والنبات. فكانت في الرحمة رياحًا. وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد، ولا معارض لها ولا دافع، وقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن أُبَيِّ بن كعب قال: كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة، وكل شيء من الريح فهو عذاب. ولهذا ورد في الحديث: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" وما عرج عن ذلك فهو لنكتة أخرى١.
ومن ذلك إفراد "النور" وجمع "الظلمات"، وإفراد "سبيل الحق" وجمع "سبل الباطل" لأن طريق الحق واحدة، وطرق الباطل متشعبة متعددة. ولهذا وحَّد "ولي المؤمنين" وجمع "أولياء الكافرين" لتعددهم كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٢, وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٣.
ومن ذلك "المشرق والمغرب" بالإفراد والتثنية والجمع. فالإفراد باعتبار الجهة والإشارة إلى ناحيتي الشرق والغرب كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ ٤, والتثنية باعتبار مطلعي ومغربى الشتاء والصيف كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ٥. والجمع باعتبار مطلع كل يوم ومغربه، أو مطلع كل فصل ومغربه كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ ٦.
стр. 247
٤- مقابلة الجمع بالجمع أو بالمفرد:
مقابلة الجمع بالجمع تارة تقتضي مقابلة كل فرد من هذا، بكل فرد من هذا, كقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ ١, أي استغشى كل منهم ثوبه. وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ ٢, أي كل واحدة ترضع ولدها. وتارة يقتضي ثبوت الجميع لكل فرد من أفراد المحكوم عليه كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٣, أي اجلدوا كل واحد منهم ذلك العدد. وتارة يحتمل الأمرين فيحتاج إلى دليل يُعيِّن أحدهما.
أما مقابلة الجمع بالمفرد. فالغالب ألا يقتضي تعميم المفرد وقد يقتضيه كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٤, أي على كل واحد لكل يوم طعام مسكين.
стр. 248
٥- ما يُظَن أنه مترادف وليس من المترادف:
من ذلك "الخوف والخشية" فالخشية أعلى من الخوف. وهي أشد منه لأنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية: أي يابسة، وهو فوات الكلية. والخوف من قولهم: ناقة خوفاء: أي بها داء. وهو نقص وليس بفوات. كما أن الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قويًّا. فهي خوف يشوبه تعظيم. والخوف من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا. ومادة الخشية: الخاء والشين والياء، في تصاريفها تدل على العظمة، فالشيخ: السيد الكبير، والخيش: الغليظ من اللباس، ولذا وردت الخشية غالبًا في حق الله تعالى، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، وقوله:
стр. 249
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ ١، وأما قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢, فقد جاء في وصف الملائكة بعد ذكر قوتهم وشدة خلقهم، فالتعبير عنهم بالخوف لبيان أنهم وإن كانوا غلاظًا شدادًا فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفه بالفوقية الدالة على العظمة، فجمع بين الأمرين اللذين تتضمنهما الخشية دون إخلال بقوة بأسهم، وهما خوفهم من ربهم مع تعظيمه سبحانه.
ومن ذلك "الشُّح والبخل" فالشح أشد من البخل لأنه بخل مع حرص، وذلك فيما يكون عادة.
ومن ذلك "السبيل والطريق" فالسبيل أغلب وقوعًا في الخير، أما الطريق فلا يكاد يُراد به الخير إلا مقترنًا بما يدل على ذلك من وصف أو إضافة كقوله: ﴿يَهْدَي إِلَى الْحَقِ وَإَلَى طَرِيْقٍ مُسْتَقِيْم﴾ ٣, قال الراغب في مفرداته: السبيل: الطريق الذي فيه سهولة فهو أخص.
ومن ذلك "مد وأمد" قال الراغب: أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب كقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ ٤, والمد في المكروه كقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ ٥.
стр. 250
٦- السؤال والجواب:
الأصل في الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال، وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيهًا على أنه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، وهو المسمى بأسلوب الحكيم، ويمثلون له بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ ١, فقد سألوا رسول الله ﷺ عن الهلال:
стр. 251
لم يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يزيد قليلًا حتى يمتلئ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ فأجيبوا ببيان حكمة ذلك تنبيهًا على أن الأهم السؤال عن ذلك لا ما سألوا عنه.
وقد يجيء الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ ١, في جواب: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ ٢.
وقد يجيء أنقص لاقتضاء الحال ذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ ٣, في جواب: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ ٤؛ لأن التبديل أسهل من الاختراع، وقد نفى إمكانه فالاختراع أولى.
والسؤال إذا كان لطلب معرفة تعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه وتارة بـ "عن" وهو أكثر كقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ٥، وإذا كان لاستدعاء مال ونحوه فإنه يتعدى بنفسه أو بـ "من" وبنفسه أكثر كقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ ٦، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٧.
стр. 252
٧- الخطاب بالاسم والخطاب بالفعل:
الاسم يدل على الثبوت والاستمرار. والفعل يدل على التجدد والحدوث، ولكل منهما موضعه الذي لا يصلح له الآخر، فيأتي التعبير مثلًا في النفقة بالفعل كقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ١, ولم يقل "المنفقون" ويأتي التعبير في الإيمان بالاسم كقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢؛ لأن النفقة أمر فعلي شأنه الحدوث والتجدد بخلاف
стр. 253
الإيمان فإنه له حقيقة تقوم بدوام مقتضاها، والمراد بالتجدد في الماضي الحصول مرة بعد أخرى, وفي المضارع أن من شأنه أن يتكرر ويقع مرة بعد أخرى، ومضمر الفعل في ذلك كمظهره ولهذا قالوا: إن سلام إبراهيم ﵇ أبلغ من سلام الملائكة في قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا﴾ ١, فالنصب على أنه مصدر سد مسد الفعل، وأصله: نسلم عليك سلامًا، وهذه العبارة مؤذنة بحدوث التسليم منهم، بخلاف رده: ﴿قَالَ سَلامٌ﴾ ٢, فإنه معدول به إلى الرفع على الابتداء، وخبره محذوف والمعنى: عليكم سلام. للدلالة على إثبات السلام، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، أخذًا بأدب الله تعالى٣ وهو أيضًا من إكرامه لهم.
стр. 254
٨- العطف:
وهو ثلاثة أقسام:
١- عطف على اللفظ: وهو الأصل.
٢- وعطف على المحل: وجعل منه الكسائي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ﴾ ١, فجعل "الصابئون" عطفًا على محل "إن" واسمها، ومحلها الرفع بالابتداء.
٣- وعطف على المعنى: ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ ٢, في قراءة غير أبي عمرو بجزم "أكن" وخرَّجه
стр. 255
في قراءة غير الخليل وسيبويه على أنه عطف على التوهم١، لأن معنى "لولا أخرتني فأصَّدَّق" ومعنى "أخرني أصَّدَّق" واحد، كأنه قيل: إن أخرتني أصَّدَّق وأكن، كما خرَّج الفارسي عليه قراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ ٢, بسكون الراء؛ لأن "مَن" الموصولة فيها معنى الشرط.
واختُلِف في جواز عطف الخبر على الإنشاء وعكسه، فمنعه الأكثرون، وأجازه جماعة مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣, عطف على "تؤمنون" في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ, تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٤, وخرَّجه الآخرون على أن "تؤمنون" بمعنى آمنوا، فهو خبر بمعنى الإنشاء، فصح عطف الإنشاء عليه، و"بشِّر" كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبتكم الله وينصركم، وبشِّر يا رسول الله المؤمنين بذلك، وفائدة التعبير بالخبر في موضع الأمر الإيذان بوجوب الامتثال، أي كأنه امتثل فهو يُخبر عن إيمان وجهاد موجودين.
واختُلِف أيضًا في جواز العطف على معمولي عاملين، واستدل المجيزون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ, وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ, وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٥، فقوله: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ، ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ من العطف على معمولي عاملين سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت "إن" و"في" أقيمت الواو مقامهما، فعملت
стр. 256
الواو الجر في: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ والنصب في "آيات" وإذا رفعت فالعاملان "الابتداء" و"في" عملت الواو الرفع في "آيات" والجر في "اختلاف" ذكر هذا الزمخشري١.
واختُلِف أيضًا في جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، وخرَّج عليه المجيزون قراءة حمزة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٢, بجر الأرحام عطفًا على الضمير، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ ٣, على أن "المسجد" معطوف على ضمير "به".
стр. 257
الفرق بين الإيتاء والإعطاء:
وهناك فرق بين الإيتاء والإعطاء في القرآن، قال الجويني١: "إن الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله، لأن الإعطاء له مطاوع، يقال: أعطاني فعطوت، ولا يقال في الإيتاء: آتاني فأتيت، وإنما يقال: آتاني فأخذت, والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من الذي لا مطاوع له، لأنك تقول: قطعته فانقطع، فيدل على أن فعل الفاعل كان موقوفًا على قبول المحل، لولاه لما ثبت المفعول، ولهذا يصح: قطعته فما انقطع، ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك، فلا يجوز أن يقال: ضربته فانضرب أو ما انضرب، ولا قتلته فانقتل أو ما انقتل، لأن هذه أفعال إذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل، والفاعل مستقل بالأفعال التي لا مطاوع لها، فالإيتاء إذن أقوى من الإعطاء".
стр. 258
ولهذا شواهده، فقد قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ١, لأن الحكمة إذا ثبتت في المحل دامت، وهي عظيمة الشأن، وقال: ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ٢، وقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ٣؛ لأن بعد الكوثر منازل أعلى، حيث يكون الانتقال إلى ما هو أعظم منه في الجنة، وقال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٤؛ لأن الجزية موقوفة على قبول منا، وهم لا يؤتونها إيتاء عن طيب قلب، وإنما عن كره، وقد عبر بالإيتاء في جانب المسلمين بالنسبة إلى الزكاة، وفي ذلك: إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يكون إعطاؤه للزكاة بقوة، لا يكون كإعطاء الجزية.
стр. 259
ألفاظ:
لفظ "فعل ":
يجيء لفظ "فعل" كناية عن أفعال متعددة لا للدلالة على فعل واحد. فيفيد بهذا الاختصار، كقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١, فإنها تشمل كل منكر لا يتناهون عنه، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ٢, أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله.
وحيث أطلقت في كلام الله فهي محمولة على الوعيد الشديد كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ ٤.
стр. 260
لفظ "كان ": ١
وردت "كان" في الإخبار عن ذات الله وصفاته بالقرآن كثيرًا وقد اختلف النحاة وغيرهم في أنها تدل على الانقطاع، على مذاهب:
أحدها: أنها تفيد الانقطاع لأنها فعل يُشعر بالتجديد.
والثاني: لا تفيده، بل تقتضي الدوام والاستمرار، وبه جزم ابن معطى٢ في ألفيته، حيث قال:
وكان للماضي الذي ما انقطعا
وقال الراغب في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ٣, نبه بقوله: "كان" على أنه لم يزل منذ أوجد منطويًا على الكفر.
والثالث: أنه عبارة عن وجود شيء في زمان ماض على سبيل الإبهام. وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٤, قاله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٥, عند تفسيره للآية في "الكشاف".
وذكر ابن عطية في سورة الفتح أنها حيث وقعت في صفات الله فهي مسلوبة الدلالة على الزمان.
والصواب من هذه المقالات مقالة الزمخشري، وإنها تفيد اقتران معنى الجملة
стр. 261
التي تليها بالزمن الماضي لا غير، ولا دلالة لها نفسها على انقطاع ذلك المعنى ولا بقائه، بل إن أفاد الكلام شيئًا من ذلك كان لدليل آخر.
وعلى هذا يُحمل معناها فيما وقع في القرآن من إخبار الله تعالى عن صفاته وغيرها بلفظ "كان" كثيرًا. مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ١، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ ٢، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٣، ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ ٤، ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ٥.
وحيث أخبر الله بها عن صفات الآدميين فالمراد التنبيه على أنها فيهم غريزة وطبيعة مركوزة في النفس كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ ٧.
وقد تتبع أبو بكر الرازي استعمال "كان" في القرآن، واستنبط وجوه استعمالها فقال: "كان" في القرآن على خمسة أوجه:
بمعنى الأزل والأبد، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٨.
وبمعنى المعنى المنقطع, كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ ٩, وهو الأصل في معاني "كان" كما تقول: كان زيد صالحًا أو فقيرًا أو مريضًا أو نحوه.
وبمعنى الحال، كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ١٠، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ١١، وبمعنى الاستقبال، كقوله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ١٢.
стр. 262
وبمعنى "صار" كقوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ١.
وتأتي "كان" في النفي ويكون المراد بها نفي صحة الخبر لا نفي وقوعه ولذا تؤول بمعنى "ما صح وما استقام" كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٢، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ ٤.
стр. 263
لفظ "كاد ":
وللعلماء في "كاد" مذاهب:
أحدها: أنها كسائر الأفعال نفيًا وإثباتًا، فإثباتها إثبات ونفيها نفي، لأن معناها المقاربة، فمعنى كاد يفعل: قارب الفعل، ومعنى ما كاد يفعل: لم يقاربه، فخبرها منفي دائمًا، ولكن النفي في الإثبات مستفاد من معناها، لأن الإخبار بقرب الشيء يقتضي عرفًا عدم حصوله، وإلا لم يتجه الإخبار بقربه, أما إذا كانت منفية فلأنه إذا انتفت مقاربة الفعل اقتضى عقلًا عدم حصوله، ويدل له قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ ١, ولهذا كان أبلغ من قوله: "لم يرها" لأن من لم ير قد يقارب الرؤية.
والثاني: أنها تختلف عن سائر الأفعال إثباتًا ونفيًا، فإثباتها نفي، ونفيها إثبات، ولذا قالوا: إنها إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، فإذا قيل: كاد يفعل، فمعناه أنه لم يفعله بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ٢,
стр. 264
لأنهم لم يفتنوه، وإذا قيل: لم يكد يفعل، فمعناه أنه فعله بدليل قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١, لأنهم فعلوا الذبح.
والثالث: أنها في النفي تدل على وقوع الفعل بعسر وشدة كقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
والرابع: التفصيل في النفي بين المضارع والماضي، فنفي المضارع نفي، ونفي الماضي إثبات، يدل على الأول قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مع أنه لم ير شيئًا، ويدل على الثاني قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُون﴾ مع أنهم فعلوا.
والخامس: أنها في النفي تكون للإثبات إذا كان ما بعدها متصلًا بما قبلها ومتعلقًا به، كقولك: ما كدت أصل إلى مكة حتى طفت بالبيت الحرام، ومنه قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
стр. 265
لفظ "جعل ":
تأتي "جعل" في القرآن لعدة معان:
أحدها: بمعنى "سمى" كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ١, أي سموه كذبًا، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ٢, على قول، ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ ٣.
الثاني: بمعنى "أوجد" وتتعدى إلى مفعول واحد، والفرق بينها وبين الخلق، أن الخلق فيه معنى التقدير، ويكون عن عدم سابق حيث لا يتقدم مادة ولا سبب محسوس، بخلاف الجعل بمعنى الإيجاد، قال تعالى:
стр. 266
﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ١. وإنما الظلمات والنور تنشأ عن أجرام توجد بوجودها، وتعدم بعدمها.
الثالث: بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير، فتتعدى إلى مفعولين: إما حسًّا كقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاش﴾ ٢، وإما عقلًا كقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ٣.
الرابع: بمعنى الاعتقاد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ ٤.
الخامس: بمعنى الحكم بالشيء على الشيء، حقًّا كان أوباطلًا، فالحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٥، والباطل، كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ ٦.
стр. 267
" لعل" و"عسى ":
تستعمل "لعل" و"عسى" للرجاء والطمع في كلام المخلوقين حيث يشك الخلق في الأمور الممكنة ولا يقطعون على الكائن منها، أما بالنسبة إلى الله تعالى:
أ- فقيل: هما يدلان على الحصول والوجوب، لأن نسبة الأمور إلى الله نسبة قطع ويقين.
ب- وقيل إنهما للترجي على بابهما، ولكن الترجي يكون بالنسبة إلى المخاطبين.
جـ- وقيل: إن "عسى" و"لعل" في كثير من المواضع تكون للتعليل.
قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢.
стр. 268
الفرق بين المحكم والمتشابه
مدخل
...
١٢- الفرق بين المُحكم والمتشابه: ١
أنزل الله الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، فرسم للخلق العقيدة السليمة والمبادئ القويمة في آيات بينات واضحة المعالم، وذلك من فضل الله على الناس حيث أحكم لهم أصول الدين لتسلم لهم عقائدهم ويتبين لهم الصراط المستقيم، وتلك الآيات هي أم الكتاب التي لا يقع الاختلاف في فهمها سلامة لوحدة الأمة الإسلامية وصيانة لكيانها ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وقد تأتي هذه الأصول الدينية في أكثر من موضع بالقرآن مع اختلاف اللفظ والعبارة والأسلوب إلا أن معناها يكون واحدًا، فيشبه بعضها الآخر ويوافقه معنى دون تناقض، أما ما عدا تلك الأصول من فروع الدين فإن في آياتها من العموم والاشتباه ما يُفسح المجال أمام المجتهدين الراسخين في العلم، حتى يردوها إلى المُحكم ببناء الفروع على الأصول، والجزئيات على الكليات وإن زاغت بها قلوب أصحاب الهوى وبهذا الإحكام في الأصول والعموم في الفروع كان الإسلام دين الإنسانية الخالد الذي يكفل لها خير الدنيا والآخرة على مر العصور والأزمان.
стр. 269
الإحكام العام والتشابه العام:
المُحكم لغة: مأخوذ من حكمت الدابة وأحكمت: بمعنى منعت، والحكم: هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يمنع الظالم ويفصل بين الخصمين، ويميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته: إذا
стр. 270
أخذت على يديه، وحكمت الدابة وأحكمتها: إذا جعلت لها حكمة: وهي ما أحاط بالحنك من اللجام لأنها تمنع الكرس عن الاضطراب، ومنه الحكمة: لأنها تمنع صاحبها عما لا يليق، وإحكام الشيء: إتقانه، والمحكم: المتقن.
فإحكام الكلام: إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، والرشد من الغي في أوامره، والمُحكم منه: ما كان كذلك.
وقد وصف الله القرآن كله بأنه مُحكم على هذا المعنى فقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ١, وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ٢, فالقرآن كله محكم: أي إنه كلام متقن فصيح يميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب. وهذا هو الإحكام العام.
والمتشابه لغة: مأخوذ من التشابه: وهو أن يشبه أحد الشيئين الآخر، والشبهة: هي ألا يتميز أحد الشيئين من الآخر لما بينهما من التشابه عينًا كان أو معنى، قال تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ ٣, أي يشبه بعضه بعضًا لونًا لا طعمًا وحقيقة، وقيل: متماثلًا في الكلام والجودة.
وتشابه الكلام: هو تماثله وتناسبه بحيث يُصدِّق بعضه بعضًا، وقد وصف الله القرآن كله بأنه متشابه على هذا المعنى فقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِي﴾ ٤, فالقرآن كله متشابه: أي إنه يشبه بعضه بعضًا في الكمال والجودة، ويُصدِّق بعضه بعضًا في المعنى ويماثله، وهذا هو التشابه العام.
وكل من المُحكم والمتشابه بمعناه المطلق المتقدم لا ينافي الآخر، فالقرآن كله مُحكم بمعنى الإتقان، وهو متماثل يُصدِّق بعضه بعضًا، فإن الكلام المُحكم المتقن تتفق معانيه وإن اختلفت ألفاظه، فإذا أمر القرآن بأمر لم يأمر بنقيضه
стр. 271
في موضع آخر، وإنما يأمر به أو بنظيره، وكذلك الشأن في نواهيه وأخباره، فلا تضاد فيه ولا اختلاف: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ ١.
стр. 272
الإحكام الخاص والتشابه الخاص:
وهناك إحكام خاص وتشابه خاص ذكرهما الله في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ١, وفي معناهما وقع الاختلاف على أقوال أهمها:
أ- المحكم: ما عُرِف المراد منه. والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه.
ب- المحكم: ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا. والمتشابه: ما احتمل أوجهًا.
جـ- المحكم: ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه واحتاج إلى بيان برده إلى غيره.
ويمثلون للمحكم في القرآن بناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه ووعده ووعيده. وللمتشابه: بمنسوخه وكيفيات أسماء الله وصفاته التي في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢، وقوله: ﴿هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ٣, وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٤، وقوله:
стр. 273
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ١، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٣، وقوله: ﴿﵃﴾ ٤, وقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٥، إلى غير ذلك، وأوائل السور المفتتحة بحروف المعجم وحقائق اليوم الآخر وعلم الساعة.
стр. 274
الاختلاف في معرفة المتشابه:
وكما وقع الاختلاف في معنى كل من المُحكم والمتشابه الخاصين وقع الاختلاف في إمكان معرفة المتشابه، ومنشأ هذا الاختلاف اختلافهم في الوقف في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هل هو مبتدأ خبره ﴿يقولن﴾ والواو للاستئناف، والوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه﴾ ؟ , أو هو معطوف و ﴿يَقُولُونَ﴾ حال، والوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ .
فذهب إلى الأول "الاستئناف" طائفة منهم أُبَيُّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، مستدلين بمثل ما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به".
وبقراءة ابن مسعود: "وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به".
وبما دلت عليه الآية من ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة.
стр. 275
وعن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ١ ... إلى قوله تعالى: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ٢, قال رسول الله, ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم" ٣.
وذهب إلى الرأي الثاني "العطف" طائفة على رأسهم مجاهد، فقد أخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ قال: "يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به". واختار هذا القول النووي، فقال في شرح مسلم: إنه الأصح لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده، بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته٤.
стр. 276
التوفيق بين الرأيين بفهم معنى التأويل:
بالرجوع إلى معنى "التأويل" يتبين أنه لا منافاة بين الرأيين، فإن لفظ التأويل ورد لثلاثة معان:
الأول: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو اصطلاح أكثر المتأخرين.
الثاني: التأويل بمعنى التفسير، فهو الكلام الذي يفسَّر به اللفظ حتى يُفهم معناه.
الثالث: التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فتأويل ما أخبر الله به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة وما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو نفسه ما يكون في اليوم الآخر. وعلى هذا المعنى جاء قول عائشة: "كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه
стр. 277
وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن". تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ١.
فالذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢, ويجعلون: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٢, استئنافًا، إنما عنوا بذلك التأويل بالمعنى الثالث، أي الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فحقيقة ذات الله وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته وحقيقة المعاد لا يعلمها إلا الله.
والذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ على أن الواو للعطف وليست للاستئناف، إنما عنوا بذلك التأويل بالمعنى الثاني أي التفسير، ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري فيه: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، فإذا ذُكِر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به أنه يعرف تفسيره.
وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين المذهبين في النهاية، وإنما الأمر يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل.
ففي القرآن ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، ولكن الحقيقة ليست كالحقيقة، فأسماء الله وصفاته وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي إلا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، والعلماء المحققون يفهمون معانيها ويميزون الفرق بينها، وأما نفس الحقيقة فهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. ولهذا لما سُئِل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿لرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣, قالوا: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وكذلك قال ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك قبله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان".
فبيَّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.
وكذلك الشأن بالنسبة إلى إخبار الله عن اليوم الآخر، ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا إلا أن الحقيقة غير الحقيقة. ففي الآخرة ميزان،
стр. 278
وجنة ونار. وفي الجنة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ ١. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ, وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ, وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ, وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ٢.. وذلك نعلمه ونؤمن به، وندرك أن الغائب أعظم من الشاهد, وما في الآخرة يمتاز عما في الدنيا, ولكن حقيقة هذا الامتياز غير معلومة لنا، وهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
стр. 279
التأويل المذموم:
والتأويل المذموم بمعنى: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به, إنما لجأ إليه كثير من المتأخرين مبالغة منهم في تنزيه الله تعالى عن مماثلته للمخلوقين كما يزعمون. وهذا زعم باطل أوقعهم في مثل ما هربوا منه أو أشد، فهم حين يؤولون اليد بالقدرة مثلًا إنما قصدوا الفرار من أن يثبتوا للخالق يدًا لأن للمخلوقين يدًا، فاشتبه عليهم لفظ اليد فأولوها بالقدرة. وذلك تناقض منهم. لأنهم يلزمهم في المعنى الذي أثبتوه نظير ما زعموا أنه يلزم في المعنى الذي نفوه، لأن العباد لهم قدرة أيضًا. فإن كان ما أثبتوه من القدرة حقُّا ممكنًا كان إثبات اليد لله حقُّا ممكنًا أيضًا، وإن كان إثبات اليد باطلًا ممتنعًا لما يلزمه من التشبيه في زعمهم كان إثبات القدرة باطلًا ممتنعًا كذلك. فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ مؤول بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح.
وما جاء عن أئمة السلف وغيرهم من ذم للمتأولين إنما هو لمثل هؤلاء الذين تأولوا ما يشتبه عليهم معناه على غير تأويله وإن كان لا يشتبه على غيرهم.
стр. 280
العام والخاص
مدخل
...
١٣- العام والخاص:
للنظم التشريعية والأحكام الدينية مقاصد تهدف إليها، وقد يجتمع للحكم التشريعي خصائص تجعله عامًّا يشمل كل الأفراد، أو ينطبق على جميع الحالات، وقد يكون لذلك القصد غاية خاصة فالتعبير عنه يتناول بعمومه الحكم ثم يأتي ما يبين حده أو يحصر نطاقه، والبيان العربي في تلوين الخطاب وبيان المقاصد والغايات مظهر من مظاهر قوة اللغة واتساع مادتها. فإذا ورد هذا في كلام الله المعجز كان وقعه في النفس عنوان إعجاز تشريعي مع الإعجاز اللغوي.
стр. 281
تعريف العام وصيغ العموم:
العام: هواللفظ المستغرق لما يصلح له من غير حصر١
وقد اختلف العلماء في معنى العموم، أله في اللغة صيغة موضوعة له خاصة به تدل عليه أم لا؟
فذهب أكثر العلماء إلى أن هناك صيغًا وُضِعت في اللغة للدلالة حقيقة على العموم، وتُستعمل مجازًا فيما عداه، واستدلوا على ذلك بأدلة نصية، وإجماعية ومعنوية.
أ- فمن الأدلة النصية قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ, قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ٢, ووجه الدلالة أن نوحًا ﵇ توجه بهذا النداء
стр. 282
تمسكًا منه بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ ١, وأقرَّه الله تعالى على هذا النداء، وأجابه بما دل على أنه ليس من أهله، ولولا أن إضافة الأهل إلى نوح للعموم لما صح ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ, قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ٢, ووجه الدلالة أن إبراهيم فهم من قول الملائكة: ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ العموم، حيث ذكر "لوطًا" فأقرَّه الملائكة على ذلك، وأجابوه بتخصيص لوط وأهله بالاستثناء، واستثناء امرأته من الناجين، وذلك كله يدل على العموم.
ب- ومن الأدلة الإجماعية إجماع الصحابة على إجراء قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٤, ونحو ذلك على العموم في كل زان وسارق.
جـ- ومن الأدلة المعنوية، أن العموم يُفهم من استعمال ألفاظه، ولو لم تكن هذه الألفاظ موضوعة له لما تبادر إلى الذهن فهمه منها، كألفاظ الشرط والاستفهام والموصول.
وإننا ندرك الفرق بين "كل" و"بعض" ولو كان "كل" غير مفيد للعموم لما تحقق الفرق.
стр. 283
ولو قال قائل في النكرة المنفية "لا رجل في الدار" فإنه يعد كاذبًا إذا قدر أنه رأى رجلًا ما، كما ورد قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ ١. تكذيبًا لما قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢, وهذا يدل على أن النكرة بعد النفي للعموم، ولو لم تكن للعموم لما كان قولنا: "لا إله إلا الله" توحيدًا لعدم دلالته على نفي كل إله سوى الله تعالى"٣.
وبناء على هذا فللعموم صيغة التي تدل عليه.
منها "كل" كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٤، وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥, ومثلها "جميع".
ومنها: المعرف بـ "ال" التي ليست للعهد كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ, إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٦, أي كل إنسان، بدليل قوله بعد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٧.
وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ٨.
وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٩.
ومنها: النكرة في سياق النفي والنهي كقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ١٠.
وقوله: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَ﴾ ١١.
أو في سياق الشرط كقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١٢.
стр. 284
ومنها: "الذي" و"التي" وفروعهما كقوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ ١. أي كل من قال ذلك بدليل قوله بعد بصيغة الجمع: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَولُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُن﴾ ٤.
وأسماء الشرط كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ٥, للعموم في العاقل.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ٦, للعموم في غير العاقل.
وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾ ٧, للعموم في المكان.
وقوله: ﴿أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٨, للعموم في الأسماء. ومنها: اسم الجنس المضاف إلى معرفة كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ٩, أي كل أمر لله، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ١٠.
стр. 285
أقسام العام:
والعام على ثلاثة أقسام:
الأول: الباقي على عمومه، وقد قال القاضي جلال الدين البلقيني١: