فصل حق كلمة التوحيد
وأما حقها ١ فقال الحافظ ابن رجب في "شرح الأربعين": على حديث ابن عُمَر "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا" ٢ إلخ وتقدم، فقوله ﷺ "إلا بحقها" ٣ وفي رواية: "إلا بحق الإسلام" ٤ قد سبق أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهأدخل في هذا الحق فعل الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج أيضا. ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد روي تفسير حقها بذلك.
خرج الطَبَرَانِيُّ وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ من حديث أنس عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله قيل: وما حقها؟ قال: زِنا بعد إِحْصان، وكُفْر بعد إيمان، وقَتْل نفسٍ فيقتل بها"٥.
ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزَّانِي، والنَّفس بالنفس، والتارِك لدينه المُفارِق للجماعة"٦ انتهى.
وقد ذكر ابن رجب في شرح هذا الحديث أنه قد ورد قتل المسلم بغير هذه الثلاث، فمنها اللُّواط، ومنها من أتَى ذَاتَ مَحْرَمٍ، ومنها الساحِر، وذكر غير ذلك.
стр. 247
وأما لازمها، فالظاهر لي -والله أعلم- أنه داخل في حكمها وحقها المتقدمين، فتأملهما ١.
فصل نواقض كلمة التوحيد
وأما نواقضها، فقال في "المطلع على أبواب المقنع": "النواقض واحدها ناقض، وهو اسم فاعل من نقض الشيء إذا أفسده، فنواقض الوضوء مفسداته"، انتهى. ومنه "انقض الأمر بعد استقامته": فسد.
فنسأل الله الرحمن الرحيم، اللطيف الكريم، أن يحفظ علينا ديننا، وأن يمتِّعنا به، ويزيدَ إيماننا، وأن يدخلنا جنته برحمته، وأن يعيذنا من أليم نقمته، إنه جَوَادٌ كريم، ويجيب دعوة العباد.
فأما نواقض "لا إله إلا الله" فعسيرٌ إحصاؤها، ولا يكاد يُطاق استقصاؤها، وقد تقدم في معنى "لا إله إلا الله" وفي حكمها جمل من نواقضها، فتأمله، فنحيلك على باب المرتد.
قول الفقهاء في حكم المرتد.
قال في "الإقناع" وشرحه -وهو العمدة عند متأخري الحنابلة "باب حكم المرتد"-: "وهو الذي يكفر بعد إسلامه؛ نطقا أو اعتقادا أو شكا أو فعلا، ولو كان هازلا".
стр. 248
وأجمعوا على وجوب قتل المرتد، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو صفة من صفاته أو اتخذ له -أي الله- صاحبة أو ولدا، كفر، ومن ادَّعى النبوة أو صدَّق من ادَّعَاها أو جحد البعث، أو سب الله ورسوله، أو استهزأ بالله أو كتبه أو رسله، كفر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١.
وقال الشيخ أبو العباس أحمد بن تيمية: "أو كان مبغضا لرسوله، أو لما جاء به الرسول اتفاقا". وقال أيضا: "أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم إجماعا". أي: كفر؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ انتهى من "الإقناع" وشرحه.
فتأمل قوله: "وهو الذي يكفر بعد إسلامه، فإن ظفرت بهذا الباب، ففيه ما يكشف الحجاب.
ونحيلك أيضا على كتاب "الإِعلام بقواطِعِ الإسلام" تأليف شهاب الدِّين أحمد بن حَجَرٍ الهَيْتَمِيّ الشَّافِعِيّ، فإنه ذكر فيه الألفاظ والأفعال التي توقع في الكفر عند الأئمة، حتى إنه ذكر أن العزمَ على الكفرِ كفرٌ في الحال.
الردة التي وقعت بعد وفاة النبي ﷺ .
ونحيلك -أيضا- على نبذة ألفها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وذكر في آخرها سبع قصص.
"أولاهن" قصة الرِّدَّة بعد وفاته ﷺ وصورتها أن العرب افترقت في رِدَّتِها؛ فطائفة رجعت إلى عبادة الأصنام، وقالوا: لو كان نبيا ما مات. وطائفة قالت: نؤمن بالله ولا نصلي. وطائفة أقرَّت بالإسلام وصلُّوا، ولكن منعوا الزكاة. وطائفة شهدوا أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله، ولكن صدَّقوا مُسَيْلِمَة الكَذَّاب: أن النبي ﷺ أشركه معه في النبوة، ولم يشُك أحد من الصحابة في كفر من ذكرنا إلا مانعي الزكاة، فناظر أبو بكر عمر فيهم، فاقتنع عمر، وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر، فقاتلوهم.
стр. 249
"الثانية" قصة وقعت في زمن الخلفاء الراشدين، وهي أن بقايا بني حَنِيفة لما رجعوا إلى الإسلام وتبرءوا من مسيلمة تحملوا إلى الثغر بأهليهم، فنزلوا الكوفة، فسمع منهم كلام معناه: أن مسيلِمة على حق، وهم جماعة، فجمع عبد الله بن مسعود من عنده من الصحابة فاستشارهم، فاستتاب بعضهم وقتل بعضهم. وهذه القصة في "صحيح البخاري".
"الثالثة" قصة أصحاب عَلِيٍّ بن أبي طَالِب رضي الله عنهلما اعتقدوا فيه الإلهية، فدعاهم إلى التوبة فأبوا، فخدَّ لهم الأخاديد، فأضرم فيها النار، فقذفهم فيها وهم أحياء، وأجمع الصحابة وأهل العلم على كفرهم.
"القصة الرابعة" قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وهو رجل ظهر في العراق زمن التابعين يطلب بدم الحسين وأهل بيته، فقتل عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، واستولى على العراق، وأظهر شرائع الإسلام، ونصب القضاة والأئمة من أصحاب ابن مسعود، وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة والجماعة، لكن في آخر أمره ادَّعَى أمورا باطلة، وغلا غلوًّا فاحشا، وزعم أنه يوحى إليه، فسيَّر إليه عبد الله بن الزبير جيشا فهزم جيشه فقتلوه. وأجمع العلماء على كفر المختار بن أبي عبيد هذا.
"الخامسة" ما وقع في زمن التابعين، وهي قصة الجَعْد بن دِرْهَم، وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة، فلما جحد صفات الله ضحَّى به خَالد بنُ عبد الله القَسْرِيّ ب"واسط" يوم الأضحى وقال: "يا أيها الناس، ضحُّوا تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجَعْدِ بنِ دِرْهَم؛ فإنه يزعم أن الله لم يَتَّخِذ إبراهيم خليلا، ولم يُكَلِّم موسى تكليما." ثم نزل فذبحه، ولم نعلم أحدا من العلماء أنكر عليه ذلك، بل ذكر ابن القيم في "النونية" إجماعهم على استحسانه فقال:
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان
...
...
ثم ذكر قصة بني عبيد الله القداح، ثم ذكر قصة التتار. اه ملخصا من كلام الشيخ المتقدم ذكره.
стр. 250
وذكر القاضي عِيَاض في كتاب "الشفاء" أن رجلا -لما أتى مطر يسير- قال: "ابتدأ الخراز يرش سيوره، وهو قريب للملك". فلم يأمر القاضي بقتله مداراة للملك، فغضب المسلمون عليه، ورفعوا أمره إلى السلطان، فأمر السلطان بقتل قريبه، وأمر بعزل القاضي الذي تركه مداراة، انتهى.
فكل هؤلاء -الذين ذكرنا- لما نقضوا "لا إله إلا الله" جرى عليهم ما ذكرنا، والله أعلم.
فصل في بيان فضل لا إله إلا الله
فاعلم أنه لو لم يكن في بيان فضلها إلا كونها علما على الإيمان في الشرع تعصم الدماء والأموال إلا بحقها، وكون إيمان الكافر موقوفا على النطق بها لكان كافيا للعقلاء، كيف وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة؟.
فمنها قوله ﷺ : "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له"١ رواه مالك في المُوَطَّأ. زاد الترمذي في روايته: "له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ٢.
وروى النسائي أنه ﷺ قال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" ٣.
وروى الترمذي أن النبي ﷺ قال: "التسبيح نصف الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه" ٤.
وقال ﷺ "ما قال أحد: لا إله إلا الله مخلصا من قلبه إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتُنِبَت الكبائر" ٥.
وقال ﷺ "أتاني آتٍ من ربي، فأخبرني أنه من مات يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فله الجنة، فقال له أبو ذر: وإنْ زنى أو سرق؟ قال: وإن زنى أو سرق، كررها
стр. 251
ثلاثا، كل ذلك يقول: وإن زَنَى وإن سرق، وقال في الثالثة: رغم أنف أبي ذر".
وقال ﷺ "من دخل القبر بلا إله إلا الله خلصه الله من النار".
وقال ﷺ "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله. خالصا من قلبه".
وقال ﷺ "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة".
وعنه ﷺ "لا إله إلا الله مفتاح الجنة".
وعنه ﷺ أنه قال: "من لُقِّن عند الموت لا إله إلا الله دخل الجنة".
وفي "الإحياء" عنه ﷺ "لو جاء قائل لا إله إلا الله صادقا بقراب الأرض ذنوبا غفر له" وقال: "لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد عن الله شرود البعير عن أهله، فقيل: يا رسول الله من يأبى؟ قال: من لم يقل لا إله إلا الله".
فأكثِرُوا من قول لا إله إلا الله من قبل أن يحال بينكم وبينها؛ فإنها كلمة التوحيد، وهي كلمة الإخلاص، وهي كلمة التقوى، وهي الكلمة الطيبة، وهي دعوة الحق، وهي العُروة الوُثْقَى، وهي ثمن الجنة.
وفي "الإحياء" أيضا قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الأِحْسَانِ إِلا الأِحْسَانُ﴾ ١ فقيل: الإحسان في الدنيا لا إله إلا الله، وفي الآخرة الجنة. اه ملخصا من "فاكهة القلوب والأفواه".
فوائد لا إله إلا الله
أما فائدة لا إله إلا الله فقال أهل اللغة: الفائدة ما استفدته من علم أو مال، وما أفادت له فائدة أي حصلت: وأفدت المال استفدته.
وقال في فاكهة القلوب والأفواه:
стр. 252
فصل "في الفوائد التي تحصل لذاكر هذه الكلمة المشرقة وهي كثيرة"
فمنها الزهد، ونعني به خلو الباطن من الميل إلى فانٍ، وفراغ القلب من الثقة إلى زائل، وإن كانت اليد معمورة بمتاع حلال فعلى سبيل العارية.
ومنها التوكل، وهو ثقة القلب بالوكيل الحق، بحيث يسكن عن الاضطراب عند تعذر الأسباب ثقة بمسبب الأسباب، ولا يقدح في توكله تلبس ظاهره بالأسباب إذا كان قلبه فارغا منها.
ومنها الحياء بتعظيم الله بدوام ذكره، والتزام امتثال أمره ونهيه، والإمساك عن الشكوى إلى العجزة.
ومنها الغناء، وهو غناء القلب بسلامته من فتن الأسباب، فلا يعترض على الأحكام ب "لو، ولعل"؛ لعلمه بمن صدرت عنه .
ومنها الفتوة، وهي التجافي عن مطالبة الخلق بالإحسان إليه ولو أحسن إليهم؛ لعلمه بأن إحسانه وإساءتهم إليه، كل ذلك مخلوق لله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
ومنها الشكر، وهو إفراد القلب بالثناء على الله تعالى، ورؤية النعم في طي النقم.
ومنها وضع البركة في الطعام ونحوه، حتى يكثر القليل ويكفي اليسير، وهذا مشاهد لأولياء الله تعالى. انتهى ملخصا.
"قلت" ومنها أنها تعصم الدم والمال لمن قالها إلا بحقها كما تقدم.
ومنها أن من مات عليها دخل الجنة؛ لحديث معاذ مرفوعا: "من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله. دخل الجنة" ٢ رواه أحمد والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وغيره من الأحاديث الدالة على ذلك، وقد تقدم بعضها، والله أعلم.
تحقيق معنى كلمة التوحيد وإيضاحه
ثم بعد نقل هذه الرسالة من الكتب المذكورة -مع ما فتح الله به- سنح لي أن
стр. 253
ذكر كلاما ذكره الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن رجب -المتقدم ذكره- على كلمة الإخلاص يليق ذكره هنا، فإنه ذكر شيئا من تحقيق لا إله إلا الله، وتحقيق أن مُحَمَّدًا رسول الله، وما تقتضي لا إله إلا الله وشيئا من أنواع العبادة، وشيئا من الشرك، وشيئا من فضل لا إله إلا الله.
قال ﵀ في أثناء كلامه: فتحققه بقول لا إله إلا الله أن لا يؤله القلب غير الله؛ حبا ورجاء، وخوفا وتوكلا، واستعانة وخضوعا، وإنابة وطلبا.
وتحققه بأن مُحَمَّدًا رسول الله، أن لا يعبد الله بغير ما شرعه على لسان مُحَمَّدٍ ﷺ وقد جاء هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ﷺ صريحا أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة، قيل: ما إخلاصها يا رسول الله؟ قال: أن تحجزك عما حرَّم الله عليك" ١ وهذا يُروى من حديث أنس بن مالك وزيد بن أرقم، ولكن إسنادهما لا يصح، وجاء أيضا من مراسيل الحسن نحوه.
وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: "لا إله إلا الله" يقتضي أن لا إله غير الله، والإله هو الذي يطاع فلا يعصى؛ هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفا ورجاء، وتوكلا عليه، وسؤالا منه، ودعاء له، ولا يصح ذلك كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي من خصائص الإلهية- كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول "لا إله إلا الله"، ونقصا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك؛ ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه، أو التوكل عليه، أو العمل لأجله.
كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة، مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: ما لي إلا الله وأنت.
стр. 254
وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر، كالطيرة والرقى المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون.
وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادِح في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي مَنْشَؤها من اتباع هوى النفس أنها كفر وشرك كقتال المسلم، ومن أتى حائضا أو امرأة في دُبُرِها، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرج من الملة بالكلية، ولهذا قال السلف: "كفر دون كفر، وشرك دون شرك".
وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع، قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ١ قال الحَسَن: "هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه". وقال قَتَادَة: "هو الذي كلما هوى شيئا ركبه، وكلما اشتهى شيئا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى".
ورُوي من حديث أبي أُمَامَةَ مرفوعا بإسناد ضعيف: "ما تحت السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع".
وفي حديث آخر: " لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن أصحابها حتى يؤثروا دنياهم على دينهم، فإذا فعلوا ذلك ردت عليهم، وقيل لهم: كذبتم".
ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ "تَعِسَ عبد الدينار، تَعِسَ عبد الدرهم، تَعِسَ عبد القطيفة، تَعِسَ عبد الخميصة، تَعِسَ وانْتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَش"٢ فدل هذا على أن كل من أحب شيئا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله فهو عبده، وذلك الشيء معبوده وإلهه.
ويدل عليه أيضا أن الله -تعالى- سمَّى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان، كما قال تعالى: ﴿لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ٣ وقال تعالى- حاكيا:
стр. 255
عن خليله إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً﴾ ١.
فمن لم يحقق عبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له ولم يخلص من عبادة الشيطان، إلا من أخلص عبودية الرحمن، وهم الذين قال فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ٢فهم الذين حققوا قول: "لا إله إلا الله"، وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إلى غير الله، محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلا، وهم الذين صدقوا في قول "لا إله إلا الله"، وهم عباد الله حقا.
فأما من قال: "لا إله إلا الله" بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ٣ ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٤.
فيا هذا، كن عبدًا لله لا عبدا للهوى؛ فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٥ " تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار" ٦.
والله ما ينجو غدا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده، ولم يلتفت معه إلى شيء من الأغيار.
من علم أن إلهه ومعبوده فرد فليفرده بالعبودية، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا.
كان بعض العارفين يتكلم على أصحابه على رأس جبل، فقال في كلامه: لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردا بفرد، فانزعج واضطرب حتى رأى أصحابه أن الصخور قد تدَكْدَكَت، وبقي على ذلك ساعات، فلما أفاق فكأنه نشر من قبره.
قَول "لا إله إلا الله"، يقتضي أن لا يحب سواه؛ فإن الإله هو الذي يطاع محبة وخوفا ورجاء، ومن تمام محبته محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئا مما يكرهه الله أو كره شيئا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول لا إله
стр. 256
إلا الله،
وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله، وما أحبه مما يكرهه الله، قال تعالى:? ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم﴾ ١.
قال لَيْثُ بنُ سَعْدٍ عن مُجَاهِد في قوله تعالى: ﴿لا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ قال: "لا يحبون غيري".
وفي "صحيح الحاكم" عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب الذرة على الصفا ٣ في الليلة الظلماء وأدناه أن يحب على شيء من الجور أو يبغض على شيء من العدل".
وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٤.
وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي. وقال الحسن: "اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته".
وسُئل ذو النُّون: متى أحب ربي؟ قال: "إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر".
وقال بِشْرُ بنُ السَّرِيِّ: "ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك". وقال أبو يعقوب النَّهرَجورِيُّ: "كل من ادَّعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة". وقال رُوَيْم: "المحبة: الموافقة في جميع الأحوال". وأنشد:
ولو قلت لي: مِتْ, مِتُّ سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت: أهلا ومرحبا
ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٥ قال الحسن: قال أصحاب رسول الله ﷺ "إنا نحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله هذه الآية".
ومن هنا يُعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن مُحَمَّدًا رسول الله، فإذا علم أنه لا يتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من طريق الرسول، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله.
стр. 257
وتصديقه ومتابعته؛ ولهذا قَرَنَ الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ َحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ كما قَرَنَ طاعته بطاعة رسوله في مواضع كثيرة.
وقال ﷺ "ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" ٢.
هذه حال السحرة لما سكنت المحبة قلوبهم سمحوا ببذل نفوسهم، وقالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٣.
ومتى تمكنت المحبة في القلب، لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب، وهذا هو معنى الحديث الإلهي الذي خرَّجه البُخَارِيُّ في صحيحه، وفيه: "ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" ٤ وقد قيل في بعض الروايات: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يمشي".
والمعنى أن محبة الله -إذا استغرق بها القلب واستولت عليه- لم تنبعث الجوارح إلا إلى رضاء الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة بإرادة مولاها عن مرادها وهواها.
يا هذا، اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ ٥ ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يرد صاحبها إلا ما يريد مولاه.
وفي بعض الكتب السابقة: من أحب الله لم يكن شيء عنده آثر من رضاه، ومن أحب الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: ما نظرت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر على طاعة أو على
стр. 258
معصية، فإن كانت على طاعة تقدمت، وإن كانت على معصية تأخرت. هذا حال خواص المحبين الصادقين.
فافهموا -رحمكم الله- هذا؛ فإنه من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. وإلى هذا المقام أشار ﷺ في خطبته لما قدم المدينة حيث قال: "أحِبُّوا الله من كل قلوبكم"وقد ذكرها ابن إسحاق وغيره. فإنه من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إرادة النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل بقوله:
أَرَوحُ وقَدْ خَتَمْتُ عَلَى فُؤَادِي ... بحبِّك أَنْ يَحُلَّ بِهِ سِواكَا
فَلوْ أنِّي استَطَعْت غَضَضْت طَرفيِ ... فَلَمْ أَنْظُرْ بهِ حَتَّى أَرَاكَ
أُحبُّك لا بِبَعْضِي, بَلْ بِكُلِّي ... وَإِنْ لَمْ يُبقِ حُبُّكَ لِي حِرَاكَ
وفي الأحْبَابِ مَخْصُوصٌ بوَجدٍ ... وآخرٌ يَدَّعِي مَعَهُ اشْتِرَاكَ
إذا اشتَبَكَت دُموعٌ في خُدُودٍ ... تَبَينَ مَنْ بَكى مِمَنْ تَبَاكَى
ومتى بقي للمحب حظ من نفسه فما بيده من المحبة إلا الدعوى؛ إنما المحب من يفنى عن كل هوى ويبقى بحبيبه "فبي يسمع وبي يبصر" القلب بيت الرب، وفي بعض الإسرائيليات: ما وسعني سمائي ولا أرضي وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن.
فمتى كان القلب فيه غير الله فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى. الحق غيور يغار على عبده المؤمن أن يسكن في قلبه سواه، أو أن يكون فيه شيء لا يرضاه.
أَرَدْنَاكُم صَرفًا فلَّمَا مزَجْتُم ... بَعَدتُم بِمقْدَار التِفَاتِكم عَنَّ
وقُلْنَا لَكُم لا تُسْكِنُوا القَلْبَ غَيْرَنَا ... فأَسْكَنْتُم الأَغْيَار مَا أَنْتُم مِنَّا
لا ينجو غدا إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ١ السليم هو الطاهر من أدناس
стр. 259
المخالفات، فأما المُتَلَطِّخُ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة القدس إلا بعد أن يُصهر في كِير العذاب، فإذا زال عنه الخَبَث صلح حينئذ للمجاورة "إنَّ الله طيبٌ لا يقْبَلُ إلا طيِّبًا"فأما القلوب الطيبة فتصلح للمجاورة من أول الأمر ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ١ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ ٢.
من لم يحرق قلبه اليوم بنار الأسف على ما أسلف، أو بنار الشوق إلى لقاء الحبيب، فنار جهنم له أشد حرًّا، ما يحتاج للتطهير بنار جهنم إلا من لم يكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه.
أول من تُسَعَّر بهم النار من الموحدين العباد المُراءون بأعمالهم، وأولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء؛ لأن يسير الرياء شرك.
ما نظر المُرائي إلى الخلق بعمله إلا لجهله بعظمة الخالق.
المرائي يُزوِّر التوقيع على اسم الملك؛ ليأخذ البراطيل لنفسه، ويوهم أنه من خاصة الملك، وهو ما يعرف الملك بالكلية.
نقش المرائي على الدرهم الزائف اسم الملك ليروج، والبهرج لا يجوز إلا على غير الناقد، وبعد أهل الرياء يدخل النار أصحاب الشهوات وعبيد الهوى، الذين أطاعوا هواهم، وعصوا مولاهم. وأما عبيد الله حقا فيقال لهم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ٣.
جهنم تنطفي بنور إيمان الموحدين، في الحديث: "تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمن؛ فقد أطفأ نورك لهبي".
وفي المسند عن جابر عن النبي ﷺ "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم"هذا ميراث ورثه المحبون من حال الخليل ﵇.
стр. 260
نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم، قال الجنيد: "قالت النار: يا رب، لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء؟ قال: نعم؛ كنت أسلط عليك ناري الكبرى. قالت: وهل نار أعظم مني وأشد؟ قال: نعم؛ نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين" ١.
في الحديث: "من أصبح وهمه غير الله فليس من الله" قال بعضهم: من أخبرك أن وليه له هم في غيره فلا تصدقه.
وكان داود الطائي يقول: "همك عطل على الهموم، وحالف بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب.
ما لي شغل سواه ما لي شغل ... ما يصرف عن هواه قلبي عذل
ما أصنع إن جفا وخاب الأمل ... مني بدل ومنه ما لي بدل
إخواني: إذا فهمتم هذا المعنى فهمتم معنى قوله ﷺ "من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار"فأما من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر سوى الله فمن قلة الصدق في قولها.
من صدق في قول لا إله إلا الله لم يحب سواه، لم يرْجُ سواه، لم يخْشَ أحدا إلا الله، لم يتوكل إلا على الله، لم يبق له بقية من أثر نفسه وهواه.
ومع هذا، فلا تظنوا أن المحب مطالب بالعصمة؛ وإنما هو مطالب كلما زلَّ أن يتلافى تلك الوصمة، قال زيد بن أسلم: "إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك " ٢ وقال الشعبي: "إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب".
стр. 261
وتفسير هذا الكلام: أن الله له عناية بمن يحبه من عباده، فكلما زلق ذلك العبد في هوة الهوى أخذ بيده إلى النجاة، ويسّر له أسباب التوبة، ينبهه على قبح الزلة، فيفزع إلى الاعتذار، ويبتليه بمصائب مكفرة لما جنى.
في بعض الآثار يقول الله "أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من المعايب".
وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: "الحمى تذهب الخطايا كما يذهب الكير الخبث".
وفي المُسْنَد وصحيح ابن حِبَّان عن عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ: "أن رجلا لقِي امرأة كانت بغيا في الجاهلية، فجعل يلاعبها حتى بسط يده إليها، فقالت: مَهْ؛ فإن الله قد أذهب الشرك وجاء بالإسلام. فتركها وولَّى، فجعل يلتفت خلفه وينظر إليها، حتى أصاب وجهه ١ فأخبره بالأمر، فقال ﷺ : أنت عبد أراد الله بك خيرا. ثم قال: إن الله إذا أراد بعبده شرا أمسك عنه بذنبه حتى يوافي يوم القيامة ".
يا قوم، قلوبكم على أصل الطهارة، وإنما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فرُشُّوا عليها من دموع العيون فقد طهرت، اعزموا على فطام النفوس عن رضاع الهوى؛ فالحَمِّية رأس الدواء، متى طالبتكم بمألوفاتها فقولوا كما قالت تلك المرأة لذلك الرجل الذي دمي وجهه: "قد أذهب الله الشرك وجاء بالإسلام"، والإسلام يقتضي الاستسلام والانقياد للطاعة، ذكروها مدحة ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ٢.
راود رجل امرأة في فَلاة ليلا فأبَتْ، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب. فقالت: فأين مُكَوْكِبُهَا؟.
стр. 262
أكره رجل امرأة على نفسها، وأمرها بغلق الأبواب، فغلقت، فقال لها: هل بقي باب لم تغلقيه؟ قالت: نعم، الباب الذي بيننا وبين الله تعالى. فلم يتعرض لها.
رأى بعض العارفين رجلا يكلم امرأة فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما.
سُئل الجُنَيْد: عما يستعان به على غض البصر؟ قال: "بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره".
وقال المُحَاسِبِيُّ: "المراقبة علم القلب بقرب الرب، كلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء من قربه ونظره.
"وصَّى النبي ﷺ رجلا أن يستحي من الله كما يستحي من رجل من صالح عشيرته لا يفارقه"قال بعضهم: استحي من الله على قدر قربه منك، وخف من الله على قدر قدرته عليك.
كان بعضهم يقول: لي منذ أربعين سنة ما خطوت خطوة لغير الله، ولا نظرت إلى شيء أستحسنه؛ حياء من الله .
كأن رقيبا منك يرعى خواطري ... وآخر يرعى ناظري وساني
فما أبصرت عيناي بعدك منظرا ... لغيرك إلا قلت قد رماني
ولا بدرت من فيَّ بعدك لفظة ... لغيرك إلا قلت قد سمعاني
ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة ... على القلب إلا عرجت بعناني
فصل فضائل كلمة التوحيد
كلمة التقوى والإخلاص
وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا- استقصاؤها، فنذكر بعض ما ورد فيها:
فهي "كلمة التقوى" كما قال عمر وغيره من الصحابة.
وهي كلمة الإخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ونجاة العبد، ورأس هذا الأمر، ولأجلها خلق الخلق، كما قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
стр. 263
وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا﴾ ٣.
وهذه الآية أول ما عدَّد الله على عباده من النعم في سورة النعم التي تُسمى "سورة النحل"؛ ولهذا قال ابن عيينة: "ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرَّفه "لا إله إلا الله"، وإن "لا إله إلا الله" لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا، ولأجلها أعدت دار الثواب ودار العقاب، ولأجلها أمرت الرسل بالجهاد، فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه حلال.
مفتاح دعوة الرسل
وهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلم الله موسى كفاحا ٤ وفي مسند البزَّار وغيره عن عِيَاض بن حمار الأنصار عن النبي ﷺ قال: "إن لا إله إلا الله كلمة حق على كريم، ولها من الله مكان". كلمة جمعت وشركت
وهي كلمة جمعت وشركت، فمن قالها صادقا أدخله الله الجنة، ومن قالها كاذبا أحرزت ماله وحقنت دمه، ولقي الله فيحاسبه.
مفتاح الجنة ونجاة من النار
وهي مفتاح الجنة، وهي ثمن الجنة كما تقدم، قاله الحسن، وجاء مرفوعا من وجوه ضعيفة، ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة، وهي نجاة من النار، و "سمع النبي ﷺ مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: خرج من النار"خرَّجه مسلم.
توجب المغفرة
وهي توجب المغفرة، في المسند عن شَدَّاد بنِ أَوْسٍ وعُبَادَة بنِ الصَّامِت "أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوما: ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني الجنة عليها، وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا؛ فإن الله قد غفر لكم" ٥.
أحسن الحسنات
وهي أحسن الحسنات، قال أبو ذر قلت: "يا رسول الله، علمني عملا يقربني من
стр. 264
الجنة ويباعدني من النار، فقال: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة؛ فإنها عشر أمثالها، قلت: يا رسول الله، لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات.
تمحو الذنوب والخطايا
وهي تمحو الذنوب والخطايا".
وفي "سنن ابن ماجه" عن أم هانئ عن النبي ﷺ قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل".
رُئي بعض السلف بعد موته في المنام، فسئل عن حاله، فقال: ما أبقت لا إله إلا الله شيئا.
تجدد ما درس من الإيمان في القلب
وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب، وفي المسند: "أن النبي ﷺ قال لأصحابه: جددوا إيمانكم، قالوا: كيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: قولوا لا إله إلا الله".
لا يعدلها شيء في الوزن
وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، فلو وزنت بالسماوات والأرض لرجحت بهن، كما في المسند عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ : "إن نوحا ﵇ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله؛ فإن السماوات والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة فصمتهن لا إله إلا الله".
وفيه أيضا: عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "إن موسى ﵇ قال: يا رب، علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، فقال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، قال: قل لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا أنت، إنما أريد شيئا تخصني به، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ".
وكذلك ترجح بصحائف الذنوب كما في حديث السجلات والبطاقة، وقد أخرجه أحمد والنسائي والترمذي أيضا- من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ .
تخرق الحجب كلها حتى تصل إلى الله
وهي التي تخرق الحجب كلها حتى تصل إلى الله وفي الترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "لا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تصل إليه" وفيه أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا إلا فتحت
стр. 265
له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتُنِبَت الكبائر".
ويُروى عن عباس مرفوعا: "ما من شيء إلا بينه وبين الله حجاب إلا قول لا إله إلا الله، كما أن شفتيك لا تحجبها كذلك لا يحجبها شيء حتى تنتهي إلى الله ".
وقال أبو أُمَامَة: "ما من عبد يُهلِّل تهليلة فيُنَهْنِهُهَا ١ شيء دون العرش".
الكلمة التي ينظر الله إلى قائلها ويستجاب دعاءه
وهي التي ينظر الله إلى قائلها ويجيب دعاءه، خرَّج النسائي في كتاب "اليوم والليلة" من حديث رجلين من الصحابة عن النبي ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. مخلصا بها روحه، مصدقا بها لسانه، إلا فتق الله له السماء فتقا حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤاله".
الكلمة التي يصدق الله قائلها
وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها، كما خرج النسائي والترمذي وابن حبان، من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إذا قال: العبد لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه وقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد. قال الله: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا أنا لا حول ولا قوة إلا بي" ٢.
وكان يقول: "من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار" ٣.
أفضل ما قاله النبيون
وهي أفضل ما قاله النبيون، كما ورد ذلك في دعاء يوم عرفة.
أفضل الذكر
وهي أفضل الذكر كما في حديث جابر المرفوع: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" ٤.
وعن ابن عباس قال: أحب كلمة إلى الله "لا إله إلا الله". لا يقبل الله عملا إلا بها، وهي
стр. 266
أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزا من الشيطان كما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. في كل يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل عمل أكثر منه يوم ذلك" ١.
وفيهما أيضا عن أبِي أيُّوبَ عن النبي ﷺ "من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إِسماعِيل".
وفي التِرْمِذِيّ عن عُمَرَ مرفوعا: "من قالها إذا دخل السوق حتى يُمسي -وزاد فيها- يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة -وفي رواية- وبني له بيتا في الجنة" ٢ ٣.
أمان من وحشة القبر وهول المحشر
ومن فضائلها أنها أمان من وحشة القبر وهول المحشر، كما في المسند وغيره عن النبي ﷺ قال: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله قد قاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن".
وفي حديث مُرْسَلٍ من رواية عَلِيّ كرَّم الله وجهه: "من قال: لا إله إلا الله الملك الحق المبين. كل يوم مائة مرة، كان له أمان من الفقر، وأنس من وحشة القبر، واستجلب به الغنى، واستقرع به باب الجنة".
شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم
وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم.
стр. 267
قال النَضْرُ بنُ عَرَبِيٍّ: "بلغني أن الناس إذا قاموا من قبرهم كان شعارهم: لا إله إلا الله".
وقد خرج الطبَراني مرفوعا: "إن شعار هذه الأمة على الصراط: لا إله إلا أنت".
تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية
ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، كما في حديث عمر عن النبي ﷺ فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء، وقد خرَّجه مسلم.
وفي الصحيحين عن عُبَادَة بنِ الصَّامِت عن النبي ﷺ "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن مُحَمَّدًا عبده ورسوله، وأن عِيسَى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مَرْيَم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الله يبعث من في القبور، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء".
وفي حديث عبد الرَّحمَن بن سَمُرَة عن النبي ﷺ في قصة منامه الطويل وفيه: "رأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فأغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة".
أهل كلمة التوحيد غير مخلدين في النار
ومن فضائلها أن أهلها -وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها- فإنهم لا بد أن يخرجوا منها.
وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ "يقول الله وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله" ١.
وخرج الطَّبَرَانِيُّ عن أنس عن النبي ﷺ قال: "إن أناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قول لا إله إلا الله، فيغضب الله لهم، فيخرجهم من النار ويدخلهم الجنة" ومن كان في سخطه محسنا فكيف يكون إذا ما رضي؟ لا يسوي بين من وحده وإن قصر في حقوق توحيده- وبين من أشرك به.
قال بعض السلف: كان إِبْرِاهِيم ﵇ يقول في دعائه: "اللهم لا تشرك من كان يشرك بك بمن كان لا يشرك بك".
كان بعض السلف يقول في دعائه: "اللهم إنك قلت عن أهل النار: إنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت. ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت، اللهم لا تجمع بين أهل القسمين في دار واحدة ".
стр. 268
كان أبو سليمان يقول: "إن طالبني ببخلي طالبته بجوده، وإن طالبني بذنوبي طالبته بعفوه، وإن أدخلني النار أخبرت أهل النار أني كنت أحبه، ما أطيب وصله، وما أعذبه، ما أثقل هجره وما أصعبه، في السخط والرضى فما أهيبه، القلب يحبه وإن عذبه". انتهى كلام الحافظ بن رجب ملخصا.
فتأمل -رحمك الله- قوله: "فتحققه بقول لا إله إلا الله أن لا يأله القلب غير الله إلى آخره". وقوله: "وتحققه بأن مُحَمَّدًا رسول الله أن لا يعبد الله بغير ما شرعه على لسان مُحَمَّدٍ ﷺ ". إلخ، وقوله: "وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد لا إله إلا الله يقتضي أنه لا إله غير الله إلى آخره". وقوله: "وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع" إلخ. وقوله: "قول لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب سواه". إلخ، وقوله: "ومن هنا يعلم أنه لا يتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا شهادة أن مُحَمَّدًا رسول الله". إلى آخره، وهذه من متممات "لا إله إلا الله" وغير ذلك مما يتعلق ب"لا إله إلا الله"، فإنه إنما يبرز بتأمله؛ لأن له تعلقا بما نحن بصدده، والله أعلم.
فهذا ما فتح الله به ويسره من فضله من الكلام على عشرة الإفصاص، على كلمة الإخلاص، جمعه ولخصه -فقير ربه الملتجئ إلى عفوه ومغفرته- سَعِيد بنُ حجي الحَنْبَلِيُّ النَّجْدِيُّ، قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه، آمين.
انتهى
طبع هذا عن نسخة حسنة الخط، قليلة التحريف والغلط، أخذها الأستاذ الشيخ حامد الفقي المصري من العلامة الشهير الشيخ عبد الله بن بليهد النجدي، وقد كنت ناسخها في آخرها ما نصه.
وافق الفراغ من كتابة هذه النسخة صبيحة الجمعة، في يوم تسع وعشرين من ربيع الأول، من شهور سنة ١٢٩٩ ألف ومائتين وتسع وتسعين، على يد -المفتقر إلى كرم الله- صالح بن سالم بن محسن بن شيبان، غفر الله له ولوالديه ولمشائخه ولجميع المسلمين، آمين.
ويلي هذا الرسالة الآتية للمؤلف.
стр. 269
رسالة في حكم التزام مذهب معين والانتقال من مذهب إلى آخر
رسالة من الشيخ سعيد بن حجي الحنبلي النجدي، إلى الشيخ محمد بن أحمد الحفظي الشافعي التهامي- هي جواب سؤال.
"السؤال" ما قول العلماء ﵏ فيمن التزم مذهبا. هل له الانتقال عنه إلى غيره أم لا؟
"الجواب" قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في الفتاوى المصرية:
وإذا كان الرجل متبعا لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته بلا نزاع، بل هذا أولى بالحق، وأحب إلى الله ورسوله ممن يتعصب لواحد معين غير النبي ﷺ كمن يتعصب لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون الإمام الذي خالفه، فمن فعل هذا كان جاهلا، بل قد يكون كافرا. انتهى.
وقال في "الإقناع" وشرحه: "ولزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال إلى غيره الأشهر عدمه".
قال الشيخ تقي الدين بن تيمية العامي، هل عليه أن يلتزم مذهبا معينا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لا يوجبون ذلك، والذين يوجبون يقولون إذا التزمه لم يكن له أن يخرج عنه ما دام ملتزما له، أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه.
ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها -إن كان لغير أمر ديني، مثل أن يلتمس مذهبا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه أو نحو ذلك- فهذا مما لا يحمد عليه، بل يذم عليه في نفس الأمر، ولو كان ما انتقل إليه خيرا مما انتقل عنه وهو
стр. 270
بمنزلة من يسلم لا يسلم إلا لغرض دنيوي، والمهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها.
قال: "وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل واحد -إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر- أن لا يعدل عنه، ولا يتبع أحدا في مخالفة الله ورسوله؛ فإن الله فرض طاعة رسوله على كل أحد في كل حال". انتهى.
وفي "الرعاية": من التزم مذهبا أنكر عليه مخالفته بلا دليل ولا تقليد سائغ ولا عذر". ومراده بقوله: "بلا دليل" إذا كان من أهل الاجتهاد، وقوله: "ولا تقليد سائغ" أي: لعالم أفتاه إذا لم يكن أهلا للاجتهاد، وقوله: "ولا عذر" أي: يبيح له ما فعله فينكر عليه؛ لأنه يكون متبعا لهواه.
وقال في موضع آخر: "يلزم كل مقلد أن يلتزم بمذهب معين في الأشهر ولا يقلد غيره". وقيل بلى، وقيل لضرورة، انتهى كلام صاحب "الإقناع" وشرحه بلفظه.
وقال في "الإنصاف" في ﴿كتاب القضاء" وقال الشيخ تقي الدين: "من أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قُتل ١ وإن قال: ينبغي. كان جاهلا ضالا، ومن كان متبعا لإمام فخالفه لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى فقد أحسن، ولم يقدح في عدالته بلا نزاع، وقال: "في هذه الحال يجوز تقليد من اتصف بذلك عند أئمة الإسلام". وقال: "بل يجب"، انتهى.
ومن قول الشافعي وقواعده: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". وفي لفظ: "فاضربوا بقولي الحائط". وفي رواية عنه: "إذا رأيتم عن النبي ﷺ الثبت فاضربوا على قولي وارجعوا إلى الحديث". انتهى، نقلته من كتاب الآداب.
فقد علم السائل أن من كان متَّبِعا مذهبا من المذاهب الأربعة، ورأى الحق مع غيره فاتبعه أنه محسن، ولا يقدح في عدالته -لا سيما إن كان مع الغير نص أو إجماع أو قول صحابي بشرطه أو جمهور العلماء، والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
"تم الكتاب"
стр. 271
مسائل وفتاوى ويليه رسالة في دحض شبهات على التوحيد من سوء الفهم لثلاثة أحاديث
...
١ مسائل وفتاوى تأليف عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.
تشديد الشيخ ابن تيمية وتلميذه في أمر الشرك إنما هو اتباع لما جاء عن الله ورسوله في ذلك"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين-، إلى جناب الأخ إبراهيم بن عجلان، وفقه الله لطاعته، وهداه بهدايته. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل، وصلك الله إلى الخير، وصرف عنا وعنكم كل ضير، وذكرت في خطك أشياء ينبغي تنبيهك عليها.
"منها": قولكم: "إن الشيخ تقي الدين ابن تيمية شدد في أمر الشرك تشديدا لا مزيد عليه" فالله -سبحانه- هو الذي شدد في ذلك، لقوله -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ١ في موضعين من كتابه، وقال على لسان المسيح لبني إسرائيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ ٢ الآية، وقال الله -تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٣ الآية، وقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤، وقال سبحانه-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٥
وفي السنة الثابتة عن النبي ﷺ : من التحذير عن الشرك والتشديد فيه ما لا يحصى. وغالب الأحاديث التي يذكر فيها ﷺ الكبائر يبدأها بالشرك. ولما سئل ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا، وهو خلقك" ٦.
стр. 272
إذا عرف ذلك، تعين على كل مكلف معرفة حد الشرك وحقيقته، لا سيما في هذه الأزمنة التي غلب فيها الجهل بهذا الأمر العظيم.
والشيخ تقي الدين وتلميذه إنما بالغا في بيان الشرك، وإيضاحه لما شاهدا من ظهوره في زمنهما، وكثرته في بلاد الإسلام؛ وبينا بطلانه بالأدلة والبراهين القاطعة الواضحة، كما قال أبو حيان في حق الشيخ:
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذ عصت مضر
وأظهر الحق إذ آثاره اندرست ... وأخمد الكفر إذ طارت له شرر
الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر
وقولك: إن هذه الأمور المحدثة منها ما هو شرك أكبر، ومنها وما هو أصغر، فالأمر كذلك، لكن يتعين معرفة الأكبر المُخرج من الملة، الذي يحصل به الفرق بين المسلم والكافر، وهو عبادة غير الله؛ فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله، فهو المشرك الشرك الأكبر.
من ذلك الدعاء الذي هو مخ العبادة، كالتوجه إلى الموتى، والغائبين بسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، كذلك الذبح، والنذر لغير الله.
كذلك يتعين البحث عن الشرك الأصغر؛ فمنه الحلف بغير الله، ونحو تعليق الخرز والتمائم من العين، وكيسير الرياء في أنواع كثيرة لا تحصى.
ومن كلام الشيخ تقي الدين، وقد سئل عن الوسائط، فقال بعد كلام: وإن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونهم ذلك، ويرجعون إليهم فيه؛ فهذا من أعظم الشرك الذي كفّر الله به المشركين؛ حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، إلى أن قال: قال -تعالى-: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ ١ إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٢.
стр. 273
قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى، وعزيرا، والملائكة، والأنبياء، فبيّن الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه – إلى أن قال ﵀:
"فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر مشرك بإجماع المسلمين" إلى أن قال:
"فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالحُجّاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وإن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوقين، وجعلوا لله أندادا.
وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى، فإن هذا دين المشركين، عباد الأوثان الذين كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله. وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى"، إلى أن قال:
وأما الشفاعة التي نفاها القرآن -كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة- فينفيها أهل العلم والإيمان، مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين والغائبين والميتين قضاء حوائجهم، ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها، ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنْزلة شركاء الملك، والله -سبحانه- قد نزه نفسه عن ذلك. انتهى ملخصا.
стр. 274
فهذا الذي ذكر الشيخ ﵀ إجماع المسلمين على أن مرتكبه مشرك كافر يقتل، هو الذي زعم داود البغدادي أنه جائز، بل زعم أن الله أمر به؛ وأنه معنى الوسيلة التي أمر الله بها في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ١.
وزعم أن الوسيلة التي أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب بطلب الحاجات، وتفريج الكربات من الأموات والغائبين.
وزعم أن الشرك هو السجود لغير الله فقط، وأن دعاء الأموات والغائبين والتقرب إليهم بالنذور والذبائح ليس بشرك، بل هو مباح. ثم زاد على ذلك بالكذب على الله، وعلى رسوله، وزعم أن الله أمر بذلك وأحبه. لم يقتصر على دعوى إباحة ذلك، بل زعم أن الله أمر عباده المؤمنين أن يقصدوا قبور الأموات، ويسألونهم قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، فسبحان الله! ما أجرأ هذا على الافتراء، والكذب على الله!
فلو أن إنسانا ادعى إباحة بعض صغائر الذنوب، كأن يزعم أنه يباح للرجل تقبيل المرأة الأجنبية لكان كافرا بإجماع المسلمين، وإن زاد على ذلك بأن قال: إن الله يحب ذلك ويرضاه، فقد ازداد كفرا على كفره، فكيف بمن زعم أن الله أباح الشرك الأكبر؟ ثم زاد على ذلك بأن قال: إن الله أمر به، وأحب من عباده المؤمنين أن يسارعوا إليه؟ ما أعظم هذه الجراءة!!.
وكلام شيخ الإسلام في هذه المسألة كثير، لا يخلو غالب مصنفاته من الكلام عليها. وذكر ﵀ عن بعض علماء عصره أنه قال: هذا من أعظم ما بينته لنا.
وذكر ﵀ في الرسالة السنية، لما ذكر حديث الخوارج قال: وإذا كان في زمن رسول الله ﷺ من قد مرق من الدين مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضا، وذلك بأمور: منها الغلو الذي
стр. 275
ذمه الله؛ كالغلو في بعض المشايخ، مثل الشيخ عدي، ١ بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح؛ فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: يا سيدي فلان، أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه إله آخر.
والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل: الملائكة، والمسيح، وعزير، والصالحين، أو قبورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها ترزق وتدبر أمر من دعاها، وإنما كانوا يدعونهم يقولون: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله"، فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استعانة، وكلامه ﵀ في هذا الباب كثير.
وكذلك ابن القيم بالغ في إيضاح هذا الأمر، وبيّن بطلانه، كقوله في شرح المنازل: ومنه- أي الشرك- طلب الحوائج من الموتى، والاستعانة بهم، والتوجه إليهم، فإن هذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا، ولا نفعا، فضلا عمن استغاث به، وسأله أن يشفع له. انتهى.
وهذا الذي قال: إنه أصل شرك العالم هو الذي يزعم داود البغدادي أن الله أمر به، تعالى الله -عما يقول المفترون- علوا كبيرا.
وجوب هدم مواضع الشرك والطاغوت
وقال ابن القيم في الهدي- في فوائد غزوة الطائف- ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها، يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، ولا يجوز الإقرار عليها البتة.
قال: وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا، وطواغيت تعبد من دون الله، وكذا الأحجار
стр. 276
التي تقصد بالتعظيم، والتبرك، والنذر، والتقبيل، فلا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالتها. وكثير منها بمنْزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها. والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق، وترزق، وتحيي وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، اتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع. وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة.
ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. انتهى.
عبادة القبور واتخاذها أوثانا
فانظر قوله في المشاهد التي بنيت على القبور، كونها اتخذت أوثانا وطواغيت، وربما ينفر قلب الجاهل من تسمية قبر نبي، أو رجل صالح وثنا، وقد قال النبي ﷺ :" اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ١.
فهذا الحديث يبين أنه لو قصد قبر النبي ﷺ بعبادة له، كان قاصده بذلك قد اتخذه وثنا، فكيف بغيره من القبور؟
وقوله ﵀: كثير منها بمنْزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها. صدق ﵀ لما شاهدنا في هذه الأزمنة من الغلو والشرك العظيم، من كون كثير من الغلاة عند الشدائد في البر والبحر يخلصون الدعاء لمعبوديهم، وكثير منهم ينسون الله عند الشدائد كما هو مستفيض عند الخاصة
стр. 277
والعامة، وقد أخبر الله عن المشركين الأولين أنهم يخلصون عند الشدائد الدعاء له وينسون آلهتهم. ونصوص القرآن في ذلك كثيرة كما قال -سبحانه-: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ١، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ ٢، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٣، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٤.
فهذا إخباره -سبحانه- عن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ ينهاهم عن الشرك، ويأمرهم بالتوحيد. وغالب مشركي أهل هذا الزمان بعكس ذلك.
لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه
وقول ابن القيم ﵀: غلب الشرك على أكثر النفوس، وسبب ذلك كله: ظهور الجهل وقلة العلم. فهذا قوله فيما شاهده في زمانه ببلاد الإسلام، فكيف لو رأى هذا الزمان؟ وفي الحديث: "لا يأتي زمان، إلا والذي بعده شر منه" ٥ قال ابن مسعود: "لا أقول زمان أخصب من زمان، ولا أمير خير من أمير، ولكن بذهاب خياركم وعلمائكم"، فكيف لو شاهد من يقول: إن الله أمر بطلب الحاجات من الأموات، ويقول: إنما الشرك هو السجود لغير الله لا غير، كما قال ذلك داود البغدادي مشافهة لي، فيلزمه إن قصد المشركين الأولين لآلهتهم كاللات والعزى ومناة، وكذلك هبل إذ طلب الحاجات منها، وكشف الكربات، والتقرب إليها بالنذور والذبائح، إن هذا ليس بشرك إذا لم يسجدوا لها. فيا سبحان الله!! كيف يبلغ الجهل بمن ينسب إلى علم إلى هذه الفضيحة!
البدع التي يعذر فاعلها بالجهل والتأول ما لم تكن شركا بينا
وقال ابن القيم ﵀: رأيت لأبي الوفاء ابن عقيل فصلا حسنا، فذكرته بلفظه قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم.
стр. 278
قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد السرج عليها، وتقبيلها، وتخليقها ١ وخطاب أهلها بالحوائج، وكتابة الرقاع فيها: يا مولاي افعل لي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى.
وقولك: إن الشيخ تقي الدين وابن القيم يقولان: إن من فعل هذه الأشياء لا يطلق عليه أنه كافر مشرك، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية من إمام، أو نائبه، فيصر، وأنه يقال: هذا الفعل كفر، وربما عذر فاعله لاجتهاد، أو تقليد، أو غير ذلك: فهذه الجملة التي حكيت عنهما لا أصل لها في كلامهما.
وأظن اعتمادك في هذا على ورقة كتبها داود، نقل فيها نحو هذه العبارة من اقتضاء الصراط المستقيم للشيخ تقي الدين، لما قدم عنيزة المرة الثانية معه هذه الورقة، يعرضها على ناس في عنيزة، يشبه بها، ويقول: لو سلمنا أن هذه الأمور التي تفعل عند القبور شرك -كما تزعم هذه الطائفة- فهذا كلام إمامهم ابن تيمية، الذي يقتدون به يقول: إن المجتهد المتأول، والمقلد، والجاهل، معذورون، مغفور لهم فيما ارتكبوه.
فلما بلغني هذا عنه أرسلت إليه، وحضر عندي، وبينت له خطأه، وأنه وضع كلام الشيخ في غير موضعه، وبينت له أن الشيخ إنما قال ذلك في أمور بدعية ليست بشرك، مثل تحري دعاء الله عند قبر النبي ﷺ وبعض العبادات المبتدعة، فقال في الكلام على هذه البدع: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا، ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع.
وعامة العبادات المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس، ويحصل له نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة. ثم العامل قد يكون متأولا، أو مجتهدا مخطئا، أو مقلدا، فيغفر له خطأه، ويثاب على ما فعله من المشروع المقرون بغير المشروع، فهذا كلامه في الأمور التي ليست شركا.
стр. 279
وأما الشرك فقد قال ﵀: إن الشرك لا يغفر، وإن كان أصغر؛ نقل عنه ذلك تلميذه صاحب الفروع فيه، وذلك -والله أعلم- لعموم قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ١ مع أن الشيخ ﵀ لم يجزم أنه يغفر لمن ذكرهم، وإنما قال: قد يكون.
وقد قال ﵀ في شرح العمدة، لما تكلم في كفر تارك الصلاة فقال: وفي الحقيقة فكل رد لخبر الله، أو أمره فهو كفر، دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع، بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين من الأخبار والأوامر، يعني فإنه لا يقال: قد يعفى عنه.
وقال ﵀ في أثناء كلام له في ذم أصحاب الكلام، قال: والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة، له نهمة في التشكيك والشك، والباطل خير من الثبات على اعتقاده، لكن قل أن يثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيه من نوع من الحق، وتوجد الردة فيهم كثيرا كالنفاق.
وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن يقع ذلك في طوائف منهم في أمور يعلمها العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، ومثل معاداة المشركين وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش، والربا، والميسر، ونحو ذلك.
وقولك: إن الشيخ يقول: إن من فعل شيئا من هذه الأمور الشركية لا يطلق عليه أنه كافر مشرك، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية. فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله، ونحوه من الكفر، وإنما قال هذا في المقالات الخفية، كما قدمنا من قوله: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، فلم يجزم بعدم كفره وإنما قد يقال.
стр. 280
وقوله: قد يقع ذلك في طوائف منهم يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن أظهر شرائع الإسلام، يعني فهذا لا يمكن أن يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها. والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة غيره هو ما نحن فيه، قال -تعالى-: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١.
وقوله ﵀: بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك، حكى لنا عن غير واحد من اليهود في البصرة أنهم عابوا على المسلمين ما يفعلون عند القبور، قالوا: إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن لم يأمركم فقد عصيتموه.
من جعل شيئا من العبادة لغير الله فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله
وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الأصول الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، قال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢: أي يعبدوني وحدي، وهو الذي أرسل به جميع الرسل، قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣ والطاغوت اسم لكل ما عبد من دون الله، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤. وكل رسول أرسله الله، فأول ما يدعوهم إليه هذا التوحيد، قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٥، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٦، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٧، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٨.
فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله، فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٩؛ فمن زعم أن الله -سبحانه- يغفره فقد رد خبر الله -سبحانه-.
стр. 281
وحد العبادة وحقيقتها: طاعة الله؛ فكل قول، وعمل ظاهر وباطن يحبه الله فهو عبادة. فكل ما أمر به شرعا أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة. فهذا حقيقة العبادة عند جميع العلماء التي من جعل منها لغير الله شيئا فهو كافر مشرك.
الجهل بحقيقة التوحيد وأصول الدين ليس عذرا لأحد
ومما يبين أن الجهل ليس بعذر في الجملة قوله ﷺ في الخوارج ما قال، مع عبادتهم العظيمة؛ ومن المعلوم أنه لم يوقعهم فيما وقعوا إلا الجهل، وهل صار الجهل عذرا لهم؟
يوضح ما ذكرنا أن العلماء من كل مذهب يذكرون في كتب الفقه "باب حكم المرتد"؛ وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، وأول شيء يبدؤون به من أنواع الكفر: الشرك، يقولون: من أشرك بالله كفر، لأن الشرك عندهم أعظم أنواع الكفر، ولم يقولوا: إن كان مثله لا يجهله، كما قالوا فيما دونه.
وقد قال النبي ﷺ لما سئل: أي الذنب أعظم إثما عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك ١، ولو كان الجاهل أو المقلد غير محكوم بردته إذا فعل الشرك لم يغفلوه، وهذا ظاهر.
وقد وصف الله -سبحانه- أهل النار بالجهل كقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالانْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٤، وقال -تعالى-: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُون﴾ ٥، قال ابن جرير، عند تفسير هذه الآية: وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور.
ومن المعلوم أن أهل البدع، الذين كفرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة،
стр. 282
وفيهم زهد ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلا الجهل، والذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار هل آفتهم إلا الجهل؟
من كفر جاهلا أو مقلدا غير معذور
ولو قال إنسان: أنا أشك في البعث بعد الموت، لم يتوقف من له أدنى معرفة في كفره، والشاك جاهل. قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ١، وقد قال الله -سبحانه- عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ٢ الآية. قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ ما عبدناهم. قال: "أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى قال: فتلك عبادتهم" فذمهم الله -سبحانه-، وسماهم مشركين مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم، فلم يعذروا بالجهل.
ولو قال إنسان عن الرافضة في هذه الأزمان: إنهم معذورون في سبهم الشيخين وعائشة لأنهم جهال مقلدون، لأنكر عليه الخاص والعام.
وما تقدم من حكاية شيخ الإسلام ﵀ إجماع المسلمين على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار أنه كافر مشرك، يتناول الجاهل وغيره، لأنه من المعلوم أنه إذا كان إنسان يقر برسالة محمد ﷺ ويؤمن بالقرآن، ويسمع ما ذكر الله -سبحانه- في كتابه من تعظيم أمر الشرك بأنه لا يغفره، وأن صاحبه مخلد في النار، ثم يقدم عليه، وهو يعرف أنه شرك، هذا ما لا يفعله عاقل، وإنما يقع فيه مَن جهل أنه شرك.
وقد قدمنا كلام ابن عقيل في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور. نقله عنه ابن القيم مستحسنا له.
والقرآن يرد على من قال: إن المقلد في الشرك معذور، وقد افترى وكذب على الله، وقد قال الله عن المقلدين من أهل النار:
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا
стр. 283
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ ١، وقال -سبحانه- حاكيا عن الكفار قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣.
الواجب على كل مسلم قبول الحق من كل مَن بينه بالحجة
واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة وأصول الدين، وإن فرضا على كل مكلف أن يعرف التوحيد بدليله، وكذلك الرسالة وسائر أصول الدين لأن أدلة هذه الأصول ظاهرة، ولله الحمد، لا يختص بمعرفتها العلماء.
وقولك: حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية من إمام أو نائبه، معناه: أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلا من إمام أو نائبه، وهذا خطأ فاحش، لم يقله أحد من العلماء، بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائنا من كان. ومقتضى هذا: أن من ارتكب أمرا محرما شركا فما دونه بجهل، وبيّن له من عنده علم بأدلة الشرع أن ما ارتكبه حرام، وبيّن له دليله من الكتاب والسنة أنه لا يلزمه قبوله، إلا أن يكون ذلك من إمام أو نائبه، وأن حجة الله لا تقوم عليه، إلا أن يكون ذلك من الإمام أو نائبه.
وأظنك سمعت هذا الكلام من بعض المبطلين، وقلدته فيه، وما فطنت لعيبه، وإنما وظيفة الإمام أو نائبه: إقامة الحدود، واستتابة من حكم الشرع بقتله كالمرتد في بلاد الإسلام.
وأظن هذه العبارة مأخوذة من قول بعض الفقهاء في تارك الصلاة: إنه لا يقتل حتى يدعوه إمام أو نائبه إلى فعلها، والدعاء إلى فعل شيء غير بيان الحجة على خطئه، أو صوابه، أو كونه حقا أو باطلا بأدلة الشرع. فالعالم مثلا يقيم الأدلة الشرعية على وجوب قتل تارك الصلاة، ثم الإمام، أو نائبه يدعوه إلى فعلها، ويستتيبه.
وقولك: إنك رأيت كثيرا من هذه الأمور التي نقول إنها شرك ظاهرة في الشام والعراق والحجاز، ولم تسمع منكرا. فمن رزقه الله بصيرة بدينه ما راج عليه
стр. 284
ذلك، والمتعين على الإنسان معرفة الحق بدليله، فإذا عرف الحق بالأدلة الشرعية عرض أعمال الناس عليه، فما وافق الحق عرفه وقبله، وما خالفه رده، ولا يغتر بكثرة المخالف.
قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁ أترى أننا نظن إنك على الحق، وفلانا على باطل؟ فقال علي: ويحك يا فلان، إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. وقد سبق كلام ابن القيم في وصفه أهل زمانه.
من له بصيرة بالحق لم يغتر بكثرة المخالف
وقوله: غلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء؛ هذا وصفه لزمانه، فما ظنك بأهل زمان بعده بخمسمائة عام؟ لأنه لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه بخبر الصادق المصدوق ﷺ مع قوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" ١، مع أننا قد سمعنا وبلغنا عن كثير من علماء الزمان إنكار هذه الأمور المبتدعة الشركية.
سمعنا من ناس في الحرمين واليمن، وبلغنا عن أناس في مصر والشام إنكار هذه المحدثات، لكن همتهم تقصر عن إظهار ذلك؛ لأن عمارة هذه المشاهد الشركية أكثرها من تحت أيدي ولاة الأمور، وأهل الدنيا، ووافقهم على ذلك وزينه لهم علماء السوء، بسبب ذلك استحكم الشر وتزايد، والشر في زيادة والخير في نقصان.
وفي حديث عن النبي ﷺ قال: "هلكت بنو إسرائيل على يدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على يدي قرائها وفقها ئها" فما أصدق قول عبد الله بن المبارك ﵀:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبارسوء ورهبانها
стр. 285
ومما يبين لك عدم الاغترار بالكثرة: أن أكثر أهل هذه الأمصار التي ذكرت مخالفون للصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، خصوصا الإمام أحمد، ومن وافقه في صفات الرب ﵎، يتأولون أكثر الصفات بتحريف الكلم عن مواضعه، من ذلك قولهم: إن الله لا يتكلم بحرف وصوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويقولون: الإيمان مجرد التصديق.
وكلام السلف والأئمة في ذم أهل هذه المقالات كثير، وكثير منهم صرح بكفرهم، وأكثر الأئمة ذما لهم وتضليلا الإمام أحمد ﵀ وأفاضل أصحابه بعده.
وأكثر هذه الأمصار اليوم على خلاف ما عليه السلف والأئمة، ومن له بصيرة بالحق لم يغتر بكثرة المخالف، فإن أهل الحق هم أقل الناس فيما مضى، فكيف بهذه الأزمان التي غلب فيها الجهل، وصار -بسبب ذلك- المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟
نسأل الله أن يهدينا وإخواننا صراطه المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
"انتهت الرسالة"
طبعت عن نسخة كتب في آخرها ما نصه:
بقلم الفقير إلى الله عبد الله الرشيد الفرج، من خط المصنف ﵀ سنة ١٣٤٥.