← Фатава

Фатава · id 11378

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الرابع، القسم الثاني)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (391 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وحد العبادة وحقيقتها: طاعة الله؛ فكل قول، وعمل ظاهر وباطن يحبه الله فهو عبادة. فكل ما أمر به شرعا أمر إيجاب أو استحباب فهو عبادة. فهذا حقيقة العبادة عند جميع العلماء التي من جعل منها لغير الله شيئا فهو كافر مشرك. الجهل بحقيقة التوحيد وأصول الدين ليس عذرا لأحد ومما يبين أن الجهل ليس بعذر في الجملة قوله ﷺ في الخوارج ما قال، مع عبادتهم العظيمة؛ ومن المعلوم أنه لم يوقعهم فيما وقعوا إلا الجهل، وهل صار الجهل عذرا لهم؟ يوضح ما ذكرنا أن العلماء من كل مذهب يذكرون في كتب الفقه "باب حكم المرتد"؛ وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، وأول شيء يبدؤون به من أنواع الكفر: الشرك، يقولون: من أشرك بالله كفر، لأن الشرك عندهم أعظم أنواع الكفر، ولم يقولوا: إن كان مثله لا يجهله، كما قالوا فيما دونه. وقد قال النبي ﷺ لما سئل: أي الذنب أعظم إثما عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك ١، ولو كان الجاهل أو المقلد غير محكوم بردته إذا فعل الشرك لم يغفلوه، وهذا ظاهر. وقد وصف الله -سبحانه- أهل النار بالجهل كقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالانْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٤، وقال -تعالى-: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُون﴾ ٥، قال ابن جرير، عند تفسير هذه الآية: وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور. ومن المعلوم أن أهل البدع، الذين كفرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة،

стр. 282

وفيهم زهد ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلا الجهل، والذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار هل آفتهم إلا الجهل؟ من كفر جاهلا أو مقلدا غير معذور ولو قال إنسان: أنا أشك في البعث بعد الموت، لم يتوقف من له أدنى معرفة في كفره، والشاك جاهل. قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ١، وقد قال الله -سبحانه- عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ٢ الآية. قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ ما عبدناهم. قال: "أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى قال: فتلك عبادتهم" فذمهم الله -سبحانه-، وسماهم مشركين مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم، فلم يعذروا بالجهل. ولو قال إنسان عن الرافضة في هذه الأزمان: إنهم معذورون في سبهم الشيخين وعائشة لأنهم جهال مقلدون، لأنكر عليه الخاص والعام. وما تقدم من حكاية شيخ الإسلام ﵀ إجماع المسلمين على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار أنه كافر مشرك، يتناول الجاهل وغيره، لأنه من المعلوم أنه إذا كان إنسان يقر برسالة محمد ﷺ ويؤمن بالقرآن، ويسمع ما ذكر الله -سبحانه- في كتابه من تعظيم أمر الشرك بأنه لا يغفره، وأن صاحبه مخلد في النار، ثم يقدم عليه، وهو يعرف أنه شرك، هذا ما لا يفعله عاقل، وإنما يقع فيه مَن جهل أنه شرك. وقد قدمنا كلام ابن عقيل في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور. نقله عنه ابن القيم مستحسنا له. والقرآن يرد على من قال: إن المقلد في الشرك معذور، وقد افترى وكذب على الله، وقد قال الله عن المقلدين من أهل النار: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا

стр. 283

فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ ١، وقال -سبحانه- حاكيا عن الكفار قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣. الواجب على كل مسلم قبول الحق من كل مَن بينه بالحجة واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة وأصول الدين، وإن فرضا على كل مكلف أن يعرف التوحيد بدليله، وكذلك الرسالة وسائر أصول الدين لأن أدلة هذه الأصول ظاهرة، ولله الحمد، لا يختص بمعرفتها العلماء. وقولك: حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية من إمام أو نائبه، معناه: أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلا من إمام أو نائبه، وهذا خطأ فاحش، لم يقله أحد من العلماء، بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائنا من كان. ومقتضى هذا: أن من ارتكب أمرا محرما شركا فما دونه بجهل، وبيّن له من عنده علم بأدلة الشرع أن ما ارتكبه حرام، وبيّن له دليله من الكتاب والسنة أنه لا يلزمه قبوله، إلا أن يكون ذلك من إمام أو نائبه، وأن حجة الله لا تقوم عليه، إلا أن يكون ذلك من الإمام أو نائبه. وأظنك سمعت هذا الكلام من بعض المبطلين، وقلدته فيه، وما فطنت لعيبه، وإنما وظيفة الإمام أو نائبه: إقامة الحدود، واستتابة من حكم الشرع بقتله كالمرتد في بلاد الإسلام. وأظن هذه العبارة مأخوذة من قول بعض الفقهاء في تارك الصلاة: إنه لا يقتل حتى يدعوه إمام أو نائبه إلى فعلها، والدعاء إلى فعل شيء غير بيان الحجة على خطئه، أو صوابه، أو كونه حقا أو باطلا بأدلة الشرع. فالعالم مثلا يقيم الأدلة الشرعية على وجوب قتل تارك الصلاة، ثم الإمام، أو نائبه يدعوه إلى فعلها، ويستتيبه. وقولك: إنك رأيت كثيرا من هذه الأمور التي نقول إنها شرك ظاهرة في الشام والعراق والحجاز، ولم تسمع منكرا. فمن رزقه الله بصيرة بدينه ما راج عليه

стр. 284

ذلك، والمتعين على الإنسان معرفة الحق بدليله، فإذا عرف الحق بالأدلة الشرعية عرض أعمال الناس عليه، فما وافق الحق عرفه وقبله، وما خالفه رده، ولا يغتر بكثرة المخالف. قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵁ أترى أننا نظن إنك على الحق، وفلانا على باطل؟ فقال علي: ويحك يا فلان، إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. وقد سبق كلام ابن القيم في وصفه أهل زمانه. من له بصيرة بالحق لم يغتر بكثرة المخالف وقوله: غلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء، وغلب السفهاء؛ هذا وصفه لزمانه، فما ظنك بأهل زمان بعده بخمسمائة عام؟ لأنه لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه بخبر الصادق المصدوق ﷺ مع قوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" ١، مع أننا قد سمعنا وبلغنا عن كثير من علماء الزمان إنكار هذه الأمور المبتدعة الشركية. سمعنا من ناس في الحرمين واليمن، وبلغنا عن أناس في مصر والشام إنكار هذه المحدثات، لكن همتهم تقصر عن إظهار ذلك؛ لأن عمارة هذه المشاهد الشركية أكثرها من تحت أيدي ولاة الأمور، وأهل الدنيا، ووافقهم على ذلك وزينه لهم علماء السوء، بسبب ذلك استحكم الشر وتزايد، والشر في زيادة والخير في نقصان. وفي حديث عن النبي ﷺ قال: "هلكت بنو إسرائيل على يدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على يدي قرائها وفقها ئها" فما أصدق قول عبد الله بن المبارك ﵀: وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبارسوء ورهبانها

стр. 285

ومما يبين لك عدم الاغترار بالكثرة: أن أكثر أهل هذه الأمصار التي ذكرت مخالفون للصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، خصوصا الإمام أحمد، ومن وافقه في صفات الرب ﵎، يتأولون أكثر الصفات بتحريف الكلم عن مواضعه، من ذلك قولهم: إن الله لا يتكلم بحرف وصوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويقولون: الإيمان مجرد التصديق. وكلام السلف والأئمة في ذم أهل هذه المقالات كثير، وكثير منهم صرح بكفرهم، وأكثر الأئمة ذما لهم وتضليلا الإمام أحمد ﵀ وأفاضل أصحابه بعده. وأكثر هذه الأمصار اليوم على خلاف ما عليه السلف والأئمة، ومن له بصيرة بالحق لم يغتر بكثرة المخالف، فإن أهل الحق هم أقل الناس فيما مضى، فكيف بهذه الأزمان التي غلب فيها الجهل، وصار -بسبب ذلك- المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟ نسأل الله أن يهدينا وإخواننا صراطه المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. "انتهت الرسالة" طبعت عن نسخة كتب في آخرها ما نصه: بقلم الفقير إلى الله عبد الله الرشيد الفرج، من خط المصنف ﵀ سنة ١٣٤٥.

стр. 286

رسالة في دحض شبهات على التوحيد من سوء الفهم لثلاثة أحاديث "حديث: يئس الشيطان من عبادته في جزيرة العرب، وحديث: يا عباد الله احبسوا، وحديث: عصمة كلمة التوحيد لدم قائلها وماله" تأليف "العلامة مفتي الديار النجدية، وعالم الطائفة السلفية". العلامة الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد الرحمن -أبا بطين- -رحمه الله تعالى-. بسم الله الرحمن الر حيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا وآله وصحبه أجمعين. قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن، مفتي الديار النجدية المعروف "بأبا بطين"، عليه الرحمة والغفران: أما بعد: فقد طلب مني بعض الإخوان أن أكتب له جوابا عما يورده بعض الناس من قوله ﷺ : "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" ١ ويستدل به على استحالة وقوع شيء من الشرك في جزيرة العرب. والحديث المروي: "يا عباد الله، احبسوا، احبسوا" وعما يورده بعضهم من قوله ﷺ لأسامة: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله" ٢، وقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" ٣ ويستدل بذلك على أن من قال: لا إله إلا الله لا يجوز قتاله، ولا قتله. (فالجواب": أما قوله ﷺ : "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة" العرب ٤ فيقال: (أولا": من المعلوم بالضرورة أن الله -سبحانه- بعث محمدا ﷺ يدعو إلى التوحيد وهو توحيد الألوهية، وينهى عن الشرك وهو عبادة غير الله. وأما الشرك بالربوبية، فمن المعلوم بنصوص الكتاب أن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله وقاتلهم، يقرون بتوحيد الربوبية، وأن شركهم هو في توحيد العبادة، وهو توحيد الألوهية الذي هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله. فعبدوا من عبدوه من دون الله ليشفعوا لهم عنده في نصرهم ورزقهم وغير ذلك، كما قال -تعالى- إخبارا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٥، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٦. فبعث الله رسوله محمدا ﷺ ينهاهم عن هذا الشرك، ويدعوهم إلى توحيد

стр. 287

العبادة وهذه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وهذا الأصل هو الذي خلق الله الجن والإنس لأجله. قال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣. فإذا تبين أن هذا هو أصل الأصول، علمنا يقينا أن الله -سبحانه- لا يترك هذا الأمر ملتبسا، بل لا بد أن يكون بيّنا واضحا، لا لبس فيه ولا اشتباه، لأنه أصل الدين، ومعرفته فرض على كل مسلم مكلف، ولا يجوز فيه التقليد. وحقيقة ذلك أن الشرك هو عبادة غير الله -تعالى-؛ والعبادة هي الطاعة بفعل ما أمر الله به ورسوله من واجب ومندوب؛ فمن أخلص ذلك لله فهو الموحد، ومن جعل شيئا من العبادة لغير الله فهو مشرك. قال -تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ ٤ أي: في العبادة، وقال -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ٥ الآية. فإذا علم الإنسان حقيقة الشرك عرف يقينا أن الشرك وقع في الجزيرة كثيرا عند مشاهد وقبور يمنا وحجازا، من دعاء الأموات والغائبين، والاستغاثة بهم وسؤال الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، وكذلك الذبح للجن والاستغاثة بهم؛ وهذا أمر معلوم بالتواتر عند من شاهد ذلك. فإذا تحقق الإنسان ذلك علم أن قوله ﷺ : "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب" ٦ ليس فيه معارضة لهذا الأصل العظيم، الذي هو أصل الأصول، وليس فيه دلالة على استحالة وجود الشرك في أرض العرب. فمن استدل بهذا الحديث على استحالة وجود الشرك في أرض العرب يقال له: بيّن لنا الشرك الذي حرمه الله، وأخبر أنه لا يغفره، فإن فسره بالشرك في توحيد

стр. 288

الربوبية، فنصوص القرآن تبطل قوله لأنه -سبحانه- أخبر عن المشركين أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، كما في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ١؛ والآيات في ذلك كثيرة. وإن فسر الشرك ببعض أنواع العبادة دون بعض، فهو مكابر، ويخاف على مثله أن يكون من الذين في قلوبهم زيغ، يتركون المحكم، ويتبعون المتشابه؛ مع أنه ليس في الحديث حجة لهم ولا شبهة، وإنما معنى الحديث: أنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر. معنى يئس الشيطان من عبادة الناس له قال ابن رجب على الحديث: المراد أنه يئس أن تجتمع الأمة كلها على الشرك الأكبر. وأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ٢ قال ابن عباس ﵁: يعني: يئسوا أن تراجعوا دينهم. وكذا قال عطاء والسدي ومقاتل، قال: وعلى هذا يرد الحديث الصحيح: إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العر ب ٣. فأشار إلى أن معنى الحديث موافق لمعنى الآية، وأن معنى الحديث أنه يئس أن يرجع المسلمون عن دينهم إلى الكفر. قال غير واحد من المفسرين: إن المشركين كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم، فلما قوي الإسلام وانتشر يئسوا من رجوعهم عن الإسلام إلى الكفر، وكذا معنى إياس الشيطان لما رأى من ظهور الإسلام وانتشاره، وتمكنه من القلوب ورسوخه فيها. وعلى هذا فلا يدل الحديث أن الشيطان يئس من وجود شرك في جزيرة العرب أبد الآبدين. ويدل لما ذكرناه ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة رن إبليس رنة اجتمع إليه جنوده فقال: ايئسوا أن تردوا أمة محمد إلى الشرك بعد يومكم هذا، ولكن افتنوهم؛ فافشوا فيهم النوح. وأيضا ففي الحديث نسبة اليأس إلى الشيطان مبنيا للفاعل لم يقل أيس بالبناء

стр. 289

للمفعول، ولو قدر أنه يئس من عبادته في أرض العرب إياسا مستمرا، فإنما ذلك ظن منه وتخمين، لا عن علم لأنه لا يعلم الغيب، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ١ فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب، وقد قال -تعالى-: ﴿مَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدا﴾ ٢ أي من خير وشر، وهذا من مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وقال النبي ﷺ : "مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله" ٣ الحديث. وكانت الشياطين في زمن سليمان بن داود ﵉ يدعون علم الغيب، فلما مات سليمان لم يعلموا بموته إلا بعد سنة، وهم في تلك السنة دائبون في التسخير والأعمال الشاقة، فلما علموا بموته تبين لهم أنهم لا يعلمون الغيب، قال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ٥. ونبينا ﷺ أخبر: "أنه يجاء برجال من أمته يوم القيامة، فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار فيقول: أصحابي أصحابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" ٦. فكيف يقال: إن الشيطان يعلم ما تستمر عليه الأمة من خير وشر، وكفر وإسلام، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله، ومن يطلعه عليه من رسله؟ لا دلالة في حديث يئس الشيطان على عدم وقوع الشرك فتبين بما ذكرنا أنه لا دلالة في الحديث على استحالة وقوع الشرك في جزيرة العرب؛ ويوضح ذلك أن أكثر العرب ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ . فكثير منهم رجعوا إلى الكفر وعبادة الأوثان، وكثير صدقوا من ادعى النبوة كمسيلمة وغيره، ومن أطاع الشيطان في نوع من أنواع الكفر فقد عبده. لا تختص عبادة الشيطان بنوع من الشرك لقوله -تعالى-: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ٧ أي: لا تطيعوه، فعبادته طاعته. يوضح ذلك تفسير النبي ﷺ لقوله -تعالى-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ

стр. 290

دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ١ الآية، أن طاعتهم في التحريم والتحليل. فسمى الله ذلك شركا، وعبادة منهم للأحبار والرهبان. وأيضا فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى" ٢ ٣، وقال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس حول ذي الخلصة" ٤ ٥، وهو صنم كان لهم في الجاهلية بعث النبي ﷺ لهدمه جرير بن عبد الله. وقوع عبادة الشيطان في هذه الأمة فتبين أن عبادة الشيطان وجدت بعد موت النبي ﷺ في جزيرة العرب، وتوجد آخر الزمان، بهذه النصوص الثابتة، وقال النبي ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة؛ حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٦، وقال: "لتأخذن هذه الأمة مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع، قالوا: يا رسول الله، فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك". فأخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة تفعل كما فعلت الأمم قبلها: اليهود والنصارى وفارس والروم، وأن هذه الأمة لا تقصر عما فعلته الأمم قبلها، وقال: لا تزال طائفة

стр. 291

من أمتي على الحق منصورة؛ لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ١. نسأل الله أن يجعلنا منهم بفضله، ورحمته، وكرمه. "يا عباد الله احبسوا" ليس بحديث ومعناه على فرضه وأما الجواب عن الحديث المروي فيمن انفلتت دابته في السفر أن يقول: يا عباد الله: احبسوا فأجيب بأنه غير صحيح؛ لأنه من رواية معروف بن حسان، وهو منكر الحديث، قاله: ابن عدي. ومن المعلوم- إن كان صحيحا- أن النبي ﷺ لا يأمر من انفلتت دابته أن يطلب ردها، وينادي من لا يسمعه ولا يقدر على ردها، بل نقطع أنه إنما أمره أن ينادي من يسمعه، وله قدرة على ذلك، كما ينادي الإنسان أصحابه الذين معه في سفره ليردوا دابته. وهذا يدل- إن صح- على أن لله جنودا يسمعون ويقدرون: ﴿مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ ٢ وروي زيادة لفظه في الحديث "فإن الله حاضر"، فهذا صريح في أنه إنما ينادي حاضرا يسمع، فكيف يستدل بذلك على جواز الاستغاثة بأهل القبور والغائبين؟ فمَن استدل بهذا الحديث على دعاء الأموات لزمه أن يقول: إن دعاء الأموات ونحوهم، إما مستحب أو مباح لأن لفظ الحديث "فليناد" وهذا أمر أقل أحواله الاستحباب أو الإباحة. ومن ادعى أن الاستغاثة بالأموات والغائبين مستحب أو مباح فقد مرق من الإسلام. فإذا تحققت أن الرسول ﷺ لا يأمر من انفلتت دابته أن ينادي من لا يسمعه، ولا قدرة له على ذلك، وكما دل عليه قوله "فإن الله حاضر" تبين لك ضلال من استدل به على دعاء الغائبين والأموات، الذين لا يسمعون ولا ينفعون، وهل هذا إلا مضادة لقول الله -تعالى-: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ

стр. 292

مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ١ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٢، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣، وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ ٤ الآية. فهذه الآيات وأضعافها نص في تضليل من دعا من لا يسمع دعاءه، ولا قدر له على نفعه ولا ضره، ولو قدر سماعه فإنه عاجز. فكيف تترك نصوص القرآن الواضحة، وترد بقوله: "يا عباد الله: احبسوا"، مع أنه ليس في ذلك معارضة لما دل عليه القرآن، ولا شبهة معارضة؟ ولله الحمد. قول: لا إله إلا الله وحده غير كاف في العصمة وأما من ادعى أن من قال: لا إله إلا الله، فإنه لا يجوز قتله، ولا قتال الطائفة الممتنعة، إذا قالوا هذه الكلمة وإن فعلوا أي ذنب، فهذا قول مخالف للكتاب والسنة والإجماع، ولو طرد هذا القائل أصله لكان كافرا بلا شك. أما الكتاب: فقول الله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٥ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ ٦ أي: عن الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٧، فجعل قتالهم ممدودا إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بعد الإتيان بالتوحيد. وقال -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٨ أي: شرك ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٩. وأما السنة: فكثير جدا: "منها": ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها" ١٠. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ استخلف

стр. 293

أبو بكر، وكفر من كفر من العرب. قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ١؟ فقال أبو بكر: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، فوالله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه"، فقال عمر: "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق". فقد جعل الصديق ﵁ المبيح للقتال: مجرد المنع، لا جحد الوجوب. وقال النووي في شرح مسلم: "باب الأمر بقتال الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ ، وأن من أتى بذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى الله، وقتال من منع الزكاة وغيرها من حقوق الإسلام، واهتمام الإمام بشرائع الإسلام"، ثم ساق الحديث، ثم قال: قال الخطابي في شرح هذا الكتاب كلاما حسنا، لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد: قتال الصحابة لمن فرق بين الصلاة والزكاة قال ﵀: مما يجب تقديمه أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة وعادوا لكفرهم، وهم الذين عنى أبو هريرة بقوله: "وكفر من كفر من العرب". "والصنف الثاني": فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام. وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين من يكاد يسمح بالزكاة ولا يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يربوع، فإنهم جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف، ووقعت الشبهة عند عمر -رضي الله

стр. 294

عنه -، فراجع أبا بكر، وناظره، واحتج عليه بقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم نفسه وماله"١. وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر "الزكاة حق المال"، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها. والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة، ورد الزكاة إليها. وكان في ذلك من قوله دليل على قتال الممتنع من الصلاة، وإن كان إجماعا من الصحابة ﵃، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه. فلما استقر عندهم رأي أبي بكر ﵁ وبان لعمر صوابه، تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: "فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، عرفت أنه الحق"، يريد انشراح صدره بالحجة التي أدلى، والبرهان الذي أقامه نصا ودلالة. انتهى. قول النووي والخطابي في حديث: "أمرت أن أقاتل الناس" وقال النووي أيضا: وقال الخطابي -ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر-: إن عبد الله بن عمر وأنسا روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة. ففي حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٢. وفي رواية أنس: أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم إلا بحقها، ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين٣ انتهى. "قلت": وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب من رواية أبي

стр. 295

هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها" ١. وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر ﵄ دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما حفظه ابن عمر وأنس وأبو هريرة، وكان هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس آخر، فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليه، ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها، ولمَا كان احتج بالقياس والعموم. والله أعلم. انتهى كلام النووي ﵀. وقال النووي في شرح قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله" ٢. معنى قوله ﵇: وحسابه على الله" قال الخطابي: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون، ولا يرفع عنهم السيف. قال: ومعنى "وحسابه على الله"، أي فيما يسرونه ويخفونه، ففيه: أن من أظهر الإسلام، وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل. هذا كلام الخطابي. وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، ووضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس لمن قال: لا إله إلا الله؛ تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد مشركو العرب وأهل الأوثان، ومن لا يوحد، وهم أول من دعي إلى الإسلام وقوتل. فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقول: لا إله إلا الله إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: أني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ٣ وهذا كلام القاضي.

стр. 296

قول فقهاء المذاهب فيمن قال لا إله إلا الله وعمل بضدها "قلت": ولا بد من الإيمان بما جاء به الرسول، كما جاء في الرواية الأخرى عن أبي هريرة: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به١ انتهى كلام النووي. ولازم قول من قال: أنه لا يجوز قتال من قال: لا إله إلا الله، تخطئة أصحاب رسول الله ﷺ في قتالهم مانعي الزكاة، وإجماعهم على قتال من لا يصلي، إذا كانوا طائفة ممتنعين؛ بل يلزم من ذلك تخطئة جميع الصحابة في قتالهم بني حنيفة، وتخطئة علي بن أبي طالب ﵁ في قتال الخوارج؛ بل لازم ذلك رد النصوص، بل رد نصوص القرآن -كما قدمنا-، ورد نصوص رسول الله ﷺ التي لا تحصى. ويلزم صاحب هذه المقالة الفاسدة أنه لا يجوز قتال اليهود؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله. فتبين بما قررناه أن صاحب هذا القول مخالف للكتاب، والسنة، والإجماع. ونذكر بعض ما اطلعنا عليه من كلام فقهاء المذاهب: قال الشيخ علي الأجهوري المالكي: من ترك فرضا أخره لبقاء ركعة بسجدتيها من غير الضرورة، قتل بالسيف حدا على المشهور. وقال ابن حبيب وجماعة: ظاهر المذهب كفر، واختاره ابن عبد السلام. وقال: في فضل الأذان معنيان: "أحدهما": إظهار الشعائر، والتعريف بأن الدار دار إسلام، وهو فرض كفاية، يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، إن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال. "والثاني": الدعاء إلى الصلاة، والإعلام بوقتها. وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع أذانا أغار، وإلا أمسك. وقول المصنف: يقاتلون عليه، ليس القتال عليه من خصائص القول بالوجوب، لأنه نص عن عياض في قول المصنف: والوتر غير واجب؛ لأنهم اختلفوا في التمالؤ

стр. 297

على ترك السنن، هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم لأن في التمالؤ على تركها إماتتها. اه. وقال في فضل صلاة الجماعة: صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه، فرض كفاية في الجملة، يعني أهل المصر، قال: ولو تركوها قوتلوا، كما تقدم. اه. وقال الشيخ أحمد بن حمدان الأدرعي الشافعي في كتاب "قوت المحتاج في شرح المنهاج": من ترك الصلاة جاحدا وجوبها كفر بالإجماع، وذلك جار في جحود مجمع عليه، معلوم من الدين بالضرورة. فإن تركها كسلا قتل حدّا على الصحيح والمشهور. أما قتله، فلأن الله قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٢ فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولما في الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها" ٣ إلى أن قال في الروضة: تارك الصلاة يقتل على الصحيح، جزم به الشيخ أبو حامد. وفي البيان: لو صلى عريانا مع القدرة على السترة، أو صلى الفريضة قاعدا بلا عذر، قُتل، إلى أن قال: والصحيح قتله بصلاة واحدة، بشرط إخراجها عن وقت الضرورة. وقال ابن حجر الهيتمي في التحفة "في باب حكم تارك الصلاة": إن ترك الصلاة جاحدا وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلا مع اعتقاد وجوبها قتل، للآية ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٤، وحديث: "أمرت أن أقاتل الناس" ٥ الحديث، فإنهما شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة: الإسلام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. لكن الزكاة يمكن الإمام أخذها، ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا، فكانت فيها على حقيقتها، بخلافها في الصلاة، فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة، فكانت فيها بمعنى القتل. اهـ.

стр. 298

مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط القتال وأما كلام الحنابلة، فصرحوا بأن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة قوتلوا؛ أي: قاتلهم الإمام، أو نائبه حتى يفعلوهما. وكذا قالوا في صلاة الجماعة يقاتل تاركها، وكذا قالوا في صلاة العيد يقاتل أهل بلد تركوها، وكذا قالوا في قتال مانعي الزكاة، وأن الواجد إذا امتنع من أداء الزكاة، ولم يمكن أخذها منه قهرا، قتل بعد الاستتابة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵄، فاتفق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم" ١، فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط القتال. فالقتل واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. فأيما طائفة ممتنعة امتنعت من بعض الصلوات المفروضة، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال، والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة إذا أصروا على ترك بعض السنن كركعتي الفجر، والأذان، والإقامة عند

стр. 299

من لا يقول بوجوبهما، ونحو ذلك من الشعائر، فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة، ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، انتهى. وأيضا فالمقصود من لا إله إلا الله البراءة من الشرك، وعبادة غير الله -تعالى-. ومشركو العرب يعرفون المراد منها لأنهم أهل اللسان، فإذا قال أحدهم: لا إله إلا الله، فقد تبرأ من الشرك، وعبادة غير الله -تعالى-. فلو قال: لا إله إلا الله، وهو مصر على عبادة غير الله لم تعصمه هذه الكلمة؛ لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ١ أي: شرك ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٣. وقال النبي ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يُعبد الله وحده، لا شريك له" ٤، وهذا معنى قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ ٥أي: الطاعة وهذا معنى لا إله إلا الله. نسأل الله أن يجعلها آخر كلامنا، ويتوفانا مسلمين برحمته، فهو أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمدوعلى آله وصحبه والتابعين لهمبإحسان إلى يوم الدين تمت هذه النسخة الشريفة، المحتوية على الألفاظ المنيفة اللطيفة. أسكن الله -تعالى- مؤلفها الغرف العالية الرفيعة. آمين. وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

стр. 300

رسالة في معنى قوله ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة"ومحاجة آدم لموسى ﵉ معنى إحصاء أسماء الله بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين- إلى الإخوان محمد آل عمر، وصالح آل عثمان، ومحمد آل إبراهيم، ثبتهم الله على الإسلام، ووفقهم للتمسك بسنة سيد الأنام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وبعد" فموجب الخط: إبلاغ السلام، والوصية بالتمسك بما من الله به عليكم من معرفة التوحيد، الذي هو حق الله على العبيد، فاعرفوا حق هذه النعمة، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن إذا أنعم الله عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر. وما سألتم عنه من معنى قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما، فمن أحصاها دخل الجنة" ١ فقد ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- ما معناه: إن الإحصاء يتناول ثلاثة أمور: "الأول": حفظها، "الثاني": معرفة معانيها، "الثالث": اعتقاد ما دلت عليه، والعمل بمقتضاه. محاجة آدم لموسى وأما معنى محاجة آدم موسى ﵉ ولوم موسى لآدم، فذكر شيخ الإسلام وغيره: أن لوم موسى لآدم إنما هو على المصيبة التي لحقت الذرية بسبب الذنب، وآدم إنما احتج بالقدر على المصيبة، لا على الذنب. يوضح ذلك: أنه لو جاز الاحتجاج بالقدر على الذنب، وأنه حجة صحيحة، لكان حجة لإبليس وجميع العصاة، وهذا باطل بدلائل الكتاب والسنة، وإجماع أهل الحق من الأمة، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 301

الطلاق على عوض بسم الله الرحمن الر حيم من عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين- إلى الأخ المكرم إبراهيم آل علي -سلمه الله تعالى-، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. "وبعد" موجب الخط: إبلاغك السلام، والخط وصل -أوصلك الله إلى ما تحب-، وما ذكرت من حال طلاق الذي يذكر أنه طلق زوجته طلقة على عوض منها، ثم بعد ذلك طلقها ثلاثا، فإذا صدقته الزوجة على قوله: إنه طلقها الأولى على عوض منها، فلا يلحقها الطلاق الذي بعد ذلك، وتجوز له بعقد جديد. وما ذكرت من حال الذي يبغي يعطي الأمير، فالذي تراه مبارك؛ إن أعطى سعر مثله فهو المطلوب، فإن قصر عن السعر، ولا سمحت نفسه بالتمام، فهذا شيء زهيد ما يسوى يكتب من طرفه، ومتى ما شفت له مبيعه تبيعه -إن شاء الله-. وسلم لنا على العيال، والأمير، وولدنا عبد العزيز، وإخوانه، وآل محمد، والطلبة يسلمون عليكم، وأنت في حفظ الله وأمانه. والسلام. نصيحة في التمسك بالتوحيد والأمر بإنكار المنكر بسم الله الرحمن الر حيم "وبه نستعين" من عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين- إلى الإخوان عبد الله آل علي، وحمود، وعلى آل عبد الله التويجر، وفقهم الله لطاعته، وحفظهم بكلاءته. سلام عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 302

وبعد موجب الخط: إبلاغكم السلام، والسؤال عن حالكم -أصلح الله لنا ولكم الدين والدنيا والآخرة-، وخطكم وصل -أوصلكم الله إلى الخير-، نسأل الله أن يحيينا، وإياكم حياة طيبة، وهي الحياة في الطاعة، وأوصيكم بتقوى الله، والاستكثار من أعمال الخير، والتمسك بما تعرفون من التوحيد الذي دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. فأكثر الناس اليوم صار المعروف عندهم منكرا، والمنكر معروفا، وهذا زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وكل زمان شر مما قبله، وتصدّر للفتوى جهال؛ أضلوا الناس، اجتمع فيهم الجهل والفجور. وبعض من عنده معرفة، صار يناظر وجوه أهل الدنيا١، والمنصف اليوم أعز من الكبريت الأحمر، والحق -ولله الحمد- عليه نور. قال ﷺ : "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها" ٢ والحق مع ظهوره في غاية الغربة، ويرى المؤمن ما يذوب من قلبه. ونرجو أن المتمسك بدين الله اليوم يحصل له أجر خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأجل ظهور الشرك في الأمصار، وظهور المنكرات، وإضاعة الصلوات. فلم يبق -والله- من الإسلام إلا اسمه، وهذا مصداق ما أخبر به الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين-. نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، ويتوفانا مسلمين، ويجعلنا وإياكم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هذا، وأنتم في أمان الله، وحفظه. والسلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 303

فتاوى في الاستشفاع والاستغاثة وغيرها معنى الاستشفاع والاستغاثة سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن -أبا بطين-، عن المسائل الآتية، فأجاب عنها بما نصه:- وما سألت عنه من إنكار النبي ﷺ على من قال: نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله: نستشفع بك على الله؛ لأن معنى قوله: نستشفع بك على الله، أي نطلب منك أن تدعو الله أن يغيثنا؛ لأن الداعي شافع، ومعنى نستشفع بالله عليك: نطلب من الله أن يطلب منك أن تدعو لنا، وتستسقي لنا، والله يُشفع إليه، ولا يشفع هو إلى أحد. وأما آخر الحديث الذي أشار إليه بعد قوله: لا يستشفع به على أحد، شأن الله أعظم من ذلك. إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته وأرضه هكذا ١ وقال بأصابعه مثل القبة، وفي لفظ: وإن عرشه فوق سماواته، وسماواته فوق أرضه هكذا ٢ - وقال بأصابعه مثل القبة ٣. وأما قوله في الحديث الآخر: إنه لا يستغاث بي الحديث، فإن كان ٤

стр. 304

النبي ﷺ أراد بهذا الحماية لجانب التوحيد، وإن كانت الاستغاثة بالمخلوق -فيما يقدر عليه- جائزة كقوله -تعالى-: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١، وإذا أقبل عليك عدو ونخيت على ربعك٢ يعاونونك، فهذا استغاثة بهم، والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة. ضعف الإيمان في القلوب حتى أصبحت لا تحس بما يقع من الشرك والحديث المروي: "يأتي على الناس زمان يذوب فيه قلب المؤمن" الحديث؛ فهذه الأزمنة، والله كذلك، ولكن لضعف الإيمان ما نحس بذلك على حقيقته، وقد اشتدت -والله- غربة الإسلام. وأي غربة أعظم من غربة من وفقه الله لمعرفة التوحيد، الذي اتفقت عليه جميع الرسل الذي هو حق الله على عباده، مع جهل أكثر الناس اليوم به، وإنكارهم له، والأمر كما قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٣. نسأل الله لنا ولكم الوفاة على التوحيد؛ الذي هو إخلاص العبادة لله وحده. وقول الحسن ﵀، فما أحسن ذلك وأجله، وتوجعه وتأوهه، فما رأى في زمانه المثنى على أهله، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، كما قال الصادق المصدوق، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم، وإلف العادة، ضعف استنكار المنكر وعُدِم.. فالله المستعان، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 305

معنى كلمة التوحيد معنى كلمة التوحيد نفيا وإثباتا ومعنى المعبود والعبادة معنى كلمة التوحيد وحكم من قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله. بسم الله الرحمن الر حيم سئل الشيخ أبا بطين١ ﵀ عن معنى لا إله إلا الله، وعمن قالها، ولم يكفر بما يعبد من دون الله. وهل من قالها، ودعا نبيا، أو وليا هل تنفعه؟ أو هو مباح الدم والمال ولو قالها؟ أجاب ﵀ وعفا عنه-: معنى لا إله إلا الله عند جميع أهل اللغة وعلماء التفسير والفقهاء، كلهم يفسرون الإله بالمعبود، والتأله: التعبد. وأما العبادة فعرفها بعضهم بأنها ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي. والمأثور عن السلف تفسير العبادة بالطاعة، فيدخل في ذلك فعل المأمور وترك المحظور من واجب ومندوب، وترك المنهي عنه من محرم ومكروه. فمن جعل نوعا من أنواع العبادة لغير الله كالدعاء، والسجود، والذبح، والنذر، وغير ذلك لغير الله فهو مشرك. ولا إله إلا الله متضمنة للكفر بما يعبد من دونه، لأن معنى لا إله إلا الله إثبات العبادة لله وحده، والبراءة من كل معبود سواه، وهذا معنى الكفر بما يعبد من دونه، لأن معنى الكفر بما يعبد من دونه البراءة منه واعتقاد بطلانه، وهذا معنى الكفر بالطاغوت في قول الله –تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٢. والطاغوت: اسم لكل معبود سوى الله،

стр. 306

كما في قوله –تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله" ٢. فقوله: "وكفر بما يعبد من دون الله" ٣ الظاهر أن هذا زيادة إيضاح؛ لأن لا إله إلا الله متضمنة للكفر بما يعبد من دون الله، ومن قال: لا إله إلا الله، ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر، كدعاء الموتى والغائبين، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، فهذا مشرك شاء أم أبى، والله لا يغفر أن يشرك به ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٤. ومع هذا فهو مشرك، ومن فعله كان كافرا، ولكن على ما قال الشيخ: لا يقال فلان كافر حتى يبين له ما جاء به الرسول ﷺ ، فإن أصرَّ بعد البيان حكم بكفره وحل دمه وماله، وقال –تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ٥ أي: شرك ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٦. فإذا كان في بلد وثن يعبد من دون الله، قوتلوا لأجل هذا الوثن، أي: لإزالته وهدمه وترك الشرك، حتى يكون الدين كله لله. والدعاء دين، سماه الله دينا كما في قوله –تعالى-: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٧ أي: الدعاء، وقال ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له" ٨. فمتى كان شيء من العبادة مصروفا لغير الله، فالسيف مسلول عليه، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 307

معنى كلمة التوحيد نفيا وإثباتا ومعنى الإله والعبادة بسم الله الرحمن الر حيم سأل بعض الإخوان الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن -رحمة الله تعالى علينا وعليه- عن معنى لا إله إلا الله وما تنفي، وما تثبت. فأجاب -رحمه الله تعالى-: وما سألت عن معنى لا إله إلا الله، وما تثبت وما تنفي، "فأول" واجب على الإنسان معرفة معنى هذه الكلمة، قال الله –تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ ١، وقال: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ ٢ أي: بلا إله إلا الله ﴿هُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. فأفرض الفرائض معرفة معنى هذه الكلمة، ثم التلفظ بمقتضاها، فالإله هو المعبود والتأله التعبد. لا معبود إلا الله: نفت الإلهية عمن سوى الله، وأثبتتها لله تعالى وحده. فإذا عرفت أن الإله هو المعبود، والإلهية هي العبادة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، فالإله هو المعبود المطاع، فمن جعل شيئا من العبادة لغير الله فهو مشرك، وذلك كالسجود، والدعاء، والذبح، والنذر، وكذلك التوكل والخوف والرجاء، وغير ذلك من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة. وإفراد الله –سبحانه- بالعبادة، ونفيها عمن سواه هو حقيقة التوحيد، وهو معنى لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله بصدق ويقين، أخرجت من قلبه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا، فلا يصير في قلبه محبة لما يكرهه الله ولا كراهة لما يحبه، وهذا حقيقة الإخلاص الذي قال فيه ﷺ : "من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه دخل الجنة، أو حرم الله عليه النار" ٤. قيل للحسن البصري: إن ناسا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدَّى حقها وفرضها. وغالب من يقول لا إله إلا الله إنما يقولها تقليدا، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه

стр. 308

فلا يعرف ما ١ ومن لا يعرف ذلك يخفى عليه أن يصرف عنها عند الموت، وفي القبور أمثال هؤلاء يقولون كما في الحديث: سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ٢. نسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والله أعلم. اهـ. "نقل من خط من يزعم أنه نقله من خط الشيخ العلامة والعالم الفاضل البحر الفهامة، وحيد زمانه، وفائق أقرانه، وفارس المعاني والألفاظ، وأوحد الأجلة الحفاظ، ذي الهمم السنية، والمفاخر العلية، مفتي الديار النجدية، نادرة العصر، وزينة الدهر، عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين –رحمه الله تعالى-". فتاوى فقهية ومسائل وصي الصغير وتصرفاته في مال الصغير "في تصرف وصي الصبي في ماله وفي الطلاق وليهما يقدم من مال الميت سداد الدين أو الحج عنه". بسم الله الرحمن الر حيم أفتنا -عفا الله عنك-: إذا كان هنا وكيل لعيال صغار قاصرين، والوكيل كأخ، أو عم، أو أجنبي، هل تمضي وكالته بكل حال كقسم عقار، أو تصرف بمال أو غيره، أو تمضي بشيء دون شيء؟ "مسألة": إذا طلَّق رجل امرأته في حال صحته بائنا بعوض، أو ثلاث، فمات وهي في عدته، هل يجب عليها حداد؟ ويستحب، أم لا؟ "مسألة": إذا مات إنسان وفي ذمته دين آدميين وحجة الإسلام، وتركته ما توفي الجميع، هل يقدم الدين، أو الحجة أو يتحاصَّان؟ أفتنا مأجورا. انتهى.

стр. 309

أجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمه الله تعالى-: "الجواب": من طرف المسألة الأولى فالوصي على الصغار إنما يملك التصرف فيما وصي عليه به، فإذا أوصاه أبو الصغار عليهم في النظر في مالهم، وما يصلح لهم، ملك التصرف فيما فيه مصلحة لهم، وكذلك إذا كان لهم شريك في شيء، وطلب القسمة فالوصي عليهم يقسم لهم، وتمضي قسمته. ولا يملك الوصي تزويج صغير إلا إن نص له الأب على التزويج بأن يقول: وصيت إليك بتزويج بناتي ونحو هذا. البائن في الصحة وأما البائن في الصحة فلا يلزمها إحداد إذا مات زوجها وهي في عدته، ولا تنتقل عن عدة الطلاق، بل تتم عدة طلاق فقط، ولا يستحب لها الإحداد أيضا؛ لأنها غير وارثة منه. مات وكان قد وجب عليه الحج في حياته لاستكمال شروطه وعليه دين وأما من مات وعليه حجة الإسلام بأن يكون قد وجب عليه الحج في حياته لاستكمال شروطه حج عنه من ماله، فإن كان عليه دين، وماله لا يفي، فالدين ونفقة الحج سواء يقسم بالحصص. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. "رسالة في هبة ثواب الأعمال إلى الميت هل يجوز أم لا؟ " بسم الله الرحمن الر حيم هذا جواب مسائل وردت على شيخنا فقال: أما ما ذكرت من إيراد عثمان بعض عبارات الأصحاب على جواز التشريك في نفس العمل، فهو إيراد غير صحيح، ولا ينبغي للطالب العدول عن صريح كلامهم ومعارضته بما يحتمل من موافقة الصريح من كلامهم، ويحتمل ضده ثم يحمله على ما يخالف الصريح، بل الذي ينبغي رد المحتمل من كلامهم على صريحه ومنصوصه كما يجب رد المتشابه إلى المحكم. وأما ما رواه الكحَّال عن أحمد قال: قيل لأبي عبد الله: الرجل يعمل الشيء

стр. 310

من الخير، من صلاة وصدقة أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه أو لأمه. قال: أرجو، فهذا يحتمل أن المراد جعل نصف نفس العمل، ويحتمل نصف ثوابه، ويتعين حمله على الاحتمال الثاني لوجهين: "أحدهما": أن الأصحاب لما ذكروا جواز إهداء ثواب العمل، احتجوا لقولهم برواية الكحال عن الإمام، فدلَّ على أن هذا معنى الرواية عندهم. "الوجه الثاني": أنهم لما نصوا على أنه إذا حرم عن اثنين وقع عن نفسه قاسوا ذلك على الصلاة، فدلَّ على أن كون الصلاة لا تقع عن اثنين لا خلاف فيه عندهم لأنهم جعلوه أصلا، وقاسوا عليه الحج، فدلَّ على أنهم لم يفهموا من رواية الكحال إلا التشريك في نفس العمل، وإنما معناها التشريك في الثواب. ولما ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- وصول ثواب القربات إلى الأموات، وذكر ما في المسألة من الخلاف، وصحَّح القول بوصولها، وذكر حجج المخالفين، وذكر من حججهم قولهم: لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت. فأجاب بوجهين: "أحدهما": منع الملازمة. "الثاني": التزام ذلك والقول به، نصَّ عليه الإمام أحمد من رواية محمد بن يحيى الكحال، قال: ووجه هذا أن الثواب ملك له، فله أن يهديه جميعا، وله أن يهدي بعضه، يوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا- تحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع، وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره. اهـ الوصي بالأضحية هل يأكل منها أم لا؟ وأما الوصي في الأضحية فقاسوه على من أوصى إليه بتفرقة شيء –مثلا- على الفقراء وهو فقير. المشهور في المذاهب أنه لا يأخذ شيئا، وأجاز جماعة له الأخذ، وفيه قول يجوز له الأخذ إن دلت قرينة على الإذن وإلا فلا، وتعليلهم على أنه يجوز مع الإذن، فكذلك إذا أذن الموصي للوصي في الأكل من الأضحية جاز، وصرح ابن عبد الهادي بجواز الأكل له كغيره.

стр. 311

وأما ما أفهمه كلام أحمد بن محمد من أنه لا يجوز له الأكل حتى مع الإذن، فالظاهر أنه ليس بصواب، لأن كلام الأصحاب قد دلَّ على جواز الأخذ لمن أوصى إليه بتفرقة شيء، أو وكل إليه فيه إذا أذن له في الأخذ، فكذلك إذا أذن الموصي للوصي في الأخذمن لحم الأضحية، وأي فرق؟ وأما إذا قال الموصي لوصيه في الأضحية: لك جلدها ونحوه على سبيل الوصية له بذلك، أو على طريق العوض، فالظاهر عدم جواز ذلك، وأما إذا قال: أذنت لك في الأكل من لحمها فلا مانع منه، والله أعلم. العمل بالخط في إثبات الوقف "وأما المسألة الثالثة": وهي العمل بالخط في إثبات الوقف، وهل ينْزع العقار ونحوه ممن هو في يده؟ بخط قاض معروف ويحكم به بمجرد الخط؟ فالذي يظهر أن هذا مبني على جواز العمل بمجرد الخط في الحكم والشهادة. ومن المعلوم أن الذي عليه أكثر متقدمي الأصحاب أنه لا يجوز العمل بمجرد الخط، وقد علمتم ما شرطوه في كتاب القاضي إلى القاضي وغير ذلك. والذي عليه عمل المتأخرين جواز العمل بالخط، والكلام الذي نقلتموه مضمونه عدم جواز العمل بالخط. لأنه أخرجه عن كونه بينة، ولا شك أن هذا هو مقتضى قول أكثر المتقدمين. وأما ما اعتمده كثير من المتأخرين من العمل بالخطف مقتضى قولهم جواز العمل بذلك، والاعتماد عليه بشرط تحقق الحاكم أنه خط القاضيالمعروف خطه وثقته، فلا يجوزالاعتماد على خط لا يتيقنه ولا يعرف ثقة كاتبه والله أعلم

стр. 312

رسالة في حكم من يكفر غيره من المسلمين والكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن ... رسالة في حكم من يكفِّر غيره من المسلمين، والكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل "فلا يحكم عليه به إلا بعد أن تقوم عليه الحجة" والذي لا يعذر. من فتاوي العلامة مفتي الديار النجدية، وعالم الطائفة السلفية الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المشتهر بأبا بطين -رحمه الله تعالى- علَّق عليه بعض الحواشي الضرورية في هذه المسألة المهمة السيد محمد رشيد رضا رسالة في حكم من يكفِّر غيره من المسلمين حكم من يكفِّر غيره من المسلمين بسم الله الرحمن الر حيم استفتاء "مسألة": قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى- في رده على ابن البكري: فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، وتزني بأهله، لأن الزنى والكذب حرام لحق الله –تعالى-، وكذلك التكفير حق لله –تعالى- فلا نكفر إلا من كفره الله ورسوله. وأيضا فإن تكفير الشخص المعين، وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر ... إلى أن قال: ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين ينفون أن يكون –تعالى- فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال ... إلخ أفتونا ما معنى قيام الحجة -أثابكم الله بمنه وكرمه-؟ "الجواب": الحمد لله رب العالمين. تضمَّن كلام الشيخ ﵀ مسألتين: "إحداهما": عدم تكفيرنا لمن كفرنا، وظاهر كلامه أنه سواء كان متأولا أم لا، وقد صرَّح طائفة من العلماء أنه إذا قال ذلك متأولا لا يكفر. ونقل ابن حجر الهيتمي عن طائفة من الشافعية أنهم صرَّحوا بكفره إذا لم يتأوَّل، فنقل عن المتولي أنه قال: إذا قال لمسلم: يا كافر، بلا تأويل، كفر. قال وتبعه على ذلك جماعة، واحتجُّوا بقوله ﷺ : "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" ١، والذي رماه به مسلم، فيكون هو كافرا، قالوا: لأنه سمى الإسلام كفرا. وتعقب بعضهم هذا التعليل وهو قوله: لأنه

стр. 313

سمى الإسلام كفرا فقال: هذا المعنى لا يفهم من لفظه: ولا هو مراده، إنما مراده ومعنى لفظه أنك لست على دين الإسلام الذي هو حق، وإنما أنت كافر دينك غير الإسلام، وأنا على دين الإسلام. وهذا مراده بلا شك لأنه إنما وصف بالكفر الشخص لا دين الإسلام، فنفى عنه كونه على دين الإسلام، فلا يكفر بهذا القول، إنما يعزر بهذا السب الفاحش بما يليق به. ويلزم على ما قالوه أن من قال لعبد: يا فاسق، كفر لأنه سمى العبادة فسقا، ولا أحسب أحدا يقوله، وإنما يريد أنك تفسق، وتفعل مع عبادتك ما هو فسق، لا أن عبادتك فسق. انتهى. وظاهر كلام النووي في شرح مسلم يوافق ذلك، فإنه لما ذكر الحديث قال: وهذا مما عده العلماء من المشكلات، فإن مذهب أهل الحق أن المسلم لا يكفر بالمعاصي كالقتل والزنى، وكذا قوله لأخيه: يا كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام. ثم حكى في تأويل الأحاديث وجوها: "أحدها": أنه محمول على المستحل ومعنى "باء بها" بكلمة الكفر، وكذا "حار- عليه" في رواية أي: رجعت عليه كلمة الكفر، فباء وحار ورجع بمعنى. "الثاني": رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره. "الثالث": أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا نقله القاضي عياض عن مالك، وهو ضعيف لأن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع. "الرابع": معناه أنه يؤول إلى الكفر، فإن المعاصي كما قالوا بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر. ويؤيده رواية أبي عوانة في مستخرجه على مسلم: فإن كان كما قال، وإلا فقد باء بالكفر ١. "الخامس": فقد رجع بكفره، وليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير، كونه جعل أخاه المؤمن كافرا، فكأنه كفر نفسه، إما لأنه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان الإسلام انتهى.. وقال ابن دقيق العيد في قوله ﷺ : "ومن دعا رجلا بالكفر وليس

стр. 314

كذلك إلا حار عليه" ١ أي: رجع عليه. وهذا وعيد عظيم لمن كفر أحدا من المسلمين، وليس هو كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق من العلماء اختلفوا في العقائد، وحكموا بكفر بعضهم بعضا. ثم نقل عن الاستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني، قال: وربما خفي هذا القول على بعض الناس، وحمله على غير محمله الصحيح. والذي ينبغي أن يحمل عليه أنه لمح هذا الحديث الذي يقتضي أن من دعا رجلا بالكفر، وليس كذلك رجع عليه الكفر، وكذلك قوله ﷺ : "من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما " "٢". وكان هذا المتكلم أي أبو إسحاق يقول: الحديث دل على أنه يحصل الكفر لأحد الشخصين، إما المكفِّر؛ وإما المكفَّر، فإذا كفرني بعض الناس فالكفر واقع بأحدنا، وأنا قاطع أني لست بكافر، فالكفر راجع إليه. انتهى. وظاهر كلام أبي إسحاق أنه لا فرق بين المتأول وغيره، والله أعلم. وما نقله القاضي عن مالك من حمله الحديث على الخوارج موافق لإحدى الروايتين عن أحمد في تكفير الخوارج، اختارها طائفة من الأصحاب وغيرهم، لأنهم كفروا كثيرا من الصحابة، واستحلوا دماءهم وأموالهم متقربين بذلك إلى الله تعالى، فلم يعذروهم بالتأويل الباطل، لكن أكثر الفقهاء على عدم كفرهم لتأويلهم. وقالوا: من استحل قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر. وإن كان استحلاله ذلك بتأويل كالخوارج لم يكفر، والله أعلم وأحكم. تكفير الشخص المعين وقتله مشروط بقيام الحجة عليه "المسألة الثانية": إن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها إلخ. يشمل كلامه من لم تبلغه الدعوة، وقد صرح بذلك في موضع آخر، ونقل ابن عقيل عن الأصحاب أنه لا يعاقب، وقال: إن عفو الله عن الذي كان يعامل، ويتجاوز

стр. 315

لأنه لم تبلغه الدعوة، وعمل بخصلة من الخير، واستدل لذلك بما في صحيح مسلم مرفوعا: والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ١. قال في شرح مسلم: خص اليهود والنصارى لأن لهم كتابا، قال: وفي مفهومه أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور. قال: وهذا جار على ما تقرر في الأصول "لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح". اهـ. وقال القاضي أبو يعلى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ٢ في هذا دليل على أن معرفة الله تعالى- لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. اهـ. وفيمن لم تبلغه الدعوة قول آخر أنه يعاقب٣. اختاره ابن حامد، واحتج بقوله تعالى-: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٤. والله أعلم. فمن بلغته رسالة محمد ﷺ وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة ٥، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه- بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم ٦. ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع إن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم. وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين

стр. 316

شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة، ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنى، ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء. ولا عذر لمن كان حاله هكذا بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته، لأنه لا عذر له بعد بلوغها له وإن لم يفهمها ١. وقد أخبر الله عن الكفار أنهم لم يفهموا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ٢، وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣. فبين سبحانه- أنهم لم يفقهوا فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار كما في قوله تعالى-: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ٤ الآية. من قال إن من عجز عن معرفة الحق بعد النظر فهو معذور بكفره قال الشيخ أبو محمد موفق الدين بن قدامة -رحمه الله تعالى- لما أنجز كلامه في مسألة: هل كل مجتهد مصيب أم لا؟، ورجح أنه ليس كل مجتهد مصيبا، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين. قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم ٥ ... إلى أن قال: وأما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا، وكفر بالله تعالى- ورد عليه وعلى رسوله، فإنا نعلم قطعا أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، وقاتل جميعهم ٦ يقتل البالغ منهم. ونعلم أن المعاند العارف ممن يقل، وإنما الأكثر مقلدة

стр. 317

اعتقدوا دين آبائهم تقليدا، ولم يعرفوا معجزة لرسول ﷺ وصدقه، والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة كقوله تعالى-: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ١، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٤، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاًأُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ٦. وفي الجملة ذم المكذبين لرسول الله ﷺ لا ينحصر في الكتاب والسنة اهـ. فبين رحمه الله تعالى- أنا لو لم نكفر إلا المعاند العارف لزمنا الحكم بإسلام أكثر اليهود والنصارى، وهذا من أظهر الباطل ٧. التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة وفهمها فقول الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة، يدل كلامه على أن هذين الأمرين -وهما التكفير والقتل- ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقا، بل على بلوغها، ففهمها شيء، وبلوغها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة، وهذا بين البطلان٨. بل آخر كلامه ﵀ يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور

стр. 318

التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات. مسائل من الكفر يجهلها كثير من العوام وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح -رحمه الله تعالى- في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها، فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها١. وهذا في كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- كثير كقوله في بعض كتبه: فكل من غلا بنبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، نحو أن يقول: يا فلان أغثني، أو اغفر لي، أو ارحمني، أو انصرني، او أجبرني، أو توكلت عليك، وأنا في حسبك وأنت حسبي، ونحو هذه الأقوال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. وقال أيضا: فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم، كفر إجماعا. وقال: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربة إلى الله، فهو مرتد. وإن جهل أن ذلك محرم، عُرف ذلك، فإن أصر صار مرتدا. وقال: من سب الصحابة أو واحدا منهم، أو اقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وقال أيضا: من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر. انتهى.

стр. 319

ما يعذر به الجاهل بجهله من أمور الدين واستحلال المحرمات وما لا يعذر فانظر كيف كفر الشاك، والشاك جاهل، فلم ير الجهل عذرا في مثل هذه الأمور١. وقال ﵀ في أثناء كلام له: ولهذا قالوا من عصى مستكبرا كإبليس، كفر بالاتفاق. ومن عصى مشتهيا لم يكفر عند أهل السنة. ومن فعل المحارم مستحلا فهو كافر بالاتفاق. قال: والاستحلال اعتقاد أنها حلال٢، وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون الخلل في الإيمان بالربوبية، أو الرسالة، ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ثم يمتنع من التزام هذا التحريم، ويعاند فهذا أشد كفرا ممن قبله. انتهى.

стр. 320

وكلامه ﵀ في مثل هذا كثير، فلم يخص التكفير بالمعاند مع القطع بأن أكثر هؤلاء جهال لم يعلموا أن ما قالوه، أو فعلوه كفر، فلم يعذروا بالجهل في مثل هذه الأشياء، لأن منها ما هو مناقض للتوحيد الذي هو أعظم الواجبات، ومنها ما هو متضمن معارضة الرسالة ورد نصوص الكتاب والسنة الظاهرة المجمع عليها بين علماء السلف. وقد نص السلف والأئمة على تكفير أناس بأقوال صدرت منهم مع العلم أنهم غير معاندين، ولهذا قال الفقهاء -رحمهم الله تعالى-: من جحد وجوب عبادة من العبادات الخمس، أو جحد حل الخبز ونحوه، أو جحد تحريم الخمر ونحوه، أو شك في ذلك ومثله لا يجهله كفر، وإن كان مثله يجهله عُرف ذلك، فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل، ولم يخصوا الحكم بالمعاند. وذكروا في باب حكم المرتد أشياء كثيرة -أقوالا وأفعالا- يكون صاحبها بها مرتدا، ولم يقيدوا الحكم بالمعاند. وقال الشيخ أيضا: لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر كقدامة وأصحابه، وظنوا أنها تباح لمن آمن وعمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة١، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق، فإن أصروا كفروا. وقال أيضا: ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا٢ من الأحياء والأموات- لا الأنبياء ولا غيرهم-، لا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعانة ولا بغيرهما، كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت ولا إلى ميت
следующие страницы →