الترجمة المعنوية
مدخل
...
الترجمة المعنوية:
القرآن الكريم -وكذا كل كلام عربي بليغ- له معان أصليه، ومعان ثانوية.
والمراد بالمعاني الأصلية المعاني التي يستوي في فهمها كل من عرف مدلولات الألفاظ المفردة وعرف وجوه تراكيبها معرفة إجمالية.
والمراد بالمعاني الثانوية خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام، وبها كان القرآن معجزًا.
فالمعنى الأصلي لبعض الآيات قد يوافق فيه منثور كلام العرب أو منظومه، ولا تمس هذه الموافقة إعجاز القرآن، فإن إعجازه ببديع نظمه وروعة بيانه، أي بالمعنى الثانوي. وإياه عني الزمخشري في كشافه بقوله: "إن في كلام العرب -خصوصًا القرآن- من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان".
стр. 422
حكم الترجمة المعنوية:
وترجمة معاني القرآن الثانوية أمر غير ميسور، إذ إنه لا توجد لغة توافق اللغة العربية في دلالة ألفاظها على هذه المعاني المسماة عند علماء البيان خواص التراكيب، وذلك ما لا يسهل على أحد ادعاؤه. وهو ما يقصده الزمخشري من عبارته السابقة. فوجوه البلاغة القرآنية في اللفظ أو التركيب. تنكيرًا وتعريفًا، أو تقديمًا وتأخيرًا، أو ذِِكرًا وحذفًا، إلى غير ذلك مما تسامت به لغة القرآن، وكان له وقعه في النفوس - هذه الوجوه في بلاغة القرآن لا يفي بحقها في أداء معناها لغة أخرى، لأي أي لغة لا تحمل تلك الخواص.
أما المعاني الأصلية فهي التي يمكن نقلها إلى لغة أخرى. وقد ذكر الشاطبي في الموافقات المعاني الأصلية والمعاني الثانوية ثم قال: "إن ترجمة القرآن على الوجه الأول -يعني النظر إلى معانيه الأصلية- ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معانيه للعامة ومن ليس لهم فهم يقوى على تحصيل معانيه. وكان ذلك جائزًا باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الإنفاق حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي".
ومع هذا فإن ترجمة المعاني الأصلية لا تخلو من فساد، فإن اللفظ الواحد في القرآن قد يكون له معنيان أو معان تحتملها الآية فيضع المترجم لفظًا يدل على معنى واحد حيث لا يجد لفظًا يشاكل اللفظ العربي في احتمال تلك المعاني المتعددة.
وقد يستعمل القرآن اللفظ في معنى مجازي فيأتي المترجم بلفظ يرادف اللفظ العربي في معناه الحقيقي. ولهذا ونحوه وقعت أخطاء كثيرة فيما تُرجم لمعاني القرآن.
وما ذهب إليه الشاطبي واعتبره حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي ليس على إطلاقه. فإن بعض العلماء يخص هذا بمقدار الضرورة في إبلاغ الدعوة. بالتوحيد وأركان العبادات، ولا يتعرض لما سوى ذلك، ويؤمر من أراد الزيادة بتعلم اللسان العربي.
стр. 423
الترجمة التفسيرية:
ويحق لنا أن نقول: إن علماء الإسلام إذا قاموا بتفسير للقرآن، يتوخى فيه أداء المعنى القريب الميسور الراجح، ثم يترجم هذا التفسير بأمانة وبراعة، فإن هذا يقال فيه: "ترجمة تفسير القرآن" أو "ترجمة تفسيرية" بمعنى شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى. ولا بأس بذلك. فإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ برسالة الإسلام إلى البشرية كافة على اختلاف أجناسها وألوانها: "وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس كافة" ١, وشرط لزوم الرسالة البلاغ - والقرآن الذي نزل بلغة العرب صار إبلاغه للأمة العربية ملزمًا لها، ولكن سائر الأمم التي لا تُحسن العربية، أو لا تعرفها يتوقف إبلاغها الدعوة على ترجمتها بلسانها. وقد عرفنا قبل استحالة الترجمة الحرفية وحرمتها. واستحالة ترجمة المعاني الثانوية، ومشقة ترجمة المعاني الأصلية وما فيها من أخطار، فلم يبق إلا أن يترجم تفسير القرآن الذي يتضمن أسس دعوته بما يتفق مع نصوص الكتاب وصريح السٌّنَّة إلى لسان كل قبيل حتى تبلغهم الدعوة وتلزمهم الحجة. وترجمة تفسير للقرآن على نحو ما ذكرنا يصح أن نسميها بالترجمة التفسيرية. وهي تختلف عن الترجمة المعنوية وإن كان الباحثون لا يفرقون بينهما، فإن الترجمة المعنوية توهم أن المترجم أخذ معاني القرآن من أطرافها ونقلها إلى اللغة الأجنبية، كما يقال في ترجمة غيره: ترجمة طبق الأصل. فالمفسِّر يتكلم بلهجة المبيِّن لمعنى الكلام على حسب فهمه، فكأنه يقول للناس: هذا ما أفهمه من الآية، والمترجم يتكلم بلهجة من أحاط بمعنى الكلام وصبَّه في ألفاظ لغة أخرى. وشتان بين الأمرين. فالمفسِّر يقول في تفسير الآية: يعني كذا، ويذكر فهمه الخاص. والمترجم يقول: معنى هذا الكلام هو عين معنى الآية، وقد عرفنا ما في ذلك.
وينبغي أن يؤكَّد في الترجمة التفسيرية أنها ترجمة لفهم شخصي خاص، لا تتضمن وجوه التأويل المحتملة لمعاني القرآن، وإنما تتضمن ما أدركه المفسر
стр. 424
منها، وبهذا تكون ترجمة للعقيدة الإسلامية ومبادئ الشريعة كما تُفهم من القرآن.
وإذا كان إبلاغ الدعوة من واجبات الإسلام فإن ما يتوقف على هذا البلاغ من دراسة اللغات ونقل أصول الإسلام إليها واجب كذلك. كما أن معرفتنا لهذه اللغات بالقدر الضروري تمكننا من دراسة كتبها للرد على المبشرين والمستشرقين الذين غمزوا عود الإسلام من بعيد أو قريب، وهذا هو ما عناه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "العقل والنقل" عندما قال: "وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة - كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه" ثم قال: "ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم، ويترجم بالعربية، كما أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ويكتب له ذلك. حيث لم يأتمن اليهود عليه".
وإذا كانت الترجمة بمعناها الحقيقي ولو للمعاني الأصلية لا تتيسر في جميع آيات القرآن. وإنما المتيسر الترجمة على معنى التفسير, كان من الضروري إشعار القارئ بذلك، ومن وسائله كتابة جمل في حواشي الصحائف يبيِّن بها أن هذا أحد وجوه -أو أرجح وجوه- تحتملها الآية "ولو قامت جماعة ذات نيات صالحة وعقول راجحة. وتولت نقل تفسير القرآن إلى بعض اللغات الأجنبية، وهي على بينة من مقاصده - وعلى رسوخ في معرفة تلك اللغات، وتحامت الوجوه التي دخل منها الخلل في التراجم السائرة اليوم في أوروبا لفتحت لدعوة الحق سبيلًا كانت مقفلة. ونشرت الحنيفية السمحة في بلاد طافحة بالغواية قاتمة"١.
стр. 425
القراءة في الصلاة بغير العربية
مدخل
...
القراءة في الصلاة بغير العربية:
يختلف العلماء في القراءة في الصلاة بغير العربية إلى مذهبين:
أحدهما: الجواز مطلقًا أو عند العجز عن النطق بالعربية.
وثانيهما: أن ذلك محظور، والصلاة بهذه القراءة غير صحيحة.
والمذهب الأول هو مذهب الأحناف، فإنه يُروى عن أبي حنيفة أنه كان يرى جواز القراءة في الصلاة باللغة الفارسية، وبنى على هذا بعض أصحابه جوازها بالتركية والهندية وغيرها من الألسنة، ولعلهم يرون في ذلك أن القرآن اسم للمعاني التي تدل عليها الألفاظ العربية. والمعاني لا تختلف باختلاف ما قد يتعاقب عليها من الألفاظ واللغات.
وقيد الصاحبان: أبو يوسف ومحمد بن الحسن. هذا بما تدعو إليه الضرورة. فأجازا للعاجز عن العربية القراءة في الصلاة باللسان الأعجمي دون القادر على القراءة بها، قال في "معراج الدراية": "إنما جوزنا القراءة بترجمة القرآن للعاجز إذا لم يخل بالمعنى؛ لأنه قرآن من وجه باعتبار اشتماله على المعنى، فالإتيان به أولى من الترك مطلقًا، إذ التكليف بحسب الوسع".
ويُروى أن أبا حنيفة رجع عن الإطلاق الذي نُقِل عنه.
والمذهب الثاني هو ما عليه الجمهور، فقد منع المالكية والشافعية والحنابلة القراءة بترجمة القرآن في الصلاة، سواء أكان المصلي قادرًا على العربية أم عاجزًا؛ لأن ترجمة القرآن ليست قرآنًا، إذ القرآن هو النظم المُعجز الذي هو كلام الله، والذي وصفه تعالى بكونه عربيًّا، وبالترجمة يزول الإعجاز، وليست الترجمة كلام الله.
قال القاضي أبو بكر بن العربي –وهو من فقهاء المالكية- في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ١. قال علماؤنا: هذا يُبطل قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه،
стр. 426
إن ترجمة القرآن بإبدال اللغة العربية منه بالفارسية جائز؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيّ﴾ ؟ نفى أن يكون للعجمة إليه طريق - فكيف يُصرف إلى ما نفى الله عنه؟ ثم قال: إن التبيان والإعجاز إنما يكون بلغة العرب، فلو قُلب إلى غير هذا لما كان قرآنًا ولا بيانًا ولا اقتضى إعجازًا".
وقال الحافظ ابن حجر –وهو من فقهاء الشافعية- في "فتح الباري": "إن كان القارئ قادرًا على تلاوته باللسان العربي فلا يجوز له العدول عنه، ولا تُجزئ صلاته –أي بقراءة ترجمته- وإن كان عاجزًا" ثم ذكر أن الشارع قد جعل للعاجز عن القراءة بالعربية بدلًا وهو الذِّكر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –وهو من فقهاء الحنابلة- وإن كانت له اجتهاداته -: "وأما الإتيان بلفظ يبيِّن المعنى كبيان لفظ القرآن فهذا غير ممكن أصلًا، ولهذا كان أئمة الدين على أنه لا يجوز أن يُقرأ بغير العربية، لا مع القدرة عليها ولا مع العجز عنها؛ لأن ذلك يخرجه عن أن يكون هو القرآن المنزل"١.
ويقول ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" عند الحديث عن اختلاف الفقهاء في أذكار الصلاة، أتقال بغير العربية أم لا؟: "فأما القرآن فلا يقرؤه بغير العربية سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، بل قد قال غير واحد أنه يمتنع أن يترجم سورة أو مما يقوم به الإعجاز" وقد خص السورة أو ما يقوم به الإعجاز إشارة إلى أقل ما وقع به التحدي.
والدين يوجب على معتنقيه تعلم العربية؛ لأنها لغة القرآن ومفتاح فهمه. قال ابن تيمية كذلك في "الاقتضاء": "وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين
стр. 427
- ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسٌّنَّة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
أما اختلاف الأحناف في جواز الصلاة بترجمة القرآن، فالمجيزون يرون إباحة هذا عند العجز على أنه رخصة، وهم متفقون على أن الترجمة لا تسمى قرآنًا، فهي لمجرد الإجزاء في الصلاة، ومثلها مثل ذِكر الله عند غير الحنفية.
والذكر في الصلاة مُخْتَلَف فيه، سواء أكان واجبًا كتكبيرة الإحرام أم غير واجب؟ فقد منع ترجمة الأذكار الواجبة مالك وإسحاق وأحمد في أصح الروايتين. وأباحها أبو يوسف ومحمد والشافعي، وسائر الأذكار لا تترجم عند مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي، ومتى فصل بالترجمة بطلت صلاته" ونص الشافعي على الكراهة وهو قول أصحاب أحمد إذا لم يحسن العربية.
стр. 428
قوة الأمة الإسلامية هي سبيل انتصار الإسلام وسيادة لغة القرآن:
وننتهي من هذا البحث إلى أن القرآن لا يمكن ولا يجوز أن يترجم ترجمة حرفية، وأن ترجمة المعاني الأصلية وإن كانت ممكنة في بعض الآيات الواضحة المعنى فإنها لا تخلو من فساد. وأن ترجمة المعاني الثانوية غير ممكنة؛ لأن وجوه البلاغة القرآنية لا تؤديها ألفاظ بأي لغة أخرى.
بقي أن يُفسر القرآن، وأن يُترجم تفسيره لإبلاغ دعوته. قال القفال -من كبار علماء الشافعية-: "عندي أنه لا يقدر أحد على أن يأتي بالقرآن بالفارسية. قيل له: فإذن لا يقدر أحد أن يُفسِّر القرآن، قال: ليس كذلك؛ لأنه هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن بعضه، أما إذا أراد أن يقرأها بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله".
стр. 429
وترجمة التفسير تكون ضرورة بقدر الحاجة إلى إبلاغ دعوة الإسلام إلى الشعوب غير الإسلامية، قال الحافظ ابن حجر: "فمن دخل الإسلام أو أراد الدخول فيه فقرئ عليه القرآن فلم يفهمه فلا بأس أن يُعرَّب له لتعريف أحكامه. أو لتقوم عليه الحجة فيدخل فيه"١.
ولقد كان المسلمون فيما سَلَف يقتحمون للسيادة كل وعر ويركبون لإظهار دين الله كل خطر، ويلبسون من برود البطولة والعدل وكرم الأخلاق ما يملأ عيون مخالفيهم مهابة وإكبارًا، وكانت اللغة العربية تجر رداءها أينما رفعوا رايتهم، وتنتشر في كل واد وطئته أقدامهم، فلم يشعروا في دعوتهم إلى الإسلام بالحاجة إلى نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، وربما كان عدم نقلها إلى غير العربية وهم في تلك العزة والسلطان من أسباب إقبال غير العرب على معرفة لسان العرب، حتى صارت أوطان أعجمية إلى النطق بالعربية"٢.
والظاهرة التي نشاهدها الآن في ضرورة تعلم اللغات الأجنبية للأمة العربية حتى تتمكن من إرسال بعثاتها العلمية إلى جامعات الدول الأخرى، أو دراسة أمهات الكتب للعلوم الكونية في جامعاتها؛ لأنها بلغة أجنبية لمؤلفين أجانب - هذه الظاهرة دعت إليها الحاجة إلى العلم والثقافة، ونحن نراها تنشر سيطرتها على تفكير الكثير وتحدد اتجاهه في الحياة، وتصل إلى درجة الولوع بها والشغف والتوسع في فنونها، وقد كان لها الأثر البالغ في الأخلاق والعادات والتقاليد مما جعل حياتنا العامة في شتى صورها تخرج عن سَمت الإسلام وطابع فضائله، ولم تكن الأمم الأخرى في حاجة إلى ترجمة كتبها إلى اللغة العربية لما لها من المكانة العلمية فلو ظلت دولة الإسلام في طريق نهضتها الأولى علمًا وثقافة وسياسة وخُلُقًا وقوة وسلطانًا ومهابة لرمقها العالَم من جميع أطراف
стр. 430
المعمورة، وتطلع إلى دراسة اللغة العربية لينهل من معين نتاج الإسلام الفكري، ويروي ظمأه من معارفه، ويستظل بسلطانه، ويحتمي في سيادته، ولرأى في هذا حاجته بمثل ما نرى نحن اليوم حاجتنا إلى لغته.
فالحديث عن ترجمة القرآن من مظاهر ضعف دولته، وحري بنا أن يتجه نظرنا إلى بذل جهودنا في تكوين دولة القرآن وتوطيد دعائم نهضتها على أساس من الإيمان والعلم والمعرفة، فهي وحدها الكفيلة بالسيطرة الروحية على أجناس البشر وتعريب ألسنتهم. وإذا كان الإسلام هو دين الإنسانية كافة، فالشأن في لغته حين نعمل على تحقيق ما كتبه الله له ولأمته من العزة أن تكون كذلك.
стр. 431
التفسير والتأويل
مدخل
...
٢٣- التفسير والتأويل:
القرآن الكريم هو مصدر التشريع الأول للأمة المحمدية، وعلى فقه معناه ومعرفة أسراره والعمل بما فيه تتوقف سعادتها. ولا يستوي الناس جميعًا في فهم ألفاظه وعباراته مع وضوح بيانه وتفصيل آياته، فإن تفاوت الإدراك بينهم أمر لا مراء فيه فالعامي يدرك من المعاني ظاهرها ومن الآيات مجملها، والذكي المتعلم يستخرج منها المعنى الرائع. وبين هذا وذاك مراتب فهم شتى، فلا غرو أن يجد القرآن من أبناء أمته اهتمامًا بالغًا في الدراسة لتفسير غريب، أو تأويل تركيب.
стр. 432
معنى التفسير والتأويل:
التفسير في اللغة: تفعيل من الفَسر بمعنى الإبانة والكشف وإظهار المعنى المعقول، وفعله: كضرب ونصر، يقال: فسر الشيء يفسر بالكسر ويفسره بالضم فسرًا، وفسره: أبانه، والتفسير والفسر: الإبانة وكشف المغطى، وفي لسان العرب: الفسر كشف المغطى. والتفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل. وفي القرآن: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ١, أي بيانًا وتفصيلًا والمزيد من الفعلين أكثر في الاستعمال.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ أي تفصيلًا.
وقال بعضهم: هو مقلوب من "سفر" ومعناه أيضًا: الكشف، يقال: سفرت المرأة سفورًا: إذا ألقت خمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح:
стр. 433
أضاء, وإنما بنوه على التفعيل؛ لأنه للتكثير، كقوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ١، وقوله: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ ٢, فكأنه يتبع سورة بعد سورة، وآية بعد آية.
وقال الراغب: الفسر والسفر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما، لكل جُعِل الفسر لإظهار المعنى المعقول، وجُعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار، فقيل: سفرت المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح.
والتفسير في الاصطلاح: عرَّفه أبو حيان بأنه: "علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك".
ثم خرَّج التعريف فقال: فقولنا: "علم"، هو جنس يشمل سائر العلوم، وقولنا: "يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن"، هذا هو علم القراءات، وقولنا: "ومدلولاتها" أي مدلولات تلك الألفاظ، وهذا هو علم اللغة الذي يُحتاج إليه في هذا العلم، وقولنا: "وأحكامها الإفرادية والتركيبية"، هذا يشمل علم التصريف وعلم الإعراب، وعلم البيان، وعلم البديع، وقولنا: "ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب"، يشمل ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئًا ويصد عن الحمل على الظاهر صاد فيحتاج لأجل ذلك أن يعمل على غير الظاهر، وهو المجاز، وقولنا: "وتتمات لذلك". هو معرفة النسخ وسبب النزول، وقصة توضيح بعض ما انبهم في القرآن ونحو ذلك.
وقال الزركشي: التفسير: علم يُفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد, ﷺ : وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه٣.
стр. 434
والتأويل في اللغة: مأخوذ من الأول، وهو الرجوع إلى الأصل، يقال: آل إليه أولًا ومآلًا: رجع.. ويقال: أوَّل الكلام تأويلًَا وتأوَّله: دبره وقدَّره وفسَّره وعلى هذا: فتأويل الكلام في الاصطلاح له معنيان:
١- تأويل الكلام: بمعنى ما أوَّله إليه المتكلم أو ما يؤوَّل إليه الكلام ويرجع، والكلام إنما يرجع ويعود إلى حقيقته التي هي عين المقصود. وهو نوعان: إنشاء وإخبار, ومن الإنشاء: الأمر.
فتأويل الأمر: هو الفعل المأمور به، ومن ذلك ما رُوِي عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأوَّل القرآن"١. تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ٢.
وتأويل الأخبار: هو عين المخبر إذا وقع. كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ٣, فقد أخبر أنه فصَّل الكتاب، وأنهم لا ينتظرون إلا تأويله، أي مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها، وما في الآخرة من الصحف والموازين والجنة والنار وغير ذلك. فحينئذ يقولون: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ؟
٢- تأويل الكلام: أي تفسيره وبيان معناه. وهو ما يعنيه ابن جرير الطبري في تفسيره بقوله: "القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا"، وبقوله: "اختلف أهل التأويل في هذه الآية" فإن مراده التفسير.
ذلك هو معنى التأويل عند السلف.
стр. 435
والتأويل في عرف المتأخرين: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به - وهذا الاصطلاح لا يتفق مع ما يُراد بلفظ التأويل في القرآن عند السَّلف.
هذا ومن العلماء من يفرق بين المعنى، والتفسير، والتأويل، للتفاوت بينها لغة وإن كانت متقاربة، وقد نقل "الزركشي" هذا١.
قال ابن فارس: معاني العبارات التي يعبر بها عن الأشياء ترجع إلى ثلاثة: المعنى، والتفسير, والتأويل، وهي وإن اختلفت فالمقاصد بها متقاربة:
فأما المعنى: فهو القصد والمراد، يقال: عنيت بهذا الكلام كذا، أي قصدت وعمدت، وهو مشتق من الإظهار، يقال: عنت القِربة، إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته، ومن هذا: عنوان الكتاب.
وأما التفسير في اللغة: فهو راجع إلى معنى الإظهار والكشف. وقال ابن الأنباري: قول العرب: فسرت الدابة وفسرتها، إذا ركضتها محصورة لينطلق حصرها، وهو يؤول إلى الكشف أيضًا. فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه، وإطلاق للمحتبس عن الفهم به.
وأما التأويل: فأصله في اللغة من الأول، ومعنى قولهم: ما تأويل هذا الكلام؟ أي إلام تؤول العاقبة في المراد به؟ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ ٢, أي تُكشف عاقبته، ويقال: آل الأمر إلى كذا، أي صار إليه، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ ٣, وأصله من المآل, وهو العاقبة والمصير, وقد أولته فآل- أي صرفته فانصرف فكأن التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني. وإنما بنوه على التفعيل للتكثير.
стр. 436
الفرق بين التفسير والتأويل:
اختلف العلماء في الفرق بين التفسير والتأويل وعلى ضوء ما سبق في معنى التفسير والتأويل نستطيع أن نستخلص أهم الآراء فيما يأتي:
١- إذا قلنا: إن التأويل هو تفسير الكلام وبيان معناه, فالتأويل والتفسير على هذا متقاربان أو مترادفان، ومنه دعوة رسول الله ﷺ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
٢- وإذا قلنا: إن التأويل هو نفس المراد بالكلام، فتأويل الطلب نفس الفعل المطلوب، وتأويل الخبر نفس الشيء المُخبر به، فعلى هذا يكون الفرق كبيرًا بين التفسير والتأويل؛ لأن التفسير شرح وإيضاح للكلام, ويكون وجوده في الذهن بتعقله، وفي اللسان بالعبارة الدالة عليه، أما التأويل فهو نفس الأمور الموجودة في الخارج، فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، وهذا هو الغالب في لغة القرآن كما تقدم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ١.
فالمراد بالتأويل وقوع المُخبر به.
٣- وقيل: التفسير: ما وقع مبيَّنًا في كتاب الله أو مُعيَّنًا في صحيح السٌّنَّة؛ لأن معناه قد ظهر ووضح، والتأويل ما استنبطه العلماء، ولذا قال بعضهم: "التفسير ما يتعلق بالرواية, والتأويل ما يتعلق بالدراية"٢.
٤- وقيل: التفسير: أكثر ما يُستعمل في الألفاظ ومفرداتها، والتأويل: أكثر ما يُستعمل في المعاني والجُمل - وقيل غير ذلك.
стр. 437
شرف التفسير:
والتفسير من أجلِّ علوم الشريعة وأرفعها قدرًا، وهو أشرف العلوم موضوعًا وغرضًا وحاجة إليه لأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة. ومعدن كل فضيلة ولأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية وإنما اشتدت الحاجة إليه؛ لأن كل كمال ديني أو دنيوي لا بد وأن يكون موافقًا للشرع، وموافقته على العلم بكتاب الله١.
стр. 438
شروط المفسر وآدابه
مدخل
...
٢٤- شروط المفسِّر وآدابه:
البحث العلمي النزيه أساس المعرفة الحقة التي تعود على طلابها بالنفع، وثمرته من أشهى الأكل لغذاء الفكر وتنمية العقل، ولذلك فإن تهيؤ أسبابه لأي باحث أمر له اعتباره في نضج ثماره ودنو قطوفه، والبحث في العلوم الشرعية عامة وفي التفسير خاصة من أهم ما يجب الاعتناء به والتعرف على شروطه وآدابه، حتى يصفو مشربه، ويحفظ روعة الوحي وجلاله.
стр. 439
شروط المفسِّر:
وقد ذكر العلماء للمفسر شروطًا نجملها فيما يأتي:
١- صحة الاعتقاد: فإن العقيدة لها أثرها في نفس صاحبها، وكثيرًا ما تحمل ذويها على تحريف النصوص والخيانة في نقل الأخبار، فإذا صنف أحدهم كتابًا في التفسير أوَّل الآيات التي تخالف عقيدته، وحمَّلها باطل مذهبه، ليصد الناس عن اتباع السلف، ولزوم طريق الهدى.
٢- التجرد عن الهوى: فالأهواء تدفع أصحابها إلى نصرة مذهبهم، فيغرون الناس بلين الكلام ولحن البيان، كدأب طوائف القدرية والرافضة والمعتزلة ونحوهم من غلاة المذاهب.
٣- أن يبدأ أولًا بتفسير القرآن بالقرآن، فما أُجمل منه في موضع فإنه قد فُصل في موضع آخر، وما اختُصر منه في مكان فإنه قد بُسط في مكان آخر.
٤- أن يطلب التفسير من السٌّنَّة فإنها شارحة للقرآن موضحة له، وقد ذكر القرآن أن أحكام رسول الله ﷺ إنما تصدر منه عن طريق الله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ١. وذكر الله
стр. 440
أن السٌّنَّة مبيِّنة للكتاب: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١, ولهذا قال رسول الله, ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" يعني السُّنة. وقال الشافعي, ﵁: "كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن" وأمثلة هذا في القرآن كثيرة - جمعها صاحب "الإتقان" مرتبة مع السور في آخر فصل من كتابه كتفسير "السبيل" بالزاد والراحة، وتفسير "الظلم" بالشرك، وتفسير "الحساب اليسير" بالعرض.
٥- فإذا لم يجد التفسير من السٌّنَّة رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح.
٦- فإذا لم يجد التفسير في القرآن ولا في السٌّنَّة ولا في أقوال الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، والربيع بن أنس، وقتادة والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، والمعتمد في ذلك كله النقل الصحيح، ولهذا قال أحمد: "ثلاث كتب لا أصل لها: المغازي، والملاحم، والتفسير" يعني بهذا: التفسير الذي لا يعتمد على الروايات الصحيحة في النقل.
٧- العلم باللغة العربية وفروعها: فإن القرآن نزل بلسان عربي، ويتوقف فهمه على شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالِمًا بلغات العرب".
стр. 441
والمعاني تختلف باختلاف الإعراب، ومن هنا مست الحاجة إلى اعتبار علم النحو. والتصريف الذي تُعرف به الأبنية، والكلمة المبهمة يتضح معناها بمصادرها ومشتقاتها. وخواص تركيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، ومن حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها. ثم من ناحية وجوه تحسين الكلام -وهي علوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع- من أعظم أركان المفسِّر. إذ لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يُدرك الإعجاز بهذه العلوم.
٨- العلم بأصول العلوم المتصلة بالقرآن، كعلم القراءات؛ لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن ويترجح بعض وجوه الاحتمال على بعض، وعلم التوحيد، حتى لا يؤول آيات الكتاب التي في حق الله وصفاته تأويلًا يتجاوز به الحق، وعلم الأصول، وأصول التفسير خاصة مع التعمق في أبوابه التي لا يتضح المعنى ولا يستقيم المراد بدونها، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ونحو ذلك.
٩- دقة الفهم التي تمكن المفسر من ترجيح معنى على آخر، أو استنباط معنى يتفق مع نصوص الشريعة.
стр. 442
آداب المفسِّر:
١- حسن النية وصحة المقصد: فإنما الأعمال بالنيات، والعلوم الشرعية أولى بأن يكون هدف صاحبها منها الخير العام، وإسداء المعروف لصالح الإسلام، وأن يتطهر من أعراض الدنيا ليسدد الله خطاه، والانتفاع بالعلم ثمرة الإخلاص فيه.
٢- حسن الخُلُق: فالمفسِّر في موقف المؤدِّب، ولا تبلغ الآداب مبلغها في النفس إلا إذا كان المؤدِّب مثالًا يُحتذى في الخُلُق والفضيلة، والكلمة النابية قد تصرف الطالب عن الاستفادة مما يسمع أو يقرأ وتقطع عليه مجرى تفكيره.
стр. 443
٣- الامتثال والعمل: فإن العلم يجد قبولًا من العاملين أضعاف ما يجد من سمو معارفه ودقة مباحثه - وحسن السيرة يجعل المفسِّر قدوة حسنة لما يقرره من مسائل الدين، وكثيرًا ما يصد الناس عن تلقي العلم من بحر زاخر في المعرفة لسوء سلوكه وعدم تطبيقه.
٤- تحري الصدق والضبط في النقل: فلا يتكلم أو يكتب إلا عن تثبت لما يرويه حتى يكون في مأمن من التصحيف واللَّحن.
٥- التواضع ولين الجانب: فالصلف العلمي حاجز حصين يحول بين العالِم والانتفاع بعلمه.
٦- عزة النفس: فمن حق العالِم أن يترفع عن سفاسف الأمور, ولا يغشى أعتاب الجاه والسلطان كالسائل المتكفف.
٧- الجهر بالحق: فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
٨- حسن السمت: الذي يُكسب المفسِّر هيبة ووقارًا في مظهره العام وجلوسه ووقوفه ومشيته دون تكلف.
٩- الأناة والروية: فلا يسرد الكلام سردًا بل يفصِّله ويُبِين عن مخارج حروفه.
١٠- تقديم من هو أولى منه: فلا يتصدى للتفسير بحضرتهم وهم أحياء، ولا يغمطهم حقهم بعد الممات، بل يرشد إلى الأخذ عنهم وقراءة كتبهم.
١١- حسن الإعداد وطريقة الأداء: كأن يبدأ بذكر سبب النزول - ثم معاني المفردات وشرح التراكيب وبيان وجوه البلاغة والإعراب الذي يتوقف عليه تحديد المعنى، ثم يبين المعنى العام ويصله بالحياة العامة التي يعيشها الناس في عصره، ثم يأتي إلى الاستنباط والأحكام.
أما ذكر المناسبة والربط بين الآيات أولًا وآخرًا فذلك حسب ما يقتضيه النظم والسياق.
стр. 444
نشأة التفسير وتطوره
مدخل
...
٢٥- نشأة التفسير وتطوره: ١
جرت سُنة الله أن يرسل كل رسول بلسان قومه. ليتم تخاطبه معهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ٢, وأن يكون الكتاب الذي أنزل عليه بلسانه ولسانهم، وإذا كان لسان محمد ﷺ عربيًّا فإن الكتاب الذي أنزل عليه يكون بلسان عربي، وبذلك نطق محكم التنزيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣. ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٤.
فألفاظ القرآن عربية، ووجوه المعاني في القرآن توافق وجوه المعاني عند العرب، وإذا كانت هناك ألفاظ قليلة تختلف فيها أنظار العلماء، أهي من لغات أخرى وعربت، أم هي عربية بحتة ولكنها مما تواردت عليها اللغات؟ فإن هذا لا يخرج القرآن عن أن يكون عربيًّا.
والذي عليه المحققون أنها كلمات اتفقت فيها ألفاظ العرب مع ألفاظ غيرهم من بعض أجناس الأمم. وهذا هو ما رجحه جهبذ المفسرين ابن جرير الطبري٥. فقد أورد ما رُوِي في ذلك كقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ٦, قيل: الكِفلان: ضعفان من الأجر بلسان الحبشة. وقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ٧, قيل: بلسان الحبشة إذا قام الرجل من الليل قالوا: نشأ. وقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ ٨, قيل: سبحي بلسان الحبشة, وقوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ٩, قيل: الأسد بالحبشية. وقوله:
стр. 445
﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ١, قيل فارسية أعربت - أورد الطبري ما رُوِي في ذلك ثم بيَّن أن أحدًا لم يقل إن هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلامًا، وإنما قال بعضهم: حرف كذا بلسان الحبشة معناه كذا، وحرف كذا بلسان العجم معناه كذا، وقد ظهر أن بعض الألفاظ اتفقت فيها الألسن المختلفة، كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرطاس، فأي مرجح يجعل اللفظ من لغة بعينها ثم نقل إلى اللغة الأخرى؟ فليس أحد الجنسين أولى بأن يكون أصل ذلك كان من عنده من الجنس ومدعي ذلك يدعي شيئًا بلا دليل.
стр. 446
التفسر في عهد النبي ﷺ وأصحابه
...
التفسير في عهد النبي ﷺ وأصحابه:
تكفل الله تعالى لرسوله بحفظ القرآن وبيانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١, فكان النبي ﷺ يفهم القرآن جملة وتفصيلًا. وكان عليه أن يبيِّنه لأصحابه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
وكان الصحابة ﵃ يفهمون القرآن كذلك؛ لأنه نزل بلغتهم. وإن كانوا لا يفهمون دقائقه، يقول ابن خلدون في مقدمته: "إن القرآن نزل بلغة العرب - وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه" ولكنهم مع هذا كانوا يتفاوتون في الفهم، فقد يغيب عن واحد منهم ما لا يغيب عن الآخر.
أخرج أبو عبيد في الفضائل عن أنس: أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ ٣, فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر"٤.
стр. 447
وأخرج أبو عبيد من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها"١.
ولذا قال ابن قتيبة: "إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك عن بعض"٢.
وكان الصحابة يعتمدون في تفسيرهم للقرآن بهذا العصر على:
أولاً: القرآن الكريم: فما جاء مُجملًا في موضع جاء مبينًا في موضع آخر, تأتي الآية مطلقة أو عامة، ثم ينزل ما يقيدها أو يخصصها، وهذا هو الذي يسمى بتفسير القرآن بالقرآن ولهذا أمثلة كثيرة، فقصص القرآن جاء موجزًا في بعض المواضع ومسهبًا في مواضع أخرى، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ٣, فسره آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ٥, فسره آية: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٦.
ثانياً: النبي, ﷺ : فهو المبيِّن للقرآن, وكان الصحابة يرجعون إليه إذا أشكل عليهم فهم آية من الآيات، عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ٧, شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك" ٨.
كما كان الرسول ﷺ يبيِّن لهم ما يشاء عند الحاجة، عن عقبة بن عامر قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ "ألا وإن القوة الرمي" ٩.
стр. 448
وعن أنس قال: قال رسول الله, ﷺ : "الكوثر نهر أعطانيه ربي في الجنة" ١.
وقد أفردت كتب السٌّنَّة بابًا للتفسير بالمأثور عن رسول الله ﷺ وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
ومن القرآن ما لا يُعلم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ كتفصيل وجوه أمره ونهيه، ومقادير ما فرضه الله من أحكام، وهذا البيان هو المقصود بقوله, ﷺ : "ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه".
ثالثًا- الفهم والاجتهاد: فكان الصحابة إذا لم يجدوا التفسير في كتاب الله تعالى، ولم يجدوا شيئًا في ذلك عن رسول الله ﷺ اجتهدوا في الفهم، فإنهم من خُلَّص العرب، يعرفون العربية، ويُحسنون فهمها، ويعرفون وجوه البلاغة فيها.
واشتهر بالتفسير من الصحابة جماعة منهم: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، على تفاوت فيما بينهم قلة وكثرة، وهناك روايات منسوبة إلى هؤلاء وغيرهم في مواضع متعددة من تفسير القرآن بالمأثور تتفاوت درجتها من حيث السند. صحة وضعفًا.
ولا شك أن التفسير بالمأثور عن الصحابة له قيمته، وذهب جمهور العلماء إلى أن تفسير الصحابي له حكم المرفوع إذا كان مما يرجع إلى أسباب النزول وكل ما ليس للرأي فيه مجال. أما ما يكون للرأي فيه مجال فهو موقوف عليه ما دام لم يُسنِده إلى رسول الله, ﷺ .
стр. 449
والموقوف على الصحابي من التفسير يوجب بعض العلماء الأخذ به؛ لأنهم أهل اللسان، ولما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختُصوا بها، ولما لهم من الفهم الصحيح. قال الزركشي في "البرهان": "اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد، والأول: إما أن يرد عن النبي ﷺ أو الصحابة، أو رءوس التابعين - فالأول يُبحث فيه عن صحة السند، والثاني يُنظر في تفسير الصحابي، فإن فسَّره من حيث اللغة فَهُم أهل اللسان، فلا شك في اعتماده. أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك فيه"١.
وقال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره: "وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السٌّنَّة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختُصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود, ﵃"٢.
ولم يدون شيء من التفسير في هذا العصر؛ لأن التدوين لم يكن إلا في القرن الثاني، وكان التفسير فرعًا من الحديث، ولم يتخذ شكلًا منظمًا بل كانت هذه التفسيرات تُرْوى منثورة لآيات متفرقة. من غير ترتيب وتسلسل لآيات القرآن وسوره كما لا تشمل القرآن كله.
стр. 450
التفسير في عصر التابعين:
كما اشتهر بعض أعلام الصحابة بالتفسير، اشتهر بعض أعلام التابعين الذين أخذوا عنهم من تلاميذهم بالتفسير كذلك معتمدين في مصادره على المصادر التي جاءت في العصر السابق بالإضافة إلى ما كان لهم من اجتهاد ونظر.
стр. 451
قال الأستاذ محمد حسين الذهبي: "وقد اعتمد هؤلاء المفسرون في فهمهم لكتاب الله تعالى على ما جاء في الكتاب نفسه، وعلى ما رووه عن الصحابة عن رسول الله ﷺ وعلى ما رووه عن الصحابة من تفسيرهم أنفسهم. وعلى ما أخذوه من أهل الكتاب مما جاء في كتبهم، وعلى ما يفتح الله به عليهم من طريق الاجتهاد والنظر في كتاب الله تعالى.
وقد روت لنا كتب التفسير كثيرًا من أقوال هؤلاء التابعين في التفسير قالوها بطريق الرأي والاجتهاد، ولم يصل إلى علمهم شيء فيها عن رسول الله ﷺ أو عن أحد من الصحابة.
وقد قلنا فيما سبق: إن ما نُقِل عن الرسول ﷺ وعن الصحابة من التفسيرلم يتناول جميع آيات القرآن، وإنما فسروا ما غمض فهمه على معاصريهم، ثم تزايد هذا الغموض -على تدرج- كلما بَعُد الناس عن عصر النبي ﷺ والصحابة، فاحتاج المشتغلون بالتفسير من التابعين إلى أن يكملوا بعض هذا النقص، فزادوا في التفسير بمقدار ما زاد من غموض، ثم جاء مَن بعدهم فأتموا تفسير القرآن تباعًا، معتمدين على ما عرفوه من لغة العرب ومناحيهم في القول، وعلى ما صح لديهم من الأحداث التي حدثت في عصر نزول القرآن، وغير هذا من أدوات الفهم ووسائل البحث١.
لقد اتسعت الفتوحات الإسلامية، وانتقل كثير من أعلام الصحابة إلى الأمصار المفتوحة، ولدى كل واحد منهم علم. وعلى يد هؤلاء تلقى تلاميذهم من التابعين علمهم، وأخذوا عنهم، ونشأت مدارس متعددة.
ففي مكة نشأت مدرسة ابن عباس واشتهر من تلاميذه بمكة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة مولى ابن عباس، وطاوس بن كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح.
стр. 452
وهؤلاء جميعًا من الموالي، وهم يختلفون في الرواية عن ابن عباس قلة وكثرة، كما اختلف العلماء في مقدار الثقة بهم والركون إليهم، والذي ورد فيه شيء ذو بال هو عكرمة، فإن العلماء يختلفون في توثيقه وإن كانوا يشهدون له بالعلم والفضل.
وفي المدينة اشتهر أُبَيُّ بن كعب بالتفسير أكثر من غيره، وكثر ما نُقِل عنه في ذلك. واشتهر من تلاميذه من التابعين الذين أخذوا عنه مباشرة أو بالواسطة: زيد بن أسلم، وأبو العالية، ومحمد بن كعب القرظي.
وفي العراق نشأت مدرسة ابن مسعود التي يعتبرها العلماء نواة مدرسة أهل الرأي: وعُرف بالتفسير من أهل العراق كثير من التابعين. اشتهر منهم علقمة بن قيس، ومسروق, والأسود بن يزيد، ومرة الهمذاني، وعامر الشعبي، والحسن البصري، وقتادة بن دعامة السدوسي.
هؤلاء هم مشاهير المفسرين من التابعين في الأمصار الإسلامية الذين أخذ عنهم أتباع التابعين من بعدهم. وخلَّفوا لنا تراثًا علميًّا خالدًا.
واختلف العلماء فيما أثر عن التابعين من تفسير إذا لم يؤثر في ذلك شيء عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة، أيؤخذ بأقوالهم أم لا؟
فذهب جماعة إلى أنه لا يؤخذ بتفسيرهم؛ لأنهم لم يشاهدوا القرائن والأحوال التي نزل عليها القرآن، فيجوز عليهم الخطأ في فهم المراد.
وذهب أكثر المفسرين إلى أنه يؤخذ بتفسيرهم؛ لأنهم تلقوه غالبًا عن الصحابة.
والذي يترجح أنه إذا أجمع التابعون على رأي فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره.
قال ابن تيمية: "قال شُعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين ليست حُجة، فكيف تكون حُجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حُجة على غيرهم ممن
стр. 453
خالفهم. وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حُجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حُجة على بعض ولا على مَن بعدهم، ويُرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السٌّنَّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك"١.
وقد ظل التفسير محتفظًا في هذا العصر بطابع التلقي والرواية، ولكن التابعين - بعد أن كثر دخول أهل الكتاب في الإسلام، نقلوا عنهم في التفسير كثيرًا من الإسرائيليات، كالذي يُروى عن عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، كما بدأ الاختلاف فيما يُروى عنهم من تفسير لكثرة أقوالهم. ومع هذا فإنها أقوال متقاربة أو مترادفة، فهو من باب اختلاف العبارة لا اختلاف التباين والتضاد.
стр. 454
التفسير في عصور التدوين:
بدأ التدوين في أواخر عهد بني أمية، وأوائل عهد العباسيين، وحظي الحديث بالنصيب الأول في ذلك، وشمل تدوين الحديث أبوابًا متنوعة، وكان التفسير بابًا من هذه الأبواب، فلم يُفرد له تأليف خاص يفسِّر القرآن سورة سورة، وآية آية، من مبدئه إلى منتهاه.
واشتدت عناية جماعة برواية التفسير المنسوب إلى النبي ﷺ أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين، مع عنايتهم بجمع الحديث. وفي مقدمة هؤلاء: يزيد بن هارون السلمي المتوفى سنة ١١٧ هجرية، وشُعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هجرية، ووكيع بن الجرح المتوفى سنة ١٩٧ هجرية، وسفيان بن عيينة المتوفى سنة ١٩٨ هجرية، وروح بن عبادة البصري المتوفى سنة ٢٠٥ هجرية، وعبد الرزاق بن همام المتوفى سنة ٢١١ هجرية، وآدم بن أبي إياس المتوفى سنة ٢٢٠ هجرية، وعبد بن حميد المتوفى سنة ٢٤٩ هجرية.
стр. 455
ولم يصل إلينا من تفاسيرهم شيء، وإنما رُوي ما نقل مسندًا إليهم في كتب التفسير بالمأثور.
جاء بعد هؤلاء مَن أفرد التفسير بالتأليف وجعله علمًا قائمًا بنفسه منفصلًا عن الحديث. ففسر القرآن حسب ترتيب المصحف. وذلك كابن ماجه المتوفى سنة ٢٧٣ هجرية، وابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هجرية، وأبو بكر بن المنذر النيسابوري المتوفى سنة ٣١٨ هجرية. وابن أبي حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هجرية، وأبو الشيخ بن حبان المتوفى سنة ٣٦٩ هجرية، والحاكم المتوفى سنة ٤٠٥ هجرية، وأبو بكر بن مردويه المتوفى سنة ٤١٠ هجرية.
وتفاسير هؤلاء مروية بالإسناد إلى رسول الله ﷺ وإلى الصحابة والتابعين، وأتباع التابعين مع الترجيح أحيانًا فيما يُروى من آراء، واستنباط بعض الأحكام، والإعراب عند الحاجة، كما فعل ابن جرير الطبري.
ثم جاء على أثر هؤلاء جماعة من المفسرين لم يتجاوزوا حدود التفسير بالمأثور، ولكنهم اختصروا الأسانيد، وجمعوا شتات الأقوال دون أن ينسبوها إلى قائليها، وبهذا التبس الأمر، ولم يتميز الصحيح من السقيم.
اتسعت العلوم، وتم تدوينها، وتشعبت فروعها، وكثر الاختلاف، وأثيرت مسائل الكلام، وظهر التعصب المذهبي، واختلطت علوم الفلسفة العقلية بالعلوم النقلية، وحرصت الفرق الإسلامية على دعم مذهبها فأصاب التفسير من هذا الجو غباره، وأصبح المفسرون يعتمدون في تفسيرهم على الفهم الشخصي،، ويتجهون اتجاهات متعددة، وتحكمت فيهم الاصطلاحات العلمية، والعقائد المذهبية، والثقافة الفلسفية، واهتم كل واحد من المفسرين بحشوه بما برز فيه من العلوم الأخرى، فصاحب العلوم العقلية يُعنى في تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة كفخر الدين الرازي. وصاحب الفقه يُعنى بالفروع الفقهية كالجصاص والقرطبي، وصاحب التاريخ يُعنى بالقصص والأخبار كالثعلبي والخازن، وصاحب البدعة يؤول كلام الله على مذهبه الفاسد، كالرماني والجبائي،
стр. 456
والقاضي عبد الجبار والزمخشري من المعتزلة وملا محسن الكاشي من الإمامية الاثنى عشرية. وصاحب التصوف يستخرج المعاني الإشارية كابن عربي.
هذا مع علوم النحو والصرف والبلاغة، وهكذا أصبحت كتب التفسير تحمل في طياتها الغث والثمين، والنافع والضار، والصالح والفاسد. وحمَّل كل مفسر آيات القرآن ما لا تتحمله، انتصارًا لمذهبه، وردًّا على خصومه، وفقد التفسير وظيفته الأساسية في الهداية والإرشاد ومعرفة أحكام الدين.
وبذلك طغى التفسير بالرأي على التفسير بالأثر، وتدرج التفسير في العصور المتتابعة على هذا النمط، بنقل المتأخر عن المتقدم، مع الاختصار تارة، والتعليق أخرى، حتى ظهرت أنماط جديدة في التفسير المعاصر، حيث عُني بعض المفسرين بحاجات العصر، وتناولوا في تفسيرهم الكشف عما تضمنه القرآن الكريم من أسس الحياة الاجتماعية، ومبادئ التشريع، ونظريات العلوم، كتفسير الجواهر، وتفسير المنار، والظلال.
стр. 457
التفسير الموضوعي:
وبإزاء التفسير العام في عصور التدوين كان التفسير الموضوعي للمباحث الخاصة يسير معه جنبًا لجنب، فألَّف ابن القيم كتابه: التبيان في أقسام القرآن، وألَّف أبو عبيدة كتابًا عن مجاز القرآن، وألَّف الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن، وألَّف أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ، وألَّف أبو الحسن الواحدي في أسباب النزول، وألَّف الجصاص في أحكام القرآن، وتتابعت الأبحاث القرآنية في العصر الحديث ولا يخلو واحد منها من تفسير لبعض آيات القرآن لجانب من الجوانب.
стр. 458
طبقات المفسرين:
وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نقسم طبقات المفسرين على النحو التالي:
١- المفسرون من الصحابة: واشتهر منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وأكثر من رُوِي عنه من الخلفاء الأربعة علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نَزِرَة جدًّا، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم، كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر ﵁، فقد رَوَى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال: "شهدت عليًّا يخطب وهو يقول: سلوني، فوالله، لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل".
وأما ابن مسعود فرُوِي عنه أكثر مما رُوِي عن علي، وقد أخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: "والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته" وأما ابن عباس فسنترجم له بعد إن شاء الله.
٢- المفسرون من التابعين: قال ابن تيمية: "أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس وغيرهم - وفي الكوفة أصحاب ابن مسعود - وفي المدينة زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد، ومالك بن أنس" ومن أصحاب ابن مسعود علقمة، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومن هذه الطبقة: الحسن البصري، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو العالية رفيع بن مهران
стр. 459
الرياحي، والضحاك بن مزاحم، وعطية بن سعيد العوفي. وقتادة بن دعامة السدوسي، والربيع بن أنس، والسدي - فهؤلاء قدماء المفسرين من التابعين، وغالب أقوالهم تلقوها عن الصحابة.
٣- ثم بعد هذه الطبقة: طبقة الذين صنف كثير منهم كتب التفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين، كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وآدم بن أبي إياس، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وروح بن عبادة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وآخرين.
٤- ثم بعد هؤلاء طبقات أخرى: منها علي بن أبي طلحة، وابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه، وأبو الشيخ بن حبان، وابن المنذر في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك.
٥- ثم انتصبت طبقة بعدهم: صنفت تفاسير مشحونة بالفوائد اللغوية، ووجوه الإعراب، وما أثر في القراءات بروايات محذوفة الأسانيد، وقد يضيف بعضهم شيئًا من رأيه، مثل أبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي بكر النقاش، وأبي جعفر النحاس.
٦- ثم ألَّف في التفسير طائفة من المتأخرين، فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بتراء، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل.
٧- ثم صار كل مَن سنح له قول يورده، ومَن خطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه مَن يجيء بعده ظانًّا أن له أصلًَا، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن هم القدوة في هذا الباب - قال السيوطي: رأيت في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١, نحو عشرة
стр. 460
أقوال، مع أن الوارد عن النبي ﷺ وجميع الصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافًا من المفسِّرين.
٨- صنف بعد ذلك قوم برعوا في شيء من العلوم. منهم من ملأ كتابه بما غلب على طبعه من الفن، واقتصر فيه على ما تَمَهَّر هو فيه، كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم لا غير، مع أن فيه تبيان كل شيء.
فالنحوي نراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير أوجهه المحتملة فيه، وإن كانت بعيدة وينقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كأبي حيان في البحر والنهر.
والإخباري همه القصص واستيفاؤه، والإخبار عمن سلف سواء أكانت صحيحة أو باطله. ومنهم الثعالبي.
والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه جميعًا، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية أصلًا والجواب على أدلة المخالفين، كالقرطبي.
وصاحب العلوم العقلية، خصوصًا الإمام فخر الدين الرازي، قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية. قال أبو حيان في البحر: جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير.
والمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد بحيث أنه لو لاح له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعًا له فيه أدنى مجال سَارَعَ إليه، كما نُقِل عن البلقيني أنه قال: استخرجت من الكشاف اعتزالًا بالمناقيش، منها أنه قال في قوله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ١، أي فوز أعظم من دخوله الجنة؟ أشار به إلى عدم الرؤية.
وهكذا الشأن بالنسبة إلى الملحدين وغيرهم.