله"٢.
ولمعرفة الناسخ والمنسوخ طرق:
١- النقل الصريح عن النبي ﷺ أو عن صحابي كحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" "رواه الحاكم". وقول أنس في قصة أصحاب بئر معونة كما سيأتي: "ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رُفِع"٣.
٢- إجماع الأمة على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ.
٣- معرفة المتقدم من المتأخر في التاريخ.
ولا يعتمد في النسخ على الاجتهاد، أو قول المفسرين، أو التعارض بين الأدلة ظاهرًا، أو تأخر إسلام أحد الراويين.
стр. 302
الآراء في النسخ وأدلة ثبوته:
والناس في النسخ على أربعة أقسام:
١- اليهود: وهؤلاء ينكرونه لأنه يستلزم في زعمهم البَدَاء، وهو الظهور بعد الخفاء، وهم يعنون بذلك: أن النسخ إما أن يكون لغير حكمة، وهذا عبث محال على الله، وإما أن يكون لحكمة ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل، وهذا يستلزم البَدَاء وسبق الجهل، وهو محال على الله تعالى.
стр. 303
واستدلالهم هذا فاسد؛ لأن كُلًّا من حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ معلوم لله تعالى من قبل، فلم يتجدد علمه بها. وهو سبحانه ينقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة معلومة له من قبل بمقتضى حكمته وتصرفه المطلق في ملكه.
واليهود أنفسهم يعترفون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها. وجاء في نصوص التوراة النسخ، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حِلِّه قال تعالى في إخباره عنهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ١.
وقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي﴾ ٢ ... الآية.
وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج من الأخت. وقد حرم الله ذلك على موسى، وأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا مَن عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم.
٢- الروافض: وهؤلاء غلوا في إثبات النسخ وتوسعوا فيه، وأجازوا البَدَاء على الله تعالى، فهم مع اليهود على طرفي نقيض، واستدلوا على ذلك بأقوال نسبوها إلى علي ﵁ زورًا وبهتانًا، وبقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ٣, على معنى أنه يظهر له المحو والإثبات.
وذلك إغراق في الضلال. وتحريف للقرآن. فإن معنى الآية: ينسخ الله ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته، وكل من المحو والإثبات موجود في كثير من الحالات، كمحو السيئات بالحسنات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٤، ومحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة وإثبات إيمانهم وطاعتهم، ولا يلزم من ذلك الظهور بعد الخفاء، بل يفعل الله هذا مع علمه به قبل كونه.
стр. 304
٣- أبو مسلم الأصفهاني ١: وهو يجوِّز النسخ عقلًا ويمنع وقوعه شرعًا، وقيل يمنعه في القرآن خاصة محتجًّا بقوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٢, على معنى أن أحكامه لا تبطل أبدًا. ويحمل آيات النسخ على التخصيص.
ورد عليه بأن معنى الآية أن القرآن لم يتقدمه ما يبطله من الكتب ولا يأتي بعده ما يبطله.
٤- وجمهور العلماء: على جواز النسخ عقلًا ووقوعه شرعًا لأدلة:
١- لأن أفعال الله لا تُعلَّل بالأغراض، فله أن يأمر بالشئ في وقت وينسخه بالنهي عنه في وقت، وهو أعلم بمصالح العباد.
٢- ولأن نصوص الكتاب والسٌّنَّة دالة على جواز النسخ ووقوعه:
أ- قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ ٣.
وقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٤.
ب- وفي الصحيح عن ابن عباس ﵁ قال: قال عمر, ﵁: أقرؤنا أُبَيٌّ، وأقضانا، وإنا لندع من قول أُبَيٍّ، وذاك أن أُبَيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ وقد قال الله : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ .
стр. 305
أقسام النسخ:
والنسخ أربعة أقسام:
القسم الأول: نسخ القرآن بالقرآن: وهذا القسم متفق على جوازه ووقوعه من القائلين بالنسخ، فآية الاعتداد بالحول مثلًا نُسِخَت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرٍ، كما سيأتي في الأمثلة.
القسم الثاني: نسخ القرآن بالسٌّنَّة: وتحت هذا نوعان:
أ- نسخ القرآن بالسٌّنَّة الآحادية. والجمهور على عدم جوازه. لأن القرآن متواتر يفيد اليقين، والآحادي مظنون، ولا يصح رفع المعلوم بالمظنون.
ب- ونسخ القرآن بالسٌّنَّة المتواترة. وقد أجازه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية، لأن الكل وحي. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ١.
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢, والنسخ نوع من البيان - ومنعه الشافعي وأهل الظاهر وأحمد في الرواية الأخرى، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٣, والسٌّنَّة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله.
القسم الثالث: نسخ السٌّنَّة بالقرآن , ويجيزه الجمهور، فالتوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسٌّنَّة، وليس في القرآن ما يدل عليه، وقد نُسِخَ بالقرآن في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٤, ووجوب صوم يوم عاشوراء كان ثابتًا بالسٌّنَّة ونُسِخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٥.
стр. 306
ومنع هذا القسم الشافعي في إحدى روايتيه، وقال: "وحيث وقع بالسٌّنَّة فمعها قرآن، أو بالقرآن فمعه سُنة عاضدة تبيِّن توافق الكتاب والسٌّنَّة"١.
القسم الرابع: نسخ السٌّنَّة بالسٌّنَّة، وتحت هذا أربعة أنواع:
١- نسخ متواترة بمتواترة، ٢- ونسخ آحاد بآحاد، ٣- ونسخ آحاد بمتواترة، ٤- ونسخ متواترة بآحاد - والثلاثة الأولى جائزة - أما النوع الرابع ففيه الخلاف الوارد في نسخ القرآن بالسٌّنَّة الآحادية، والجمهور على عدم جوازه.
أما نسخ كل من الإجماع والقياس والنسخ بهما فالصحيح عدم جوازه.
стр. 307
أنواع النسخ في القرآن:
والنسخ في القرآن ثلاثة أنواع:
النوع الأول: نسخ التلاوة والحكم معًا، ومثاله: ما رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت: "كان فيما أُنزل: عشر رضعات معلومات يُحرِّمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يُقرأ من القرآن", وقولها: "وهن مما يُقرأ من القرآن" ظاهره بقاء التلاوة، وليس كذلك، فإنه غير موجود في المصحف العثماني. وأجيب بأن المراد: قارَبَ الوفاة١.
والأظهر أن التلاوة نُسِخَت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ فتوفي وبعض الناس يقرؤها.
وحكى القاضي أبو بكر في "الانتصار" عن قوم إنكار هذا القسم؛ لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حُجة فيها تفيد القطع، ولكنها ظنية.
стр. 308
ويُجاب على ذلك بأن ثبوت النسخ شيء، وثبوت نزول القرآن شيء آخر، فثبوت النسخ يكفي فيه الدليل الظني بخبر الآحاد، أما ثبوت نزول القرآن فهو الذي يُشترط فيه الدليل القطعي بالخبر المتواتر، والذي معنا ثبوت النسخ لا ثبوت القرآن فيكفي فيه أخبار الآحاد. ولو قيل إن هذه القراءة لم تثبت بالتواتر لصح ذلك.
النوع الثاني: نسخ الحكم وبقاء التلاوة، ومثاله: نسخ حكم آية العِدَّة بالحول مع بقاء تلاوتها - وهذا النوع هو الذي أُلِّفت فيه الكتب وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة. والتحقيق أنها قليلة، كما بيَّن ذلك القاضي أبو بكر ابن العربي١.
وقد يقال: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟
والجواب من وجهين..
أحدهما: أن القرآن كما يُتلى ليُعرف الحكم منه، والعمل به، فإنه يُتلى كذلك لكونه كلام الله تعالى فيُثاب عليه، فتُرِكت التلاوة لهذه الحكمة.
وثانيهما: أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف, فأُبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة في رفع المشقة.
وأما حكمة النسخ قبل العمل، كالصدقة عند النجوى، فيُثاب على الإيمان به، وعلى نية طاعة الأمر.
النوع الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، وقد ذكروا له أمثلة كثيرة، منها آية الرجم: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله، والله عزيز حكيم" ومنها ما رُوِي في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قُتِلوا وقَنَتَ الرسول يدعو على قاتليهم، قال أنس: ونزل فيهم
стр. 309
قرآن قرأناه حتى رُفِع: "أن بلِّغوا عنا قومنا أنَّا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" ثم نُسِخَت تلاوته - وبعض أهل العلم يُنكر هذا النوع من النسخ. لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد، قال ابن الحصَّار: "إنما يُرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله ﷺ أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا، قال: وقد يُحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليُعرف المتقدم والمتأخر، قال: ولا يُعْتمد في النسخ على قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صريح، ولا معارضة بيِّنة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرَّر في عهده ﷺ والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد، قال: والناس في هذا بين طرفي نقيض، فمِن قائل: لا يُقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول، ومِن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما"١.
وقد يقال: إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان؛ لأن الآية دليل على الحكم. فإذا نُسِخَت الآية نُسِخ حكمها. وإلا وقع الناس في لَبْس.
ويُجاب عن ذلك بأن هذا التلازم يسلم لو لم ينصب الشارع دليلًا على نسخ التلاوة، وعلى إبقاء الحكم، أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها، وعلى إبقاء الحكم واستمراره فإن التلازم يكون باطلًا، وينتفي اللَّبْس بهذا الدليل الشرعي الذي يدل على نسخ التلاوة مع بقاء الحكم.
стр. 310
حكمة النسخ:
١- مراعاة مصالح العباد.
٢- تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور حال الناس.
٣- ابتلاء المكلَّف واختباره بالامتثال وعدمه.
стр. 311
٤- إرادة الخير للأمة والتيسير عليها؛ لأن النسخ إن كان إلى أشقَّ ففيه زيادة الثواب، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ويُسر
стр. 312
النسخ إلى بدل وإلى غير بدل:
والنسخ يكون إلى بدل وإلى غير بدل - والنسخ إلى بدل: إما إلى بدل أخف، وإما إلى بدل مماثل، وإما إلى بدل أثقل:
١- فالنسخ إلى غير بدل: كنسخ الصدقة بين يدي نجوى رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ١، نُسِخَت بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢.
وأنكر بعض المعتزلة والظاهرية ذلك، وقالوا: إن النسخ بغير بدل لا يجوز شرعًا، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ٣, حيث أفادت الآية أنه لا بد أن يؤتى مكان الحكم المنسوخ بحكم آخر خير منه مثله.
ويُجاب عن ذلك: بأن الله تعالى إذا نسخ حكم الآية بغير بدل فإن هذا يكون بمقتضى حكمته، رعاية لمصلحة عباده، فيكون عدم الحكم خيرًا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس، ويصح حينئذ أن يُقال: إن الله نسخ حكم الآية السابقة بما هو خير منها حيث كان عدم الحكم خيرًا للناس.
٢- والنسخ إلى بدل أخف: يمثلون له بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٤.. الآية - فهي ناسخة لقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٥؛ لأن مقتضاها الموافقة لما كان عليه
стр. 313
السابقون من تحريم الأكل والشرب والوطء إذا صلُّوا العتمة أو ناموا إلى الليلة التالية, كما ذكروا ذلك، فقد رَوى ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: أُنْزِلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كتب عليهم إذا صلَّى أحدهم العتمة أو نام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها، ورَوَى مثله أحمد والحاكم وغيرهما، وفيه: "فأنزل الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ... الآية".
٣- النسخ إلى بدل مماثل: كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ١.
٤- والنسخ إلى بدل أثقل: كنسخ الحبس في البيوت في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ ٢ ... الآية، بالجلد في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ٣ ... الآية.
أو الرجم في قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"..٤.
стр. 314
شُبَهُ النسخ:
وللناسخ والمنسوخ أمثلة كثيرة، إلا أن العلماء في هذا:
١- منهم المكثر الذي اشتبه عليه الأمر فأدخل في النسخ ما ليس منه.
٢- ومنهم المتحري الذي يعتمد على النقل الصحيح في النسخ.
ومنشأ الاشتباه عند المكثرين أُمور أهمها:
стр. 315
١- اعتبار التخصيص نسخًا "انظر مبحث العام والخاص".
٢- اعتبار البيان نسخًا "انظر مبحث المطلق والمقيد الآتي".
٣- اعتبار ما شُرِعَ لسبب ثم زال السبب من المنسوخ، كالحث على الصبر وتحمل أذى الكفار في مبدأ الدعوة حين الضعف والقلة، قالوا إنه منسوخ بآيات القتال، والحقيقة أن الأول - وهو وجوب الصبر والتحمل - كان ويكون لحالة الضعف والقلة. وإذا وُجِدَت الكثرة والقوة وجب الدفاع عن العقيدة بالقتال، وهو الحكم الثاني.
٤- اعتبار ما أبطله الإسلام من أمر الجاهلية أو من شرائع الأمم السابقة نسخًا: كتحديد عدد الزوجات بأربع، ومشروعية القِصاص والدِّيَة، وقد كان عند بني إسرائيل القِصاص فقط كما قال ابن عباس ورواه البخاري١، ومثل هذا ليس نسخًا، وإنما هو رفع للبراءة الأصلية.
стр. 316
أمثلة للنسخ:
وقد ذكر السيوطي في الإتقان إحدى وعشرين آية اعتبرها من قبيل النسخ نذكر منها ما يأتي ونُعَلِّق عليه.
١- قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ ١, منسوخة بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٢, وقد
стр. 317
قيل -وهو الحق- إن الأُولى غير منسوخة؛ لأنها في صلاة التطوع في السفر على الراحلة وكذا في حال الخوف والاضطرار، وحكمها باق، كما في الصحيحين، والثانية في الصلوات الخمس، والصحيح أنها ناسخة لما ثبت في السٌّنَّة من استقبال بيت المقدس.
٢- قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ١, قيل منسوخة بآية المواريث، وقيل بحديث: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" ٢.
٣- قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ٣, نُسِخت بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ٤, لما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يُفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وذهب ابن عباس إلى أنها مُحكمة غير منسوخة: روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابن عباس: "ليست بمنسوخة. هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيُطعمان كل يوم مسكينًا" - وليس معنى "يطيقونه" على هذا: يستطيعونه، وإنما معناه يتحملونه بمشقة وكلفة.
وبعضهم جعل الكلام على تقدير "لا" النافية، أي: وعلى الذين لا يطيقونه.
٤- قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٥, نُسِخت بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٦, وقيل: يُحمل عموم الأمر بالقتال على غير الأشهُر الحُرُم فلا نسخ.
стр. 318
٥- قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ١, نُسِخت بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ٢.
وقيل إن الآية الأولى مُحكمة؛ لأنها في مقام الوصية للزوجة إذا لم تخرج ولم تتزوج، أما الثانية فهي لبيان العدَّة، ولا تنافي بينهما.
٦- قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣, نُسِخت بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ٤.
٧- قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ ٥, نُسِخت بآية المواريث وقيل -وهو الصواب- إنها غير منسوخة وحكمها باق على الندب.
٨- قوله: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ ٦. نُسِختا بآية الجلد للبِكْر في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٧, وبالجلد للبِكْر وبالرجم للثيِّب الوارد في السٌّنَّة: " ... البِكْر بالبِكْر جلد مائة ونفي سنة، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرجم" ٨.
стр. 319
٩- قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ١, نُسِخت بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ٢.
١٠- قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ ٣, نُسِخَت بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى﴾ ٤ ... الآية، وبقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ ٥.. الآية.
وقيل إنه من باب التخصيص لا النسخ. وقد مر ذكر أمثلة أخرى.
стр. 320
المطلق والمقيد
مدخل
...
١٥- المطلق والمقيد: ١
بعض الأحكام التشريعية يرد تارة مطلقًا في فرد شائع لا يتقيد بصفة أو شرط، ويرد تارة أخرى متناولًا له مع أمر زائد على حقيقته الشاملة لجنسه من صفة أو شرط، وإطلاق اللفظ مرة وتقييده أخرى من البيان العربي، وهو ما يُعرف في كتاب الله المعجز بـ "مطلق القرآن ومقيده".