← Тараджим

Тараджим · id 1137

مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة - ط بذيل الجواهر المضية

الملا على القاري

Полный текст (107 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أنس عنه ﷺ أنه قال كاد الحسد أن يغلب القدر وكاد الفقران يكون كفرا وأن الرجل ليذنب ذنبا فيحرم نصيبه من الرزق قال الأعمش حسبك ما حدثتك في مائة يوم حدثتني في ساعة ما علمت أنك تعمل بهذه الأحاديث يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة وأنت أيها الرجل أخذت بكلى الطرفين وذكر الإمام المرغيناني أن رجلا جاء إليه وقال حلفت أن لا أغتسل من هذه الجنابة فأخذ الإمام يده وانطلق به حتى إذا مر على قنطرة نهر دفعه في الماء حتى انغمس في الماء ثم خرج فقال قد طهرت وبررت لان اليمين كان على منع نفسه عن فعل الغسل ولم يحصل منه فعل وسئل عن امرأة صعدت السلم فقال لها زوجها إن صعدت فأنت طالق وإن نزلت أيضاً قال يرفع السلم وهي قائمة عليه ثم يوضع على الأرض أو ترفع المرأة وتوضع على الأرض ولا يحنث لأنها ما نزلت ولا طلعت وسئل أيضاً عن رجل قال لامرأته إن لبست هذا الثوب فأنت كذا وإن لم أجامعك فيه فأنت كذا فتحير علماء الكوفة فقال يلبسه الزوج ويجامعها فيه وولدت امرأة ولدين ظهرهما متصل فمات أحد الولدين قال علماء الكوفة يدفنان جميعا وقال الإمام يدفن الميت ويتوصل بالتراب في قطع الاتصال ففعلوا فانفصل الحي وعاش وكان يسمى بمولى أبي حنيفة ﵁ ودعاه ابن هبيرة يوما وراه فصا منقوشا مكتوب عليه عطاء بن عبد الله وقال أكره التختم به لمكان اسم غيري عليه ولا يمكن حكه فقال دور رأس الباء يكون عطاء من عند الله فتعجب من سرعة استخراجه وقال لو أكثرت الاختلاف إلينا وأفدتنا قال وما أصنع عندك إذا قربتني فسنى وإن أقصيتني

стр. 37

أحزنتني وليس عندك ما أرجوه وليس عندي ما أخافك عليه ومثل هذا جرى بينه وبين المنصور وعيسى بن موسى أمير الكوفة حين قالا له لو أكثرت الاختلافات إلينا وأفدتنا وعن الحسن بن زياد عنه قال ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق دعاني المنصور يوما وقال الناس قد افتتنوا به فهيئ عليه من المسائل الشداد فهيأت له أربعين مسألة ثم دعاه وقال الق عليه من مسائلك فألقيت عليه واحداً واحدا فجعل يقول كذا قال أهل المدينة فيه وأنتم قلتم كذا وكذا وأنا أقول فيه كذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالف الكل فلما فرغ قال ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم بهذه الاختلافات وعن أبي معاذ البلخي أن الإمام كان يقول أهل الكوفة كلهم مولاي لان الضحاك بن قيس الشيباني الحروري دخل الكوفة وأمر بقتل الرجال كلهم فخرج إليه الإمام في قميص ورداء وقال أريد أن أكلمك فقال تكمل قال لم أمرت بقتل الرجال قال لأنهم مرتدون قال أكان دينهم غير ما هم عليه فارتدوا حتى صاروا إلى ما هم عليه أم كان هذا دينهم قال أعد ما قلت فأعاد قال الضحاك أخطأنا فغمدوا سيوفهم ونجا الناس وقال أبو الفضل الكرماني لما دخل الخوارج الكوفة ورأيهم تكفير كل من أذنب وتكفير كل من لم يكفر قيل لهم هذا شيخ هؤلاء فاخذوا الإمام وقالوا تب من الكفر فقال أنا تائب من كل كفر فقيل لهم أنه قال أنا تائب من كفركم فأخذوه فقال لهم أبعلم قلتم أم بظن قالوا بظن قال إن بعض الظن إثم والإثم ذنب فتوبوا من الكفر قالوا تب أيضاً من الكفر فقال أنا تائب من كل كفر فهذا الذي قاله الخصوم أن الإمام استتيب من الكفر

стр. 38

مرتين ولبسوا على الناس وحكى أن رجلا أوصى إلى رجل وسلم إليه كيسا فيه ألف دينار وقال إذا كبر ولدي فادفع إليه ما تحبه فلما كبر دفع إليه الكيس وامسك المال فلم يجد الصبي مخرجا فجاء إلى الإمام وقص عليه فدعا الوصي وقال له ادفع الألف لأنك أمسكت المال والرجل إنما يمسك ما يحب ويعطي ما لا يحب وكان الإمام إذا شكلت عليه مسئلة قال لأصحابه ما هذا إلا لذنب أحدثته وكان يستغفر وربما قام وصلى فتنكشف له المسئلة ويقول رجوت أني تيب علي فبلغ ذلك فضيل بن عياض فبكى بكاء شديدا ثم قال ذلك لقلة ذنب فأما غيره فلا يتنبه لهذا قلت ولعل الشافعي من هنا قال شعر … شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأوصي لي إلى ترك المعاصي فان الحفظ فضل من اله … وفضل الله لا يعطى لعاص … ووكيع هذا كان أستاذ الإمام الشافعي وقد قال الإمام لداود والطائي أنت تتخلى للعبادة وقال لأبي يوسف إنك تميل إلى الدنيا وقال لكل واحد من تلامذته كلاما وكان كما قاله وهذا من الكرامة والفراسة وكان يقول ذو الشرف أتم عقلا من غيره قلت ولعل مأخذه قوله ﵇ إذا فقهوا وذكر أبو العلاء الهمداني عن أبي القاسم يوسف بن علي اليشكري صاحب الكامل في علم القراءة مرض أبو يوسف فقيل أنه قضى قال الإمام لا قيل من أين علمت قال أنه خدم العلم فلم يجتن ثماره لا يموت وكان كما قال حتى روى أنه كان له يوم مات سبع مائة ركاب ذهبية وذكر الإمام أبو القاسم بن علي الرازي قال احتاج الإمام إلى الماء

стр. 39

فى طريق الحجاز فساوم أعرابيا قربة ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم فاشتراه بها ثم قال له كيف أنت بالسويق فقال أريده فوضعه بين يديه حتى أكل ما أراد وعطش فطلب الماء فلم يعطه حتى اشترى منه شربه بخمسة دراهم فصل في ورعه وتقواه وزهده وعلمه وكرمه رضى الله عنه عن ابن المبارك قلت لسفيان الثوري ما أبعده عن الغيبة ما سمعت يغتاب عدو له قط قال هو أعقل من أن يسلط على حسناته من يذهب بها وعن يزيد بن هارون رأيته يوما بفناء دار غريم له قد قام في الشمس فانكرته فقال لي على مالكها مال أخاف أن أجلس في ظلها ومثله عن يحيى بن أبي زائدة إلا أنه قال حلفته بالله العظيم عن مانع الاستظلال فقال أخاف أن يكون قرضا جر نفعا قال وما أراه على الناس لكن على العالم أن يأخذ بعلمه أكثر مما يدعو إليه ولكن شمس الأئمة في كتاب الصرف رد هذا وقال إنه من التكلف لا من الزهد لكن ذكر في صفات الصالحين أن امرأة سألت الإمام أحمد بن حنبل أن شموع آل طاهر تعبر من محلنا ونحن نغزل فى ضوئه ونحن على السطوح طاقة أو طاقتين فهل يحل لنا ثمن ذلك الغزل فقال الإمام أحمد من أنت قالت أخت بشر الحافي قال ما زال هذا الورع الصافي يخرج من آل بشر الحافي فعلم بهذا أن دقائق الورع لا غاية لها ولا نهاية وكان حفص بن عبد الرحمن شريك الإمام فبعثه إلى تجارة وقال فى ثوب كذا عيب فباع بلا بيانه وجاء بربح فتصدق بحصته وفاسخه الشركة قال المرغيناني وكان الربح خمسة وثلاثين ألف درهم وكان الحسن بن عمارة يقع فيه فجمع علماء الكوفة أميرها لمسئلة فالكل

стр. 40

اخطأ إلا الحسن قال الإمام كلنا اخطأ إلا الحسن فلو شاء أن يقيم قولا لأقامه ويبطل قولي لأبطله لكنه منعه زهده وتقواه وكان الحسن بعد ذلك يمدحه وفي رواية سهل بن مزاحم وتكلم العلماء وتكلم الإمام فقال العلماء كلهم القول قوله فقال له الأمير اكتب فقال الحق ما قاله الحسن فازداد الناس اعتقادا فيه وعن النضر بن محمد الرقي قال لقيته ببغداد وأنا أريد الكوفة فقال قل لإبني حماد قوتي في الشهر درهمان من سويق وقد حبسته عني فعجله إلي وكان في تلك الأيام حبسه المنصور للقضاء ببغداد وكان لا يأكل من طعامه بل يوتي له بالسويق من الكوفة وعنه أن الإمام نهى عن الإفتاء وكان ابنه يسأل عنه في الخلوة شيئا فلا يجيبه فقال حماد أنت بمكان لا يراك فيه أحد فقال أخاف أن يسألني السلطان هل أفتيت فأخاف أن أقول لا وعن الإمام أحمد أنه ذكره فقال كان زاهدا ورعا ضرب على القضاء إحدى وعشرين سوطا فأبى وعن المبارك أراد الإمام أن يشتري جاريه فشاور عشر سنين من أي جنس يشتريها ووقعت أغنام من الغارة في الكوفة فسأل عن مدة حياة الغنم فقيل سبع سنين فما أكل اللحم سبع سنين ونعم ما قيل فيه شعر … حسبي مديح أبي حنيفة أنه … أسد العلوم وغابة الأقلام قد كان في شأن التورع غاية … تكبو وراء بلوغها الأوهام للزهد لم يقبل حلالا طيبا … فمتى يساق إلى حماه حرام …

стр. 41

هل قد رأيتم مثله متورعا … جاءت به الأصلاب والأرحام لما أتاه الفقه مزموما وما … باهى به باهى به الإسلام … وعن سهيل بن مزاحم بذلت له الدنيا بحذافيرها وضرب عليها بالسياط قلم يقبلها من قليلها وكثيرها وعن أبي يوسف سمعت يقول لولا الخوف من الله ما أفتيت أحدا لكون المهنأ لهم والوزر علينا قلت فكأنه ﵁ أشار إلى قوله ﵇ أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ولهذا كان السلف الأبرار يتدافعونه عن أنفسهم فى الإعصار والأمصار وقد نظم الإمام سراج الدين الغزي أخو صاحب المحيط هذا المبني وزاد فى المغني فقال شعر … تركت الكتب فى الفتوى وأبي … لمحتسب بهذا الترك أجرا وما تركي لعجزي منه لكن … أكرر من أصول الشرع وقرا وأما ما درست بغير حفظ … فيعظم ذكرها عدا وحصرا ولي من سائر الأنواع حظ … وما قولي معاذ الله كبرا ولكن أذكر النعماء عندي … من الرحمن إيمانا وشكرا ولكن قد يكون الحكم طورا … خلافيا وبالإجماع طورا فترتعد الفرائض عند كتبي … نعم أو لا لظني ذاك خيرا وتركي قول مجتهد سوا … لظن قد يكون الظن وزرا تدبرت الأمور وكان كتبي … لذي الأمثال صيتا لي وذكرا فقلت هلكت إن الناس طرا … قد اتخذوك للنيران جسرا فلا يغررك ذكر الناس واجهد … لتكسب عند ربك العرش ذكرا …

стр. 42

وبادر فى قول الحق واحذر … قضاء لازما موتا وحشرا ودع عنك العلو تكون عبدا … قنوعا صالحا سرا وجهرا ولا تركن إلى الدنيا وشمر … لما يدعي لدي الرحمن ذخرا فلا يغني مقال الخلق عني … هو المغني لما أرهقت عسرا فحسبي عفو ربي عند تركي … وحسبي كتبة الباقين عذرا … وعن الحسين بن مالك عن الإمام أنه قال وقع بين المنصور وامرأته مشاجرة فاختارت الإمام ليكون حكما فدعاه المنصور وجلست امرأته وراء الستر فقال المنصور كم يحل للرجل من الحراير قال أربع قال ومن الإماء قال ما شاء بلا عدد قال هل يجوز لأحد خلاف في ذلك قال لا قال الخليفة اسمعي ما قال قالت سمعت قال الإمام يا أمير المؤمنين إنما تحل الأربع لمن عدل فمن لم يعدل أو خاف أن لا يعدل فلا تحل إلا واحدة قال الله تعالى ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ الآية فسكت الخليفة وقام أبو حنيفة فلما بلغ الإمام منزله بعثت الحرة إليه بخمسين ألف درهم وبجارية حسناء معها وبمركب شكرا لما صنع فجاء الخادم بكل ذلك إليه فلم يقبل منه شيأ وقال ما أردت بهذا الكلام تقربا إلى أحد ولا التماسا للبر من المخلوق ولم يمس منه شيئا ولم ينظر إليه حتى رفع من بين يديه وعن العسكري أنه لما جيئ به إلى المنصور أمر له بعشرة آلاف درهم على يد حسن بن قحطبة فلما أحس أنه يؤتى بمال جعل لا يكلم أحدا فحمل إليه المال فقيل أنه ما تكلم اليوم فقال الحمالون ما نصنع بالمال فوضعوه في زاوية من البيت فلما مات كان ابنه حماد غائبا فقدم فذهب بالمال إلى ابن قحطبة وكان ذلك المال لم يحرك من مكانه فقال هذه وديعتك كانت في زاوية البيت فخذها فنظر إليه الحسن وقال

стр. 43

رحمة الله كان شحيحا على دينه وذكر صاحب = المنظومة عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري أن الإمام لما فر من ابن هبيرة إلى مكة أقام بها إلى أن ظهرت الهاشمية فقدم الكوفة فاشخص إلى بغداد فأمر له المنصور بعشرة آلاف درهم وجارية فقال له عبد الملك بن حميد وزيره وكان جيد الرأي فيه اقبل الجائزة فإن الخليفة يطلب عليك علة فقال لا حاجة لي فيه فقال أما المال فقد كتب في الديوان أنه قبل وأما الجارية فأما أن تقبلها وأما أن تعتذر حتى أعذرك عنده قال إني ضعيف عن النساء لا حاجة في الجارية لا أصل إليها ولا أحسن أن أبيع جارية وصلت إلي من حرم أمير المؤمنين وذكر المرغيناني عن الحميدي عن أبيه قال لما أشخصه المنصور إلى بغداد شخصت معه فلما خرج من عند المنصور منتقع اللون سألته عن ذلك فقال دعاني إلى القضاء فقلت لا أصلح لذلك لأنه ليس لي قلب أحكم به عليك وعلى أولادك وقوادك فقال لِمَ لم تقبل صلتي فقلت تعطيني من بيت المال ولست من المقاتلة حتى آخذ مالهم ولا من الذرية حتى آخذ عطاياهم ولا من الفقراء حتى آخذ ما يأخذونه قال فأقم حتى تستفتيك القضاة فيما يحتاجون إليك من الأحكام وعن الحسن بن زياد أنه لم يقبل من أحد هدية ولا جائزة وعن سهل بن مزاحم كنا ندخل بيته ولا نرى إلا البواري وعن عبد الرزاق كنا إذا رأيناه رأينا آثار البكار في عينيه وخديه وسئل أبو مقاتل عنه وعن سفيان فقال ليس من ابتلي فهرب كمن ابتلي فصبر يريد أن سفيان لما دعي للقضاء هرب والإمام صبر على السياط ولم يقبل وعن عبد العزيز بن عصام أن المنصور لما عرض عليه القضاء وامتنع ضربه ثلاثين سوطا حتى سال الدم على عقبيه قال له عمه عبد الصمد بن علي بن عبد الله

стр. 44

ابن عباس سللت على نفسك مائة ألف سيف هذا فقيه العراق وفقيه المشرق فأمر له بثلاثين ألف درهم وكان كل درهم مقدار مائة درهم اليوم لعزة الدراهم فلما وضعت بين يديه رفضها فقيل له لو تصدقت بها فقال أبو جد عندهم الحلال وعن جعفر بن عون العمري قال أتته امرأة تطلب ثوبا بما قام عليه فأخرج ثوبا وقال قام على بأربعة دراهم قالت أتهزأ بي وأنا عجوز قال اشتريت ثوبين وبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم فهذا قام على بأربعة وعن عبد العزيز بن خالد إمام أهل ترمذ أودعت عنده جارية حين خرجت حاجا وغبت أربعة اشهر فلما قدمت قلت له كيف رأيتها قال ما نظرت إليها وسمعت أنه لم يغتسل في تلك المدة فقيل له في ذلك فقال خفت أنها إن سمعت خشخشة الماء تحن إلى الرجال وقد قال بعض أصحابه حرزنا ختمة في الموضع الذي فارق فيه الدنيا سوى سائر المواضع فكان سبعة آلاف ختمة وكان له في كل شهر ستون ختمة ختمة بالليل وختمة بالنهار وعن يحيى بن معين أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة فيجوز أن يراد بالرواية الأولى هذه أيضاً فان اشتغاله بالنهار في الدرس والقضايا مشهور إلا في رمضان فإنه كان يتفرغ له ويؤيده ما روى عن عبد الله بن أسد قال إذا دخل رمضان يتفرغ لقراءة القرآن فإذا دخل العشر الأخير ما نقدر أن نتكلم معه إلا قليلا لا يقال قد ورد من قرأ القرآن في اقل من ثلاث لم يفقه فإنا نقول لعل ذلك في حق من لم تخفف له القراءة ألم تر إلى ما قد صح عنه ﷺ أنه خفف لداود ﵇ القراءة وكان يأمر دوابه لتسرج فيقرأ الزبور حين تسرج وقد صح أن عثمان وتميما الداري وسعيد بن جبير كانوا يختمون

стр. 45

القرآن في ركعة وقد نقل عن الإمام أيضا ولنا قدوة في الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين هذا وقد يقال المراد بالحديث نفي الكمال على أنه قد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال وعن زفر قال بات الإمام عندي ليلة فقام الليل كله بآية واحدة وهي قوله تعالى ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ وروى أنه قام الليل كله بآية ﴿فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾ وروى أنه سمع رجلا يقرأ سورة إذا زلزلت الأرض في صلاة العشاء وهو خلفه فجلس بعد خروج الناس إلى أن طلع الفجر وهو آخذ بلحيته قائما يقول يا من يجزي مثقال ذرة خيرا خيرا ويا من يجزى مثقال ذرة شرا شرا أجر عبدك نعمان من النار وما يقرب إليها وأدخله في سعة رحمتك وفي رواية أخرى الليل يقرأ ألهاكم التكاثر ويرددها وعن أسد بن عمرو عنه أنه قال ما بقى في القرآن سورة إلا وقد قرأتها في وتري ولعله أراد بالوتر التهجد كما في بعض الأحاديث وإلا فالسنة قراءة السور الثلاث في ركعات الوتر وعن أبي مطيع قال كنت بمكة ما أدخل الطواف في ساعة من ليل أو نهارا إلا رأيته وسفيان في الطواف وعن حفص بن عبد الرحمن كان يحيي الليل كله بقراء القرآن ثلاثين سنة في ركعة وذكر الصيمري عن أبي يوسف كان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة وفي رمضان مع يوم الفطر اثنتين وستين ختمة وقد جاء في رواية أنه لما اشتغل بوضع المسائل واستخراجها قلت عبادته

стр. 46

يعني بالنسبة إلى بدء حالته وعادته وعن عبد الله الليثي الخوارزمي قال كانت عادته في أثناء كلامه أن يقول ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار وعن أبي الأحوص أنه لو قيل له انك ميت إلى ثلاث ما كان يمكن أن يزيد في عمله وروي أن مسعرا جاءه وقال تبت من ذكرك بسوء فاجعلني في حل فقال الإمام من اغتابني من أولى الجهل فهو في حل ومن اغتابني من العلماء فلالان وقيعة العلماء شين إلا بد إلا أن يتوب وجعلتك في حله ولكن كيف بطلب الله إياك بما نهاك من الكتاب والسنة فكانا متواخيين بعد ذلك حتى مات وعن الحماني كان لا يدخل في جوفه لقمة أحد وروي أنه ما أكل من البصل والثوم منذ خمسين سنة وعن يحيى بن آدم قال حج خمسا وخمسين حجة وروي أنه سكن بمكة في رمضان وتمكن من مائة وعشرين عمرة لكل يوم أربع عمرات ومما قيل فيه شعر … نهارا أبي حنيفة للإفادة … وليل أبي حنيفة للعبادة وودع نومه خمسين عاما … لطاعته وخداه الوسادة … وعن الحسن بن زياد أنه رأي على بعض جلسائه ثيابا رثة فقال ارفع هذا المصلى وخذ الألف التي تحته واصلح بها حالك قال إني موسر قال صح في الحديث إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى اثر النعمة عليه فغير ثيابك حتى لا يغتم بك صديقك

стр. 47

وروى أنه أعطى لمسلم ابنه حين علمه الفاتحة ألفا واعتذر إليه وعن عبد الله بن مالك بن سليمان قال أرسل زيد إليه يدعوه إلى البيعة فقال لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه لأنه إمام حق ولكني أعينه بمالي فبعث إليه بعشرة آلالف درهم وقال للرسول ابسط عذري عنده وفي رواية اعتذر إليه بمرض يعتريه ولامنع من الجمع وسئل عن خروجه فقال ضاهي خروج رسول الله ﷺ يوم بدر فقيل له لم تخلفت قال حبسني عنه ودائع الناس عرضتها على ابن أبي ليلي فلم يقبل فخفت أن أموت مجهلا وكان كلما ذكر خروجه بكى وعن أبي ملبح أنه قال ما ملكت أكثر من أربعة آلاف منذ أكثر من أربعين سنة إلا أخرجتها وإن أمسكتها لقول علي ﵁ أربعة آلاف درهم وما دونها نفقة ولولا أني أخاف أن ألتجئ إلى هؤلاء ما أمسكت درهما واحدا وروي عنه أنه كان يؤذن ويؤم الناس في مسجده وقال حدثني نافع عن ابن عمران من صلى الفجر ولم يتكلم إلا بذكر الله حتى تطلع الشمس كان كالمجاهد في سبيل الله وحدثني أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ في الحية إذنها ثلاثا فان ذهبت وإلا فاقتلها وذكر السمعاني مسندا عن عصام بن يوسف والزرنجري مرسلا قال أتيت مجلسه ورجل يشتمه فما أجابه هو ولا أحد من أصحابه ولا قطع مجلسه حتى فرغ من كلامه فلما قام ودخل منزله جاء الرجل ونظر من شق الباب وجعل يشتم وفي رواية فلما بلغ الإمام الباب توقف وقال للشاتم أريد دخول

стр. 48

منزلي فإن كان بقي من شتمك شئ فاختمه حتى لا يبقى عندك شئ فتاب الرجل وقال اجعلني في حل فجعله في حل وعن يزيد بن المكتف قال ناظره رجل في مسئلة فقال يا زنديق يا مبتدع فقال الإمام الله يعلم مني خلاف ذلك يعلم أني ما عدلت به أحدا منذ عرفته ولا رجوت إلا عفوه ولا خفت الا عقابه وذكر الإمام الزاهد النسفي عن أبي الخطاب الجرجاني قال كنت عنده إذ سأله شاب عن مسئلة فأجاب فقال الشاب أخطأت ثم سأله عن أخرى فأجاب فقال الشاب اخطأت فقال لأصحابه سبحان الله ألا تعظمون الشيخ يجئ إليه شاب فيخطئه مرتين وأنتم سكوت فقال لي الإمام دعهم دعهم فإني عودتهم من نفسي ذلك وذكر الإمام الحلبي عن يحيى بن عبد الحميد عن أبيه قال كان يخرج كل يوم من السجن فيضرب ليدخل في القضاء فيأبى فلما ضرب رأسه واثر ذلك في وجهه بكي فقيل له في ذلك فقال إذا رأته أمي بكت واغتمت وما علي اشد من غم أمي روي أنها قالت يا نعمان إن علما أوردك مثل هذا لحري أن تفر منه فقلت تعلمت لله لا للدنيا وذكر أنه قال ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له ولوالدي ولمن تعلم مني أو تعلمت منه وروي عنه أنه قال ما مددت رجلي نحو سكة حماد قط وكان بينهما مقدار سبع سكك وذكر الإمام الحلبي عن عبد الرزاق إن رجلا سأله عن مسئلة فأجاب فقال الرجل إن الحسن أجاب بخلاف هذا فقال الإمام اخطأ الحسن فقال

стр. 49

الرجل يا ابن الزانية فمضى ولم يتغير وجهه بل قال أخطأ الحسن وأصاب ابن مسعود ﵁ ذكر الحلبي عن سفيان بن وكيع عن أبيه قال دخلت عليه وهو مطرق رأسه يتفكر قال من أين جئت قلت من عند شريك بن عبد الله فرفع رأسه وأنشأ يقول شعر … إن يحسدوني فإني غير لائمهم … قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم … ومات أكثرنا غيظا لما وجدوا … وقد احسن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى حيث أنشد شعر … هم يحسدوني وشر الناس منزلة … من عاش في الناس يوما غير محسود … وعن يحيى بن معين رحمة الله تعالى قال كان إذا ذكر أحد عنده بسوء قال شعر … حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم اعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لزوجها … حسدا وبغيا أنها لذميم … وقيل لعبد الله بن طاهر أن الناس يقدحون فيه فقال شعر … ما يضر البحرا مسى زاخرا … إن رمى فيه غلام بحجر … ونعم ماقال القائل … إن يحسدوني فزاد الله في حسدي … لا عاش من عاش يوما غير محسود ما يحسد المرأ إلا من فضائله … بالعلم والبأس أو بالمجد والجود …

стр. 50

ولبعضهم … فازداد لي حسدا من لست أحسد … إن الفضيلة لا تخلو عن الحسد … ولحاتم الطائي … يا كعب ما إن أرى من بيت مكرمة … إلا له من بيوت الناس حساد … وعن ابن البجلي إن الإمام مر يوما بسكران يبول قائما فقال له اجلس فقال له السكران يا مرجئ فقال هذا جزائي حين حكمت بإيمانك يجوز أن يريد بالحكم بالإيمان الحكم بعدم خروجه من الإيمان لو تكلم بكلمة الكفر أو أن يريد به عدم الخروج من الإيمان بالسكر الذي هو كبيرة وفيه خلاف المعتزلة كذا ذكره الكردري والصواب أن فيه خلاف الخوارج في المسئلة وعن بشر بن الوليد قال قال أبو يوسف لقيني الأعمش وقال صاحبكم يخالف ابن مسعود حيث لا يجعل بيع الأمة طلاقها وابن مسعود جعل بيع الأمة طلاقها قلت أنت حدثتنا بذلك قال كيف قلت حدثتنا عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنه ﵇ خير بريرة بعد ما اشترتها عائشة ولو كان بيع الأمة طلاقها ما كان للتخير فائدة قال أفيه ذلك قلت نعم عن الإمام قالت سألت الشعبي عن حرة تحت عبدكم طلاقها قال قال ابن مسعود الطلاق والعدة بالنساء فأتيت حمادا فأخبرته فقال أخبرني إبراهيم عن ابن مسعود ﵁ بمثله وعن عبد الله بن عنبسة قال قال سمعت الشعبي يقول عليكم بالمساجد فإنها مجالس الأنبياء وعن إسحاق بن دينار عن الإمام قال سمعت الشعبي يقول انما سمي الهوى هوى لأنه يهوي صاحبه إلى النار ونعم ما قيل

стр. 51

شعر … نون الهوان عن الهوى مسروقة … واأسير كل هوى أسير هوان … ولآخر … فإذا هويت فقد تعبدك الهوى … فاخضع لحبك كائنا من كانا أن الهوى لهو الهوان بعينه … فإذا هويت لقد لقيت هوانا … ولابن المبارك رحمه الله تعالى … ومن البلاء وللبلاء علامة … أن لا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواته … والحر يشبع تارة ويجوع … وروي عنه أنه قال سمعت الأعمش يقول في علته أن الناس يستثقلوني وأنت زدتني عندهم ثقلا فقال الإمام لولا العلم الذي يجري على لسانك ما رأيتني أبدا لان فيك خصالا أنا لها كاره تتسحر عند طلوع الفجر الثاني وتقول هو الأول وقد صح عندي أنه الثاني وترى الماء من الماء ولا ترى الاغتسال من الأكسال ولولا ما عندك من الحديث ما كلمتك فما تسحر الأعمش بعدها إلا قبل الثاني ولا جامع إلا وقد اغتسل وقال صلاة وصيام كيف يكون باختلاف وقال والله لا أفتيت بذلك أبدا وذكر أبو العلاء الحافظ أن الإمام قال للأعمش لولا أنه تثقل عليك زيارتنا لزرناك أكثر من هذا فقال انك تثقل علي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني فقام الإمام وخرج ولم يقل شيئا فقيل له في ذلك ما أقول له ما صام ولا صلى في عمره وذكر الغزنوي عن شريك بن عبد الله قال كنا عند الأعمش في مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وكان الإمام

стр. 52

أكبرهم فبدأ بالكلام وقال اتق الله فانك في أول يوم من الآخرة وقد كنت تحدث عن علي ﵁ بأحاديث لو أمسكتها لكان خيرا لك فقال الأعمش اسندوني لمثلي يقال هذا حدثني أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى لي ولعلي بن أبي طالب أدخلا الجنة من أحبكما وأدخلا النار من أبغضكما وذلك قول الله تعالى ﴿القيا في جهنم كل كفار عنيد﴾ قال الإمام قوموا حتى لا يجئ باطل من هذا قال فوالله ما جزنا الباب حتى مات قلت وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون وقد قال تعالى ﴿كما بدأكم تعودون﴾ وذكر الكردري أن للرافضة أحاديث أكاذيب ولهم أيضا تأويلات باطلة في الآيات وزيادات وتصحيفات كزيادة والعصر ونوائب الدهر وكقوله وعبد الله وجيها تتغير النون إلى الباء وكقوله تعالى إن علينا للهدى صحفوا أن عليا وهم قوم بهت يزعمون أن عثمان أسقط من القرآن خمس مائة كلمة منها قال تعالى ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ وزادوا فيه بسيف علي وهذا وأمثاله كفر قال تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فمن أنكر حرفا مما في صحف عثمان أو زاد فيه أو نقص فقد كفر ألا يرى أن عبيد الله بن زياد سمي فاسقا بزيادة الألف في قوله تعالى ﴿سيقولون لله﴾ فزاد الألف وقال الله مع أنه لا يخرج به عن الفصاحة قلت كيف يكون فاسقا هذا وهو قراءة ثابتة في السبعة وقرأ بها أبو عمرو والبصري فالمدار على الرواية المتواترة وان لم يكن مطابقا للرسم في الصورة فمن أنكر أو زاد فيها أو نقص منها فقد كفر وعن يسار بن قيراط وكان شريك الإمام قال حججت مع الإمام والثوري فإذا نزلنا بلدة قالا الناس فقيها العراق واجتمعوا عليهما وكان

стр. 53

يقدم الإمام ويمشي خلفه وإذا سئل عن مسئلة بحضرة الإمام لم يجب حتى يجيب الإمام فسئل الإمام عن النبيذ فأراد أن يرخص فمنعه سفيان وقال إن رخصنا بالكوفة لا ننفذ بالمدينة وعن بشر بن يحيى قلت لابن المبارك أدخلت علم أبي حنيفة وسفيان في الكتب ولم تدخل رأي مالك والأوزاعي قال لأني لم أعدهما علما والله سبحانه أعلم فصل في وفاة الإمام ﵁ ورحمه روى أن المنصور أشخص الإمام إلى بغداد وطلب منه أن يتولى القضاء من تحت يده إلى جميع الكون واعتل بعلل فخلف المنصور أنه أن لم يقبله يحبسه فأصر على الإباء وقال الخليفة أقدر على كفارة يمينه فحبسه وكان يرسل إليه في الحبس أنه إن لم يقبل ضربه فأبى فأمر أن يخرج ويضرب كل يوم عشرة أسواط فلما تتابع عليه الضرب في تلك الأيام بكى فاكثر البكاء فلم يلبث إلا يسيرا حتى انتقل إلى جوار الملك العلام فمات في الحبس مبطونا مجهودا وقيل مسموما فأخرجت جنازته وكثر بكاء الناس على حالته ودفن في مقابر الخيزران بناء على وصيته وروى أنه ضرب مائة وعشرة أسواط في إحدى عشر يوما فاخرج من السجن على أن يلزم الباب فاخذ منه الكفلاء وطلب منه أن يفتي فيما يرفع إليه من الأحكام وكان يرسل إليه بالمسائل وكان لا يفتي فأمر أن يعاد إلى السجن ويغلظ عليه فأعيد وضيق عليه تضييقا شديدا فكلم خواص المنصور المنصور وأخرج من السجن ومنع من الفتوى والجلوس للناس والخروج من المنزل فكانت تلك حالته إلى أن توفي ولم يدخل في العمل ﵁ وروى أنه اخرج من الحبس ودفع إليه قدح فيه سم ليشرب فأبى وقال

стр. 54

لا أشرب لأني أعلم ما فيه ولا أعين على نفسي فطرح وصب في فمه وخلى عنه فجاء إلى المنزل الذي نزل فيه ببغداد فلم يلبث إلا قليلا حتى مات وروى أنه لما أحس بالموت سجد فخرجت روحه وهو ساجد وذكر الإمام النسفي عن الإمام أبي حفص الكبير البخاري قال دخل الحسن ابن قحطبة أحد قواد المنصور على الإمام وقال عملي لا يخفى عليك فهل لي من توبة قال نعم إذا علم الله أنك نادم على ما فعلت ولو خيرت بين قتل مسلم وقتلك لاخترت قتلك على قتله وتجعل مع الله عهدا أن لا تعود فإن وفيت في توبتك قال الحسن أني فعلت ذلك وعاهدت الله على أن لا أعود على قتل المسلمين فكان ذلك إلى أن ظهر بالبصرة إبراهيم بن عبد الله الحسنى فأمر المنصور أن يذهب إليه فجاء إلى الإمام وقص عليه الكلام فقال جاء أو أن توبتك أن وفيت بما عاهدت فأنت تائب وإلا فأخذت بالأول والآخر فجد في توبته وتأهب وسلم نفسه إلى القتل ودخل على المنصور وقال لا أسير إلى هذا الوجه إن كان لله طاعة في سلطانك فيما فعلت فلي منه أوفر الحظ وان كان معصية فحسبي فغضب المنصور فقال حميد أخوه إنا أنكرنا عقله منذ سنة وكأنه خولط عليه أنا أسير وأنا أحق بالفضل منه فسار فقال المنصور لبعض ثقاته من يدخل عليه من هؤلاء الفقهاء فقالوا أنه يتردد إلى الإمام فدعا الإمام بعلة شئ فسقاه السم ثم سقى الحسن أيضاً بعد أيام فأما الحسن فعالج نفسه فبرأ ومات الإمام شهيدا في سنة خمسين ومائة وكان ابن سبعين ولم يكن له من الأولاد سوى حماد وذكر العسكري عن عبد الله بن مطيع عن أبيه قال رأيت جنازة في أيام المنصور في طاقات باب خراسان وخلفها رجل يحملها أربعة أنفس قلت جنازة من هذه قالوا جنازة فقيه كوفي يدعى أبا حنيفة مات في السجن فلما أخرج

стр. 55

من باب خراسان كأنه نودي في الناس فازدحموا عليه فعبر به إلى الجانب الآخر فصلينا عليه بباب الحسن فلم نقدر على دفنه إلا بعد العصر من الزحام فجاء المنصور فصلى على قبره ومكث الناس يصلون على قبره إلى عشرين يوما فقلت كيف اختار هذا الجانب قال لان ذلك الجانب غصب وهذه الأرض كانت أطيب منه فلما بلغ المنصور وصيته قال من يعذرني منه حيا وميتا وقيل حرز من صلى عليه فكان مقدار خمسين ألفا وقد قيل فيه شعر عز الشريعة إذ مضى كشافها … وظهيرها النعمان نحو جنانه عمر التقى والشرع اكثر عصره … بالأصغرين لسانه وجنانه عجبا لقبر فيه بحر زاجر … عجبا لبحر لف في أكفانه وذكر الإمام الأسفرايني عن الربيع بن يونس قال سمعت المنصور يخاطب الإمام على القضاء وهو يقول اتق الله تعالى ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله تعالى ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب ولو اتجه الحكم عليك ثم تهددني على أن تغرقني في الفرات أو أزيل الحكم لاخترت الغرق حاشيتك محتاجون إلى من يكرمهم لك فقال المنصور وكذبت انك تصلح قال قد حكمت لي على نفسك كيف يحل لك إن تولي القضاء من يكون كاذبا وما ذكرنا من أفعال المنصور بالإمام فعل يزيد بن هبيرة إلي الكوفة بالإمام مثله أيضا في الزمان المروانية كما رواه العسكري وغيره عن يحيى بن أكثم عن أبي داود قال أراد ابن هبيرة أن يولي الإمام قضاء الكوفة فأبى فحلف ابن هبيرة أن يقتله بضربه بالسياط على رأسه ويحبسه فحلف الإمام على أنه لا يلي منه فقيل له أنه حلف على أن يضربك قال ضربه في الدنيا هون من معالجة مقامع

стр. 56

الحديد في العقبى والله لا أفعل ولو قتلني فقيل أنه حلف أن لا يخليك وأنه يريد بناء قصر فتول له عدد اللبن فقال لو سألني أن أعد له أبواب المسجد ما فعلت فذكر قوله للأمير فقال ابلغ من قدره إلى أن يعارضني في اليمين فدعاه فشافهه فحلف إن لم يقبل ضربه على رأسه عشرين سوطا فقال اذكر مقامك بين يدي الله تعالى فإنه أذل من مقامي هذا ولا تهددني فإني أقول لا إله إلا الله والله يسألك عني حيث لا يقبل منك الجواب إلا بالحق فأومى إلى الجلاد أن أمسك وبات في السجن وأصبح قد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب فقال الأمير رأيت النبي ﷺ وهو يقول أما تخاف الله تعالى تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدده فأخرجه من السجن وذكر أنه لما ضربه الأمير كان ابن أبي ليلى وابن شبرمة في المسجد فأخبرا بذلك فأظهر ابن أبي ليلى الشماتة فقال له ابن شبرمة لا ادري ما تقول هذا نحن نطلب الدنيا وهذا يضرب على رأسه ليأخذ الدنيا فلا يقبلها وعن ابن المبارك أنه قال ان الرجال في الاسم سواء حتى يقع في البلوى وقد ضرب أبو حنيفة على رأسه في السجن حتى يدخل في الحكم فصبر على الذل والضرب في الحبس طلبا للسلامة في دينه وعن أبي عبد الله بن أبي حفص الكبير البخاري أن الفتنة لما ظهرت بخراسان دعا ابن هبيرة العلماء كابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن أبي هند وولى كل واحد منهم شيئا من عمله وعرض على أبي حنيفة أن يكون الخاتم في يده لا ينفذ كتابا إلا من تحت يده فأبى فحلف الأمير أنه أن لم يفعل يضربه في كل جمعة سبعة أسواط فقال له الفقهاء إنا إخوانك نناشدك على أن لا تهلك نفسك وكلنا نكره عمله ولكن لم نجد بدا منه فقال الإمام لو أراد مني أن أعد أبواب مسجد

стр. 57

واسط لم أعد له فكيف وهو يريد مني أن يكتب في دم رجل وأختم له والله لا أدخل في ذلك فقال ابن أبي ليلي دعوه فإنه مصيب فحبسه الشرطي جمعتين وضربه أربعة عشر سوطا وفي رواية ضربه أياما متوالية ثم جاء الضارب إلى الأمير وقال أنه يموت فقال قل له يخرج من يميننا فقال لو أمرني أن أعد له أبواب المسجد لم أفعل ثم اجتمع مع الأمير فقال ألا ناصح لهذا أن يستمهلني فاستمهله وقال أشاور إخواني فخلاه فهرب إلى مكة في سنة مائة وثلاثين إلى ان صارت الخلافة للعباسية وقام بها فقدم الكوفة في زمن منصور فعظمه أمر له بجائزة عشرة آلاف درهم وجارية فلم يقبلهما وروى أنه كان يمتثل كثيرا شعر عطاء ذي العرش خير من عطيتكم … وفضله واسع يرجى وينتظر أنتم يكدر ما تعطون بمنكم … والله يعطي فلا من ولا كدر وروي أن ابن هبيرة أتى بشاهد زور وهو والي الكوفة فقال علي بالقاضي فقيل رأيت القاضي وأبا حنيفة والحجاج بن أرطاة فى المسجد فقال علي بهم فلما جاؤا قال هذا ارتكب ما ارتكب فما نصنع به فبدأ بابن أبي ليلى وقال يضرب أربع مائة سوط وقال الحجاج بحلق رأسه ولحيته فقال للإمام ما تقول أنت قال بلغنا أن شريحا كان إذا أتى بمثله سوقيا طيف به في سوقه وان كان من العرب طيف به في حية فعمل بقول الإمام وكان على رأس الإمام عمامة استرخى كور منها في وجهه فلما خرجوا قال لابن أبي ليلى ما هذه الفتيا لو ضرب أربع مائة ومات بما كنت تلقى الله في دمه قال ما أردت إلا أربعين ولكن من الخوف جرى على لساني وقال للحجاج حلق الرأس قد جاء في موضعه أما حلق اللحية إذا حلقت ولم تنبت

стр. 58

كيف حكمه قال ما أردت إلا حلق الرأس فمن الهيبة جرى على لساني فقال ابن أبي ليلى وأنت أيضاً لم تجتر على تسوية كور عمامتك من وجهك ألم يكن لك يد قال إن لم يكن لي يد أسوي بها عمامتي فلي قلب أعلم ما أقول به وروي أن المنصور كان يريد أن يقرب الإمام فقال الإمام لا لأنك إن قربتني فتنتني وإن أبعدتني أحزنتني وليس عندك ما أرجوك له وليس عندي ما أخافك عليه وإنما يغشاك من يغشاك يستغني بك عمن سواك وإنا غني بمن أغناك فلم أغشاك فيمن يغشاك ومثله ذكر عن الإمام محمد بن الحسن أنه قال لعيسى بن موسى والي الكوفة وزاد في آخره فأنشأ قائلا شعر كسرة خبز وقعب ماء … وفرد ثوب مع السلامة خير من العيش في نعيم … يكون في آخره ندامة فصل في قراءات شاذة نسبت إلى الإمام قرأ ملك يوم الدين بلفظ الفعل ونصب يوم على أنه مفعول وبه قرأ الحسن البصري وغيره وقرأ وإذا لاقوا الذين على وزن فاعوا وهي قراءة زيد بن علي ويعقوب وغيرهما واصله لاقيوا وقرأ إن البواقر تشابه علينا بالجمع والتاء وتشديد الشين والأصل تتشابه وهذه القراءة قرأة زيد بن علي والإدغام له وللحسن والأعرج وذكر بعضهم أنه قرأ وإذ ابتلى إبراهيم بالرفع وربه بالنصب وهي رواية جابر بن زيد عن ابن عباس ﵄ وروى محمد أنه قرأ ابعث لنا ملكا يقاتل في سبيل الله بالياء وضم اللام وبه قرأ ابن عباس والضحاك وابن أبي عبلة وقرأ أولو العلم قيما بالقسط

стр. 59

بتشديد الياء وهى قراءة علقمة عن ابن مسعود وقرأ ولله ميراث السماوات بالإمالة وقرأ إن يدعوا من دونه إلا إثنا بتقديم الثاء على النون وهي قراءة ابن عباس كأنه جمع وثنا على وثان كما تقول جمل وجمال ثم جمع وثانا على وثن كما يقال مثال ومثل ثم أبدل من الواو همزة لانضمامها كما في قوله تعالى ﴿وإذا الرسل أقتت﴾ والأصل وقتت لأنه من الوقت فاثن جمع الجمع ويعضده قراءة ابن مسعود وثنا بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس روى عنه أيضاً أنه قرأ وثنا بضم الواو والثاء جمع وثن أيضاً مثل أسد وآساد وقرأ فمن أبصر فلنفسه ومن أعمى فعليها وقرأ لا تنفع نفسا إيمانها بها التاء وهى قرأة ابن سيرين وتوجيهه أن كثيرا ما يؤنثون فعلا للمضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث وقيل أن الإيمان مصدر والمصدر كما يذكر في قوله تعالى فمن جاءه موعظة كذلك يؤنث كما قال الشاعر … فقد عذرتنا في صحابته العذر … بمعنى المعذرة وقرأ نفس بالرفع قيل أنه ضعيف ويمكن دفعه بأن إيمانها بدل اشتمال منها وقرأ في رواية الحسن عنه من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها برفع عشر منونا ورفع لأم أمثالها وبه قريء من طريق يعقوب الحضرمي ونسب إلى الحسن وسعيد بن جبير والأعمش وتأنيث العشر لكونه عبارة عن الحسنة وأمثالها بدل وقرأ في رواية محمد عنه فى سورة الأعراف وجعلنا لكم فيها معايش بالهمزة والمد وبه قرأ الأعمش والأعرج ونافع في رواية حارثة بن مصعب عنه فعوملت الياء الأصلية معاملة الزائدة فحملت على مدائن وصحائف ورسائل وقرأ في آخر التوبة وليجدوا فيكم غلظة بضم الغين وهى قرأة المفضل عن

стр. 60

عاصم وهى لغة بني تميم وقرأ الأعمش بفتح الغين كالسخطة وقرأ قوله تعالى ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ بفتح النون وتشديدها ونصب الدال وهى قرأة بلال بن أبي بردة وابن محيصن وبه قرأ يعقوب والحضرمي وفى روايته المناهل بن شاذان عنه وقرأ فاليوم ننحيك بالحاء المهملة وهى قراءة اليزيدي ورواه علقمة عن ابن مسعود والمعنى على هذه نلقيك في ناحية من البحر وقرأ بأبدانك بصيغة الجمع أي بإعطاء بدنك وبأجزاء درعك وقرأ غيره في الشواذ بندائك أي على قومك أنار بكم الأعلى وقرأ الإمام أيضاً لمن خلقك بالقاف مع فتح اللام وهي قراءة علي كرم الله وجهه وقرأ لمن خلفك بفتح اللام والفاء أي لمن ورث أرضك من بعدك وهو بنو إسرائيل وغيرهم وقرأ مالك ﴿لا تأمنا﴾ بالإدغام بغير الإشمام ورواه قالون عن نافع وبه قرأ أبو جعفر من العشرة وأبو عبيد القاسم بن سلام وهو القياس وقرأ طلحة بن مصرف بنونين ظاهرتين على الأصل وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزين والأعمش لا يتمنا وهي لغة بني تميم يقولون أنت تضرب وقرأ قد شعفها بالعين المهملة وبها قرأ جعفر بن محمد وابن محيص والحسن وأبو رجاء وقتادة والشعيبي وهي لغة في المعجمة وقرأ قالوا نفقد صواغ الملك بالغين المعجمة وهي قراءة أبي رجاء وغيره وقال كان إناء صيغ من ذهب وروى عن أبي الأشهب صواع وصواع بالفتح والكسر وقرأ في رواية محمد يوم يدعوا كل أناس بالياء وهي قراءة مجاهد والحسن البصري وعنه أنه قرأ يوم يدعا بصيغة المجهول وكل بالرفع والمراد بإمامهم نبيهم أو كتابهم الذي يعمل به أو كتاب أعمالهم ويوئده ما بعده وما قوله عليه السلام

стр. 61

فيما رواه مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية فان أهل الجاهلية ما كان لهم شرع ولا تمسك فيه للروافض أنه لا بد من اتباع إمام فاطمي في كل وقت وقرأ في روايته محمد عنه ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن﴾ بفتح الطاء وسكون الهاء وهي قراءة عكرمة وتوجيهه أنه أمر من وطأ يطأ والأصل طأ أبدلت الهمزة هاء كما في إياك وهياك أو حذفت الهمزة تحفيفا والحق بها هاء السكت ويؤيده ما في الشفاء عن ربيع بن أنس قال كان النبي ﷺ يقوم على إحدى رجليه إذا صلى وبرفع الأخرى فنزلت الآية أي أصل طه طاها والضمير إلى الأرض ولا يبعد أن يكون الضمير في قراءة الإمام إلى مكان القيام والله أعلم بحقيقة المرام وذكر في المناقب أنه قرأ تخيل إليه من سحرهم ولم يبين كيفية قراءته لكن في اللوامع عن أبي حنيفة نخيل بالنون قال الكردري وقرأ به غيره في الشواذ وقرأ ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ بالنون وفتح الياء ووحيه بالنصب وبه قرأ ابن مسعود ويعقوب الحضرمي وعاصم الجحدري وقرأ زهرة الحياة الدنيا نفتح الهاء قال أبو حاتم السجستاني قرأ به طلحة وعيسى بن عمرو وهي قراءة الحضرمي وقرأ في رواية محمد عنه ويخلد فيه مهانا بضم الياء وفتح اللام ورفع الدال وهي رواية شاذة عن أبي عمرو وقرأ / بما آتيتهين كلهن / بالقصر وقرأ في رواية محمد ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بالرفع على بنية القطع والاستيناف أي يتوب فى كل حال

стр. 62

وبه قرأ الحسين بن علي وأنس بن مالك ﵃ فيما ذكره مجاهد وبه قرأ الحسن وقرأ ﴿إنما يخشى الله﴾ بالرفع من ﴿عباده العلماء﴾ بالنصب وبه قرأ محمد بن عبد العزيز والمعنى إنما يعظم الله إذ الخشية يلزمها التعظيم لأنها حرف مقرون به ففيه التجريد وقرأ / فأغشيانهم / في يس بالعين المهملة وبه قرأ بعضهم ونسب إلى ابن عباس كما رواه شهر بن حوشب وبه قرأ يزيد بن المهلب وقرأ في سورة الجن في رواية محمد غدقا بكسر الدال وقرأ في سورة الفيل يرميهم بالياء وهى قراءة يحيى بن يعمر وطلحة والأعرج فالضمير إلى الله أو إلى الطير باعتبار الجنس وقرأ في سورة الفلق محمد عنه ﴿من شر ما خلق﴾ بتنوين شر وهو قراءة عمرو ابن خالد وموسى الإسواري فيجوز أن يكون ما بدل عن شر ويجوز أن تكون زيادة ولا يبعد أن يكون نافية على أن المعني ﴿من شر ما خلق﴾ إلى الآن فالإستعاذه من الشر في مستقبل الزمان والله المستعان لان الماضي قد مضى ويجب القضاء بما كان وبه يندفع ما ذكره الكردري من أنه لا يجوز أن تكون نافية لأنه يلزم تقديم ما بعد النفي على النفي في المبنى مع أنه يفسد أيضاً في المعنى لان التقدير وما خلق من شر ولأنه يخرج الكلام من الدعاء والاستعاذة إلى النفي وقرأ مالك الناس بالألف وهي قراءة عمر بن الخطاب وقد قيل شعر … لأبي حنيفة ذي الفخار قراءة … مسموعة منحولة غراء عرضت على القراء فى أيامه … فتعجبت من حسنها القراء …

стр. 63

لله در أبي حنيفة أنه … خضعت له القراء والفقهاء خلف الصحابة كلهم فى علمهم … فتطاولت لجلاله الخلفاء سلطان من في الأرض من فقهائها … وهم إذا أفتوا له أصداء إن المياه كثيرة لكنه … فضل المياه جميعها صداء ويرغم انف حاسد به ذكره … شرقا وغربا مسكة ذفراء … فصل وعن يوسف بن خالد ان الإمام كان ينشد هذا البيت كثيرا … كفى حزنا أن لا حياة هنيئة … ولا عملا يرضى به الله صالح … وذكر السمعاني عن أبي سعد الصغاني قال سألت الإمام عن الأخذ عن سفيان قال ثقة واكتب عنه ما خلا أحاديث جابر الجعفي وزيد بن أبي عياش فإنهما كاذبان قال الإمام الشافعي سمعت ابن عيينة يقول سمعت جابرا يقول بالرجعة ومعناه إن جماعة من قتلة عثمان رضى الله عنه كانوا يقولون أن سيدنا محمد ﷺ أفضل من عيسى ﵇ بلا نزاع وهو يرجع إلى الدنيا ويقاتل الدجال فسيدنا رسول الله أولى بهذا الكلام وتمسكوا بقوله تعالى إن الذي فرض عليك القرآن أرادك إلى معاد ورد بأن المراد في النص بالمغماد أما مكة وأما يوم العرض لا الدنيا على أن لا دلالة في الآية على العود بعد الموت وعن جعفر الأحمر سألته عن مسئلة فأجاب فيها فقلت لا يزال هذا المصر بخير ما أبقاك الله تعالى فقال شعر … خلت الديار فسدت غير مسود … ومن الشقا تفردي بالسدود … وعن ابن عيينة قال مررت بأبي حنيفة وهو مع أصحابه فى المسجد وقد

стр. 64

ارتفعت أصواتهم فقلت يا أبا حنيفة هذا المسجد والصوت لا ينبغي أن يرفع فيه قال دعهم فإنهم لا يتفقهون إلا به قلت وهذا محمول على أن رفع صوتهم لا يشوش على مصلي أو طائف أو قارئ فإن المتأخرين من أيمتنا صرحوا بأن رفع الصوت ولو بالذكر حرام في المسجد وعن الهيثم بن عدي قال عدنا مع الإمام وأبو بكر النهشلي رجلا من القراء كان مريضا في خارج الكوفة منزله بعيد فقال بعضنا إذا جلستم تعرضوا بالغداء فلما جلسنا قرأ بعضهم قوله تعالى ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾ فقال المريض ليس علي الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج زاد الزرنجري فأعطاهم دراهم دعوة لغداهم قلت وكان الأظهران يقول الأول آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا وعن زفر قال إن الإمام سئل عن علي كرم الله وجهه ومعاوية رضى الله عنه وقتلى صفين فقال إذا قدمت على الله يسألني عما كلفني ولا يسألني عن أمورهم وروي أنه حين سئل عنه قال تلك الدماء طهر الله منها شأننا أفلا نطهر منها لساننا وفي رواية تلا قوله تعالى ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾ وعن غورك الكوفي قال أهديت إليه هدايا وكافأني بأضعافه فقلت لو علمت ذلك لم أفعل فقال الفضل للسابق ألا تستمع ما حدثني به الهيثم عن أبي صالح بلغ به النبي ﷺ قال من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لن تجدوا ما تكافئوه فأثنوا عليه خيرا فقلت هذا الحديث أحب إلي من جميع ما أملك وعن عمر بن إبراهيم البصري عن أبيه فقال رأيته مغموما متفكر يتنفس

стр. 65

الصعداء فقلت له يرحمك الله مالك قال مطلوب يخاف البيات وكنت يوما إلى جنبه في صلاة الفجر فقرأ الإمام ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾ قال فارتعد أبو حنيفة حتى عرفت ذلك منه وعن سهل بن مزاحم قال قال لي لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة حتى يعود إلى العلم فيتذكر ثم يتولى ثانيا وعن عبد الله الأحفظ أنه ذهب مع الحسن بن عيسى بن زيد إليه فقام له وعظمه ثم قال له كان جدك ﷺ يكره أن يقوم رجل لرجل إلا لثلاثة ذو سلطان لسلطانه وذو علم لعلمه وذو شرف لشرفه وأنت منهم وعن أبي الحسن علي بن أحمد الفارسي قال من مناجاته أنه كان يقول إلهي إن كان صغيرا في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي إلهي كيف أنقلب بالخيبة محروما وظني بجودك أن تقلبني مرحوما إلهي إن عزب رائي عن تقويم ما يصلحني فما عزب يقيني عني فيما ينفعني إلهي أعززت نفسي بإيمانك فكيف نذلها بين أطباق نيرانك الهي إذا تلونا من كتابك شديد العقاب أشفقنا وإذا تلونا منه الغفور الرحيم اشتقنا فنحن بين أمرين لا يؤمننا الكتاب سخطك ولا يؤيسنا من رحمتك إن قصر سعينا عن استحقاق نظرك فاقض علي من كرمك انك لم تزل بي بار أيام حياتي فلا تقطع عني برك أيام مماتي إن غفرت فبفضلك وإن عذبت فبعدلك يا من لا يرجى إلا ثوابه ولا يخشى إلا عذابه ومن شواهد كرمك استمام نعمائك ومن محسان جودك استكمال آلائك إلهي إن أخطأت طريق النظر لنفسي بما فيه كرامتها فقد تبينت طريق الفزع بما فيه سلامتها

стр. 66

إلهي إن كنت غير مستأهل لما أرجو من رحمتك فأنت أهل أن تجود على المذنبين بفضلك ورأفتك إلهي أمرت بالمعروف وأنت أولى به من المأمورين وأمرت بصلة السوال وأنت خير المسؤلين إلهي سترت على ذنوبا في الدنيا وأنا إلى سترها أحوج في العقبي إلهي هب لي توبة نصوحا تذيقني من حلاوتها وتوصل إلي قلبي برد رأفتها حتى أكون في الدنيا غريبا ولك حبيبا فأصبح في الدنيا بقلب حزين وعين سخينة وبطول بكاء وكثرة دعاء اللهم من أنزل حاجته بأحد من الناس أو طلبها إليه أوثق فيها بغيرك فإني لا أنزلها إلا بك ولا أطلبها إلا إليك فاقض يا رب حاجتي فأنت منتهى الحوائج واجعلني في رحمتك مع الأبرار واعتقني من النار واغفر لي عكوفي على الدنيا بالعشي والإبكار ومن كلامه من أراد أن ينجو من عذاب العقبى لا يبالي من عذاب الدنيا ومنه لا تجمع الذنوب والآثام لحبيبك ولا تجمع الأموال لنقيضك عني بالحبيب نفسه وبالنقيض وارثه وذكر الإمام السمعاني عن هلال بن يحيى البصري سمعت يوسف ابن خالد السمتي قال كنت اختلف إلى عثمان البتي بالبصرة فقيه أهلها وكان يتمذهب بمذهب الحسن وابن سيرين فأخذت من مذاهبهم وناظرت عليها منهم ثم استأذنت للخروج إلى الكوفة لتلقي مشائخها والنظر في مذاهبهم والاستماع عنهم فدلوني على سليمان الأعمش لأنه أقدمهم في الحديث وكان معي مسائل في الحديث وكنت سألت عنها المحدثين فلم أجد أحدا يعرفها فذكرت ذلك في حلقة الأعمش فذكر ذلك له فقال ايتوني به فمضيت إليه فقال لعلك تقول أن أهل البصرة اعلم من أهل الكوفة كلا ورب البيت الحرام ما ذلك

стр. 67

كذلك وما أخرجت البصرة إلا قاصا أو معبرا أو نائحا والله لو لم يكن بالكوفة إلا رجل ليس من عربها ولكن من مواليها يعلم من المسائل ما لا يعلم الحسن ولا ابن سيرين ولا قتادة لا عمي ولا البتي ولا غيرهم وغضب علي غضب شديدا حتى خفت أن يضربني بعصاه ثم قال لبعض من حضره اذهب به إلى مجلس النعمان فوالله لو رأى اصغر أصحابه علم أنه لو قام أهل الموقف لأوسعهم جوابا ودخل في قلبي من الرعب ما الله تعالى به عالم فقام الرجل واتبعته فلما خرج من المسجد قال النعمان يكون في بني حرام فاسأل عنه فانه بهذه المسائل أعلم وأولى ولي شغل لا يمكن المصير إليه فخرجت اسأل عنه قبيلة بعد قبيلة حتى أتيت بني حرام فى آخر القبايل وقد دخل وقت العصر فإذا أنا بكهل قد أقبل حسن الوجه حسن الثياب وخلفه غلام أشبه الناس به فلما دنا سلم ثم صعد المأذنة فأذن أذانا حسنا فتوسمت فيه أنه الإمام ثم نزل فصلى ركعتين خفيفتين تامتين أشبه بصلاة الحسن وابن سيرين فاجتمع نفر من أصحابه وتقدم فأقام وصلى بهم أشبه الناس بصلاة أهل البصرة فلما سلم استند إلى المحراب وأقبل بوجهه إلى الناس فحياهم ثم سأل كل واحد من أصحابه عن حاله فلما انتهى إلي قال كأنك غريب من أهل البصرة وقد نهيت عن مجالستنا قلت نعم فقال ما اسمك فأخبرته باسمي ثم سأل عن كنيتي فأخبرته فقال أكنت تختلف إلى البتي قلت نعم فقال لو أدركني لترك كثيرا من قوله ثم قال هات ما معك وابدأ قبل أصحابي فإن بك وحشة الغربة وحق لمثلك من المتفقهة التقدم إذ لكل داخل دهشة ولكل قادم حاجة قال فسألته عن المسائل التي كانت مشكلة علي فأجابني فحكيت ما جرى بيني وبين الأعمش فقال حفظك الله يا أبا محمد يجب أن ينوه باسم بلده بغيره ما مثله إلا كما قال القايل

стр. 68

شعر … وإذا تكون كريهة ادعى لها … وإذا يحلس الحيس يدعى جندب … ولئن كان الحسن وابن سيرين فاضلين كان كل واحد منهما يتكلم في الآخر بما يصدق قول الأعمش كان ابن سيرين يعرض بالحسن المعتزلي ويقول يأخذ الجوائز من السلطان ويروي بالمحالات ويفتي بالهوى ويقول بالقدر كأنه إله الأرض ينفرد بالفعل دون ربه ويروي عن علي كأنه رآه وعن سمرة بن جندب كأنه شاهده ويقول بفضل عثمان كأنه من مواليه أعاذنا الله تعالى وإياكم منه فلم يزل يقول ذلك حتى قام خالد الحذاء يوما من مجلسه وقال مهلا يا ابن سيرين لم تقول في هذا الرجل قد استتيب عن القدر عام حجه وفيها أيوب السخستياني ومالك بن دينار ومحمد بن واسع فتاب ويتوب الله على من تاب وقال ﷺ لا تعيروا أحدا بما كان فيه من الكفر فإن الإسلام يهدم ما كان قبله ثم قال الإمام ما أعجب ما قال خالد وهذا محمد بن واسع وقتادة وثابت البناني ومالك بن دينار وهشام بن حسان وأيوب وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم يذكرون أن الحسن لم يتب عن القدر حتى مات وهذا عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيلان بن جرير وغيرهم يدعون الناس إلى مذهب الحسن وهلم أهل البصرة جرا على هذا المذهب فارتفع قول خالد من هؤلاء وقد قيل إن خالدا تمذهب هذا المذهب أيضاً وكان الحسن يعرض بابن سيرين ويقول يتوضأ بالقربة ويغتسل بالراوية صبا صبا دلكا دلكا تعذيبا لنفسه وخلافا لسنة نبيه ﷺ يعبر الرؤيا كأنه من آل يعقوب ﵇ فدع عنك أيها الرجل هذا وهلم فيما قصدت له وتعلم ما لا يسعك إن الأمم قبلكم ما اجتمعت ولا تجتمع أبدا والله تعالى يقول ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾

стр. 69

ولذلك خلقهم ولولا ما جرت المقادير واختلفت الطبائع ما اختلفت ولكن كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو أهدى سبيلا ثم سكت فقلت له ما تقول فيما اختلفوا فيه من القدر قال أهل البصرة والكوفة قد اختلفوا فيه على ما علمت وكبر أمره عن الطوق وهذه مسئلة قد استصعبت على الناس فأنى يطيقونها هذه مسئلة مقفلة قد ضلت مفتاحها فان وجد مفتاحها علم ما فيها ولم يفتح إلا بمخبر عن الله تعالى يأتي بما عنده ويأتي ببرهان وبينة وقد فات ذلك والذى نقول في ذلك قولا متوسطا بين القولين أينما مال ملت معه كما قال محمد بن علي ﵄ لا جبر ولا تفويض ولا تسليط والله لا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يعلمون ولا عاقبهم بما لم يعملوا لا سألهم عما لم يعلموا ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علمي والله يعلم بما نحن فيه والصواب الذي عنده ونحن مجتهدون وكل مجتهد مصيب إلا أنه لم يكلفهم الاجتهاد فيما ليس لهم به علم والله ولي كل نجوى واليه رغبة كل راغب وفقنا الله تعالى وإياكم لما يحب ويرضى ومن أصحابه الجامع وروي عنه شعبة وابن جريج وأمثالهما ومع ذلك المقام لزم الإمام وروي عنه الكثير من الكلام وسمى به لأنه كان له أربعة مجالس مجلس لمعاني القرآن ومجلس لأقاويل الإمام من درس الفقه ومجلس للأدب كالنحو ومجلس للمناظرة وغيره ولما مات قعد ابن المبارك على بابه للتعزية ثلاثة أيام عن الإمام أنه قال ما جازيت أحد بسوء وما لعنت أحدا ولا غششت أحدا وعن أبي يوسف كل قول قلناه لم نقل به من عندنا إنما كان قولا قاله

стр. 70

أولا ثم تركه فقلنا به وعن الحكم بن هشام قال قلت له هذا الذي تفتينا به صواب قال لا ادري لعله يكون خطاء وهذا نص منه أن المجتهد يخطئ ويصيب لا كما يقوله المعتزلة وإيماء إلى ما قالوا من أن المقلد ينبغي أن يعتقدان إمامه على الصواب ويحتمل الخطاء وغيره على خطاء ويحتمل الصواب وهذا في الفروع وأما في الأصول فيعتقدان المخالف مخطئ جزما وعن بكير بن معروف قلت له الناس يتكلمون فيك ولا تتكلم أنت فيهم فقال هو فضل الله يؤتيه من يشاء وعن حازم قال كلمت الإمام في الزهد والعبادة واليقين والتوكل ففسر لي كل باب على حدة وعن أحمد بن مردويه قال ذكر إبراهيم بن شماس أن ابن المبارك ترك الإمام فغضب وقال قل لإبراهيم أن ثلاثا وثلاثين من كتبه تكذبك وذكر الغزنوي عن الإمام الشافعي أنه قال إني لا أتبرك بأبي حنيفة وأجيئ إلى قبره زائر فى كل يوم فإذا عرضت لي حاجة جئت إلى قبره وصليت ركعتين وسألت الله تعالى الحاجة فقضيت فصل في فضل الإمام أبي يوسف رحمة الله تعالى عن الطحاوي أنه ولد سنة ثلاث عشرة ومائة وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة نسبه إلى أمه وهو الأنصاري البجلي وكان سعد ممن عرض ﵇ يوم أحد فرده لصغره ودعا له وفي رواية مسح رأسه نزل الكوفة فمات بها وصلى عليه زيد بن أرقم وكبر عليه خمسا وذكر الغزنوي أنه روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعمرو بن محمد

стр. 71

الناقد وأحمد بن منيع وآخرون ولاه موسى الهادي ابن المهدي قضاء بغداد ثم الرشيد وذكر مكحول النسفي أنه أوصى لأهل مكة بمائة ألف ولأهل المدينة مائة ألف ولأهل الكوفة بمائة ألف ولأهل بغداد بمائة ألف وذكر الحلبي أنه مات في شهر ربيع الأول لخمس خلون منه سنة اثنتين وثمانين ومائة وذكر الخوارزمي أن الرشيد مشى إمام جنازته وصلى عليه بنفسه ودفنه في مقبرة أهله وقال حين دفنه ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا في موته ودفن في مقابر قريش بكرخ بغداد وبقربه دفن محمد الأمين وزبيدة رحمهم الله تعالى وروى عنه أنه قال لأعرف أن لي سبع مائة بغل وثلاث مائة فرس عن بشر بن الوليد أنه كان أوى إلى فراشه فإذا رجل يقرع الباب قرعا شديدا فإذا هرثمة بن أعين فقال اجب الخليفة قال قلت هل إلى الدفع سبيل قال لا قلت فما السبب قال لا أدري خرج مسرور الخادم فأمرني أن أجيئ بك قال فاغتسلت وتحنطت ورحت فإذا أبا بالخادم فطلبت منه أن يدفع عني الحضور فأبى وقال ادخل الصحن ففعلت فقال الرشيد ادخل فإذا عيسى بن جعفر جالس عنده فلما سلمت ورد السلام قال دعوناك أتدري لم دعوناك قلت لا قال عنده جارية لا يبيعني ولا يهبني قلت وما قدرها حتى تمنعها من الخليفة فقال ليس من العدل سرعة العذل أني حلفت أن لا أبيعها ولا أهبها قال الرشيد هل من مخرج قلت يبيع النصف ويهب النصف فيكون لم يبع ولم يهب ففعل عيسى ذلك فأتى بالجارية وقال خذها بارك الله فيها فقال يا يعقوب بقيت واحدة وذلك أن نفسي تنازعني

стр. 72

أن أبيت معها ولا بد من استبرائها فقال أعتقها وتزوجها فان الحرة لا تستبرأ فاعتقها وتزوجها على عشرين ألف دينار فدعا بالمال ودفعه إليها ثم قال يا مسرور احمل إلى يعقوب عشرين تختا من ثياب ومأتي ألف درهم قال بشر بن الوليد فنظر إلي وقال رأيت باسا فيما فعلت قلت لا قال خذ منها حقك العشر قال فأردت أن أقوم فإذا بعجوز دخلت وقالت بنتك تقرئك السلام وتقول ما وصل إلي من الخليفة إلا المهر فوجهت إليك نصفه والباقي جعلته لاحتياجي فاخذ المال وأعطاني ألف دينار انتهى ولا يخفى أن فى المخاطر حزازة من قوله فيكون لم يبع ولم يهب بل يكون بيعا وهبة كلاهما لأنهما كما يتعلقان بكلها يتعلقان بجزئها نفيا وإثباتا وهذا بحسب اللغة وتعليمه رضى الله عنه مبني على العرف فان بناء الإيمان عليه غالبا ومع ذلك لو وهبها للسطان أو باعها وكفر عن يمينه أو أهداها إليه بناء على الفرق بينها وبين الهبة كان أولى كما لا يخفى وبهذا تبين لك فرق بين بين حيل الإمام الأول والثاني رحمة الله عليهما فتأمل ويروي أن الرشيد حلف بالطلاق ثلاثا أن باتت زبيدة في ملكة وندم وتحير فقيل هنا فتى من أصحاب أبي حنيفة يرجى منه المخرج فدعاه فعرض عليه وقال استعمل حق العلم قال كيف أنت على السرير وأنا على الأرض فوضع له كرسي فجلس عليه ثم قال تبيت الليلة في المسجد ولا يد لأحد على المسجد قال تعالى ﴿وان المساجد لله﴾ فولاه الرشيد قضاء القضاة أقول وهذا أيضاً لا يخلو عن أشكال لان يمينه علي ملكه بالضم لا على ملكه بالكسر ولا شك أن الأوقاف والأملاك داخلة تحت ملك السلطان لغة وعرفا فالحيلة كانت أن يعزل نفسه ويولي غيره ممن يعتمد عليه فى تلك

стр. 73

الليلة ثم فى الصبح يعزل ذلك لنفسه ويوليه أو كان يطلقها واحدة ثم يتزوجها في الصباح ويروى أن الرشيد دعاه ذات ليلة وقال سرق حلي لي واتهمت واحدة من جواري الخاصة وحلفت أن لم تصدقني لأقتلها قال أبو يوسف فهل لي إلى رويتها من سبيل قال نعم فدعاها في الخلوة وقال لها إذا سألك الخليفة عن الحلي سرقت قولي نعم وإذا قال هاتي قولي ما أخذت ولا تزيدي على هذا ولا تنقصي ففعلت فقال أبو يوسف يا أمير المؤمنين صدقت فى الإقرار والإنكار فسكن غضب الرشيد فقال يحمل إلى داره مائة ألف درهم فقيل له الخازن غائب فقال أنه اعتقنا عن القتل الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد أقول وفى هذا أيضاً مناقشة ظاهرة وكان الأولى بالسلطان أن لا يقتلها في تلك الليلة ويعتقها أو غيرها كفارة عن يمينه ثم قوله أن لم تصدقني يحتمل ان يكون من الصدق أو التصديق وكل منهما يحتاج إلى التدقيق والتحقيق والله ولي التوفيق وذكر أن موسى الهادي رأى جارية فائقة في الجمال فاشتراها بمال عظيم وأراد اسقاط الاستبراء وقال الفقهاء لا بد من الاستبراء أو الإعتاق والتزوج ولم يحب الهادي التزوج فأحضر أبو يوسف فقال يزوجها الخليفة من بعض خدمه ثم يقبضها ثم يأمره بالطلاق فيطلقها بعد قبض الخليفة قبل الخلوة فلا يلزمها العدة فسر به الهادي وأجازه بعشرة آلاف درهم

стр. 74

وسئل عمن قال ماله في المساكين صدقة إن فعل كذا قال يخرج ماله إلى من يثق به ثم يفعل ذلك ثم يرجع فى ماله فقال أبو اليقظان عمار مستمليه قال رسول الله ﷺ لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجعلوها فباعوها وأكلوا ثمنها فقال أبو يوسف يا لكع أبين هذا من ذاك فإنهم احتالوا فيما حرم الله ونحن نحتال فى أن لا نحرم ما أحل الله تعالى الفصل فيما يتعلق بكلامه وحفظه وقضائه وذكر الغزنوي عن هلال أنه كان يحفظ التفسير والحديث وأيام العرب كان أقل علومه الفقه عن علي بن الجعد أنه قال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه أنت كلك وإذا أعطيته كلك كنت في إعطائه البعض لك على غرور وعن إبراهيم أنه قال لا تطلب الحديث بكثرة الرواية فترمى بالكذب والغنى بالكيمياء فتفلس والعلم بالكلام فتحتاج إلى أن تعتذر لكل واحد وعن يحيى بن يحيى عنه قال كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة وعن ابن سماعة أنه كان يصلي بعدما ولي القضاء كل يوم مائة ركعة وفى رواية مأتي ركعة فلم يتركه بعد ما فلج وعن الفضيل عنه قال قال لا يبلغ في الفقه إلا من ليس له هم الدنيا والآخرة وعن علي بن الحسين عنه قال قال ما أتيت مجلسا أريد أن أتكبر فيه إلا افتضحت وعن علي بن حجر عنه أنه قال اخذ في الفرائض بقول زيد وعلي رضي الله

стр. 75

عنهما فإذا اختلفا أخذت بقول علي لأنه ﷺ قال أقضاكم علي قلت ويعارضه قوله ﵇ أفرضكم زيد بن ثابت والجمع أن زيدا أعلم فى هذا الفن بخصوصه من بين الأحكام وعلي جامع لقضاء أحكام الإسلام والله أعلم بحقيقة المرام وعن إبراهيم بن رستم قال مرض مرض الذي أصابه فيه البرسام فلما برأ قيل له هل أنكرت حفظك قال أما القرآن فعنم وأما العلم فكأني انظر فيه كما أنظر إلى طرق الكوفة انتهى ولا يخفي ما فيه فإن اللائق به أن يكون الأمر بالعكس وأين هذا من تلاوة الإمام الأعظم كل يوم ختمة وكل ليلة ختمة وقد يزيد على ذلك وعن خزيمة بن محكمة قال كنت أجالس زفر طرفي النهار وأسأله عن المسائل فإذا كررت عليه المسئلة مرة أو مرتين وطلبت منه الدليل قال ما هذا الإبرام وكان لا يدخل في مسائل الحساب والوصايا والدور ومسائل الحيض وكنت أجالسه لعلمه وزهده فلما طال ذلك جالست أبا يوسف وكان جامعا للكل وكان يأتيني بأنواع الحجج فلزمته حتى كتبت أماليه انتهى وهذا مما يدل على كمال زفر فانه كان مشتغلا بأمور أهم مما ذكر ولذا قال الغزالي ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف البسيط والوسيط والوجيز وذكر الحلبي عن الحسن بن زياد قال حججنا معه فاعتل في الطريق فجاءة سفيان بن عيينة في بير ميمونة عائدا فقال لنا خذوا حديثه فروى لنا أربعين حديثا من حفظه فلما قام سفيان حدثنا بالأربعين حديثا بسنده ومتنه حفظا وتعجبنا من سرعة حفظه مع علته وشغله بسفره قلت فكانه كان من رجال
следующие страницы →