Полный текст (107 стр.). Показаны 71–107 · переход к 76.
стр. 71
الناقد وأحمد بن منيع وآخرون ولاه موسى الهادي ابن المهدي قضاء بغداد ثم الرشيد
وذكر مكحول النسفي أنه أوصى لأهل مكة بمائة ألف ولأهل المدينة مائة ألف ولأهل الكوفة بمائة ألف ولأهل بغداد بمائة ألف
وذكر الحلبي أنه مات في شهر ربيع الأول لخمس خلون منه سنة اثنتين وثمانين ومائة
وذكر الخوارزمي أن الرشيد مشى إمام جنازته وصلى عليه بنفسه ودفنه في مقبرة أهله وقال حين دفنه ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا في موته ودفن في مقابر قريش بكرخ بغداد وبقربه دفن محمد الأمين وزبيدة رحمهم الله تعالى
وروى عنه أنه قال لأعرف أن لي سبع مائة بغل وثلاث مائة فرس
عن بشر بن الوليد أنه كان أوى إلى فراشه فإذا رجل يقرع الباب قرعا شديدا فإذا هرثمة بن أعين فقال اجب الخليفة قال قلت هل إلى الدفع سبيل قال لا قلت فما السبب قال لا أدري خرج مسرور الخادم فأمرني أن أجيئ بك قال فاغتسلت وتحنطت ورحت فإذا أبا بالخادم فطلبت منه أن يدفع عني الحضور فأبى وقال ادخل الصحن ففعلت فقال الرشيد ادخل فإذا عيسى بن جعفر جالس عنده فلما سلمت ورد السلام قال دعوناك أتدري لم دعوناك قلت لا قال عنده جارية لا يبيعني ولا يهبني قلت وما قدرها حتى تمنعها من الخليفة فقال ليس من العدل سرعة العذل أني حلفت أن لا أبيعها ولا أهبها قال الرشيد هل من مخرج قلت يبيع النصف ويهب النصف فيكون لم يبع ولم يهب ففعل عيسى ذلك فأتى بالجارية وقال خذها بارك الله فيها فقال يا يعقوب بقيت واحدة وذلك أن نفسي تنازعني
стр. 72
أن أبيت معها ولا بد من استبرائها فقال أعتقها وتزوجها فان الحرة لا تستبرأ فاعتقها وتزوجها على عشرين ألف دينار فدعا بالمال ودفعه إليها ثم قال يا مسرور احمل إلى يعقوب عشرين تختا من ثياب ومأتي ألف درهم قال بشر بن الوليد فنظر إلي وقال رأيت باسا فيما فعلت قلت لا قال خذ منها حقك العشر قال فأردت أن أقوم فإذا بعجوز دخلت وقالت بنتك تقرئك السلام وتقول ما وصل إلي من الخليفة إلا المهر فوجهت إليك نصفه والباقي جعلته لاحتياجي فاخذ المال وأعطاني ألف دينار انتهى
ولا يخفى أن فى المخاطر حزازة من قوله فيكون لم يبع ولم يهب بل يكون بيعا وهبة كلاهما لأنهما كما يتعلقان بكلها يتعلقان بجزئها نفيا وإثباتا وهذا بحسب اللغة وتعليمه رضى الله عنه مبني على العرف فان بناء الإيمان عليه غالبا ومع ذلك لو وهبها للسطان أو باعها وكفر عن يمينه أو أهداها إليه بناء على الفرق بينها وبين الهبة كان أولى كما لا يخفى وبهذا تبين لك فرق بين بين حيل الإمام الأول والثاني رحمة الله عليهما فتأمل
ويروي أن الرشيد حلف بالطلاق ثلاثا أن باتت زبيدة في ملكة وندم وتحير فقيل هنا فتى من أصحاب أبي حنيفة يرجى منه المخرج فدعاه فعرض عليه وقال استعمل حق العلم قال كيف أنت على السرير وأنا على الأرض فوضع له كرسي فجلس عليه ثم قال تبيت الليلة في المسجد ولا يد لأحد على المسجد قال تعالى ﴿وان المساجد لله﴾ فولاه الرشيد قضاء القضاة
أقول وهذا أيضاً لا يخلو عن أشكال لان يمينه علي ملكه بالضم لا على ملكه بالكسر ولا شك أن الأوقاف والأملاك داخلة تحت ملك السلطان لغة وعرفا فالحيلة كانت أن يعزل نفسه ويولي غيره ممن يعتمد عليه فى تلك
стр. 73
الليلة ثم فى الصبح يعزل ذلك لنفسه ويوليه أو كان يطلقها واحدة ثم يتزوجها في الصباح
ويروى أن الرشيد دعاه ذات ليلة وقال سرق حلي لي واتهمت واحدة من جواري الخاصة وحلفت أن لم تصدقني لأقتلها قال أبو يوسف فهل لي إلى رويتها من سبيل قال نعم فدعاها في الخلوة وقال لها إذا سألك الخليفة عن الحلي سرقت قولي نعم وإذا قال هاتي قولي ما أخذت ولا تزيدي على هذا ولا تنقصي ففعلت فقال أبو يوسف يا أمير المؤمنين صدقت فى الإقرار والإنكار فسكن غضب الرشيد فقال يحمل إلى داره مائة ألف درهم فقيل له الخازن غائب فقال أنه اعتقنا عن القتل الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد أقول وفى هذا أيضاً مناقشة ظاهرة وكان الأولى بالسلطان أن لا يقتلها في تلك الليلة ويعتقها أو غيرها كفارة عن يمينه ثم قوله أن لم تصدقني يحتمل ان يكون من الصدق أو التصديق وكل منهما يحتاج إلى التدقيق والتحقيق والله ولي التوفيق
وذكر أن موسى الهادي رأى جارية فائقة في الجمال فاشتراها بمال عظيم وأراد اسقاط الاستبراء وقال الفقهاء لا بد من الاستبراء أو الإعتاق والتزوج ولم يحب الهادي التزوج فأحضر أبو يوسف فقال يزوجها الخليفة من بعض خدمه ثم يقبضها ثم يأمره بالطلاق فيطلقها بعد قبض الخليفة قبل الخلوة فلا يلزمها العدة فسر به الهادي وأجازه بعشرة آلاف درهم
стр. 74
وسئل عمن قال ماله في المساكين صدقة إن فعل كذا قال يخرج ماله إلى من يثق به ثم يفعل ذلك ثم يرجع فى ماله فقال أبو اليقظان عمار مستمليه قال رسول الله ﷺ لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجعلوها فباعوها وأكلوا ثمنها فقال أبو يوسف يا لكع أبين هذا من ذاك فإنهم احتالوا فيما حرم الله ونحن نحتال فى أن لا نحرم ما أحل الله تعالى
الفصل فيما يتعلق بكلامه وحفظه وقضائه
وذكر الغزنوي عن هلال أنه كان يحفظ التفسير والحديث وأيام العرب كان أقل علومه الفقه
عن علي بن الجعد أنه قال العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه أنت كلك وإذا أعطيته كلك كنت في إعطائه البعض لك على غرور
وعن إبراهيم أنه قال لا تطلب الحديث بكثرة الرواية فترمى بالكذب والغنى بالكيمياء فتفلس والعلم بالكلام فتحتاج إلى أن تعتذر لكل واحد
وعن يحيى بن يحيى عنه قال كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة
وعن ابن سماعة أنه كان يصلي بعدما ولي القضاء كل يوم مائة ركعة وفى رواية مأتي ركعة فلم يتركه بعد ما فلج
وعن الفضيل عنه قال قال لا يبلغ في الفقه إلا من ليس له هم الدنيا والآخرة
وعن علي بن الحسين عنه قال قال ما أتيت مجلسا أريد أن أتكبر فيه إلا افتضحت
وعن علي بن حجر عنه أنه قال اخذ في الفرائض بقول زيد وعلي رضي الله
стр. 75
عنهما فإذا اختلفا أخذت بقول علي لأنه ﷺ قال أقضاكم علي قلت ويعارضه قوله ﵇ أفرضكم زيد بن ثابت والجمع أن زيدا أعلم فى هذا الفن بخصوصه من بين الأحكام وعلي جامع لقضاء أحكام الإسلام والله أعلم بحقيقة المرام
وعن إبراهيم بن رستم قال مرض مرض الذي أصابه فيه البرسام فلما برأ قيل له هل أنكرت حفظك قال أما القرآن فعنم وأما العلم فكأني انظر فيه كما أنظر إلى طرق الكوفة انتهى ولا يخفي ما فيه فإن اللائق به أن يكون الأمر بالعكس وأين هذا من تلاوة الإمام الأعظم كل يوم ختمة وكل ليلة ختمة وقد يزيد على ذلك
وعن خزيمة بن محكمة قال كنت أجالس زفر طرفي النهار وأسأله عن المسائل فإذا كررت عليه المسئلة مرة أو مرتين وطلبت منه الدليل قال ما هذا الإبرام وكان لا يدخل في مسائل الحساب والوصايا والدور ومسائل الحيض وكنت أجالسه لعلمه وزهده فلما طال ذلك جالست أبا يوسف وكان جامعا للكل وكان يأتيني بأنواع الحجج فلزمته حتى كتبت أماليه انتهى وهذا مما يدل على كمال زفر فانه كان مشتغلا بأمور أهم مما ذكر ولذا قال الغزالي ضيعت قطعة من العمر العزيز في تصنيف البسيط والوسيط والوجيز
وذكر الحلبي عن الحسن بن زياد قال حججنا معه فاعتل في الطريق فجاءة سفيان بن عيينة في بير ميمونة عائدا فقال لنا خذوا حديثه فروى لنا أربعين حديثا من حفظه فلما قام سفيان حدثنا بالأربعين حديثا بسنده ومتنه حفظا وتعجبنا من سرعة حفظه مع علته وشغله بسفره قلت فكانه كان من رجال
стр. 76
﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ قيل وكان يصوم رجب وشعبان وما ترك السلطان من خراج أرضه كان يتصدق به
وعن أبي إسحاق الرازي أنه خرج يوما راكبا بغلة في ركابي ذهب فقيل له أتركب في ركابي ذهب وقد نهى عنه فقال أردت أن أرى الناس عن العلم أن ابن الخياط بلغ به جلالة العلم إلى هذا القدر حتى يزدادوا حرصا قلت هذا تعليل في معرض النص وهو غير مقبول على أن فيه فتنه عظيمة للعامة
وعن أبي يوسف أنه كرر على الحسن بن زياد المسئلة ستة عشر مرة ثم قال الحسن لعلي لم أفهمها
ومن الطائفة أنه وقعت بين الرشيد وبين امرأته منازعة فقال الرشيد الخبيص أحلى من الفالوذج وعكست زبيدة فدخل هو وهم في هذا الحال فسأل عن هذا المقال فقال القضاء على الغائب لا يجوز فأتي بطبقين منهما فجعل يأخذ من هذا لقمة ومن هذا لقمة حتى كاد أن يأتي عليهما فسأله الرشيد أيهما أحلى فقال اصلح الله أمير المؤمنين كلما هممت أن أحكم لواحد آتي الآخر بشاهد فلما شبع قال الخبيص حلو قال الرشيد قويت حجج الخبيص فقال الخبيص حلو كما قلت لكن لا بمنزلة الفالوذج
وحكي عن ابن المبارك أنه قال خرجت حاجا فدخلت عليه فشكا لي ضيق الحال وقال فى جواري عني أريد أن أتوكل عنه في أموره فقلت اصبر على العلم فأنه لا يضيعك فلما قمت من عنده تعلق ذيلي بكوز وسخ فانكسر فتغير لونه فقلت ما الذي أصابك فقال إن هذا الكوز كان للشرب والوضوء لي ولوالدتي ليس لنا غيره فأخرجت دنيارا وأعطيته إياه فلما رجعت عن الحج رأيته قد جعل قاضيا للقضاة وأجرى له كل شهر مائة دينار بألف درهم ودار ذلك الغني جعل اصطبلا
стр. 77
لدوابه قيل وكانت له عند الرشيد منزلة رفيعة بحيث يبلغ دار الخلافة راكبا بغلته فيرفع له الستر فيدخل كما هو راكبا والرشيد يبدؤه السلام وكان إذا رآه ينشده جاءت به معتجرا ببرده
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد عن القاسم بن الحكيم قال سمعته يقول يا ليتني مت على ما كنت عليه من الفقر ولم أدخل في القضاء على أني بحمد الله ما تعمدت جورا ولا حابيت خصما على خصم من سلطان ولا سوقة
ويروى أن الرشيد لما جعل الأمين ولي عهده في حياته قال أبو يوسف الحمد لله الذي جعل ولي عهد أمير المؤمنين من لم يسود صحيفته بالأوزار فبلغ ذلك زبيدة أمه فأنقذت إليه مائة ألف دينار
قيل وأصحاب الأمالي الذي رووها عن أبي يوسف لا يحصون
فصل في مناقب الإمام محمد بن الحسن رحمة الله عليه
هو أبو عبد الله الشيباني من قرية تسمى حرستي من أعمال دمشق قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط سنة اثنتين وثلاثين ومائة ونشأ بالكوفة وسمع العلم من الإمام الأعظم والأوزاعي والإمام مالك والثوري ومسعر بن كدام وروى عنه الإمام الشافعي وغيره من العلماء الكرام والمشائخ العظام
وروى أنه محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز ملك بني شيبان وأبو حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز اسلم على يد عمر رضى الله عنه وعن وكيع قال كنا نكره أن نمشي معه فى طلب الحديث لأنه كان غلاما جميلا
وذكر السمعاني أن أباه قدم به إلى الإمام فقال الإمام لوالده احلق رأسه وألبسه الخلقان ففعل أبوه امتثالا فزاد عند الحلق حسنا وجمالا وفيه يقول أبو نواس
стр. 78
شعر … حلقوا رأسه ليكسوه قبحا … غيرة منهم عليه وشحا
كان في وجهه صباح وليل … نزعوا ليله وأبقوه صبحا …
ولاه الرشيد القضاء حين خرج معه إلى خراسان ومات بالري سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ومات الكسائى بعده بيومين وحكي أنهما ماتا في يوم واحد فقال الرشيد دفن الفقه واللغة في الري وتشاءم به ودفن الإمام محمد بجبل طبرك والكسائي بقرية رنبويه وبينهما أربعة فراسخ وكان معسكر الرشيد أربعة فراسخ نزل الإمام الكسائي في جانب والإمام محمد في جانب وقيل في مرثيتهما شعر … تصرمت الدنيا فليس خلود … لما قد نرى من بهجة ستبيد
ألم ترى شبابا إذا ما ابتلوا البلي … وإن الشباب الغض ليس يعود
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت … فكن مستعدا للقاء عتيد
أسفت على قاضي القضاة محمد … وأذريت دمعي والفواد عميد
وأوجعني موت الكسائي بعده … وكادت بي الأرض الفضاء تميد …
وذكر السمعاني عن هشام بن عبد الله الذي توفي الإمام محمد في بيته أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل في ذلك فقال إذا أوقفني الله تعالى بين يديه وقال يا محمد ما أقدمك على الري أمجاهدا في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي ما أقول
وعن البويطي عن الشافعي أعانني الله تعالى في العلم برجلين في الحديث بابن عيينة وفي الفقه بمحمد بن الحسن ﵄
وعن ابن جبلة سمعت محمدا يقول لا يحل لأحد أن يروي عن كتبنا
стр. 79
إلا ما سمع أو يعلم مثل ما علمنا
وعن أحمد بن حجاج يقول لم يحمل عني هذا الكتاب أحد اصح مما احتمله البخاري اخذ عني ولم يستقص علي أحد فى السماء كاستقصائه قلت لعله أراد به أبا حفص الكبير البخاري فإن محمد بن إسمعيل البخاري ليس له رواية عن محمد فيما احفظه
قيل دخل على الإمام أول ما دخل للعلم قال استظهر القرآن فغاب سبعة أيام ثم جاء وقال حفظته
وعن الديلمي أن الشافعي قال جالسته عشر سنين وحملت من كلامه حملي جمل لو كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا كلامه لكن كان يكلمنا على قدر عقولنا
وعن الشافعي ما رأيت سمينا عاقلا قط غيره وانشدوا للشيخ سيف الدين الباخرزي البخاري
شعر
… يقولون أجسام المحبين نضوة … وأنت سمين ليس غير مرائ
فقلت لان الحب خالف طبعهم … ووافقه طبعي فصار غذائ …
وعن ابن سماعة قال لأهله لا تسألوني حاجة من الحوائج فان فيها شغل قلبي وخذوا ما بدا لكم من وكيلي فإنه أفرغ لقلبي
وروي أنه لما مات أبو يوسف لم يخرج محمد لجنازته فقيل له في ذلك قال لأن جواري أبي يوسف يندبنه ويقلن
شعر
… اليوم يرحمنا من كان يحسدنا … اليوم نتبع من كانوا لنا تبعا …
стр. 80
وروى عنه أنه ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر والباقي على الحديث والفقه وقال أقمت على باب مالك ثلاث سنين
فصل في مناقب الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى
ولد سنة ثماني عشر ومائة وكانت أمه خوارزمية وأبوه تركيا قيل كان سبب توبته أنه سمع قوله تعالى ﴿ألم يأن للذين آَمَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبِهِمْ لِذِكْرِ اللهِ وِمْا نزل من الحق﴾ وقال بلى والله وكان هذا أول زهده قيل وكذلك هذه الآية سبب لتوبة فضيل بن عياض مات عبد الله بهيت سنة إحدى وثمانين ومائة ﵀
وعن الحسن بن ربيع قال لما حضرته الوفاة اشتهى سويقا فلم يوجد إلا عند رجل يعمل من أعمال السلطان فعرض عليه فلم يقبل ومات ولم يشرب
وعنه قال لما حضرته الوفاة قال قد ترى شدة الكلام علي فإذا سمعتني قلت كلمة الشهادة فلا تردها علي حتى تسمعني أخذت فى كلام آخر فإنما كانوا يحبون أن يكون آخر كلامهم كلمة الشهادة لقوله ﵇ من كان آخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة قيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة قال ترك الغضب قلت ولذا قال لما قال بعض الصحابة أوصني يا رسول الله قال لا تغضب
وقال أبو علي الروذباري صحبته في طريق مكة فلما دخلنا البادية قال تكون الأمير أم أكون أنا قلت بل أنت قال فعليك بالسمع والطاعة فاخذ المخلاة ووضعها على عاتقه فقلت دعني احمل فقال أنا الأمير أم أنت قلت أنت فمكثنا ذات ليلة إذا أخذ المطر فأخذ الكساء فأظلني وترك نفسه إلى الصباح فوددت إني أمت ولم اقل كن أميرا فلما أردت الافتراق قال يا أبا علي إذا صحبت إنسانا فاصحبه هكذا ولابن المبارك
стр. 81
شعر
… إذا رافقت في الأسفار قوما … فكن لهم كذي الرحم الشفيق
يعيب النفس ذا بصر وسلم … عمى القلب عن عيب الرفيق
ولا تأخذ بهفوة كل قوم … ولكن قل هلم إلى الطريق
متى تأخذ بهفوتهم تمل … وتبقى في الزمان بلا صديق …
ومن كلامه أن العلماء ورثة الأنبياء فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدي والتجار أمناء الله فإذا خانوا فعلى من يؤمن والغزاة أضياف الله إذا غلوا فبمن يظفر على العدو والزهاد ملوك الأرض فإذا كانوا أذرياء فبمن يتبع والولاة رعاة الأنام فإذا كان الراعي ذئبا فبمن تحفظ الرعية وقد أشار عمران بن حطان الخارجي إلى الفقرة الأخيرة فيما قاله لعبد الملك بن مروان مخاطبا
شعر
… إن أنت لم تبقى لا صوفا ولا غنما … القيتني اعظما في قرقر قاع
أخذت رزقي من ربي لتحفظني … فصرت لي سبعا أيها الراعي …
وعن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن الحسن قال حضرنا باب سفيان بن عيينة ليلا فقيل هو عند يحيى بن خالد وقال آخر هو عند جعفر فقال رجل منا يا رب أرنا رجلا يسوي هذا العلم بين الناس فقال رجل هو ابن المبارك وقال رجل هات غيره فذكرت هذا الكلام لابن المبارك ولم أقل ذكروك فقال هو فضيل بن عياض رحمه الله تعالى
وعن الأشعث بن شعبة المصيصي قال قدم ابن المبارك علينا بالرقة وفيها هارون فانحفل الناس إليه حتى تقطعت النعال وارتفعت الغبرة فأشرفت أم ولد للرشيد من برج وقالت من هذا قالوا قدم من خراسان عالم يقال له ابن
стр. 82
المبارك قالت هذا هو الملك لا ملك هارون الذي لا تجتمع الناس عليه إلا بشروط وأعوان
وعن إبراهيم بن عبد الله قال كان كتبه التي حدث بها عشرين ألفا أو أحد وعشرون ألفا
وعن إسحاق قال نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبة النبي ﷺ
ومن كلامه لا أعلم بعد النبوة افضل من بث العلم
وعن عمرو بن حفص الصوفي قال خرج ابن المبارك يريد المصيصة للغزاء وصحبه بعض الصوفية فقال لهم أنتم لكن أنفس تحتشمون إن نفق عليكم هات يا غلام المنديل والطست فالقي عليه المنديل ثم قال يلقي كل منكم تحت المنديل ما معه فجعل الرجل يلقي عشرة وعشرين درهما قال فانفق عليهم إلى المصيصة قال الكردري يجوز أن يكون من قبيل إخفاء الإحسان على عادة السلف قلت ويأيده أنه كان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف ويجوز أن يكون من باب الكرامات ويؤيده ما روى ابن وهب أن ابن المبارك مر بأعمى فقال ادعوا الله أن يرد الله علي بصري فدعا فرد الله عليه بصره وأنا أنظر إليه
ومن كلامه من كان فيه خلة من جهل فهو من الجاهلين قال تعالى ﴿أني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ ويشير إليه حديث المكاتب عبد ما بقي عليه درهم
ومن كلامه الرفيع من رفعه الله بطاعته والوضيع من وضعه الله بمعصيته وقال احب الصالحين ولست منهم وأبغض الطالحين وأنا منهم
ودخل عليه أبو أسامة فرأى في وجهه أثر ضر فلما خرج وجه إليه أربعة ألاف درهم ورزمة ثياب ورقعة وكتب إليه فيها
стр. 83
وفتى خلا من ماله … ومن المروة غير خال
أعطاك قبل سوا له … وكفاك مكروه السوال …
وقال صاحب حلية الأولياء أن رجلا من سرخس بعث إلى ابن المبارك شيئا عليه خيط فأخذ الهدية ورد الخيط وقال كتب إلي فى الشيئ ولم يكتب إلي في الخيط رب عمل يسير يعظمه الله تعالى ورب عمل كثير يصغره الله تعالى
وروي أنه رجع من مرو إلى الشام في قلم استعاره ليرده على صاحبه وسأله رجل عن الرباط فقال رابط نفسك على الحق حتى تقيمها على الحق فذلك أفضل الرباط أي في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾
وسأله رجل أن تعلم القرآن افضل أم تعلم العلم قال أتقرأ من القرآن ما تقيم به الصلاة قال نعم قال فعليك بالعلم تعرف به القرآن أي معناه والحاصل إن الاشتغال بمعنى القرآن المستفاد من التفسير والحديث والفقه أفضل من مجرد تلاوته وكثرة قراءته وهذا معنى قوله ﵇ فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وقال الحبر في الثوب حلية العلماء ولبعضهم في هذا المعنى … إنما الزعفران عطر العذارى … ومداد الدواة عطر الرجال …
ويؤيده حديث مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء
وذكر الهمداني عن العباس بن مصعب قال كان ابن المبارك جمع بين الفقه والحديث والعربية واللغة والغريب وأيام الناس والسخاوة والشجاعة والتجارة والمحبة عند الناس
وذكر محمد بن الحسن البخاري عن الفضل بن دكين ما رأيت قط أحسن قراءة منه كان يقرأ على الإمام
وعنه أن أول العلم النية ثم الفهم ثم العمل ثم الحفظ ثم النشر
стр. 84
وعن محمد بن إبراهيم البهراني أن ابن المبارك أملأ هذه الأبيات عليه وأنفذه إلى الفضيل ابن عياض سنة سبع وسبعين ومائة شعر … يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه … فنحور نابد مائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم وريح عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأصهب
ولقد أتانا عن مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب
لا جمع بين غبار خيل الله في … أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد كميت لا يكذب … قال فلقيت الفضيل في المسجد الحرام فلما قرأه بكي وقال صدق أبو عبد الرحمن ثم قال وأنت ممن يكتب الحديث قلت نعم يا أبا علي قال فاكتب هذا الحديث جزاء لحمل الكتاب
وقال حدثني المنصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا قال دلني على عمل أنال به ثواب المجاهد في سبيل الله فقال النبي ﷺ هل تستطيع أن تصوم ولا تفطر وتصلي ولا تفتر فقال يا رسول الله إني أضعف عن ذلك فقال ﵇ فوالذى نفسي بيده لو طوقت ذلك لما بلغت فضل المجاهد في سبيل الله أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب لصاحبه بذلك الحسنات
ويروي أنه كان يقاتله علج فدخل وقت صلاة العلج فاستمهله فلما سجد الكافر للشمس أراد أن يضربه بالسيف فسمع صوتا من الهوى وهو يقول ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا﴾ فأمسك فلما فرغ المجوسي قال لما أمسكت
стр. 85
عن قصدك فحكى له ما سمع فقال الكافر نعم الرب رب يعاتب وليه في عدوه وأسلم وأحسن إسلامه
وعن عبيد الله بن سنان قال كنت معه ومع المعتمر بن سليمان بطرسوس فصاح الناس النفير فلما اصطف الناس خرج علج رومي يطلب البزار فخرج إليه مسلم فقتله ثم وثم حتى قتل ستة من المسلمين ثم لم يخرج إليه أحد فلما رأى ابن المبارك ذلك أوصى إلي وقال إن قتلت فافعل كذا وكذا فخرج من الصف وقتله وقتل ستة من الكافرين ثم امتنعوا عنه فغاب ثم نظرته فإذا هو بالمكان الذي كان فيه وكان يحضر القتال ويقاتل ويبلى بلاء حسنا فإذا كان وقت القسمة غاب فقيل له في ذلك فقال يعرفني الذي أقاتل له ومناقبه كثيرة ومرتبته شهيرة وفي هذا مقنع لأرباب الألباب في هذا الباب
فصل في مناقب الإمام زُفر رحمه الله تعالى
وهو ابن الهذيل بن قيس العنبري البصري الكوفي يكنى بأبي الهذيل وكان أبوه من أهل اصفهان ولد سنة عشر ومائة
عن إبراهيم بن سليمان كان إذا جالسناه لم نقدر أن نذكر الدنيا بين يديه وإذا ذكرها واحد منا قام عن مجلسه وتركه في موضعه وكنا نحدث فيما بيننا أن الخوف قتله
وقال شداد سألت أسد بن عمرو أأبو يوسف أفقه أم زفر قال زفر أورع قلت عن الفقه سألتك قال يا شداد بالورع يرتفع الرجل
وعن ابن المبارك قال سمعت زفر يقول نحن لا نأخذ بالرأي ما دام أثر وإذا جاء الأثر تركنا الرأي
стр. 86
وعن محمد بن عبد الله الأنصاري قال أكره زفر على أن يلي القضاء فأبى وهدم منزله واختفى مدة ثم خرج وأصلح منزله ثم هدم ثانيا واختفى كذلك حتى عفي عنه
وعن عكرمة قال لما قدم زفر البصرة نقل إليه جامع سفيان فقال هذا كلامنا ينسب إلى غيرنا
وعن أبي نعيم قال قال لي زفر هات أحاديثك أغربلها لك غربلة
وعن بشر بن القاسم سمعته يقول لا أخلف بعد موتي شيئا أخاف عليه الحساب فلما مات قوم ما في بيته فلم يبلغ ثلاثة دراهم
وعن وكيع وهو شيخه ما نفعني مجالسة أحد مثل ما نفعني مجالسة زفر
وعن أبي مطيع زفر حجة الله على الناس فيما بينهم يعملون بقوله وأما أبو يوسف فقد غرته الدنيا بعض الغرور
وعن عصمة أنه قال قال ما تمنيت البقاء قط وما مال قلبي إلى الدنيا أبدا
وعن يحيى بن أكثم قال رأيت وكيعا في آخر عمره يختلف إليه بالغداواة وإلى أبي يوسف بالعشيات ثم ترك أبا يوسف وجعل كل اختلافه إليه لأنه كان أفرغ وكان يقول الحمد لله الذي جعلك لنا خلفا عن الإمام ولكن لا يذهب عني حسرة الإمام
وعن الفضل بن دكين قال لما مات الإمام لزمته لأنه كان أفقه أصحابه وأورعهم فأخذت الحظ الأوفر منه
وعن الحسن بن زياد كان زفر وأبو داود الطائي متواخيين فترك داود الفقه وأقبل على العبادة وأما زفر فجمع بينهما
وعن هلال بن يحيى كان زفر وداود متواخيين وكان يتبع داود فجاء
стр. 87
داود وقعد على مزبلة ثم جاء زفر وقعد معه
وعن محمد بن وهب أنه كان من أصحاب الحديث وكان أحد العشرة الذين دونوا الكتب مات بالبصرة في أول خلافه المهدي سنة ثمان وخمسين ومائة وفي هذه السنة مات المنصور
وذكر الحافظ النيسابوري أن رجلا جاء إلى الإمام وقال لا ادري أطلقت امرأتي أم لا قال لا عليك حتى تتيقن بالطلاق ثم سأل الثوري فقال لا تضرك الرجعة فسأل شريكا فقال طلقها ثم راجعها فجاء إلى زفر فحكى له الأقاويل فقال أما الإمام فقد أفتى بالفقه والثوري بالورع وأما شريك بالحزم فاضرب لكم مثلا أن رجلا شك هل أصاب ثوبه نجس أم لا فقال الإمام لا عليك قبل العلم بالنجاسة والثوري قال لو غسلته لا عليك وأما شريك فقال بل عليه ثم اغسله
فصل في مناقب داود الطائي رحمة الله عليه
هو ابن نصر الطائي أبو سليمان الإمام الرباني كوفي واصله من خراسان
وعن عبد الله بن داود سأله إسحاق عن أصحاب الإمام فقال أبو يوسف ومحمد وزفر وداود وعافية الأودي وأسد بن عمرو وعلي بن مسهر ويحيى بن زايدة والقاسم بن معن ثم قال لو أن داود وزن بأهل الأرض لوزنهم فضلا
وعن عبد الله السابح أنه لما تعبد قال لنفسه يا نفس إن طلبت الدنيا بالقرآن أو بالحديث أو بالفقه أبو بالشعر وأيام الناس فأنت أنت وليس بعده الموت ثم جاء إلى خطة وقال ليس شيء أحل من هذه الخطة خطها الفاروق ﵁ حين هزم هرمز لأجدادي فباع ثلثيها بأربع مائة درهم فعبد الله عشرين سنة يأكل منها ثم لما مات كان كفنه منها
стр. 88
قال الوليد بن عقبة كان له في كل ليلة رغيفان يفطر عليهما فأفطر ليلة على شق تمرة ومولاة له تنظر إليه ثم صلى حتى أصبح وصام يومه فلما جاء وقت فطره نظر إلى الرغيفين وقال يا نفس اشتهيت في الليلة الماضية التمر فأطعمتك ثم تشتهي الليلة ذلك لا أريتك تمرا ما عشت
وعن أبي يوسف اختلفت مع زفر فيما رويت عن الإمام فقال بيني وبينك داود فدخلنا عليه فثقل عليه دخولنا لديه لما فيه من الشغل بالعبادة فقلنا له المسئلة فقال كان الإمام يقول فيه بقول زفر فكلمناه فيه فرجع إلى قول أبي يوسف ثم سأله أبو يوسف عن مسئلة في كتاب الرهن مشكلة فلم يجبه فلما قمنا ناداه ومر فيه مسرعا كالسهم وقال لولا أنه يسبق إلى فكرك أني تركت الفكر في مثل هذا ما جئتك أبدا
وعن الحسن بن زياد قال دخلنا مع حماد ابن الإمام فقال مالي وللناس ثم اخرج حماد أربع مائة درهم وقال استعن بها على حوائجك فإنها من كسب الإمام لا من كسبي فاستعظم وقال لو كنت أقبل من أحد لقبلت منك
وعن أبي نعيم قال جلس داود مع أهل العربية حتى صار رأسا فيهم ثم مع علماء القرآن كذلك ثم مع المحدثين حتى صار إمامهم ثم جالس الإمام وتفقه حتى لم يتقدم عليه أحد ثم ترك وتخلى للعبادة حتى صار جبلا
وعن إسحاق بن منصور قال سألته عن رجل يصلي وهو محلول الجيب قال إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به
وعن اسمعيل قيل له لا تشتهي الخبز قال ما بين مضغ الخبز وشرب السويق قدر خمسين آية اقرؤها
وعن ابن السماك قال أوصاني وقال انظر أن الله تعالى لا يراك حيث نهاك
стр. 89
ولا يفقدك حيث أمرك واستحى من الله تعالى في قربه إليك وقدرته عليك
وعن أبي الربيع الأعرج وقال أوصاني قال صم الدهر وليكن إفطارك له الموت وفر من الناس فرارك من الأسد غير تارك لجماعتهم ولا مفارق لسننهم
وذكر الحلبي أطول من هذا وقال قال الأعرج أقمت على بابه ثلاثة أيام لا أصل إليه فإذا سمع النداء خرج وإذا سلم الإمام قام ودخل منزله فصليت في مسجد آخر ثم جئت فلما أراد الانصراف قلت ضيف قال إن كنت ضيفا فأدخل فدخلت عليه فمكثت ثلاثة أيام لا يكلمني فلما كان اليوم الثالث قلت جئت من واسط إليك أريد أن تزودني فقال صم الدنيا إلى الآخرة قلت زدني قال فر من الناس فرارك من الأسد قلت زدني فقام إلى محرابه وقال الله أكبر
وذكر الديلمي أنه سئل عن حديث فقال دعني فإني أبادر خروج نفسي وكان الثوري إذا ذكره قال ابصر أمره قال ابن المبارك وهل الأمر إلا ما كان عليه هو
وعن يحيى الحماني وقد سأله عن الدهر قال إنما هي أيامك فانظر بماذا تقطعها
ومن كلامه إن العلم العمل فإذا فنى العمر في الآلة متى تعمل
وروي أنه كان يحضر مجلس الإمام سنة لا يتكلم حيث أراد أن يجرب نفسه أنه يقدر على العزلة ثم تخلي للعبادة
وأتاه الفضيل بن عياض يعوده فقال له أقلل من زيارتنا فأني خليت الناس فجاءه يوما ولم يفتح له الباب فقعد فضيل يبكي في الخارج وداود في الداخل فقال له دلني على رجل اجلس إليه قال تلك ضالة لا توجد
وقال له الحارث بن إدريس عظني قال عسكر الموتى ينتظرونك
وقال صدقة الزاهد خرج معنا في جنازة بالكوفة فقعد في ناحية فجلس
стр. 90
الناس قريبا منه فتكلم وقال من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف عمله وكل آت قريب ومن شغلك عمله عنك فهو شوم وكل أصحاب الدنيا من أهل القبور وإنما يفرحون بما قدموا ويندمون على ما خلفوا فما يندم عليه أصحاب القبور فأهل الدنيا فيه يتنافسون وعليه عند الحكام يختصمون
وعن محمد بن سويد الطائي رأيته يغدو ويروح إلى الإمام فلما تخلي للعبادة رأيت الإمام جاءه زائر غير مرة
وروي أنه في آخر أمره جعل ينقض سقوف الدار ويبيع حتى بلغ البواري وصار حائط داره قصيرا حتى لو أن غلاما وثب منه لسقط على الدار
وعن محمد العبدي قال له حماد ابن الإمام لقد رضيت من الدنيا باليسير قال أفلا أدلك على من رضي منها بأقل من ذلك من رضى بالدنيا عوضا عن الأخرى
وكان سبب علته أنه بات بآية فيها ذكر النار فكررها فلما أصبحوا وجدوه قد مات على لبنة
وعن الوليد بن عقبة سمعته يقول كم من مسرور بأمر فيه هلاكه وكم من كاره أمرا فيه صلاحه دنيا ودينا وليس لنا إلا الرضى والتسليم والاستكانة والخشوع
وروي أنه قدم البصرة فاجتمع إليه الناس وقالوا قال أبو حنيفة قدر الدرهم لا يمنع الصلوة فمن أين قاله قال الحمد لله لم يقل الإمام شيئا إلا ساربه فى الأمصار أراد به قدر الدرهم فكنى عنه بالدرهم
ويروى أنه مر بزقاق فيه تمر مصفوف فقال للبياع أتعطيني بدرهم رطبا نسية قال لا فرآه رجل يعرفه فقال للبياع هذا كيس فيه مائة درهم فخذه وأدركه فإن اشترى بدرهم رطبا فكله لك فلحقه وعرض عليه فأبى وسمعه
стр. 91
يقول لنفسه لما تساو من الدنيا بدرهم رطبا وأنت تريد الجنة
وعن ابن المبارك كان داود إذا قرأ القران كأنه يسمع الجواب من ربه
وذكر الحلبي عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه مات سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهدي
فصل في ذكر وكيع بن الجراح الكوفي رحمة الله تعالى
قيل اصله من نيسابور سمع هشام بن عروة والأعمش وابن عون وابن جريج والأوزاعي والثوري والإمام أبا حنيفة وأبا يوسف وزفر روى عنه ابن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم ولد سنة تسع وعشرين ومائة أراد الرشيد أن يوليه القضاء فامتنع
وعن يحيى بن أكثم قال صحبته في السفر والحضر وكان يصوم الدهر ويختم القرآن فى كل ليلة
وشكى إليه الشافعي من أصحابه عن سوء الحفظ قال استعينوا على الحفظ فى ترك المعاصي وأنشده
شعر
… شكوت إلى وكيع سوى حفظي … فأوصاني إلى ترك المعاصي
وذاك لان حفظ المرأ فضل … وفضل الله لا يعطى لعاصي …
وكان يقول ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة ولا سمعت حديثا قط فنسيته
وعن أحمد بن الحواري قلت لأحمد بن حنبل أيما الرجلين أحب إليك وكيع أم عبد الرحمن بن مهدي قال أما وكيع فصديقه حفص بن غياث لما ولي القضاء ما كلمه حتى مات وأما عبد الرحمن فصديقه معاذ بن معاذ العنبري لما ولي القضاء ما زال صديقه حتى مات توفي سنة ثمان أو تسع وتسعين ومائة
стр. 92
فصل فى ذكر حفص بن غياث النخعي الكوفي ﵀
ذكر الحلبي أنه سمع الإمام أبا يوسف والثوري وروى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وغيرهم أخذ الفقه عن الإمام وولاه الرشيد قضاء بغداد فعدل في حكمه وحبس المرزبان وكيل زبيدة بدين توجه عليه لواحد من المسلمين فألحت زبيدة على الرشيد حتى عزله وولى أبا يوسف محله ثم ولاه الكوفة فمكث بها ثلاث عشر سنة
وعن أبي هشام أنه كان جالسا لفصل القضاء بين الخصوم إذ جاء رسول الخليفة يدعوه فقال لا حتى يفرغ الخصوم فلما فرغوا راح إليه
وذكر الحلبي أن حفصا مرض خمسة عشر يوما فقال لابنه خذ هذه المائة والخمسين واذهب بها إلى العامل وقل له هذا رزق خمسة عشر يوما لقعودي عن الحكم بمرضي وهذه حق المسلمين لا حظ لي فيها
وعن الحسن بن سجادة قال قال حفص والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة ويوم مات لم يخلف درهما وترك تسع مائة درهم دينا وكان يقال ختم القضاء به مات سنة أربع وتسعين ومائة وجعل مكانه حسن بن زياد اللؤلؤي
فصل في ذكر يحيى بن زكريا
يحيى بن زكريا بن أبي زائدة بن ميمون بن فيروز وميمون إسلامي وفيروز جاهلي مولى عمرو بن عبد الله الوادعي سمع اباه وهشاما والأعمش وأمثالهم وسمع الفقه من الإمام وروى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما ولاه الرشيد قضاء المدينة وقدم بغداد وحدث بها
عن علي بن المديني انتهى العلم إلى ابن عباس في زمانه ثم إلى الشعبي في زمانه ثم إلى الثوري في زمانه ثم إلى يحيى بن أبي زائدة في زمانه
стр. 93
وعن علي بن أحمد قال زكريا ثقة وابنه يحيى ثقة وهو ممن جمع الفقه والحديث
وذكر المدميني الخوارزمي عن صالح بن سهل أنه كان احفظ أهل زمانه للحديث وأفقههم مع مجالسة كثيرة مع الإمام ودين وورع
وذكر الحلبي عن عبد الرحمن بن حاتم الرازي أنه أول من صنف الكتب بالكوفة وإنما صنف وكيع على كتبه ذكر الديلمي عن زياد بن أيوب أنه كان على قضاء المداين أربعة اشهر ومات بها سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة وهو قاض لهارون الرشيد وعمره ثلاث وستون سنة وفيه يقول القائل
شعر
… ألا إن يحيى علمه الشرع قد أحيى … وإن مات يحيى فالدعاء له يحيى
فقد ترك الدنيا وقد مثلت له … وقد فاز بالأخرى الذي ترك الدنيا
ونال بما أبدى من الخلق جاهه … ونال بما أخفى من الخالق البشرى …
فصل في ذكر الحسن بن زياد اللؤلؤي مولى الأنصار الكوفي
روى عن الإمام وعنه ابن سماعة ومحمد بن شجاع البلخي وشعبة بن أيوب
روي أنه استفتى يوما فاخطأ ولم يظفر بالمستفتي فاكترى مناديا ينادي ألا أن الحسن استفتى يوم كذا عن مسئلة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن فليرجع إليه ومكث ثلاثة أيام لا يفتي حتى عاد إليه السائل فأعلمه بخطائه ورده إلى الحق
وعن محمد بن سماعة أنه قال سمعت ابن جريج اثني عشر ألف حديث يحتاج إليه الفقهاء
وذكر أنه كان يكسو مماليكه مما يكسي نفسه وكان لا يفتر من النظر فى العلم
стр. 94
وكان له جارية إذا اشتغل بالطعام أو الوضوء أو بغير ذلك تقرأ عليه المسائل حتى يفرغ من حاجته
وعن ابن شجاع أنه قال مكثت أربعين سنة لا أبيت إلا والسراج بين يدي
وذكر الطحاوي أن الحسن بن مالك والحسن بن زياد ماتا سنة أربع ومائتين وفي هذه السنة مات الإمام الشافعي بمصر رحمة الله عليهم
فصل فى ذكر بقية أصحاب الإمام
فمنهم حماد ابن الإمام وله من الولد أبو حيان وإسمعيل وعثمان ولى إسمعيل القضاء بالبصرة عن المأمون وروي عن أخيه عمر بن حماد
وروي أن حمادا كان الغالب عليه الدين والورع والفقه وكتابة الحديث
وذكر الإمام النسفي صاحب المنظومة عن عبيد بن إسحاق أن الحسن ابن قحطبة كان أودع عند الإمام أبي حنيفة ألف درهم فقيل للإمام أتقبل الودائع وفيها من الخطر قال من كان له ابن مثل حماد في الورع فانه يقبل فلما مات الإمام جاء الحسن يطلب الوديعة ففتح الخزائن وسلم إليه المال بخاتمة فقال له ارفعها ولتكن عندك فأبى فألح عليه فلم يقبل فقال له قبل أبوك وأنت لا تقبل فقال كان لأبي خلف يعتمد عليه وأما أنا ليس لي خلف أعتمد عليه
ومنهم يوسف بن خالد السمتي كان قديم الصحبة وخرج إلى البصرة وأقبل عليه الناس ثم ترك الدنيا وتخلى لعبادة المولى حتى مات رحمة الله
ومنهم عافية بن يزيد الأودي الكوفي وذكر المرغيناني عن محمد بن الحسن والحسن بن زياد أن الإمام كان يجل عافية إجلالا شديدا وكان عافية رجلا فقيها وكان الإمام معجبا به إذا تكلم فى مسئلة وعافية حاضر
стр. 95
حكم والحق بالكتاب وإن كان غائبا قال لا تعجلوا حتى يحضر عافية وكان إذا حضر ووافق رأيه كاتبوه وإلا لا
ومنهم حيان ومندل ابنا علي العنزي الكوفي ومندل أصغرهما سمع هشام ابن عروة وعاصم الأحول والأعمش وليثن وحميد الطويل وجماعة وسمع الرأي من الإمام وتفقه عليه وكان الإمام يقربهما ويتلطف بهما
وعن معاذ بن معاذ قال دخلت الكوفة فلم أر أورع من مندل مات بها سنة سبع أو ثمان وستين ومائة في خلافة المهدي رحمة الله عليه
وعن أبي هشام مرت جارية ومعها سلة من رطب على مندل بن علي وأصحاب الحديث حوله فوقفت تسمع فظن مندل أنها هدية فقال قدمي الرطب فقدمتها فأكلوا فراحت إلى مولاها فأخبرته بالأمر فقال أنت حرة لوجه الله تعالى
ومنهم علي بن مسهر الكوفي لزم الإمام وتفقه عليه وسمع منه الكثير
وعن يحيى بن نصير قال قال خرج الإمام عن الدنيا وهو علي غضبان لأني كنت أجالس الإمام بالغد وأت سفيان بالعشيات وكان سفيان يقول لي ما قال الشيخ فأخبره بمسائل وكان يقول الإمام لما تأتي رجلا يأخذ منك ولا يحمدك وفي رواية لما لا تدعه حتى يتعلم بنفسه
ومنهم القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الكوفي الفقيه صحب الإمام وتفقه عليه وروي عنه ولي قضاء الكوفة بعد شريك ولم يأخذ على القضاء أجرا كان إماما في الفقه بحرا في العربية روى عن محمد في كتبه كثيرا
ومنهم أسد بن عمرو بن عامر بن أسلم بن مغيث بن يشكر بن رهم أبو المنذر البلخي الكوفي صاحب الإمام وسمعه وغيره وروى عنه أحمد بن حنبل ومحمد
стр. 96
ابن بكار وأحمد بن منيع ولي القضاء ببغداد وواسط من الرشيد ولما أنكر من بصره شيئا اعتزل عن القضاء وكان الإمام يختلف إلى أبيه في مرضه الذي توفي غدوة وعشيا وتوفي أسد سنة ثمان أو تسع وثمانين ومائة رحمة الله عليه
ومن أهل مكة
ممن روى عن الإمام عمرو بن دينار وهو تابعي جليل روى عن سالم ابن عبد الله وغيره وعنه الحمادان وسفيان بن عيينه الكوفي سكن بمكة وهو من أجلاء التابعين ولد بالكوفة سنة سبع ومائة كان إماما عالما ثبتا حجة زاهدا ورعا مجمعا على صحة حديثه سمع الزهري وخلق كثيرة روى عنه الأعمش والثوري وشعبة الشافعي وأحمد مات بمكة أول يوم من رجب سنة سبع وتسعين ومائة ودفن بالحجون وكان حج سبعين حجة
ومنهم الفضيل بن عياض وهو من كبراء التابعين وزهادهم وعبادهم
ومنهم جمع آخر من المكيين لم نذكرهم لأنهم ليس من المشهورين
ومن أهل المدينة
الإمام جعفر بن محمد الصادق وكان يسأله ويطارحه وهو تابعي من أكابر أهل البيت روى عن أبيه محمد الباقر وغيره سمع منه الأئمة الأعلام نحو يحيى بن سعيد وابن جريج ومالك بن انس والثوري وابن عيينة وكذا أبو حنيفة كما ذكره صاحب المشكاة في أسماء رجاله فيكون من رواية الأقران ولد سنة ثمانين ومات سنة ثمان أربعين ومائة وهو ابن ثمان وستين سنة ودفن بالبقيع بقبر فيه أبوه وجده علي زين العابدين رضى الله عنهم
ومنهم ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ التيمي أبو عثمان المدني الفقيه المعروف بربيعة الرأي كان يناظره وهو تابعي جليل القدر أحد فقهاء المدينة
стр. 97
سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وابن المسيب وروى عنه الثوري ومالك بن انس وسليمان التيمي مات سنة ست وثلاثين ومائة
ومنهم مالك بن انس إمام دار الهجرة رضى الله عنه كان يسأله ويأخذ بقوله سرا ويسمع منه متنكرا وهو صاحب المذهب وترجمته معروفة وقيل روى أبو حنيفة عنه أيضاً فهو من رواية الأقران أو من رواية الأصاغر عن الكبار نظرا إلى أن أبا حنيفة تابعي دونه
ومنهم محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي أبو عبد الله صاحب المغازي تابعي مدني رأى أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وسمع جماعة كثيرة من التابعين حدث عنه الأئمة يحيى بن سعيد والثوري وابن عيينة وغيرهم كان عالما بالسير والمغازي وأيام الناس وأخبار المبدأ وقصص الأنبياء وعلم الحديث والقرآن والفقه قدم بغداد وحدث بها ومات بها سنة خمسين ومائة ودفن بمقبرة الخيرزان في الجانب الشرقي رحمة الله تعالى
ومنهم محمد بن زيد بن علي بن الحسين من أكابر أهل البيت ﵃
ومنهم رافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقري إمام أهل المدينة وحاتم ابن إسمعيل الكوفي نزل المدينة وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون من كبار أئمة المدينة وغيرهم وهم كثيرون رحمة الله عليهم أجمعين
ومن أهل الكوفة
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي روى عنه مصرحا ومكنيا وهو أحد الأئمة المجتهدين ومن أقطاب الإسلام وأركان الدين ومن أكابر التابعين جمع بين الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة وروى عنه معمر والأوزاعي وابن جريج ومالك وشعبة وابن عيينة وفضيل بن عياض مات
стр. 98
بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة رحمة الله عليه
ومنهم حماد بن أبي سليمان الأشعري أستاذه وكان يقول ربما اتهمت رأيي برأي أبي حنيفة وأقول بقوله وهو تابعي جليل سمع جماعة من الصحابة فيكون من رواية الأكابر عن الأصاغر كرواية أبي بكر عن عائشة ﵄ وروي عنه شعبة والثوري مات سنة عشرين ومائة رحمة الله عليه
ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة كان يفتي بقوله مع عداوته له
ومنهم ابن شبرمة الظبي وإسمعيل بن خالد التابعي كان يسأله وشريك بن عبد الله وكان يأخذ بقوله مع عداوته وكان قاضي الكوفة
ومنهم أبو عبد الرحمن عمر بن ذر من أئمة الكوفة وزهادها كان يسأله ويدعو له في مجلس وعظه وليث بن أبي سليم ومطرف بن طريف وزكريا بن أبي زائدة وابنه يحيى بن زكريا من كبار أئمة الحديث بالكوفة أخذوا عنه وذكروا مناقبه
ومنهم عاصم بن أبي النجود من مفاخر الكوفة كان يسأل منه فإذا أفتاه قال جزاك الله خيرا فنعم المفرج أنت
ومنهم حمزة بن حبيب الزيات أحد الأئمة القراء السبعة
стр. 99
ومهنم الحسن بن أبي عمارة وهو الذي غسل الإمام
ومنهم إسمعيل بن حماد بن أبي سليمان وأيوب بن نعمان الأنصاري ان عم أبي يوسف
ومنهم مجالد بن سعيد قرأ عليه الإمام وهو يروى عنه أيضاً وهذا أيضاً من رواية الأكابر عن الأصاغر
ومنهم أبو بكر محمد بن عياش الأسدي وأبو معاوية الضرير الكوفي وجعفر بن محمد بن بشير بن جرير بن عبد الله البجلي
ومنهم أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي الحافظ من مفاخر الكوفة في التاريخ والإنشاء وعلم الحديث
ومنهم عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني أحد حفاظ الكوفة
ومنهم علي بن حمزة الكسائي ومحمد بن أبي شيبة والد عثمان وأبي بكر إمام أهل الكوفة في الحديث وخلق كثير ذكرهم الكردري
ومن أهل البصرة
قتادة بن دعامة السدوسي الأعمى الحافظ إمام أهل البصرة في التفسير والحديث والفقه روى عن عبد الله بن سرجس وانس وخلق سواهما وعنه أيوب وشعبة وأبو عوانة وغيرهم مات سنة سبع ومائة
ومنهم بن حماد سلمة وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم وحكى عن عبد الملك بن أبي الشوارب أنه أشار إلى قصر عتيق بالبصرة وقال قد خرج من هذه الدار سبعون قاضيا على مذهب أبي حنيفة قال ابن خلكان في تاريخه وكان مذهب أبي حنيفة بأفريقية وهي عمدة بلاد المغرب أظهر
стр. 100
المذاهب فجعل المعز بن بادبش جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب مالك وحسم مادة الخلاف واستمر الحال إلى الآن في ذلك وكان ما ذكر في سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة
ومن أهل واسط
شعبة بن الحجاج وأبو عوانة الوضاح وعبد العزيز بن مسلم وغيرهم
ومن أهل الموصل
هارون بن عمر الأنصاري وعبد الرحمن بن حسن الزجاج وعمرو ابن ايوب وغيرهم
ومن أهل الجزيرة
عبد الكريم أبو أمية إمام أهل الجزيرة ومروان بن سالم وطريف ابن عيسى وغيرهم
ومن أهل الرقة
عثمان بن سابق وطلحة بن يزيد وكثير بن هشام وغيرهم
ومن أهل نصيبين
حماد بن عمرو ويوسف بن أسباط وأبو إسحاق الغزاوي وغيرهم
ومن أهل دمشق
الأحوص بن حكيم وسعد بن عبد العزيز وشعيب بن إسحاق وغيرهم
ومن أهل الرملة
يحيى بن عيسى وأيوب بن سويد وضمرة بن ربيعة وغيرهم
ومن أهل مصر
стр. 101
يحيى بن أيوب وليث ابن سعد وأبو عبد الله الشيباني وغيرهم
ومن أهل اليمن
معمر بن راشد وعبد الرزاق بن همام إمام أهل صنعاء اكثر الرواية عن الإمام وحفص بن ميسرة الصنعاني ومطرف بن مازن قاضي اليمن وغيرهم
ومن أهل اليمامة
محمد بن جابر الجعفي وهوذة بن خليفة وأيوب بن جابر وغيرهم
ومن أهل البحرين
عيسى بن يونس
ومن أهل بغداد
الخليفة أبو جعفر المنصور ومشمعل بن ملحان من أولاد حاتم بن عدي الطائي نزل بغداد وحماد بن الوليد ويحيى ابن سعيد الأموي وغيرهم
ومن أهل الأهواز
أبو همام محمد بن الزبرقان وسعيد بن همام الكوفي ولي قضاء فارس وعصمة بن الجراح الفارسي وغيرهم
وفي شونيز مقبرة تعرف بمقبرة أصحاب أبي حنيفة فيها خلق لا يحصون
ومن أهل كرمان
حسان ابن إبراهيم وعطاء بن جبلة ويحيى بن بكير
ومن أهل أصبهان
أبو هانئ نعمان بن عبد السلام الكوفي كان على قضاء إصفهان
ومن أهل حلوان
стр. 102
الوليد الحلواني
ومن استراباد
عمار بن نوح
ومن أهل همدان
أصرم بن حوشب والقاسم بن الحاكم قاضي همدان كوفي
ومن أهل نهاوند
عبد العزيز
ومن أهل الري
عيسى بن ماهان الرازي وجمع كثير
ومن أهل الدامغان
بكير بن معروف إمام قومس ومحمد بن بكير قاضي دامغان
ومن أهل طبرستان
حكيم بن زبيد قاضي آمل
ومن أهل جرجان
عبد الكريم بن محمد إمام أهل جرجان قال أبو يوسف كان إذا حضر مجلس الإمام انتفع أهل المجلس بحضوره وما قدم علينا من خراسان افقه منه وجماعة آخرون
ومن أهل نيسابور
سفيان بن قيراط وبشر بن الأزهر
ومن أهل سرخس
خارجة بن مصعب إمام أهل سرخس انفق مائة ألف درهم في طلب العلم
стр. 103
ومائة ألف على الفقراء وكان الإمام يشاوره في الاموال وعمارة قاضي سرخس رحمة الله عليهم أجمعين
ومن أهل نسا
أبو سفيان السنائي قاضي مرو وعامر بن الفرات قال محمد بن يزيد اختلفت إليه فقال لي يوما نظرت في كتب الإمام قلت اطلب الحديث فما انظر في كتبه قال تعلمت الآثار سبعين سنة فلم احسن الاستنجاء إلا بعد النظر في كتبه
ومن أهل مرو
الإمام الشهير إبراهيم الصائغ مفخر أهل خراسان وابن إسمعيل والحسن بن واقد إمام أهل مرو والنضر بن محمد قيل لابن المبارك ما الجماعة قال النضر بن محمد جماعة وحده وكان يفتخر بمجالسة الإمام ويقول حدثني الورع الفقيه الإمام
ومنهم الفضل بن عطية وابنه محمد وأبو غانم يونس من كبار الأئمة أدرك عمر بن عبد العزيز ووهب بن منبه وأبو عصمة نوح بن مريم الجامع قاضي القضاة بخراسان وهو الذي كتب له الإمام شروط القضاء
ومنهم توبة بن سعيد وسهل بن مزاحم الذي بث علم الإمام بخراسان أراده المؤمون على قضاء مرو وحبسه مدة فلم يقبل فأعفاه
ومنهم نظر بن شميل النحوي وخالد بن صبيح إمام أهل مرو وكان ورعا عادلا عابدا والنظر بن شميل قال بشر بن يحيى رأيته في مجلس ابن المبارك وكان يلقي عليه المسئلة ويقول له عبد الله يا أبا الهيثم إجب فيها وجمع كثير منهم
стр. 104
ومن أهل بخارى
شريك بن عبد الله النخعي ومحمد بن القاسم الأسدي بخاري الأصل إمام أهل بخاري صحب الإمام أربعين سنة ومحمد بن الفضل بن عطيه نزيل بخاري ومات بها وكان أستاذ الإمام أبي حفص الكبير ومحمد بن سلام أستاذ البخاري وجونيد بن حسان صاحب أنس والحسن البصري ومحمد بن سيرين
ومنهم مجاهد بن عمرو والقاضي بما وراء النهر العادل في قضايا تقلد بعد ما حبس وأوذي وأكره وكان ورعاً زاهدا كان أبو يوسف يفضله على أصحابه وقال أسباط ابن النسفي عن أبيه ورد علينا أيام المهدي رسول عنه وسئل مجاهد عن شئ فلم يجبه فافتري على مجاهد فضرب مجاهد إياه الحد ثمانين سوطا فاغتم أصحابه على أن الرسول ربما يموه الأمر عند المهدي فبلغ الخبر إلى المهدي على طريقه فحسن صنيعه وبعث إليه بمال وخلعة فحضر بذلك المال على باب مسجده وأصلح القناطر وفرقه على الفقراء وباع الخلعة وفرق ثمناها على المساكين وأرباب السجون
ومنهم أبو عبيد إسحاق بن بشر البخاري حمل عن الإمام الحديث والفقه وأكثر عنه الرواية وعن مقاتل بن سليمان نزل بخارى أيام المأمون بعدما أجاب عن مسائل عجز عن جوابها علماء عصره فأمر له المأمون بمائه ألف درهم ودواب وخلع
стр. 105
ومنهم عثمان بن حميد المعروف بأبي حنيفة واكثر روايات أئمة بخاري عن أصحاب الإمام مثل الإمام أبي حفص الكبير فإنه تفقه على أبي يوسف ثم على محمد حتى كتب كتبه وروي عنه خلق كثير لا يحصون
ومنهم جماعة كثيرة يطول تعدادهم كلهم بخاريون أخذوا الفقه والحديث عن أصحاب الإمام وحكي أن مقبرة القضاة السبعة قريبة من بخاري فيها أمم لا يحصون أحدهم أبو زيد الدبوسي
ومن أهل سمرقند أبو مقاتل حفص بن سهل الفزاري أدرك مشائخ الإمام كأيوب السختياني وهشام بن حيان وغيرهم رحمة الله تعالى
وروي أيضاً عن عمرو بن عبيد وسعيد بن أبي عروبة ومسعر بن كدام
ومنهم نصر بن أبي عبد الملك العتكي من مفاخر سمرقند في الحديث والفقه
ومنهم إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قاضي سمرقند رحمة الله تعالى
ومنهم جمع كثير وقد حكى أن بجاكرديز قرية من بلاد سمرقند يقال لها تربة المحمديين دفن فيها نحو من أربع مائة نفس من علماء الحنيفة كل واحد منهم يسمى محمد بن محمد صنف وأفتى واخذ عنه الجم الغفير جميعهم أهل سمرقند بهذه التربة ولما مات الإمام الجليل صاحب الهداية حملوه إلى تلك التربة وأرادوا دفنه بها فمنعوا من ذلك ودفن بالقرب منها
ومن أهل صغانيان
أبو سعد محمد بن المنتشر كان الإمام يجعله في الصف الأول من أصحابه ويبدأ بحاجته
ومن أهل ترمذ
стр. 106
عبد العزيز بن خالد بن زياد قاضي ترمذ وصغانيان
ومن أهل بلخ
مقاتل بن حيان والمتوكل بن عمران من زهاد خراسان كان الإمام يمدحه وأبو مطيع حكم بن عبد الله سيد أهل بلخ علما وعبادة وزهدا وأبو معاذ خالد بن سليمان أحد مفاخر بلخ والحسن بن سليمان أحد كبراء بلخ كان خلف بن أيوب يقول وجدنا عنده للإمام شيئا كثيرا وكتبا مصححة وعصام بن يوسف ومكي بن إبراهيم من مفاخر بلخ كان تاجرا فنصحه الإمام فترك التجارة ولزم الإمام حتى صار إماما وجاور بمكة اثنتي عشر سنة رحمة الله عليهم
ومنهم إبراهيم بن ادهم المعروف صحب الإمام وروى عنه ونصحه الإمام وحثه على الجمع بين العلم والعمل
ومنهم شقيق بن إبراهيم الزاهد العابد الفقيه المجتهد مفخر أهل بلخ بل الدنيا لزم الإمام ثم من بعده زفر
ومنهم مقاتل بن الفضل أحد أئمة بلخ في الفقه والحديث وكان بلخ وادي الفقه
ومن أهل ماتريد
أبو نصر العياضي المشهور من أصحابنا يقال أنه لما استشهد خلف بعده أربعين رجل من أصحابه كل واحد منهم من أقران أبي منصور الماتريدي
ومن أهل هراة
هياج بن بسطام أي إمام أهل هراة وكنانة بن جبلة وأبو رجاء عبد الله ابن واقد قال غسل الحسن بن عمارة الإمام وكنت اصب الماء عليه وغيرهم
ومن أهل قهستان
стр. 107
عفين الجراح رحمة الله تعالى
ومن أهل سجستان
عبد الله السجزي رحمة الله تعالى
ومن أهل الرم
أبو معروف السجستاني قاضي الرم
ومن أهل خوارزم
مغيرة بن موسى بصري سكن خوارزم وأبو علي قاضي خوارزم وأبو الليث الخوارزمي روى عن الإمام محمد بن الحسن
واعلم أن هذا الذي ذكرناه قد اختصرناه عن مناقب الكردري وقد قال في آخره فهؤلاء سبع مائة وثلاثون رجلا من مشائخ البلدان وأعلام ذلك الزمان أخذوا عنه العلم ووصل إلينا ببركة سعيهم واجتهادهم فجزاهم الله خير الجزاء يوم معادهم وخاصة الإمام الأعظم وكل من دعا الأمم إلى الدين الأقوم ومما قيل في حقه وأصحابه وبه نختتم ونستتم ويقول مسك ختامه
شعر
شيوخ سراج الخلق نعمان كلهم … مصابيح في أفق الهدى ورواته
وما حسن الإسلام جمعا مبجلا … إلى مفخر الأوهم سرواته
ومن يرقصوا للشرعية عامرا … فهم بروايات الثقات بناته
وما الشرع إلا كالحمى حوله الورى … وهم بأسانيد الهداة حماته
هو الحي إذ أحي شريعة ربه … فدامت له بعد الممات حياته