والقاضي عبد الجبار والزمخشري من المعتزلة وملا محسن الكاشي من الإمامية الاثنى عشرية. وصاحب التصوف يستخرج المعاني الإشارية كابن عربي.
هذا مع علوم النحو والصرف والبلاغة، وهكذا أصبحت كتب التفسير تحمل في طياتها الغث والثمين، والنافع والضار، والصالح والفاسد. وحمَّل كل مفسر آيات القرآن ما لا تتحمله، انتصارًا لمذهبه، وردًّا على خصومه، وفقد التفسير وظيفته الأساسية في الهداية والإرشاد ومعرفة أحكام الدين.
وبذلك طغى التفسير بالرأي على التفسير بالأثر، وتدرج التفسير في العصور المتتابعة على هذا النمط، بنقل المتأخر عن المتقدم، مع الاختصار تارة، والتعليق أخرى، حتى ظهرت أنماط جديدة في التفسير المعاصر، حيث عُني بعض المفسرين بحاجات العصر، وتناولوا في تفسيرهم الكشف عما تضمنه القرآن الكريم من أسس الحياة الاجتماعية، ومبادئ التشريع، ونظريات العلوم، كتفسير الجواهر، وتفسير المنار، والظلال.
стр. 457
التفسير الموضوعي:
وبإزاء التفسير العام في عصور التدوين كان التفسير الموضوعي للمباحث الخاصة يسير معه جنبًا لجنب، فألَّف ابن القيم كتابه: التبيان في أقسام القرآن، وألَّف أبو عبيدة كتابًا عن مجاز القرآن، وألَّف الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن، وألَّف أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ، وألَّف أبو الحسن الواحدي في أسباب النزول، وألَّف الجصاص في أحكام القرآن، وتتابعت الأبحاث القرآنية في العصر الحديث ولا يخلو واحد منها من تفسير لبعض آيات القرآن لجانب من الجوانب.
стр. 458
طبقات المفسرين:
وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نقسم طبقات المفسرين على النحو التالي:
١- المفسرون من الصحابة: واشتهر منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وأكثر من رُوِي عنه من الخلفاء الأربعة علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نَزِرَة جدًّا، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم، كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر ﵁، فقد رَوَى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال: "شهدت عليًّا يخطب وهو يقول: سلوني، فوالله، لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل".
وأما ابن مسعود فرُوِي عنه أكثر مما رُوِي عن علي، وقد أخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: "والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته" وأما ابن عباس فسنترجم له بعد إن شاء الله.
٢- المفسرون من التابعين: قال ابن تيمية: "أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس وغيرهم - وفي الكوفة أصحاب ابن مسعود - وفي المدينة زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد، ومالك بن أنس" ومن أصحاب ابن مسعود علقمة، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، ومن هذه الطبقة: الحسن البصري، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو العالية رفيع بن مهران
стр. 459
الرياحي، والضحاك بن مزاحم، وعطية بن سعيد العوفي. وقتادة بن دعامة السدوسي، والربيع بن أنس، والسدي - فهؤلاء قدماء المفسرين من التابعين، وغالب أقوالهم تلقوها عن الصحابة.
٣- ثم بعد هذه الطبقة: طبقة الذين صنف كثير منهم كتب التفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين، كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وآدم بن أبي إياس، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وروح بن عبادة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وآخرين.
٤- ثم بعد هؤلاء طبقات أخرى: منها علي بن أبي طلحة، وابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن ماجه، والحاكم، وابن مردويه، وأبو الشيخ بن حبان، وابن المنذر في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك.
٥- ثم انتصبت طبقة بعدهم: صنفت تفاسير مشحونة بالفوائد اللغوية، ووجوه الإعراب، وما أثر في القراءات بروايات محذوفة الأسانيد، وقد يضيف بعضهم شيئًا من رأيه، مثل أبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي بكر النقاش، وأبي جعفر النحاس.
٦- ثم ألَّف في التفسير طائفة من المتأخرين، فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بتراء، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل.
٧- ثم صار كل مَن سنح له قول يورده، ومَن خطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه مَن يجيء بعده ظانًّا أن له أصلًَا، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن هم القدوة في هذا الباب - قال السيوطي: رأيت في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ١, نحو عشرة
стр. 460
أقوال، مع أن الوارد عن النبي ﷺ وجميع الصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافًا من المفسِّرين.
٨- صنف بعد ذلك قوم برعوا في شيء من العلوم. منهم من ملأ كتابه بما غلب على طبعه من الفن، واقتصر فيه على ما تَمَهَّر هو فيه، كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم لا غير، مع أن فيه تبيان كل شيء.
فالنحوي نراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير أوجهه المحتملة فيه، وإن كانت بعيدة وينقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كأبي حيان في البحر والنهر.
والإخباري همه القصص واستيفاؤه، والإخبار عمن سلف سواء أكانت صحيحة أو باطله. ومنهم الثعالبي.
والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه جميعًا، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية أصلًا والجواب على أدلة المخالفين، كالقرطبي.
وصاحب العلوم العقلية، خصوصًا الإمام فخر الدين الرازي، قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر العجب من عدم مطابقة المورد للآية. قال أبو حيان في البحر: جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير.
والمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد بحيث أنه لو لاح له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعًا له فيه أدنى مجال سَارَعَ إليه، كما نُقِل عن البلقيني أنه قال: استخرجت من الكشاف اعتزالًا بالمناقيش، منها أنه قال في قوله : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ١، أي فوز أعظم من دخوله الجنة؟ أشار به إلى عدم الرؤية.
وهكذا الشأن بالنسبة إلى الملحدين وغيرهم.
стр. 461
٩- ثم جاء عصر النهضة الحديثة:
فانتحى كثير من المفسرين منحًى جديدًا، في العناية بطلاوة الأسلوب، وحسن العبارة، والاهتمام بالنواحي الاجتماعية، والأفكار المعاصرة، والمذاهب الحديثة، فكان التفسير الأدبي الاجتماعي، ومن هؤلاء: محمد عبده، والسيد محمد رشيد رضا، ومحمد مصطفى المراغي، وسيد قطب، ومحمد عزة دروزة.
وللحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هجرية كتاب "طبقات المفسرين" ذكر في مقدمته أنه سيتناول المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، والمفسرين من المحَدِّثين، وأهل السٌّنَّة، والمفسرين من أهل الفرق كالمعتزلة والشيعة ونحوهم، ولكنه لم يتم، وبلغ عدد التراجم فيه ١٣٦ ترجمة وهو مرتب على الحروف الهجائية"١.
وصنف في طبقات المفسرين أيضًا الشيخ أبو سعيد صنع الله الكوزه كناني المتوفى سنة ٩٨٠ هجرية.
كما صنف فيها أحمد بن محمد الأدنه وي من علماء القرن الحادي عشر.
وللحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي المصري المتوفى سنة ٩٤٥ هجرية كتابه المشهور "طبقات المفسرين" وهو أوفى كتاب في موضوعه بالمكتبة الإسلامية، استقصى فيه الداودي تراجم أعلام المفسرين حتى أوائل القرن العاشر للهجرة، قال فيه حاجي خليفة في كشف الظنون: "وهو أحسن ما صُنف فيه"٢.
стр. 462
التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي:
التفسير بالمأثور: هو الذي يعتمد على صحيح المنقول بالمراتب التي ذُكِرت سابقًا في شروط المفسر، من تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسٌّنَّة؛ لأنها جاءت مبيِّنة لكتاب الله، أو بما رُوِي عن الصحابة؛ لأنهم أعلم الناس بكتاب الله، أو بما قاله كبار التابعين؛ لأنهم تلقوا ذلك غالبًا عن الصحابة.
وهذا المسلك يتوخى الآثار الواردة في معنى الآية فيذكرها، ولا يجتهد في بيان معنى من غير أصل، ويتوقف عما لا طائل تحته ولا فائدة في معرفته ما لم يرد فيه نقل صحيح.
قال ابن تيمية: يجب أن يُعلم أن النبي ﷺ بيَّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١, يتناول هذا وهذا، وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي٢: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن. كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، قال أنس: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا" "رواه أحمد في مسنده". وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثماني سنين، أخرجه مالك في الموطأ، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ٣، وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ٤, وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن، وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا
стр. 463
في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه. فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم"١.
ومن التابعين من أخذ التفسير كله عن الصحابة، عن مجاهد قال: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أستوقفه عند كل آية وأسأله عنها".
стр. 464
الاختلاف فيه:
والتفسير بالمأثور يدور على رواية ما نُقِل عن صدر هذه الأمة، وكان الاختلاف بينهم قليلًا جدًّا بالنسبة إلى من بعدهم، وأكثره لا يعدو أن يكون خلافًا في التعبير مع اتحاد المعنى، أو يكون من تفسير العام ببعض أفراده على طريق التمثيل، قال ابن تيمية: "والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك نوعان:
أحدهما: أن يعبِّر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال بعضهم: القرآن أي اتباعه، وقال بعضهم: الإسلام، فالقولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير الوصف الآخر.
الثاني: أن يذكر كل منهما من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، ومثاله: ما نُقِل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ٢, قيل: السابق: الذي يصلي في أول الوقت،
стр. 465
والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه: الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار – وقيل: السابق: المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد: الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم: مانع الزكاة"١.
وقد يكون الاختلاف لاحتمال اللفظ الأمرين، كلفظ "عسعس" الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، أو لأن الألفاظ التي عبر بها عن المعاني متقاربة، كما إذا فسر بعضهم "تبسل" بتحبس، وبعضهم بترهن؛ لأن كلًا منهما قريب من الآخر.
стр. 466
تجنب الإسرائيليات:
وربما كان الاختلاف فيما لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته مما وقع فيه بعض المفسرين في نقل إسرائيليات عن أهل الكتاب، كاختلافهم في أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً﴾ ١، واختلافهم في قدر سفينة نوح وخشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، وفي أسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وفي نوع شجرة عصا موسى، ونحو ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل. فما كان منه منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبي ﷺ قُبِلَ، وإلا توقفنا عنه، وإن كانت النفس تسكن إلى ما نُقِلَ عن الصحابة؛ لأن نقلهم عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين٢.
стр. 467
حكم التفسير بالمأثور:
التفسير بالمأثور هو الذي يجب اتباعه والأخذ به؛ لأنه طريق المعرفة الصحيحة. وهو آمن سبيل للحفظ من الزلل والزيغ في كتاب الله. وقد رُوِي عن ابن عباس أنه قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير
стр. 468
لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه أحد إلا الله".
فالذي تعرفه العرب هو الذي يرجع فيه إلى لسانهم ببيان اللغة.
والذي لا يعذر أحد بجهله: هو ما يتبادر فهم معناه إلى الأذهان من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد ولا لبس فيها، فكل امرئ يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ١, وإن لم يعلم أن هذه العبارة وردت بطريق النفي والاستثناء فهي دالة على الحصر.
وأما ما لا يعلمه إلا الله: فهو المغيبات، كحقيقة قيام الساعة، وحقيقة الروح.
وأما ما يعلمه العلماء: فهو الذي يرجع إلى اجتهادهم المعتمد على الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي، من بيان مُجْمل، أو تخصيص عام، أو نحو ذلك.
وقد ذكر ابن جرير الطبري نحو هذا. فقال: "فقد تبين ببيان الله جل ذكره: أن مما أنزل الله من القرآن على نبيه ﷺ ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ وذلك تأويل جميع ما فيه: من وجوه أمره -واجبه وندبه وإرشاده- وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من إحكام آية التي لم يُدرك علمها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمته، وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ﷺ له تأويله بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله.
وإن منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى ابن مريم، وما أشبه ذلك: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
стр. 469
وإن منه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموضوعات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع تاليًا يتلو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١, لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الاصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادًا، والمعاني التي جعلها الله إصلاحًا"٢.
стр. 470
التفسير بالرأي:
التفسير بالرأي: هو ما يعتمد فيه المفسر في بيان المعنى على فهمه الخاص واستنباطه بالرأي المجرد -وليس منه الفهم الذي يتفق مع روح الشريعة، ويستند إلى نصوصها- فالرأي المجرد الذي لا شاهد له مدعاة للشطط في كتاب الله، وأكثر الذين تناولوا التفسير بهذه الروح كانوا من أهل البدع الذين اعتقدوا مذاهب باطلة وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم وليس لهم سَلَف من الصحابة والتابعين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، كتفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، والجبائي، وعبد الجبار، والرماني، والزمخشري وأمثالهم.
ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة يدس مذهبه في كلام يروج على كثير من الناس كما صنع صاحب الكشاف في اعتزالياته وإن كان بعضهم أخف من بعض، فمنهم طوائف من أهل الكلام أوَّلت آيات الصفات بما يتفق مع مذهبها، وهؤلاء أقرب إلى أهل السٌّنَّة من المعتزلة، إلا أنهم حين جاءوا بما يخالف مذهب الصحابة والتابعين فقد شاركوا المعتزلة وغيرهم من أهل البدع.
стр. 471
حكم التفسير بالرأي:
وتفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل حرام لا يجوز تعاطيه، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١، وقال, ﷺ : "من قال في القرآن برأيه -أو بما لا يعلم- فليتبوأ مقعده من النار" ٢، وفي لفظ: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ".
ولهذا تحرج السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، فقد رُوِي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: "إنَّا لا نقول في القرآن شيئًا"٣.
وأخرج أبو عبيد القاسم بن سلام: "أن أبا بكر الصديق, ﵁ سئل عن الأب في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ ٤, فقال: "أي سماء تظلني؟ وأي أرض تقلني؟ إذا قلت في كلام الله ما لا أعلم"٥.
قال الطبري: "وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا: من أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يُدْرَك علمه إلا بنص بيان رسول الله ﷺ أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه -وإن أصاب الحق فيه- فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برأيه؛ لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هي إصابة خارص وظان، والقائل في دين الله بالظن، قائل على الله ما لا يعلم، وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦.
стр. 472
فهذه الآثار وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم من الكلام في التفسير بما لا علم لهم به. أما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه ولهذا رُوِي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير -ولا منافاة- لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل إنسان، ويكون الأمر أشد نكيرًا لو ترك التفسير بالمأثور الصحيح وعدل عنه إلى القول برأيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا، بل مبتدعًا؛ لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله, ﷺ ".
وقال الطبري: "فأحق المفسرين بإصابة الحق في تأويل القرآن -الذي إلى علم تأويله للعباد سبيل- أوضحهم حجة فيما تأوَّل وفسَّر, مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته، من أخبار رسول الله ﷺ الثابتة عنه، أما من جهة النقل المستفيض فيما وجد فيه من ذلك عنه النقل المستفيض، وإما من جهة نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النقل المستفيض، أو من جهة الدلالة المنصوبة على صحته، وأصحهم برهانًا -فيما ترجم وبيَّن من ذلك - مما كان مدركًا علمه من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأوِّل والمفسِّر، بعد أن لا يكون خارجًا تأويله وتفسيره ما تأول وفسَّر من ذلك، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخَلَف من التابعين وعلماء الأمة"١.
стр. 473
الإسرائيليات:
لليهودية ثقافتها الدينية التي تُستَمد من التوراة. وللنصرانية ثقافتها الدينية التي تُستَمد من الإنجيل. وقد انضوى تحت لواء الإسلام منذ ظهوره كثير من اليهود والنصارى، ولهؤلاء وأولئك ثقافتهم الدينية.
стр. 474
وقد اشتمل القرآن على كثير مما جاء في التوراة والإنجيل ولا سيما ما يتعلق بقصص الأنبياء وأخبار الأمم، ولكن القصص القرآني يجمل القول مستهدفًا مواطن العبرة والعظة دون ذكر للتفاصيل الجزئية كتاريخ الوقائع، وأسماء البلدان والأشخاص، أما التوراة فإنها تتعرض مع شروحها للتفاصيل والجزئيات، وكذلك الإنجيل.
وحيث دخل أهل الكتاب في الإسلام فقد حملوا معهم ثقافتهم الدينية من الأخبار والقصص الديني، وهؤلاء حين يقرءون قصص القرآن قد يتعرضون لذكر التفصيلات الواردة في كتبهم، وكان الصحابة يتوقفون إزاء ما يسمعون من ذلك، امتثالًا لقول رسول الله, ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا" ١, وقد يدور حوار بينهم وبين أهل الكتاب في شيء من تلك الجزئيات، ويقبل الصحابة بعض ذلك ما دام لا يتعلق بالعقيدة ولا يتصل بالأحكام، ثم يتحدثون به، لما فهموه من الإباحة في قوله, ﷺ : "بلِّغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٢. أي حدِّثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، أما ما جاء في الحديث الأول: "لا تُصدقوا أهل الكتاب ولا تُكذبوهم" فهو محمول على ما إذا كان ما يخبرون به محتملًا؛ لأن يكون صدقًا، ولأن يكون كذبًا، فلا تعارض بين الحديثين.
تلك الأخبار التي تحدث بها أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام هي التي يُطلق عليها الإسرائيليات من باب التغليب للجانب اليهودي على الجانب النصراني، حيث كان النقل عن اليهود أكثر لشدة اختلاطهم بالمسلمين منذ بدأ ظهور الإسلام. وكانت الهجرة إلى المدينة.
ولم يأخذ الصحابة عن أهل الكتاب شيئًا في تفسير القرآن من الأخبار الجزئية سوى القليل النادر. فلما جاء عهد التابعين وكثر الذين دخلوا في الإسلام من
стр. 475
أهل الكتاب كثر أخذ التابعين عنهم، ثم عظم شغف من جاء بعدهم من المفسرين بالإسرائيليات، قال ابن خلدون: "وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى ... فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم"١.
ولم يكن المفسرون يتحرون صحة النقل فيما يأخذونه من هذه الإسرائيليات، ومنها ما هو فاسد باطل، لذا كان على من يقرأ في كتبهم أن يتجاوز عما لا طائل تحته، وألا ينقل منها إلا ما تدعو إليه الضرورة وتتبين صحة نقله، ويظهر صدق خبره.
وأكثر ما يُرْوَى من هذه الإسرائيليات إنما يُرْوى عن أربعة أشخاص: هم: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد اختلفت أنظار العلماء في الحكم عليهم والثقة بهم، ما بين مجرِّح وموثِّق، وأكثر الخلاف يدور حول كعب الأحبار. وكان عبد الله بن سلام أكثرهم علمًا، وأعلاهم قدرًا. واعتمده البخاري وغيره من أهل الحديث، ولم يُنسب إليه من التُّهم ما نُسِب إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه.
стр. 476
تفسير الصوفية:
إذا أريد بالتصوف السلوك التعبدي المشروع الذي تصفو به النفس، وترغب عن زينة الدنيا بالزهد والتقشف, والعبادة.. فذلك أمر لا غبار عليه إن لم يكن مرغوبًا فيه. ولكن التصوف أصبح فلسفة نظرية خاصة لا صلة لها بالورع والتقوى والتقشف، واشتملت فلسفته على أفكار تتنافى مع الإسلام وعقيدته. وهذا هو الذي نعنيه هنا، وهو الذي كان له أثره في تفسير القرآن.
стр. 477
ويعتبر ابن عربي زعيم التصوف الفلسفي النظري وهو يفسر الآيات القرآنية تفسيرًا يتفق مع نظرياته الصوفية سواء أكان ذلك في التفسير المشهور باسمه، أو في الكتب التي تُنْسب إليه كالفصوص، وهو من أصحاب نظرية وحدة الوجود.
فهو يفسر مثلًا قوله تعالى في شأن إدريس ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّا﴾ ١, بقوله: "وأعلى الأمكنة المكان الذي يدور عليه رحى عالَم الأفلاك، وهو فَلَك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس.. ثم يقول: وأما علو المكانة فهو لنا أعني المحمديين، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ ٢, في هذا العلو وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة".
ويقول في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ٣,:"اتقوا ربكم: اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربكم، واجعلوا ما بطن منكم -وهو ربكم- وقاية لكم، فإن الأمر ذم وحمد، فكونوا وقاية في الذم، واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالِمين"٤.
فهذا التفسير ونظائره يحمل النصوص على غير ظاهرها، ويغرق في التأويلات الباطنية البعيدة، ويجر إلى متاهات من الإلحاد والزيغ.
стр. 478
التفسير الإشاري:
ومن هؤلاء المتصوفة من يدَّعي أن الرياضة الروحية التي يأخذ بها الصوفي نفسه تصل إلى درجة ينكشف له فيها ما وراء العبارات القرآنية من إشارات قدسية، وتنهل على قلبه من سُحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف
стр. 479
السبحانية، ويسمى هذا بالتفسير الإشاري، فللآية ظاهر وباطن، والظاهر: هو الذي ينساق إليه الذهن قبل غيره، والباطن هو: ما وراء ذلك من إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، وهذا التفسير الإشاري كذلك إذا أوغل في الإشارات الخفية صار ضربًا من التجهيل، ولكنه إذا كان استنباطًا حسنًا يوافق مقتضى ظاهر العربية وكان له شاهد يشهد لصحته من غير معارض، فإنه يكون مقبولًا.
ومن ذلك ما رُوِي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر: فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لِمَ تُدخِل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَن حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم. فما رُئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ١؟ فقال بعضهم: أُمْرِنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجَلُ رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ، وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ٢,فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول"٣.
قال ابن القيم: "وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون، وتفسير على المعنى: وهو الذي يذكره السلف، وتفسير على الإشارة: وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم، وهذا لا بأس به بأربعة شروط:
١- ألَّا يناقض معنى الآية.
٢- وأن يكون معنًى صحيحًا في نفسه.
стр. 480
٣- وأن يكون في اللفظ إشعار به.
٤- وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا"١.
стр. 481
غرائب التفسير:
من الناس من له شغف بالإغراب في القول وإن حاد عن الجادة، وركب مسلكًا وعرًا، فكلَّفوا أنفسهم من الأمر ما لا يطيقون، وأَعْمَلوا فِكْرهم فيما لا يُعلم إلا بالتوقيف، فخرجوا وليس في يدهم سوى ما تُسفهه عقولهم من الرعونة والغي، ولهذا عجائب في معاني آيات من القرآن نذكر من غرائبها:
١- قول من قال في ﴿الم﴾ : معنى ألف: ألف الله محمدًا فبعثه نبيًّا- ومعنى لام: لامه الجاحدون وأنكروه – ومعنى ميم: ميم الجاحدون المنكرون، من المُوم بالضم وهو البرسام، علة يهذي المعلوم فيها.
قول من قال في ﴿حم، عسق﴾ ١: إن الحاء: حرب عليٍّ ومعاوية – والميم: المروانية "نسبة إلى مروان من بني أمية" – والعين: ولاية العباسية – والسين: ولاية السفيانية - والقاف: قدوة مهدي.
стр. 482
٣- ما ذكره ابن فورك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ١, أن إبراهيم كان له صديق وصفه بأنه قلبه، أي ليسكن هذا الصديق إلى هذه المشاهدة إذا رآها عيانًا.
٤- قول أبي معاذ النحوي في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً﴾ ٢, يعني من إبراهيم نارًا، أي نورًا، هو محمد, ﷺ ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ تقتبسون الدين.
стр. 483
التعريفات بأشهر كتب التفسير
...
التعريف بأشهر كتب التفسير:
تزخر المكتبة الإسلامية بكتب التفسير بالمأثور، وكتب التفسير بالرأي، وكتب التفسير المعاصر. وبعض هذه الكتب أشهر من بعض في التداول بين أيدي القراء.
стр. 484
أشهر الكتب المؤلفة في التفسير بالمأثور:
١- التفسير المنسوب إلى ابن عباس.
٢- تفسير ابن عيينة.
٣- تفسير ابن أبي حاتم.
٤- تفسير أبي الشيخ ابن حبان.
٥- تفسير ابن عطية.
٦- تفسير ابن الليث السمرقندي "بحر العلوم".
٧- تفسير أبي إسحاق "الكشف والبيان عن تفسير القرآن".
٨- تفسير ابن جرير الطبري "جامع البيان في تفسير القرآن".
стр. 485
٩- تفسير ابن أبي شيبة.
١٠- تفسير البغوي "معالم التنزيل".
١١- تفسير أبي الفداء الحافظ ابن كثير "تفسير القرآن العظيم".
١٢- تفسير الثعالبي "الجواهر الحسان في تفسير القرآن".
١٣- تفسير جلال الدين السيوطي "الدر المنثور في التفسير بالمأثور".
١٤- تفسير الشوكاني "فتح القدير".
وسنعرف ببعض منها:
١- تفسير ابن عباس:
يُنسب إلى ابن عباس ﵁ جزء كبير في التفسير. طبع في مصر مرارًا باسم "تنوير المقباس من تفسير ابن عباس" جمعه "أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادي الشافعي". صاحب القاموس المحيط.
وابن عباس، كان بحق: "ترجمان القرآن" وكان عمر بن الخطاب يثق بتفسيره ويجله، وقد أخذ في بعض المواضع عن أهل الكتاب فيما اتفق القرآن فيه مع التوراة والإنجيل، وذلك في دائرة محدودة.
وقد اتهمه الأستاذ جولدزيهر في كتاب "المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن" بالتوسع في الأخذ عن أهل الكتاب، ونسج على منواله الأستاذ أحمد أمين في "فجر الإسلام" وتولى الرد عليهما الأستاذ محمد حسين الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون"١, فابن عباس كغيره من الصحابة ما كان يسأل علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام عن شيء يمس العقيدة، أو يتصل بأصول الدين أو فروعه، إنما كان يقبل الصواب الذي لا يتطرق إليه الشك في بعض القصص والأخبار الماضية.
стр. 486
ويمتاز ابن عباس برجوعه في فهم معاني ألفاظ القرآن إلى الشعر العربي، لمعرفته بلغة العرب وإلمامه بديوانها.
وتتعدد الروايات عن ابن عباس، وتتفاوت صحة وضعفًا، وقد تتبع العلماء هذه الروايات وكشفوا عن مبلغها من الصحة. فمن أشهر طرق هذه الروايات:
١- طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس - وهذه هي أجود الطرق عنه، وفيها قال الإمام أحمد: "إن بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا"١, وقال الحافظ ابن حجر: "وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث - رواها عن معاوية بن صالح - عن علي بن أبي طلحة - عن ابن عباس، وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس".
٢- طريق قيس بن مسلم الكوفي عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين.
٣- طريق ابن إسحاق صاحب السير، عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - وهي طريق جيدة، وإسنادها حسن.
٤- طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، تارة عن أبي مالك، وتارة عن أبي صالح عن ابن عباس، وإسماعيل السدي مُخْتَلف فيه، وهو تابعي شيعي، وقال السيوطي: "رَوَى عن السدي الأئمة مثل الثوري وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير "تفسير السدي"٢.
٥- طريق عبد الملك بن جريج عن ابن عباس - وهذه الطريق تحتاج إلى دقة في البحث، فإن ابن جريج رَوَى ما ذُكِرَ في كل آية من الصحيح والسقيم.
стр. 487
٦- طريق الضحاك بن مزاحم الهلالي عن ابن عباس - وهي طريق غير مقبولة؛ لأن الضحاك مُخْتَلف في توثيقه، وطريقه إلى ابن عباس منقطعة؛ لأنه لم يلقه. فإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، فضعيفة، لضعف بشر.
٧- طريق عطية العوفي، عن ابن عباس، وهي غير مقبولة؛ لأن عطية ضعيف وربما حسَّن له الترمذي.
٨- طريق مقاتل بن سليمان الأزدي الخراساني - ومقاتل ضعيف، يروي عن مجاهد وعن الضحاك ولم يسمع منهما، وقد كذَّبه غير واحد، ولم يوثِّقه أحد، واشتهر عنه التجسيم والتشبيه، وقال أحمد بن حنبل: "لا يعجبني أن أروي عن مقاتل بن سليمان شيئًا".
٩- طريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - وهذه أوهى الطرق، والكلبي مشهور بالتفسير، وقد قيل فيه: أجمعوا على ترك حديثه، وليس بثقة، ولا يُكتب حديثه، واتهمه جماعة بالوضع، ولذا قال السيوطي في الإتقان: "فإن انضم إلى ذلك -أي إلى طريق الكلبي- رواية محمد بن مروان السدي الصغير عنه فهي سلسلة الكذب".
ويتضح من التفسير المنسوب إلى ابن عباس أن معظم ما رُوِي عن ابن عباس في هذا الكتاب -إن لم يكن جميعه- يدور على محمد بن مروان السدي الصغير، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد عرفنا مبلغ رواية السدي الصغير عن الكلبي فيما تقدم١.
стр. 488
٢- جامع البيان في تفسير القرآن- للطبري:
يعتبر ابن جرير الطبري من الأئمة الأعلام الذين برعوا في علوم كثيرة، وتركوا تراثًا إسلاميًّا ضخمًا تناقلته العصور والأجيال، وقد أحرز شهرة واسعة بكتابيه: في التاريخ: تاريخ الأمم والملوك، والتفسير: جامع البيان في تفسير القرآن. وهما من أهم المراجع العلمية. بل إن كتابه في التفسير هو المرجع الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير بالمأثور.
ويقع تفسير ابن جرير في ثلاثين جزءًا من الحجم الكبير، وقد كان مفقودًا إلى عهد قريب، ثم قدَّر الله له الظهور حين وُجِدت نسخة مخطوطة في حيازة "أمير حائل" الأمير حمود بن الرشيد من أمراء نجد، طُبِع عليها الكتاب منذ زمن قريب، فأصبحت في يدنا معارف غنية في التفسير بالمأثور.
وهو تفسير عظيم القيمة، لا غِنى لطالب التفسير عنه، قال السيوطي: "وكتابه -يعني تفسير محمد بن جرير- أجلُّ التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين" وقال النووي: "أجمعت الأمة على أنه لم يُصنَّف مثل تفسير الطبري"١.
وتفسير الطبري أقدم كتاب وصل إلينا كاملًا في التفسير. فإن المحاولات التفسيرية قبله لم يصل إلينا شيء منها، اللهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب.
وطريقة ابن جرير في تفسيره أنه إذا أراد أن يفسر الآية من القرآن يقول: "القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا" ثم يفسر الآية مستشهدًا بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير بالمأثور عنهم، ويعرض لكل ما رُوِي في الآية، ولا يقتصر على مجرد الرواية، بل يوجه الأقوال ويرجح بعضها على بعض، كما يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، ويستنبط بعض الأحكام.
стр. 489
وقد يقف من السند موقف الناقد البصير أحيانًا، فيعدِّل من رجال الإسناد، ويجرِّح مَن يجرِّح منهم، ويرد الرواية التي لا يثق بصحتها.
ويعتني ابن جرير بذكر القراءات وتوجيهها، ويقال: إنه ألَّف فيها مؤلَّفًا خاصًّا.
ومع روايته الأخبار المأخوذة من القصص الإسرائيلي فإنه كثيرًا ما يتعقبها بالبحث.
ويعتمد ابن جرير على الاستعمالات اللغوية بجانب الروايات المنقولة، ويستشهد بالشعر القديم، ويهتم بالمذاهب النحوية، ويحتكم إلى المعروف من لغة العرب، ويعالج الأحكام الفقهية مجتهدًا، فيذكر أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك برأي يختاره لنفسه ويرجحه.
ويناقش مسائل العقيدة مناقشة فاحصة، يرد فيها على الفرق ومذاهب أهل الكلام، وينتصر لأهل السٌّنَّة والجماعة.
وقد طبعت دار المعارف بمصر كتابه، في إخراج حسن، وخرَّج أحاديثه الأستاذ أحمد محمد شاكر, ولكن هذه الطبعة لم تتم، مع عظيم نفعها، والعناية بتحقيقها.
٣- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز - لابن عطية:
ابن عطية من قضاة الأندلس المشهورين، نشأ في بيت علم وفضل، وكان فقيهًا جليلًا، عارفًا بعلوم الحديث والتفسير واللغة والأدب، ذكي الفؤاد، حسن الفهم، من أعيان مذهب المالكية. وكتابه في التفسير يسمى "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز".
وقد لخص فيه ابن عطية ما رُوِيَ من التفسير بالمنقول وأضفى عليه من روحه العلمية الفياضة ما أكسبه دقة ورواجًا، والكتاب يقع في عشر مجلدات كبار وكان مخطوطًا إلى عهد قريب ثم طُبِع في المغرب سنة ١٩٧٥ بتحقيق "المجلس العلمي بفاس-مديرية الشئون الإسلامية- المملكة المغربية" والكتاب له
стр. 490
شهرته، وينقل عنه كثير من المفسرين. وهو كثير الاهتمام بالشواهد الأدبية، والصناعة النحوية. ويقارن أبو حيان في مقدمة تفسيره بينه وبين تفسير الزمخشري فيقول: "وكتاب ابن عطية أنقل، وأجمع، وأخلص، وكتاب الزمخشري ألخص وأغوص".
ويعقد ابن تيمية مقارنة بين الكتابين كذلك فيقول: "وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري، وأصح نقلًا وبحثًا، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير".
ويقول ابن تيمية كذلك: "وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسُّنة والجماعة، وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل. فإنه كثيرًا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري -وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرًا- ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كان أقرب إلى السٌّنَّة من المعتزلة"١.
٤- تفسير القرآن العظيم - لابن كثير:
كان عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمرو بن كثير إمامًا جليلًا حافظًا. أخذ عن ابن تيمية، واتبعه في كثير من آرائه. وشهد له العلماء بغزارة علمه في التفسير والحديث والتاريخ، وكتابه في التاريخ "البداية والنهاية" مرجع أصيل للتاريخ الإسلامي. وكتابه في التفسير "تفسير القرآن العظيم" من أشهر ما دُوِّن في التفسير بالمأثور، ويأتي في المرتبة الثانية بعد كتاب ابن جرير، فهو يفسِّر كلام الله بالأحاديث والآثار مسندة إلى أصحابها، مع الكلام عما
стр. 491
يحتاج إليه جرحًا وتعديلًا، وترجيح بعض الأقوال على بعض، وتضعيف بعض الروايات وتصحيح بعضها الآخر.
ويمتاز ابن كثير بأنه ينبه في كثير من الأحيان إلى ما في التفسير بالمأثور من منكرات الإسرائيليات، كما يذكر أقوال العلماء في الأحكام الفقهية، ويناقش مذاهبهم وأدلتهم أحيانًا.
وتفسير ابن كثير طُبِع مع "معالم التنزيل" للبغوي، وطُبِع مستقلًا في أربعة أجزاء كبار، وقام الشيخ أحمد محمد شاكر بطبعه قبيل وفاته بعد أن جرَّده من الأسانيد.
стр. 492
أشهر الكتب المؤلفة في التفسير بالرأي
مدخل
...
أشهر الكتب المؤلفة في التفسير بالرأي:
١- تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم.
٢- تفسير أبي علي الجبائي.
٣- تفسير عبد الجبار.
٤- تفسير الزمخشري "الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل، في وجوه التأويل".
٥- تفسير فخر الدين الرازي "مفاتيح الغيب".
٦ - تفسير ابن فورك.
٧- تفسير النسفي "مدارك التنزيل وحقائق التأويل".
٨- تفسير الخازن "لباب التأويل في معاني التنزيل".
٩- تفسير أبي حيان "البحر المحيط".
١٠- تفسير البيضاوي "أنوار التنزيل وأسرار التأويل".
١١- تفسير الجلالين: جلال الدين المحلي، وجلال الدين السيوطي.
стр. 493
أما جلال الدين المحلي، فقد ابتدأ تفسيره من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بتفسير الفاتحة، وبعد أن أتمها اختارته المنية فلم يفسِّر ما بعدها.
وأما جلال الدين السيوطي، فقد جاء بعد الجلال المحلي فكمَّل تفسيره، فابتدأ بتفسير سورة البقرة وانتهى عند آخر سورة الإسراء، ووضع تفسير الفاتحة في آخر تفسير الجلال المحلي لتكون ملحقة به.
وكثيرًا ما يخطئ بعض الناس في هذا التقسيم.
١٢- تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن".
١٣- تفسير أبي السعود "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم".
١٤- تفسير الآلوسي "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني".
وسنعرف ببعض منها:
١- مفاتيح الغيب - للرازي:
فخر الدين الرازي من العلماء المتبحرين الذين نبغوا في العلوم النقلية والعلوم العقلية، واكتسب شهرة عظيمة طوفت به في الآفاق، وله مصنفات كثيرة، ومن أهم مصنفاته تفسيره الكبير، المسمى بـ "مفاتيح الغيب".
ويقع هذا التفسير في ثماني مجلدات كبار، وتدل الأقوال على أن الفخر الرازي لم يتمه. وتتضارب الآراء في الموضع الذي انتهى إليه في تفسيره، وفيمن أتمه بعده. ويعلِّق على هذا الشيخ محمد الذهبي فيقول: "والذي أستطيع أن أقوله كحَلٍّ لهذا الاضطراب، هو أن الإمام فخر الدين كتب تفسيره هذا إلى سورة الأنبياء، فأتى بعده شهاب الدين الخوبي فشرع في تكملة هذا التفسير ولكنه لم يتمه، فأتى بعده نجم الدين القمولي فأكمل ما بقي منه، كما
стр. 494
يجوز أن يكون الخوبي أكمله إلى النهاية، والقمولي كتب تكملة أخرى غير التي كتبها الخوبي، وهذا هو الظاهر من عبارة صاحب كشف الظنون"١.
والقارئ لهذا التفسير لا يجد تفاوتًا في المنهج والمسلك، ولا يستطيع أن يميِّز بين الأصل والتكملة.
ويهتم الفخر الرازي ببيان المناسبات بين آيات القرآن وسوره، ويُكْثِر من الاستطراد إلى العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية والفلسفية ومباحث الإلهيات على نمط استدلالات الفلاسفة العقلية، ويذكر مذاهب الفقهاء، ومعظم ذلك لا حاجة إليه في علم التفسير.
فكتابه موسوعة علمية في علم الكلام، وفي علوم الكون والطبيعة، وبهذا فَقَدَ أهميته كتفسير للقرآن الكريم.
٢- البحر المحيط - لأبي حيان:
كان أبو حيان الأندلسي الغرناطي على جانب كبير من المعرفة باللغة، وكان على علم واسع في التفسير، والحديث، وتراجم الرجال، ومعرفة طبقاتهم، خصوصًا المغاربة، وله مؤلفات كثيرة، أهمها تفسيره "البحر المحيط".
ويقع هذا التفسير في ثماني مجلدات كبار، وهو مطبوع متداول، ويهتم أبو حيان فيه بذكر وجوه الإعراب، ومسائل النحو، ويتوسع في هذا فيذكر الخلاف بين النحويين، ويناقش ويجادل، حتى أصبح الكتاب أقرب ما يكون إلى كتب النحو منه إلى كتب التفسير.
وينقل أبو حيان في تفسيره كثيرًا من تفسير الزمخشري وتفسير ابن عطية. ولا سيما ما يتعلق بمسائل النحو ووجوه الإعراب، ويتعقبها كثيرًا بالرد،
стр. 495
ويحمل على الزمخشري أحيانًا حملات قاسية، وإن كان يشيد بما له من مهارة فائقة في تجلية بلاغة القرآن وقوة بيانه.
ولا يرضى أبو حيان عن اعتزاليات الزمخشري فينقدها ويردها بأسلوب ساخر، ويعتمد في أكثر نقوله على كتاب "التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير" وهو لشيخه: جمال الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان المقدسي المعروف بابن النقيب، ويذكر أبو حيان عنه أنه أكبر كِتاب صُنِّف في علم التفسير، يبلغ في العدد مائة سِفْر أو يكاد.
٣- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري:
كان الزمخشري عالِمًا عبقريًّا فذًّا في النحو واللغة والأدب والتفسير، وآراؤه في العربية يستشهد علماء اللغة بها لأصالتها ودقتها.
والزمخشري معتزلي الاعتقاد، حنفي المذهب، ألَّف كتاب "الكشاف" بما يدعم عقيدته ومذهبه.
واعتزاليات الزمخشري في تفسيره أمارة على حذقه ودهائه ومهارته، فهو يأتي بالإشارات البعيدة ليضمنها معنى الآية في الانتصار للمعتزلة والرد على خصومهم. ولكنه في الجانب اللغوي كشف عن جمال القرآن وسحر بلاغته لما له من إحاطة بعلوم البلاغة والبيان والأدب والنحو والتصريف، فكان مرجعًا لُغويًّا غنيًّا، وهو يشير في مقدمته إلى هذا فيذكر أن مَن يتصدى للتفسير لا يغوص على شيء من حقائقه، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما "علم المعاني"، و"علم البيان". وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقيب