ولو بمكة، أو عرفة: مدني، كالذي نزل عام الفتح، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأمَانَات إلَى أهْلِهَا﴾ ١, فإنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم، أو نزل بحجة الوداع كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا﴾ ٢, وهذا الرأي أولى من الرأيين بعده لحصره واطراده.
الثاني: اعتبار مكان النزول، فالمكي: ما نزل بمكة وما جاورها كمِنى وعرفات والحديبية. والمدني: ما نزل بالمدينة وما جاورها كأُحد وقُباء وسلع.
ويترتب على هذا الرأي عدم ثنائية القسمة وحصرها، فما نزل بالأسفار أو بتبوك أو ببيت المقدس لا يدخل تحت القسمة٣، فلا يسمى مكيًّا ولا مدنيًّا، كما يترتب عليه كذلك أن ما نزل بمكة بعد الهجرة يكون مكيًّا.
الثالث: اعتبار المخاطَب، فالمكي: ما كان خطابًا لأهل مكة، والمدني: ما كان خطابًا لأهل المدينة.
وينبني على هذا الرأي عند أصحابه أن ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مكي، وما فيه من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُواُ﴾ مدني.
وبالملاحظة يتبين أن أكثر سور القرآن لم تُفْتَتَحْ بأحد الخطابين، وأن هذا الضابط لا يطرد، فسورة البقرة مدنية، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤.. وقوله
стр. 72
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١، وسورة النساء مدنية وأولها: ﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ﴾ وسورة الحج مكية، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢، والقرآن الكريم هو خطاب الله للخلق أجمعين، ويجوز أن يخاطب المؤمنون بصفتهم وباسمهم وجنسهم، كما يجوز أن يؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار والازدياد منها.
стр. 73
مميزات المكي والمدني
مدخل
...
مميزات المكي والمدني:
استقرأ العلماء السور المكية والسور المدنية، واستنبطوا ضوابط قياسية لكل من المكي والمدني، تبين خصائص الأسلوب والموضوعات التي يتناولها. وخرجوا من ذلك بقواعد ومميزات.
стр. 74
ضوابط المكي ومميزاته الموضوعية:
١- كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
٢- كل سورة فيها لفظ "كلا" فهي مكية، ولم ترد إلا في النصف الأخير من القرآن. وذُكرت ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة.
٣- كل سورة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواُ﴾ فهي مكية، إلا سورة الحج ففي أواخراها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ١.. ومع هذا فإن كثيرًا من العلماء يرى أن هذه الآية مكية كذلك.
٤- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الغابرة فهي مكية سوى البقرة.
٥- كل سورة فيها آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة كذلك.
стр. 75
٦- كل سورة تفتح بحروف التهجي كـ "ألم" و"الر" و"حم" ونحو ذلك فهي مكية سوى الزهراوين: وهما البقرة وآل عمران، واختلفوا في سورة الرعد.
هذا من ناحية الضوابط، أما من ناحية المميزات الموضوعية وخصائص الأسلوب فيمكن إجمالها فيما يأتي:
١- الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء، وذكر القيامة وهولها، والنار وعذابها، والجنة ونعيمها، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية، والآيات الكونية.
٢- وضع الأسس العامة للتشريع والفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع، وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء، وأكل أموال اليتامى ظلمًا، ووأد البنات، وما كانوا عليه من سوء العادات.
٣- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرًا لهم حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم، وتسلية لرسول الله ﷺ حتى يصبر على أذاهم ويطمئن إلى الانتصار عليهم.
٤- قصر الفواصل مع قوة الألفاظ، وإيجاز العبارة، بما يصخ الآذان، ويشتد قرعه على المسامع، ويصعق القلوب، ويؤكد المعنى بكثرة القَسَم، كقصار المفصَّل إلا نادرًا.
стр. 76
ضوابط المدني ومميزاته الموضوعية:
١- كل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية.
٢- كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت فإنها مكية.
٣- كل سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مدنية.
стр. 77
هذا من ناحية الضوابط، أما من ناحية المميزات الموضوعية وخصائص الأسلوب فيمكن إجمالها فيما يأتي:
١- بيان العبادات، والمعاملات، والحدود، ونظام الأسرة، والمواريث، وفضيلة الجهاد، والصلات الاجتماعية، والعلاقات الدولية في السلم والحرب، وقواعد الحكم، ومسائل التشريع.
٢- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ودعوتهم إلى الإسلام، وبيان تحريفهم لكتب الله، وتجنيهم على الحق، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم.
٣- الكشف عن سلوك المنافقين، وتحليل نفسيتهم، وإزاحة الستار عن خباياهم، وبيان خطرهم على الدين.
٤- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضح أهدافها ومراميها.
стр. 78
معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل
مدخل
...
٥- معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل:
التعبير عن تلقي رسول الله ﷺ للقرآن بنزوله عليه يُشعر بقوة يلمسها المرء في تصور كل هبوط من أعلى. ذلك لعلو منزلة القرآن وعظمة تعاليمه التي حولت مجرى حياة البشرية وأحدثت فيها تغيرًا ربط السماء بالأرض، ووصل الدنيا بالآخرة، ومعرفة تاريخ التشريع الإسلامي في مصدره الأول والأصيل -وهو القرآن- تعطي الدارس صورة عن التدرج في الأحكام ومناسبة كل حكم للحالة التي نزل فيها دون تعارض بين السابق واللاحق، وقد تناول هذا أول ما نزل من القرآن على الإطلاق وآخر ما نزل على الإطلاق، كما تناول أول ما نزل وآخر ما نزل في كل تشريع من تعاليم الإسلام، كالأطعمة، والأشربة، والقتال ... ونحو ذلك.
وللعلماء في أول ما نزل من القرآن على الإطلاق، وآخر ما نزل كذلك أقوال، نجملها ونُرَجِّح بينها فيما يأتي:
стр. 79
أول ما نزل:
١- أصح الأقوال أن أول ما نزل هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١, ويدل عليه ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: "أول ما بُدِئَ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم, فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء فكان يأتي حِراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة ﵂ فتزوده لمثلها حتى فاجأه الحق وهو في غار حِراء،
стр. 80
فجاءه المَلَك فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله, ﷺ : فقلت: "ما أنا بقارئ"، فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ"، فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ"، فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ، فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره". الحديث١.
٢- وقيل إن أول ما نزل هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ .. لما رواه الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: ﴿يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ ، قلت: أو ﴿اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ؟ قال: أحدِّثكم ما حدثنا به رسول الله, ﷺ : "إني جاورت بحِراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي. ثم نظرتُ إلى السماء فإذا هو -يعني جبريل- فأخذتني رجفة. فأتيتُ خديجة فأمرتهم فدثروني"، فأنزل الله: ﴿يَا أيُّهُا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنُذِرْ﴾ ٢.
وأجيب عن حديث جابر بأن السؤال كان عن نزول سورة كاملة، فبيِّن جابر أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة اقرأ، فإن أول ما نزل منها صدرها، ويؤيد هذا ما في الصحيحين أيضًا عن أبي سلمة عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يُحدِّث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "بينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت، فقلت: زملوني، فدثروني"، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ . فهذا الحديث يدل على أن هذه القصة
стр. 81
متأخرة عن قصة حِراء -أو تكون "المدثر" أول سورة نزلت بعد فترة الوحي- وقد استخرج جابر ذلك باجتهاده فتُقَدَّم عليه رواية عائشة، ويكون أول ما نزل من القرآن على الإطلاق: ﴿اقْرَأ﴾ وأول سورة نزلت كاملة، أو أول ما نزل بعد فترة الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ .. أو أول ما نزل للرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ .. وللنبوة ﴿اقْرَأ﴾ .
٣- وقيل إن أول ما نزل هو سورة "الفاتحة" ولعل المراد أول سورة كاملة.
٤- وقيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والبسملة تنزل صدرًا لكل سورة. ودليل هذين أحاديث مرسلة، والقول الأول المؤيد بحديث عائشة هو القوي الراجح المشهور.
وقد ذكر الزركشي في "البرهان" حديث عائشة الذي نص على أن أول ما نزل: ﴿قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وحديث جابر الذي نص على أن أول ما نزل: ﴿َيا أَيُّهَا المُدَّثِّر، قُمْ فَأَنْذِرُ﴾ ثم قال: "وجمع بعضهم بينهما بأن جابرًا سمع النبي ﷺ يذكر قصة بدء الوحي، فسمع آخرها، ولم يسمع أولها، فتوهم أنها أول ما نزلت، وليس كذلك، نعم هي أول ما نزل بعد سورة ﴿اقْرَأْ﴾ وفترة الوحي، لما ثبت في الصحيحين أيضًا عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يحدِّث عن فترة الوحي، قال في حديثه: "بينما أنا أمشي، سمعت صوتًا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه فرقًا١، فرجعت فقلت: زملوني زملوني"، فأنزل الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر، قُمْ فَأَنْذِر﴾ .
فقد أخبر في هذا الحديث عن المَلَك الذي جاءه بحِراء قبل هذه المرة، وأخبر في حديث عائشة أن نزول ﴿اقْرَأْ﴾ كان في غار حِراء، وهو أول وحي، ثم فَتَرَ بعد ذلك، وأخبر في حديث جابر أن الوحي تتابع بعد نزول ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾
стр. 82
فعُلِمَ بذلك أن ﴿اقْرَأْ﴾ أول ما نزل مطلقًا، وأن سورة المدثر بعده". وكذلك قال ابن حبان في صحيحه: لا تضاد بين الحديثين، بل أول ما نزل: ﴿اقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ بغار حِراء، فلما رجع إلى خديجة ﵂ وصبت عليه الماء البارد، أنزل الله عليه في بيت خديجة: ﴿َيا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ ُ.. فظهر أنه لما نزل عليه ﴿اقْرَأْ﴾ رجع فتدثر، فأنزل عليه: ﴿َيا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ ..
وقيل: أول ما نزل سورة الفاتحة، رُوِيَ ذلك من طريق أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع الصوت انطلق هاربًا، وذكر نزول المَلَك عليه وقوله: قل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ... إلى آخرها.
وقال القاضي أبو بكر في "الانتصار": وهذا الخبر منقطع، وأثبت الأقاويل: ﴿اقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ويليه في القوة: ﴿يا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ .. وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات: ﴿اقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وأول ما نزل من أوامر التبليغ: ﴿يا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ .. وأول ما نزل من السور سورة الفاتحة، وهذا كما ورد في الحديث: "أول ما يُحاسَب به العبد الصلاة" ١, و "أول ما يُقضى فيه الدماء" ٢, وجمع بينهما بأن أول ما يُحكم فيه من المظالم التي بين العباد الدماء. وأول ما يُحاسب به العبد من الفرائض البدنية الصلاة.
وقيل: أول ما نزل للرسالة: ﴿يا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ .. وللنبوة: ﴿اقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فإن العلماء قالوا: قوله تعالى: ﴿اقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دال على نبوة محمد ﷺ لأن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان المَلَك بتكليف خاص، وقوله: ﴿يا أَيُّهَا المُدَّثِّر، قُمْ فَأنْذٍرْ﴾ دليل على رسالته ﷺ لأنها عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان المَلَك بتكليف عام"٣.
стр. 83
آخر ما نزل:
١- قيل: آخر ما نزل آية الربا، لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: "آخر آية نزلت آية الربا" والمراد بها قوله تعالى: ﴿يَاالَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ١.
٢- وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢ ... الآية, لما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس وسعيد بن جبير: "آخر شيء نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ... الآية.
٣- وقيل: آخر ما نزل آية الدَّيْنِ، لما رُوِيَ عن سعيد بن المسيب: "أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدًا بالعرش آية الدَّيْنِ" والمراد بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ٣ ... الآية.
ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف، آية الربا، فآية ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا﴾ فآية الدَّيْنِ، لأنها في قصة واحدة. فأخبر كل راوٍ عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح، وبهذا لا يقع التنافر بينها.
٤- وقيل: آخر ما نزل آية الكلالة. فقد رَوَى الشيخان عن البرَّاء بن عازب قال: آخر آية نزلت: ﴿بَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة﴾ ٤ ... الآية، وحُمِلَتْ الآخرية هنا في قول البراء على أنها مقيدة بما يتعلق بالمواريث.
٥- وقيل: آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٥ ... إلى آخر السورة. ففي المستدرك عن أُبِّيِّ بن كعب قال: آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ... إلى آخر السورة، وحُمل هذا على أنها آخر ما نزل من سورة "براءة".
стр. 84
ففيما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن أُبَيِّ بن كعب أن رسول الله ﷺ أقرأه هاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ في آخر سورة براءة.
٦- وقيل: آخر ما نزل سورة المائدة، لما رواه الترمذي والحاكم في ذلك عن عائشة ﵂ وأجيب بأن المراد أنها آخر سورة نزلت في الحلال والحرام، فلم تنسخ فيها أحكام.
٧- وقيل: آخر ما نزل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ١.. لما أخرجه ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة أنها قالت: "آخر آية نزلت هذه الآية: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ ... إلى آخرها، وذلك أنها قالت: يا رسول الله.. أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء فنزلت: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢، ونزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ٣, ونزلت هذه الآية، فهي آخر الثلاثة نزولًا، وآخر ما نزل بعد ما كان ينزل في الرجال خاصة".
ويتضح من الرواية أن الآية المذكورة آخر الآيات الثلاث نزولًا، وأنها آخر ما نزل بالنسبة إلى ما ذُكر فيه النساء.
٨- وقيل: آخر ما نزل آية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٤.. لما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال: هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. والتعبير بقوله: "وما نسخها شيء" يدل على أنها آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمدًا.
стр. 85
٩- وأخرج مسلم عن ابن عباس قال:"آخر سورة نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ١", وحُمل ذلك على أن هذه السورة آخر ما نزل مُشعرًا بوفاة النبي ﷺ كما فهم بعض الصحابة، أو أنها آخر ما نزل من السور.
وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ وكل قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من الرسول، أو قال ذلك باعتبار آخر ما نزل في تشريع خاص، أو آخر سورة نزلت كاملة على النحو الذي خرجنا به كل قول منها.
أما قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ٢, فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، ويدل ظاهرها على إكمال الفرائض والأحكام، وقد سبقت الإشارة إلى ما رُوِي في نزول آية الربا، وآية الدَّيْن، آية الكَلالة، وغيرها بعد ذلك. لذا حمل كثير من العلماء إكمال الدين في هذه الآية على أن الله أتم عليهم نعمته بتمكينهم من البلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه، وحجهم وحدهم دون أن يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، وقد كان المشركون يحجون معهم من قبل وذلك من تمام النعمة: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ قال القاضي أبو بكر الباقلاني في "الانتصار" مُعلقًا على اختلاف الروايات في آخر ما نزل: "هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب"٣.
ثم آية النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ١..
ثم آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ, إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ٢.
عن ابن عمر قال: "نزل في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ... الآية. فقيل: "حُرِّمت الخمر"، فقالوا: يا رسول الله.. دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقيل: "حُرِّمت الخمر"، فقالوا: يا رسول الله.. ألا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "حُرِّمت الخمر" ٣.
٣- أول ما نزل في القتال: عن ابن عباس قال: أول آية نزلت في القتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ٤.
стр. 88
فوائد هذا المبحث:
ولمعرفة أول ما نزل وآخر ما نزل فوائد أهمها:
أ- بيان العناية التي حظي به القرآن الكريم صيانة له وضبطًا لآياته: فقد وعى الصحابة هذا الكتاب آية آية، فعرفوا متى نزلت؟ وأين نزلت؟ حيث كانوا يتلقون عن رسول الله ﷺ ما ينزل عليه من القرآن تلقِّي المؤمنين لأصول دينهم، ومبعث إيمانهم، ومصدر عزهم ومجدهم، وكان من أثر
стр. 89
ذلك سلامة القرآن من التغيير والتبديل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
ب- إدراك أسرار التشريع الإسلامي في تاريخ مصدره الأصيل: فإن آيات القرآن الكريم عالجت النفس البشرية بهداية السماء. وأخذت الناس بالأساليب الحكيمة التي ترقى بنفوسهم في سلم الكمال، وتدرجت بهم في الأحكام التي يستقيم بها منهج حياتهم على الحق، وتنتظم شئون مجتمعهم على الطريق الأقوم.
جـ- تمييز الناسخ من المنسوخ: فقد ترد الآيتان أو الآيات في موضوع واحد، ويختلف الحكم في إحداها عن الأخرى، فإذا عُرِفَ ما نزل أولًَا وما نزل آخرًا كان حكم ما نزل آخرًا ناسخًا لحكم ما نزل أولًا.
стр. 90
أسباب النزول
مدخل
...
٦- أسباب النزول:
نزل القرآن ليهدي الإنسانية إلى المحجة الواضحة، ويرشدها إلى الطريق المستقيم، ويقيم لها أسس الحياة الفاضلة التي تقوم دعامتها على الإيمان بالله ورسالاته، ويقرر أحوال الماضي، ووقائع الحاضر، وأخبار المستقبل.
وأكثر القرآن نزل ابتداء لهذه الأهداف العامة، ولكن الصحابة ﵃ في حياتهم مع رسول الله ﷺ قد شاهدوا أحداث السيرة، وقد يقع بينهم حادث خاص يحتاج إلى بيان شريعة الله فيه، أو يلتبس عليهم أمر فيسألون رسول الله ﷺ عنه لمعرفة حكم الإسلام فيه، فيتنزل القرآن لذلك الحادث، أو لهذا السؤال الطارئ، ومثل هذا يُعرف بأسباب النزول.
стр. 91
عناية العلماء به:
وقد اعتنى الباحثون في علوم القرآن بمعرفة سبب النزول، ولمسوا شدة الحاجة إليه في تفسير القرآن فأفرده جماعة منهم بالتأليف، ومن أشهرهم: "علي بن المديني" شيخ البخاري، ثم "الواحدي"١, في كتابه "أسباب النزول"، ثم "الجعبري"٢, الذي اختصر كتاب "الواحدي" بحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئًا، ثم شيخ الإسلام "ابن حجر"٣, الذي ألَّف كتابًا في أسباب النزول أطلع السيوطي على جزء من مسودته ولم يتيسر له الوقوف عليه كاملًا، ثم
стр. 92
"السيوطي"١, الذي قال عن نفسه: "وقد ألَّفت فيه كتابًا حافلًا موجزًا محررًا لم يُؤلَّف مثله في هذا النوع، سميته "لُباب المنقول في أسباب النزول"٢.
стр. 93
ما يُعْتَمد عليه في معرفة سبب النزول:
والعلماء يعتمدون في معرفة سبب النزول على صحة الرواية عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة، فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا إذا كان صريحًا لا يكون بالرأي، بل يكون له حكم المرفوع، قال الواحدي: "لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدُّوا في الطلب" وهذا هو نهج علماء السَّلف، فقد كانوا يتورعون عن أن يقولوا شيئًا في ذلك دون تثبت، قال "محمد بن سيرين"١: سألت "عبيدة"٢ عن آية من القرآن فقال: اتق الله وقل سدادًا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل الله من القرآن، وهو يعني الصحابة، وإذا كان هذا هو قول "ابن سيرين" من أعلام علماء التابعين تحريًّا للرواية، ودقة في النقل، فإنه يدل على وجوب الوقوف عند أسباب النزول الصحيحة، ولذا فإن المعتمد من ذلك فيما رُوِي من أقوال الصحابة ما كانت صيغته جارية مجرى المسند، بحيث تكون هذه الصيغة جازمة بأنها سبب النزول.
وذهب "السيوطي" إلى أن قول التابعي إذا كان صريحًا في سبب النزول فإنه يُقْبَل، ويكون مُرسلًا، إذا صح المُسْنَد إليه وكان من أئمة التفسير الذين
стр. 94
أخذوا عن الصحابة كمجاهد وعِكرمة وسعيد بن جبير، واعتضد بمرسل آخر١.
وقد أخذ "الواحدي" على علماء عصره تساهلهم في رواية سبب النزول، ورماهم بالإفك والكذب، وحذَّرهم من الوعيد الشديد، حيث يقول: "أما اليوم فكل أحد يخترع شيئًا، ويختلق إفكًا وكذبًا، ملقيًا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر في الوعيد للجاهل بسبب الآية".
стр. 95
تعريف السبب:
وسبب النزول بعد هذا التحقيق يكون قاصرًا على أمرين:
١- أن تحدث حادثة فيتنزل القرآن الكريم بشأنها، وذلك كالذي رُوِي عن ابن عباس قال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١.. خرج النبي ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: "يا صاحباه"، فاجتمعوا إليه، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب٢: تبٍّا لك، إنما جمعتنا لهذا؟ ثم قام، فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ٣.
٢- أن يُسأل رسول الله ﷺ عن شيء فيتنزل القرآن ببيان الحكم فيه، كالذي كان من خولة بنت ثعلبة عندما ظاهر٤ منها زوجها أوس بن الصامت، فذهبت تشتكي من ذلك، عن عائشة قالت: "تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرتُ له بطني
стр. 96
حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني! اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما بَرِحَتْ حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ وهو أوس بن الصامت"١.
ولا يعني هذا أن يلتمس الإنسان لكل آية سببًا، فإن القرآن لم يكن نزوله وقفًا على الحوادث والوقائع، أو على السؤال والاستفسار، بل كان القرآن يتنزل ابتداء، بعقائد الإيمان، وواجبات الإسلام، وشرائع الله تعالى في حياة الفرد وحياة الجماعة، قال "الجعبري": "نزل القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال"٢.
ولذا يُعرَّف سبب النزول بما يأتي: "هو ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه كحادثة أو سؤال".
ومن الإفراط في علم سبب النزول أن نتوسع فيه، ونجعل منه ما هو من قبيل الإخبار عن الأحوال الماضية، والوقائع الغابرة، قال السيوطي: "والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك، وكذلك ذكره في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٣ سبب اتخاذه خليلًا، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى"٤.
стр. 97
فوائد معرفة سبب النزول:
لمعرفة سبب النزول فوائد أهمها:
أ- بيان الحكمة التي دعت إلى تشريع حكم من الأحكام وإدراك مراعاة الشرع للمصالح العامة في علاج الحوادث رحمة بالأمة.
ب- تخصيص حكم ما نزل إن كان بصيغة العموم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللَّفظ، وهي مسألة خلافية سيأتي لها مزيد من الإيضاح، وقد يُمثَّل لهذا بقوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١, فقد رُوِيَ أن مروان قال لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أُوتي وأحب أن يُحمد بما لم يفعل يُعذب لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما نزلت في أهل الكتاب. ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ٢ ... الآية. قال ابن عباس: سألهم رسول الله ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخذوا بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمان ما سألهم عنه"٣.
جـ- إذا كان لفظ ما نزل عامًّا وورد دليل على تخصيصه فمعرفة السبب تُقصر التخصيص على ما عدا صورته، ولا يصح إخراجها، لأن دخول صورة السبب في اللفظ العام قطعي، فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد لأنه ظني، وهذا هو ما عليه الجمهور وقد يُمثَّل لهذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ, يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ, يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ ٤.. فإن هذه الآية نزلت في عائشة خاصة، أو فيها وفي سائر أزواج النبي ﷺ
стр. 98
"عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ... الآية: نزلت في عائشة خاصة"١, وعن ابن عباس في هذه الآية أيضًا: "هذه في عائشة وأزواج النبي ﷺ ولم يجعل الله لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي ﷺ التوبة, ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ, إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وعلى هذا فإن قبول توبة القاذف وإن كان مخُصَصًّا لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ ٣, لا يتناول بالتخصيص مَن قذف عائشة، أو قذف سائر أزواج النبي ﷺ فإن هذا لا توبة له، لأن دخول صورة السبب في اللفظ العام قطعي.
د- ومعرفة سبب النزول خير سبيل لفهم معاني القرآن، وكشف الغموض الذي يكتنف بعض الآيات في تفسيرها ما لم يُعرف سبب نزولها، قال الواحدي: "لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها" وقال ابن دقيق العيد: "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن" وقال ابن تيمية: "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب"٤, ومن أمثلة ذلك: ما أشكل على مروان بن الحكم في فهم الآية الآنفة الذكر: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٥ حتى أورد له ابن عباس سبب النزول.
стр. 99
ومثله آية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ١, فإن ظاهر لفظ الآية لا يقتضي أن السعي فرض، لأن رفع الجُناح يفيد الإباحة لا الوجوب، وذهب بعضهم إلى هذا تمسكًا بالظاهر٢، وقد ردت عائشة على عروة بن الزبير في فهمه ذلك بما ورد في سبب نزولها، وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما لأنه من عمل الجاهلية، حيث كان على الصفا أساف، وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما: "عن عائشة أن عروة قال لها: أرأيت قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فما أرى على أحد جُناحًا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يابن أختي، إنها لو كانت على ما أوَّلتها كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت، أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يُهلُّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ... الآية. قالت عائشة: ثم قد بيَّن رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما"٣.
هـ- ويوضح سبب النزول مَن نزلت فيه الآية حتى لا تُحمل على غيره بدافع الخصومة والتحامل، كالذي ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٤, فقد أراد "معاوية" أن يستخلف "يزيد" وكتب إلى "مروان" عامله على المدينة بذلك، فجمع الناس وخطبهم ودعاهم إلى بيعة "يزيد" فأبى
стр. 100
عبد الرحمن بن أبي بكر أن يبايع، فأراده "مروان" بسوء لولا أن دخل بيت عائشة، وقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فردت عليه عائشة وبيَّنت له سبب نزولها، "عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ فقالت عائشة: "ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري"١، وفي بعض الروايات: "إن مروان لما طلب البيعة ليزيد قال: سُنَّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سُنَّة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ ... الآية، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته"٢.
стр. 101
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
إذا اتفق ما نزل مع السبب في العموم، أو اتفق معه في الخصوص، حُمل العام على عمومه، والخاص على خصوصه.
ومثال الأول قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ١, عن أنس قال: "إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسُئل رسول الله ﷺ عن
стр. 102
ذلك، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ .. الآية، فقال رسول الله, ﷺ : "جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء إلا النكاح" ١.
ومثال الثاني قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى, الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى, وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى, إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى, وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٢, فإنها نزلت في أبي بكر، والأتقى: أفعل تفضيل مقرون: بـ "أل" العهدية فيختص بمن نزل فيه، وإنما تفيد "أل" العموم إذا كانت موصولة أو معرفة في جمع على الراجح، و"أل" في "الأتقى" ليست موصولة لأنها لا توصل بأفعل التفضيل، و"الأتقى" ليس جمعًا، بل هو مفرد، والعهد موجود لا سيما وأن صيغة أفعل تدل على التمييز، وذلك كاف في قصر الآية على مَن نزلت فيه، ولذا قال الواحدي: الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين: "عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يُعذَّب في الله: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وأم عيسى، وأمة بني الموئل، وفيه نزلت ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ ... إلى آخر السورة٣، ورُوِي نحوه عن عامر بن عبد الله بن الزبير وزاد فيه: "فنزلت هذه الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ٤ ... إلى قوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٥.
أما إذا كان السبب خاصًّا ونزلت الآية بصيغة العموم فقد اختلف الأصوليون: أتكون العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟
١- فذهب الجمهور إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالحكم الذي يؤخذ من اللفظ العام يتعدى صورة السبب الخاص إلى نظائرها، كآيات اللِّعان التي نزلت في قذف هلال بن أمية زوجته: "فعن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء. فقال النبي, ﷺ :
стр. 103
"البيِّنَةُ وإلا حدٌّ في ظهرك" فقال: يا رسول الله.. إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيِّنَة؟ فجعل رسول الله ﷺ يقول: "البيِّنَة وإلا حدٌّ في ظهرك" , فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، وليُنزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، ونزل جبريل فأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ١ ... حتى بلغ: ﴿إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢، ٣.. فيتناول الحكم المأخوذ من هذا اللفظ العام: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ غير حادثة هلال دون احتياج إلى دليل آخر.
وهذا هو الرأي الراجح والأصح، وهو الذي يتفق مع عموم أحكام الشريعة،، والذي سار عليه الصحابة والمجتهدون من هذه الأمة فعدوا بحكم الآيات إلى غير صورة سببها. كنزول آية الظهار في أوس بن الصامت، أو سلمة بن صخر - على اختلاف الروايات في ذلك، والاحتجاج بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة شائع لدى أهل العلم، قال ابن تيمية: "قد يجيء هذا كثيرًا ومن هذا الباب قولهم: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا كقولهم: إن آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وأن قوله: ﴿وَأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ٤, نزلت في بني قريظة والنضير، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة، أو في قوم من اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه فلم يقل أحد إن عمومات الكتاب والسٌّنَّة تختص بالشخص المعيَّن، وإنما غاية ما يقال: إنها تختص بنوع ذلك الشخص، فتعم ما يشبهه، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ، والآية التي لها سبب معين إن كانت
стр. 104
أمرًا أو نهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كان خبرًا يمدح أو يذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته".
٢- وذهب جماعة إلى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، فاللفظ العام دليل على صورة السبب الخاص، ولا بد من دليل آخر لغيره من الصور كالقياس ونحوه، حتى يبقى لنقل رواية السبب الخاص فائدة، ويتطابق السبب والمسبب تطابق السؤال والجواب.
стр. 105
صيغة سبب النزول:
صيغة سبب النزول إما أن تكون نصًّا صريحًا في السببية، وإما أن تكون محتملة.
فتكون نصًّا صريحًا في السببية إذا قال الراوي: "سبب نزول هذه الآية كذا"، أو إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال، كما إذا قال: "حدث كذا" أو "سُئِلَ رسول الله ﷺ عن كذا فنزلت الآية" - فهاتان صيغتان صريحتان في السببية سيأتي لهما أمثلة١.
وتكون الصيغة محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي: "نزلت هذه الآية في كذا" فذلك يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أنه داخل في معنى الآية.
وكذلك إذا قال: "أحسب هذه الآية نزلت في كذا" أو "ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في كذا" فإن الراوي بهذه الصيغة لا يقطع بالسبب - فهاتان صيغتان تحتملان السببية وغيرها كذلك. ومثال الصيغة الأولى ما رُوِي عن ابن عمر ﵄ قال: "أُنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ٢ ... الآية. في إتيان النساء في أدبارهن"٣.
стр. 106
ومثال الصيغة الثانية ما رُوِيَ عن عبد الله بن الزبير "أن الزبير خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ في شراج من الحرة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري، سرِّح الماء يمر، فأبى عليه، فقال رسول الله, ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أَرْسِل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجُدر، ثم أَرْسِل الماء إلى جارك". واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري استرعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١, قال ابن تيمية: "قولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: "نزلت هذه الآية في كذا"، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاري يُدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند"٢, وقال الزركشي في البرهان: "قد عُرِفَ من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: "نزلت هذه الآية في كذا" فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع"٣.
стр. 107
تعدد الروايات في سبب النزول:
قد تتعدد الروايات في سبب نزول آية واحدة، وفي مثل هذه الحالة يكون موقف المفسر منها على النحو الآتي:
أ- إذا لم تكن الصيغ الواردة صريحة مثل: "نزلت هذه الآية في كذا" أو "أحسبها نزلت في كذا" فلا منافاة بينها، إذ المراد التفسير، وبيان أن ذلك داخل في الآية ومستفاد منها، وليس المراد ذكر سبب النزول، إلا إن قامت قرينة على واحدة بأن المراد بها السببية.
ب- إذا كانت إحدى الصيغ غير صريحة كقوله: "نزلت في كذا" وصرح آخر بذكر سبب مخالف فالمُعتمد ما هو نص في السببية، وتُحمل الأخرى على دخولها في أحكام الآية، ومثال ذلك ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ١: "عن نافع قال: قرأت ذات يوم: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن"٢, فهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة في السببية، وقد جاء التصريح بذكر سبب يخالفه "عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قُبلِها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ٣" فجابر هو المُعتمد لأن كلامه نقل صريح، وهو نص في السبب، أما كلام ابن عمر فليس بنص فيُحمل على أنه استنباط وتفسير.
جـ- وإذا تعددت الروايات وكانت جميعها نصًّا في السببية وكان إسناد أحدها صحيحًا دون غيره فالمُتعمد الرواية الصحيحة، مثل: ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب البجلي قال: "اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم
стр. 108
يقربك ليلتين أو ثلاثة، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ١" وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها -وكانت خادم رسول الله ﷺ : "أن جروًا دخل بيت النبي ﷺ فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة، ما حدث في بيت رسول الله, ﷺ ؟ جبريل لا يأتيني! فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ قال ابن حجر في شرح البخاري: "قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفي إسناده من لا يُعرف، فالمعتمد ما في الصحيحين"٢.
د- فإذا تساوت الروايات في الصحة ووُجِدَ وجه من وجوه الترجيح كحضور القصة مثلًا أو كون إحداها أصح قُدِّمت الرواية الراجحة، ومثال ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: "كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حدِّثنا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه، فعرفتُ أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٣.. وقد أخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: "قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ... الآية، فهذه الرواية تقتضي أنها نزلت بمكة حيث كانت قريش. والرواية الأولى تقتضي أنها نزلت بالمدينة، وتُرجَّح الرواية الأولى لحضور ابن مسعود القصة، ثم لما عليه الأمة من تلقِّي صحيح البخاري بالقبول وترجيحه على ما صح في غيره.
стр. 109
وقد اعتبر "الزركشي" هذا المثال من باب تعدد النزول وتكرره١، فتكون هذه الآية قد نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة، واستند في ذلك إلى أن سورة "سبحان" مكية بالاتفاق.
وإني أرى أن كون السورة مكية لا ينفي أن تكون آية منها أو أكثر مدنية، وما أخرجه البخاري عن ابن مسعود يدل على أن هذه الآية: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ مدنية، فالوجه الذي اخترناه من ترجيح رواية ابن مسعود على رواية الترمذي عن ابن عباس أولى من حمل الآية على تعدد النزول وتكرره. ولو صح أن الآية مكية وقد نزلت جوابًا عن سؤال فإن تكرار السؤال نفسه بالمدينة لا يقتضي نزول الوحي بالجواب نفسه مرة أخرى, بل يقتضي أن يجيب الرسول ﷺ بالجواب الذي نزل عليه من قبل.
هـ- إذا تساوت الروايات في الترجيح جُمِعَ بينها إن أمكن، فتكون الآية قد نزلت بعد السببين أو الأسباب لتقارب الزمن بينها، كآيات اللِّعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهمْ﴾ ٢, فقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس أنها نزلت في هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، كما ذكرنا من قبل٣.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: "جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال: سئل رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فيُقتل به أم كيف يصنع؟ ... " فجمع بينهما بوقوع حادثة هلال أولًا، وصادف مجيء عويمر كذلك، فنزلت في شأنهما معًا بعد حادثتيهما. قال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب.
و إن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن فإنه يُحْمَل على تعدد النزول وتكرره، ومثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: "لما حضر أبا طالب الوفاة دخل
стр. 110
عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: " أي عم، قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الل هـ"، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي, ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنه"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
وأخرج الترمذي عن عليٍّ قال: "سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت".
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: "خرج النبي ﷺ يومًا إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا ثم بكى، فقال: "إن القبر الذي جلستُ عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل عليَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . فجمع بين هذه الروايات بتعدد النزول.
ومن أمثلته كذلك ما رُوِيَ عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استُشِهد وقد مُثِّلَ به، فقال: "لأُمَثِّلَنَّ بسبعين منهم مكانك"، فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٢ ... إلى آخر السورة"٣, فهذا يدل على نزولها يوم أُحد.
وجاء في رواية أخرى أنها نزلت يوم فتح مكة٤، والسورة مكية، فجمع بين ذلك، بأنها نزلت بمكة قبل الهجرة مع السورة، ثم بأحد، ثم يوم الفتح، ولا مانع مع ذلك لما فيه من التذكير بنعمة الله على عباده واستحضار شريعته، قال الزركشي في البرهان: "وقد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه، وتذكيرًا