Полный текст (238 стр.). Показаны 211–238 · переход к 216.
стр. 211
فيدعو، فلو جاز أن يتوسل عمر والصحابة بذات النبي ﷺ بعد وفاته لما صلح منهم أن يعدلوا عن النبي ﷺ إلى العباس، فلما عدلوا عنه إلى العباس علم أن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته لا يجوز في دينهم، وصار هذا إجماعاً منهم.
قال العلامة ابن القيم ﵀: وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك فقال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة لا ينبغي لأحد أن يدعو الله به وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، قال أبو الحسن أما المسألة بغير الله فتكره في قولهم لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه، وقال ابن بلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله إلا به فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك لأنه لا حق لمخلوق على الخالق، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه: أكره كذا عند محمد حرام وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.
فإذا قرر الشيطان عنده أن الاقسام على الله به والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه وانجع لقضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعاءه نفسه من دون الله ثم ينقله بعد درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثناً يعكف عليه، ويوقد عليه القناديل ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد ويعبده في السجود له، والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس لعبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم.
قال شيخنا قدس الله روحه وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس، قال وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه، ويتمثل لهم الشيطان أحياناً، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، ثم ذكر المرتبة الثانية وهي أن يسأل الله به وقال: هو بدعة باتفاق المسلمين، والثالثة أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فهذا أيضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة وما علمت في ذلك نزاعاً بين أئمة الدين وإن كان كثير من الناس يفعل ذلك انتهى.
ففرض على كل أحد أن يعلم ما أمر الله به ورسوله من إخلاص العبادة لله وحده فإنه الدين الذي بعثه به، وأن يترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ من الشرك فما دونه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وأن لا يدين الله تعالى إلا بما دله الدليل على أنه من دين الله، ولا يكون أمعه يطير مع كل ريح، فإن الناس من أمة محمد ﷺ والأمم قبلها، قد تنازعوا في ربهم وأسمائهم وصفاته وما يجب له علة عباده
стр. 212
وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ فيا سعادة من تجرد عن العصبية والهوى، والتجأ إلى حصن الكتاب والسنة، فإن العلم معرفة الهدى بدليله وما ليس كذلك فجهل وضلال.
وأما قول المعترض: فأنظر إلى الشفاء تجده حكى كفر من قال مثل هذه الكلمة أي الكلمة التي ذكرها المجيب في معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ الآيات ذكر عبارات النسفي في معناها، وهي قوله: هو إظهار للعبودية وبراءة مما يختص بالربوبية من علم الغيب أي أبا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر إلى آخر كلامه.
إذ من عادة هذا المعترض الجاهل رد الحق، والمكابرة في دفعه والغلو المتناهي وإلا فمن المعلوم عند من له معرفة بدين الإسلام أن المجيب إنما أتى في جوابه بتحقيق التوحيد ونفي الشرك بالله، وذلك تعظيم لجانب الرسالة، وكان النبي ﷺ ينهى أمته عن كل ما يؤول بهم إلى الغلو، ولما قيل له ﷺ ، أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا قال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض لكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله تعالى" والنبي ﷺ هو أحق الخلق بالتواضع لله وحده سبحانه وفي الحديث "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك" الحديث، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة يخبر بذلك عن نفسه، ويعترف بذلك لربه وهو الصادق المصدوق، فإذا قال المسلم مثل هذا في حقه ﷺ وأخبر به عن نفسه لم يكن منتقصاً له بل هذا من تصديقه والإيمان به.
قال شيخ الإسلام ﵀: إذا كان الكلام في سياق توحيد الرب، ونفي خصائصه عما سواه لم يجز أن يقال: هذا سواء عبارة في حق دون الله من الأنبياء، والملائكة، فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي ﷺ كان أعظم الناس تقريراً لما يقال على هذا الوجه، وإن كان نفسه المسلوب كما في الصحيحين في حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة من السماء وأخبرها النبي ﷺ بذلك قالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ قالت واله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أياكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي فأقرها النبي ﷺ وأبوها على لهذا الكلام الذي نفت فيه أن نحمد رسول الله ﷺ ، وفي رواية أخرى بحمد الله لا بحمدك، ولم يقل أحد أن هذا سوء أدب عليه ﷺ ، وأخرج البيهقي بسنده إلى محمد بن مسلم سمعت حبان صاحب ابن المبارك يقول قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة الحمد أهله، وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن الأسود بن سريع أن النبي ﷺ أتي بأسير فقال: اللهم أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال النبي ﷺ : "عرف الحق لأهله".
стр. 213
وهذا المعترض وأمثاله ادعوا تعظيم رسول الله ﷺ بما قد نهى عنه من الغلو والإطراء، وهضموا ربوبية الله وتنقصوا الهيته، وأتوا بزخارف شيطانية، وحاولوا أن يكون حق الله من العبادة التي خلق لها عبادة نهباً بين الأحياء والأموات هذا يصرفه لنبي، وهذا لملك وهذا لصالح أو غير هؤلاء ممن اتخذوهم أنداداً لله، وعبدوا الشياطين بما أمروهم به من ذلك الشرك بالله، فإن عبادتهم للأنبياء والصالحين إنما تقع في الحقيقة على من زينها لهم من الشياطين وأمرهم بها كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ونحو هذا الآية كثير في القرآن.
ولما ذكر العلامة ابن القيم ﵀ ما وقع في زمانه من الشرك بالله قال: وهذا هضم للربوبية وتنقص للألهية وسوء ظن برب العالمين وذكر أنهم ساووهم بالله في العبادة كما قال تعالى عنهم وهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وأما ذكره عن خالد الأزهري فخالد وما خالد أغرك منه كونه شرح التوضيح والآجرومية في النحو، وهذا لا يمنع كونه جاهلاً بالتوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ كما جهله من هو أعلم منه، ممن لهم تصانيف في المعقول كالفخر الرازي وأبي معشر البلخي ونحوهما ممن غلط في التوحيد، وقد كان خالد يشاهد أهل مصر يعبدون البدوي وغيره فما أنكر في ذلك في شيء من كتبه ولا نقل عنه أحد أنكاره فلو صح ما ذكر خالد من حال الناظم لم يكن جسراً تذاد عنه النصوص من الآيات المحكمات القواطع والأحاديث الواضحات البنات كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقوله ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وقول النبي ﷺ : "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار".
وقد استدرج الله أهل الشرك بأمور تقع لهم يظنونها كرامات عقوبة لهم، وكثير منها أحوال شيطانية أعانوا بها أولياءهم من الإنس كما قد يقع كثيراً لعباد الأصنام، وما أحسن ما قال بعضهم شعراً:
تخالف الناس فيما قد رأوا ورووا ... وكلهم يدعون الفوز بالظفر
فخذ بقول يكون النص ينصره ... إما عن الله أو عن سيد البشر
وقد حاول هذا الجاهل المعترض صرف أبيات البردة عما هو صريح فيها نص فيما دلت عليه من الشرك، والالهية مشاركة الله في علمه، وملكه وهي لا تحتمل أن تصرف عما هي فيه من ذلك الشرك والغلو، فما ظفر هذا المعترض من ذلك بطائل غير أنه وسم نفسه بالجهل والضلال والزور والمحال، ولو سكت لسلم من الانتصار لهذا الشرك العظيم الذي وقع فيه.
стр. 214
وأما قول المعترض ورد في الحديث لولا حبيبي محمد ما خلقت سمائي ولا أرضي ولا جنتي ولا ناري فهذا من الموضوعات لا أصل له ومن ادعى خلاف ذلك فليذكر من رواه من أهل الكتاب المعتمدة في الحديث، وأنى له ذلك، بل هو من أكاذيب الغلاة الوضاعين، وقد بين الله تعالى حكمته في خلق السموات والأرض في كثير من سور القرآن كما قال في الآية التي تأتي بعد وهي قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ولها نظائر تبين حكمة الرب في خلق السموات والأرض.
وقوله كيف ينكر تصرفه في إعطاء أحد بإذن الله من الدنيا في حياته أو في الآخرة بعد وفاته.
أقول هذا كلام من اجترى، وافترى وأساء الأدب مع الله، وكذب على رسوله ﷺ ولم يعرف حقيقة الشفاعة، ولا عرف تفرد الله بالملك يوم القيامة، وهل قال رسول الله ﷺ أو أحد من أصحابه أو من بعدهم من أئمة الإسلام أن أحد يتصرف يوم القيامة ﷺ ولو أطلقت هذه العبارة في حق رسول الله ﷺ لادعاه كل لمعبوده من نبي أو ملك أو صالح أنه يشفع له إذا دعاه ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ وقال تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ وهذا القول الذي قاله الجاهل قد شافهنا به جاهل مثله بمصر يقول الذي يتصرف في الكون سبعة البدوي والإمام الشافعي والشيخ الدسوقي حتى أكمل السبعة من الأموات، هذا يقول هذا ولي له شفاعة، وهذا صالح كذلك وقد قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ إلى قوله ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي ظلم أعظم من الشرك بالله، ودعوى الشريك في الملك والتصرف وهذا غاية الظلم.
قال شيخ الإسلام ﵀: في معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا لشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، فالشفاعة التي يظنها المشركون منتفية كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمد لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له ارفع رأسك وقل تسمع وسأل تعطه واشفع تشفع، وقال له أبو هريرة ﵁: من أسعد الناس بشفاعتك قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود فالشفاعة
стр. 215
التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع وقد بين النبي إنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص انتهى كلامه.
وقال العلامة ابن القيم في مدارج السالكين وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعاً فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فالمشرك إنما يتخذه معبوده لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع أما مالك لما يريده عابده منه، فان لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك، فان لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهيراً فان لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفياً مرتباً منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى فنفى الملك والشركة، والمظاهر والشفاعة التي يطلبها المشرك وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه فكفى بهذه الآية برهانا ونجاة وتجريداً للتوحيد وقطعاً لأصول الشرك، ومواده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا فم ذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن ولعمر الله ان كان أولئك ـ إلى أن قال ـ
ومن أنواعه أي الشرك طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه اليهم وهذا أصل شرك العالم فان الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن يملك لمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع أو المشفوع له عنده فانه لا يقدر أن يشفع عند الله الا باذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سبباً لأذنه، وانما السبب لأذنه كمال التوحيد فجاء هذا المشرك بسبب يمنع هذا الاذن هو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياءه الموحدين له، بذمهم، وعيبهم ومعاداتهم وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص اذ ظنوا انهم راضون منهم بهذا وانهم يوالونهم عليه وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم؟ قال وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر الا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه والهه ومعبوده، فجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه لله وذله لله، وتوكله على الله واستعانته بالله والتجاءه إلى الله، وأخلص قصده لله متبعاً لأمره، متطلباً لمرضاته إذا سأل سأل الله وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله فهو بالله ومع الله انتهى.
فرحم الله هذا الامام وشيخه، فلقد بين للناس حقيقة الشرك وطرقه وما يبطله، وفي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" ولم يقل فاسألني واستعن بي فقصر السؤال
стр. 216
والاستعانة على الله الذي لا يستحقه سواه كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فمن صرف ذلك لغير الله فقد عصى الله ورسوله وأشرك بالله.
وللمعترض كلام ركيك لا حاجة لنا إلى ذكر ما فيه وانما نتتبع من كلامه ما يحتاج إلى رده وابطاله جنس ما تقدم.
وأعلم أنه قال لما ذكر قول المجيب: انه لا يجتمع الايمان بالآيات المحكمات وتلك الأبيات لما بينهما من التنافي والتضاد قال المعترض: أقول: يجتمعان بأن يفرد الله بالعبادة ولا يقدح فيه تشفعه باحباب حبه إليه وكيف يحكم عليه بالضلال بمجرد طلبة الشفاعة ممن هو أهل لها كما في الحديث " أنا لها أنا لها" ومعلوم أن الضلال ضد الحق.
فالجواب لا يخفي ما في كلامه من التخليط والتلبيس والعصبية المشوبة بالجهل المركب لايدري ولا يدري أنه لا يدري، وقد بينا فيما تقدم أن دعوة غير الله ضلال، وان اتخاذ الشفعاء الذين أنكر الله تعالى انما هو بدعائهم والالتجاء اليهم، والرغبة اليهم فيما أراده الراغب منهم من الشفاعة التي لا يقدر عليها الا الله وذلك ينافي الاسلام والايمان بلا ريب، فان طلبها من الأموات والغائبين طلب لما يقدر عليه الا الله، وهو خلاف لما أمر الله تعالى به، وارتكاب لما نهى عنه كما تقدم بيانه في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ الآية وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
فطلب الشفاعة من النبي ﷺ وغيره بعد وفاته وبعده عن الداعي لا يحبه الله تعالى، ولا يرضاه، ولا رسوله ﷺ وهو التوسل الذي ذكره العلامة ابن القيم وشيخه وصرحاً بأنه شرك.
وللعلامة ابن القيم أبيات في المعنى وهي قوله:
والشرك فهو توسل مقصوده ... الزلفى من الرب العظيم الشان
بعبادة المخلوق من حجر ومن ... بشر ومن قبر ومن أوثان
والناس في هذا ثلاث طوائف ... ما أربع أبداً بذي امكان
احدى الطوائف مشرك بالهه ... فاذا دعاه دعا الها ثان
هذا وثاني هذه الاقسام ... لك جاحد يدعو سوى الرحمن
هو جاحد للرب يدعو غيره ... شركاً وتعطيلاً له قدمان
هذا وثالث هذه الاقسام خيـ ... ـر الخلق ذاك خلاصة الانسان
يدعو اله الحق لا يدعو ولا ... أحد سواه قط في الاكوان
يدعوه في الرغبات والرهبات والحالات من سر ومن اعلان
وقد أنكر الله ذلك الدعاء على من زعم في الرسل والملائكة وذلك كما قال تعالى:
стр. 217
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وأمه وعزيرا والملائكة فأنكر الله ذلك، وقال: هؤلاء عبيدي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، وهؤلاء الذين نزلت هذه الآية في انكار دعوتهم من أوليائه وأحبابه، وقد تقدم ان الدعاء وجميع أنواع العبادة حق الله المحض كما تقدم في الآيات.
والحاصل أن الله تعالى لم يأذن لأحد أن يتخذ شفيعاً من دونه يسأله، ويرغب اليه ويلتجىء اليه، وهذا هو العبادة، ومن صرف من ذلك شيئاً لغير الله فقد أشرك مع الله غيره كما دلت عليه الآيات المحكمات، وهذا ضد أفراد الله بالعبادة، وكيف يتصور أفراد الله بالعبادة؟ وقد جعل العبد ملاذا ومفزعاً سواه، فان هذا ينافي الافراد، فاين ذهب عقل هذا وفهمه؟ قال شيخ الاسلام ﵀: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال الباطنة والظاهرة انتهى وقد تبين ان الدعاء مخ العبادة وهو مما يحبه الله وبأمر به عباده أن يخلصوه له، وقد تقدم من الآيات ما يدل على ضلال من فعل ذلك وكفره، وبهذا يحصل الجواب عن قول المعترض ان الشفاعة المنفية انما هي في حق الكفار فنقول فمن اتخذ معبوداً سوى الله يرجوه أو يخافه فقد كفر.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فبين تعالى أن المخلوق لا يصلح أن يدعي من دون الله، وأن من دعاه فقد أشرك مع الله غيره في الالهية، والقرآن من أوله إلى آخره يدل على ذلك، وكذلك سنة رسول الله ﷺ ، ولكن الملحدين محجوبون عن فهم القرآن كما حجبوا عن الايمان بجهلهم وضلالهم واعراضهم عما أنزل الله في كتابه من بيان دينه الذي رضيه لنفسه ورضيه لعباده.
قال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: وحقيقة التوحيد أن يعبد الله وحده لا يدعى الا هو ولا يخشى، ولا يتقي الاهو ولا يتوكل الا عليه، ولا يكون الدين الا له، وأن لا يتخذ الملائكة والنبيون أرباباً فكيف بالأئمة والشيوخ، فاذا جعل الامام والشيخ كأنه اله يدعى مع غيبته وموته، ويستغاث به ويطلب منه الحوائج كأنه مشبهاً بالله، فيخرجون عن حقيقة التوحيد الذي أصله شهادة أن لا اله الا الله، وأن محمداً رسول الله انتهى.
وثبت عن النبي ﷺ قال لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" فلو جاز أن يسأل رسول الله ﷺ لما قصر سؤاله واستعانته على الله وحده، وابن عباس أحق الناس بأن يعلمه رسول الله ﷺ ما فيه له منفعة، فلو جاز صرف ذلك لغير الله لقال: واسألني واستعن بي؟ بل أتى ﷺ بمقام الارشاد، والابلاغ والنصح لأبن عمه
стр. 218
بتجريد اخلاص السؤال لله، والاستعانة بالله تعالى فاين ذهبت عقول هؤلاء الضلال عن هذه النصوص والله المستعان؟
وقال الشيخ ﵀: وأعلم أن لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة ودعاء المسألة وكل عابد سائل، وكل سائل عابد وأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، واذا جمع بينهما، فانه يراد بالسائل الذي يطلب ذلك لجلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الامر وان لم يكن هناك صيغة سؤال، ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب والخوف والطمع انتهى، فتبين ان الأبيات البردة التي قدمنا الكلام عليها تنافي الحق وتناقضه وماذا بعد الحق الا الضلال.
وقول المعترض: لا سيما وللناظم جانب عظيم من الزهد، والورع والصلاح، بل وله يد في العلوم كما حكى ذلك مترجموه، وهذا كله صار هباء منثوراً حيث لم يرضوا عنه.
أقول هذا دعوى تحتمل الصدق والكذب، والظاهر انه لا حقيقة لذلك فانه لا يعرف الا بهذه المنظومة، فلو أقدر أن لذلك أصلاً فلا ينفعه ذلك مع تلك الأبيات، لأن الشرك يحبط الأعمال كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقد صار العمل مع الشرك هباء منثوراً قال سفيان بن عيينة: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل فان فتنتهم فتنة لكل مفتون، فان كان للرجل عبادة فقد فتن بأبياته كثيراً من الجهال وعبادته ان كانت فلا تمنع كونه ضالاً كما يرشد إلى ذلك آخر الفاتحة قال سفيان بن عيينة من فسد من من علمائناً ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، فالواجب علينا أن نبين ما في كلامه مما يسخط الله ورسوله من الشرك والغلو وأما الشخص وأمثاله ممن قد مات فيسعنا السكوت عنه لأنا لا ندري ما آل أمره إليه وما مات عليه.
وقد عرف أن كلام خالد الأزهري لا حجة فيه، وأهل الغلو والشرك ليس عندهم الا المنامات والأحوال الشيطانية التي يحكيها بعضهم عن بعض، كما قال لي بعض علماء مصر: أن شيخاً مشى بأصحابه على البحر فقال: لا تذكروا غيري وفيهم رجل ذكر الله فسقط في البحر فأخذه بيده الشيخ فقال: الم أقل لكم لا تذكروا غيري فقلت: هذه الحكاية تحتمل أحد أمرين لا ثالث لهما أحدهما: أن تكون مكذوبة مثل أكاذيب سدنة الأوثان، أو انها حال شيطانية، وأسألك أيها الحاكي لذلك أيكون فيها حجة على جواز دعوة غير الله فأقر وقال: لا حجة فيها على ذلك.
والمقصود بيانه أنه ليس عند الغلاة من الحجة على ما زخرفوه أو كذبوه، وما قال الله وقال رسوله، فهذا بحمد الله كله عليهم لا لهم، ومل حرفوه من ذلك رد إلى صحيح معناه الذي دل عليه لفظه مطابقة وتضمناً والتزاماً قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ
стр. 219
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ .
وذكر المعترض حكاية يقول عن غير واحد من العلماء العظام: انهم رأوا النبي ﷺ والمنظومة تنشد بين يديه إلى قوله لكن الخصم مانع ذلك كله بقوله انهم كفار.
فالجواب أن يقال ليس هذا وجه المنع، وانما وجهه انما حكاية مجهولة عن مجهول، وهذا جنس اسناد الأكاذيب، فلو قيل من هؤلاء العظام، وما أسماؤهم، وما زمنهم وما طبقتهم لم يدر عنهم، وأخبار المجهولين لا تقبل شهادة ولا رواية يقظة فكيف إذا كانت أحلاماً، والمعترض كثيراً ما يحكي عن هيان بن بيان.
ثم قال المعترض على قول المجيب وطلب الشفاعة من النبي ﷺ ممتنع شرعاً وعقلاً قال المعترض: من أين هذا الامتناع وما دليله من العقل والسمع؟
فالجواب أن يقال: معلوم ان دليله من الجهتين لا تعرفه أنت ومن مثلك وانما معرفتك في اللجاج الذي هو كالعجاج الذي يحرم في الفجاج أما دليله من السمع فقد تقدم في آيات الزمر ويونس وغيرهما، وقد بسطنا القول في ذلك بما يغني عن اعادته فليرجع إليه، وأما دليل من العقل فالعقل الصحيح يقضي ويحكم بما يوافق النقل بأن النجاة والسعادة والفلاح، وأسباب ذلك كله لا يحصل الا بالتوجه إلى الله تعالى وحده، واخلاص الدعاء له والالتجاء إليه، لأن الخير كله بيده وهو القادر عليه، وأما المخلوق فليس في يده من هذا شيء كما قال تعالى: ﴿يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ فتسوية المخلوق بالخالق خلاف العقل كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ فالذي له الخلق والامر، والنعم كلها منه، وكل مخلوق فقير إليه لا يستغنى عنه طرفه عين هو الذي يستحق أن يدعى ويرجى ويرغب إليه، ويرهب منه، ويتخذ معاذا وملاذا، ويتوكل عليه وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ .
وقال المفسرون المحققون السلفيون المتبعون في قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي لا يبرحون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج الا منه، ولا يرعبون الا إليه ويعملون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ولهذا قال سعيد عن صاحب ياسين من قوله: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فهذا دليل فطري عقلي سمعي.
وأما قول المعترض أن قال الناظم: ومن علومك علم اللوح والقلم
ان من بيانية
стр. 220
فالجواب أنه ليس كما قال: بل هي تبغيضية ثم لو كانت بيانية فما ينفعه والمحذور بحاله، وهو أنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وقد صرح المعترض بذلك فقال: ولا شك انه أوتي علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما يكون فالجواب هذه مصادمة لما هو صريح في كتاب الله وسنة رسوله.
بان الاحاطة بما في اللوح المحفوظ علماً ليس إلا لله وحده كذلك علم الأولين والآخرين، ليس إلا لله وحده إلا ما أطلع الله عليه نبيه في كتابه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ فالرجال في عمى عن قول الله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وتقدم لهذه الآيات نظائر، فاحاطة العلم بالموجودات أو المعدومات التي وجدت أو ستوجد لله وحده لم يجعل ذلك لأحد سواه وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ فأسند علم وقت الساعة إلى ربه بأمره كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ وأمثال هذه الآيات، مما يدل على أن الله تعالى اختص بعلم الغيب كله الا
ما استثناه بقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ومن تبيغيضية هاهنا بلا نزاع، وقد قال الخضر لموسى ﵉: "ما نقص علمي وعلمك في علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر" فتأمل هذا وتدبر.
وأما قول المعترض، وتأويله لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فتأويل فاسد ما قاله غيره، ولا يقوله مسلم من أنه يعلم الغيب بتعليم الله له، والنفي في الآية أن يعلمه بنفسه بدون أن يعلمه الله بذلك فما أجرأ هذا الجاهل على هذا التأويل، وما أجهله بالله وبكتابه؟
فيقال في الجواب: لا ينفعك هذا التأويل الفاسد اذ لو كان أحد يعلم جميع الغيب بتعلم الله لصدق عليه أن يقال هذا يعلم الغيب كله الذي يعلمه الله فما بقى على هذا القصر علم الغيب على الله في هذه الآية معنى وحصل الاشتراك نعوذ بالله من الافتراء على الله وعلى كتابه وخرق ما لم ينزل الله به سلطاناً وأما قوله في قول الناظم: ان لم تكن في معادي آخذا بيدي.
ان الأخذ باليد بالشفاعة.
فالجواب أن الحقيقة هذا القول: وصريحة طلب ذلك من غير الله، فلو صح هذا الحمل فالمحذور بحاله لما قد عرفت من أن الاستغاثة بالأموات والاستشفاع بهم في أمر هو في يد الله ممتنع حصوله، لكونه تألها وعبادة، وقد أبطله القرآن، فهذا المعترض الجاهل يدور على منازعة الله في حقه، وملكه وشمول علمه، والله يجزيه بعمله.
стр. 221
وأما قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ فقيل: المراد بها الخمس المذكورة في سورة لقمان، وهذا قبل أن يطلع نبيه عليها وإلا فقد ذكر عامة أهل العلم أنه لم يتوفاه الله تعالى حتى علمه كل شيء حتى الخمس.
فالجواب انظر إلى هذا المفتري الجاهل البليد كيف اقتفى أثر صاحب الأبيات بجميع ما اختلقه وافتراه وأكثر من الأكاذيب على أهل العلم، فان قوله: ذكر عامة أهل العلم انه لم يتوفاه الله حتى علمه كل شيء حتى الخمس، فحاشا أهل العلم الذين يعرفون بأنهم من أهل العلم من هذه المقالة، وعامة أهل العلم، بل كلهم على خلاف ما ادعاه سلفاً وخلفاً. قال أبو جعفر محمد بن جرير ﵀ في تفسيره الكبير الذي فاق على التفاسير: ابتدأ تعالى ذكر الخبر عن علمه بمجيء الساعة فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ التي تقوم فيها القيامة لا يعلم ذلك أحد غيره ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ من السماء لا يقدر على ذلك أحد غيره ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أرحام الاناث ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ يقول: وما تعلم نفس حي ماذا تعمل غد ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ يقول: وما تعلم نفس حي بأي أرض يكون موتها ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ يقول: أن الذي يعلم ذلك كله هو الله، دون كل أحد سواه وذكره سنده عن مجاهد ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ قال جاء رجل إلى النبي ﷺ : فقال امرأتي حبلى فأخبرني ماذا تلد وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل الغيث وقد علمت متى ولدت فمتى أموت فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخر السورة قال: فكان مجاهد يقول هن مفاتح الغيب التي قال الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ .
وأخرج بسنده عن قتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية، خمس من الغيب استأثر الله بهن فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، وبسنده عن عائشة ﵂ من قال: أن أحداً يعلم الغيب إلا الله فقد كذب وأعظم الفرية على الله قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وبالسند عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله" ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية ثم قال: " لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم أحد متى ينزل الغيث إلا الله ولا يعلم أحد متى قيام الساعة إلا الله ولا يعلم أحد ما في الأرحام إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت" وبسنده عن مسروق عن عائشة قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ " الآية انتهى ما ذكره ابن جرير.
وذكر البغوي في تفسيره حديث ابن عمر وعائشة المتقدم ثم قال: وقال الضحاك ومقاتل ومفاتح الغيب خزائن الأرض. وقال عطاء: ما غاب عنكم من الثواب وقيل: انقضاء الأجل وقيل أحوال العباد من السعادة والشقاوة، وخواتيم أعمالهم وقيل:
стр. 222
ما لم يكن بعد أن يكون أولا يكون، وما لا يكون كيف يكون انتهى قلت ولا يعرف عن أحد من أهل العلم خلاف ما دلت عليه هذه الآيات المحكمات، ونعوذ بالله من مخالفة ما أنزل الله في كتابه، وما أخبر به عن نفسه أو أخبر به رسول الله ﷺ ، واجمع عليه العلماء، فإن الله استأثر بعمله عن خلقه ووصف نفسه بأنه علام الغيوب، ونعوذ بالله من حال الافتراء والتكذيب.
وأما قوله: ولو أن عبارات أهل العلم مثل البيضاوي وأبي السعود والقسطلاني وأمثالهم تجدى إليكم شيئاً لذكرناها لكنها تحمى بلفظة واحدة وهي أنهم كلهم كفار فلا نقبل مهم أحداً ومن هذه حالة فلا حيلة به.
فالجواب أنه ليس للبيضاوي ومن ذكر عبارات تخالف ما قاله السلف والعلماء في معنى الآيات ومعاذ الله أن يقول المجيب: أن هؤلاء كفار ولا يوجد عن أحد من علماء المسلمين أنه كفر أحداً قد مات من هذه الأمة فمن ظاهره الاسلام فلو وجد في كلامه زلة من شرك، أو بدعة.
فالواجب التنبيه على ذلك، والسكوت عن الشخص لما تقدم من أنا لا ندري ما خاتمته، وأما هؤلاء الذين ذكرهم من المفسرين فأنهم من المتأخرين الذين نشئوا في اغتراب من الدين.
والمتأخرون يغلب عليهم الاعتماد على عبارات أهل الكلام مخالفة لما عليه السلف وأئمة الاسلام من الارجاء، ونفى حكمة الله، وتأويل صفات الله وسلب معانيها ما يقارب ما في كشف الزمخشري، والارجاء والجبر يقابل ما فيه من نفى القدر، وكلاهما في طرفي نقيض، وكل واحد خالف ما عليه أهل السنة والجماعة في ذلك، ومعلوم أن صاحب الكشاف أقدم من هؤلاء الثلاثة وأرسخ قدماً منهم في فنون من العلم، ومع هذا فقال شيخ الاسلام البلقيني استخرجت ما في الكشاف من دسائس الاعتزال بالمناقيش وقال أبو حيان وقد مدح الكشاف وما فيه من لطيف المعنى ثم قال:
ولكنه فيه مجال لناقد ... وزلات سوء قد أخذن المخانقا
فيثبت موضوع الأحاديث جاهلاً ... ويغزو إلى المعصوم ما ليس لا ئقاً
وينسب ابداء المعاني لنفسه ... ليوهم اغمارا وأن كان سارقاً
ويسهب في المعنى الوجيز دلالة ... بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا
يقول فيها الله ما ليس قائلاً ... وكان محباً في المخاطب وامقا
ويشتم أعلام الأئمة ضلة ... ولا سيما أن أو لجوه المضائقا
لئن لم تداركه من الله رحمة ... لسوف يرى للكافرين مرافقاً
فاذا كان هذا في تفسير مشهور وصاحبه معروف بالذكاء والفهم فما دونه من
стр. 223
المتأخرين أولى بأن لا يتلقى من كلامهم بالقبول إلا ما وافق تفسير السلف وقام عليه الدليل.
وهنا المعترض من جهله يحسب كل بيضاء شحمة يعظم المفضول من الأشخاص والتصانيف، ولا يعرف ما هو الأفضل، ولو كان له أدني مسكة من فهم ومعرفة بالعلماء، ومصنفاتهم لعلم أن أفضل ما في أيدي الناس من التفاسير هذه الثالثة التي نقلنا منها تفسير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وتفسير الحسين بن مسعود البغوي، وتفسير العماد اسماعيل بن كثير فهذه أجل التفاسير، ومصنفوها أئمة مشهورون أهل سنة ليسوا بجهيمة، ولا معتزلة ولا قدرية، ولا جبرية ولا مرجئة بحمد الله، وأكثر ما في هذه التفاسير الأحاديث الصحيحة، وآثار الصحابة وأقوال النابغين وأتباعهم، فلا يرغب عنها إلا الجاهلون الناقضون المنقوصون والله المستعان، والمصنفون في التفسير وغيره غير ما ذكر المعترض كثيرون، وأحسن من البيضاوي وأبي السعود البحر لأبي حيان، لأنه كثيراً ما ينقل في تفسيره عن السلف والأئمة، وكذلك تفسير الخازن.
وبالجملة فمن كان من المصنفين أبعد تقليد المتكلمين، وذكر عباراتهم، ويعتمد أقوال السلف فهو الذي ينبغي النظر إليه والرغبة فيه، وعلى كل حال فليس في تفسير البيضاوي وأبي السعود وشرح القسطلاني، ومواهبه ما ينفع هذا الجاهل المفتري، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله.
وقول المعترض على قول المجيب: علماؤهم شر من تحت أديم السماء.
فيقال: هل ورد هذا الحديث في أهل العراق فهم على عهد النبي ﵌ كفار مجوس، أو فيما يأتى فهذه شفاعة على غالب علماء الأمة، ومنهم الامام أبو حنيفة والامام أحمد وأمثالهم، فالجواب أن هذا كلام من لا يعقل ولا يفهم شيئاً ولا يفرق بين أهل السنة والجماعة وأهل البدعة والضلالة ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يعبد فئام من أمتي الأوثان ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" رواه البرقاني في صحيحه، وقد أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفرق كما افترقت اليهود والنصارى فاليهود افترقت على احدى وسبعين والنصارى على اثنتين وسبعين وهذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة.
وأول من فارق الجماعة في عهد الصحابة ﵃ الخوارج قاتلهم علي ﵁ بالنهروان والقدرية في أيام ابن عمر وابن عباس، وأكثر الصحابة موجودون، ومن دعاتهم معبد الجهني، وغيلان القدري الذي قتله هشام بن عبد الملك، وكذلك الغلاة في على الذين خذلهم علي الاخاديد وحرقهم بالنار، ومنهم المختار بن أبي عبيد الذي قتله مصعب بن الزبير ادعى النبوة وتبعه خلق، ثم ظهر فتنة الجهيمة،
стр. 224
وأول من ظهر الجعد بن درهم قتله خالد بن عبد الله القسري، والصحابة ﵃ والتابعون والأئمة متوافرون وقت ظهور مبادىء هذه البدع لم يلحقهم من ضلال هذه الفرق شفاعة، ولا غضاضة، لأنهم متمسكون بالكتاب والسنة منكرون لما خالف الحق، وصح من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم" سمعته من نبيكم.
وظهرت بدعة جهم بن صفوان في زمن أبي حنيفة وأنكرها وناظرهم، وانتشرت في زمن الامام أحمد ﵀ والفقهاء، وأهل الحديث، وامتحن الامام فتمسك بالحق وصبر، وصنف العلماء ﵏ المصنفات الكبار في الرد على الجهمية بخلق القرآن المعطلين لصفات الملك الديان، كالامام أحمد في رده المعروف، وابنه عبد الله وعبد العزيز الكناني في كتاب الحيدة، وأبي بكر الاثرام والخلال، وعثمان بن سعيد الدارمي، وامام الأئمة محمد بن خزيمة واللالكائي، وأبي عثمان الصابون، وقبلهم وبعدهم ممن لا يحص وهذا كله انما هو في القرون الثلاثة المفضلة، ثم بعدها ظهرت كل بدعة: بدعة الفلاسفة، وبدعة الرافضة، وبدعة المعتزلة، وبدعة المجبرة، وبدعة أهل الحلول، وبدعة أهل الاتحاد، وبدعة الباطنية الاسماعيلية، وبدعة النصيرية والقرامطة ونحوهم.
وأما أهل السنة والجماعة فيردون بدعة كل طائفة من هؤلاء الطوائف بحمد الله، فالأئمة متمسكون بالحق في كل زمان ومكان، والبلد الواحد من هذه الامطار يجتمع فيها أهل السنة وأهل البدعة، وهؤلاء يناظرون هؤلاء، ويناضلوهم بالحجج والبراهين، وظهر معنى قول النبي ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل" وقال: "بدأ الاسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس" وفي رواية "يصلحون ما أفسد الناس".
وقد صنف العلماء ﵏ مصنفات وبينوا ما تنتحله كل فرقة من بدعتها المخالفة لما عليه أهل الفرقة الناجية، وليس على الفرقة الناجية شفاعة، ولا نقص في مخالفة هذه الفرق كلها، وانما ظهر فضل هذه الفرقة بتمسكها بالحق، وصبرها على مخالفة هذه الفرق الكثيرة، والاحتجاج بالحق ونصرته، وما ظهر فضل الامام أبي حنيفة والامام أحمد ومن قبلهما من الأئمة ومن بعدهما إلا بتمسكهم بالحق، ونصرته وردهم الباطل؟ وما ضر شيخ الاسلام أحمد بن تيمية وأصحابه حين جلب عليهم أهل البدع وآذوهم، بل أظهر الله بهم السنة، وجعل لهم لسان صدقة في الأمة، وكذلك من قبلهم ومن بعدهم كشيخنا شيخ الاسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى،
стр. 225
لما دعا إلى التوحيد وبين أدلته، وبين الشرك وما يبطله، وفيه قال الامام العلامة الأديب أبو بكر ابن غنام رحمه الله تعالى:
وعاد به نهج الغواية طامساً ... وقد كان مسلوكاً به الناس تربع
وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع
فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع
فهذا المعترض لو تصور وعقل لتبين له ان ما احتج به ينقلب حجة عليه.
وقول المعترض وان كان قد ورد في حق أهل الحرمين فهذا ظاهر البطلان اذ هي مهبط الوحي ومنبع الايمان ولو قيل ان هذا الحديث وأمثاله ورد في ذم نجد وأهلها فقد ورد في ذمهم أحاديث كثيرة شهيرة منها قوله ﷺ لا يزالون في شر من كذبهم إلى يوم القيامة.
فالجواب أن نقول: الاحاديث التي وردت في غربة الدين، وحدوث البدع وظهورها، لا تختص بمكة والمدينة ولا غيرهما من البلاد والغالب أن كل بلد لا تخلو من بقايا متمسكين بالسنة فلا معنى لقوله: وان كان قد ورد في حق أهل الحرمين في أواخر عهد الصحابة ﵃، بل في وقت الخلفاء الراشدين ما هو معروف عند أهل العلم مشهور في السير والتاريخ، وأول ذلك مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ثم وقعة الحرة المشهورة، ومقتل ابن الزبير في مكة، وما جرى في خلال ذلك من الفتن، وصار الغلبة في الحرمين وغيرها لأهل الأهواء فاذا كان هذا وقع في خير القرون فما ظنك فيما بعد حين اشتدت غربة الاسلام، وعاد المنكر معروفاً والمعروف منكراً فنشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير.
وأما قوله إذ هي مهبط الوحي ومنبع الايمان.
فالجواب أن نقول مهبط الوحي في الحقيقة قلب رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فهذا محل الوحي ومستقره، وقوله: ومنبع الايمان: الايمان ينزل به الوحي من السماء لا ينبع من الأرض، ومحله قلوب المؤمنين، وهذه السور المكية التي في القرآن معلومة نزلت على النبي ﵌ وأكثر من مكة المشركون، وفيها ذمهم والرد عليهم كقوله ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ وقال: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ونحو هذه الآيات كما في فصلت والمدثر وغيرهما.
ثم هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدنية، وأهل الشرك لم يزالوا بها، ومنعوا رسول الله وأصحابه من دخولها بالوحي، وقاتلوهم ببدر وأحد والخندق، وهم كانوا من آخر العرب دخولاً في الاسلام حاشاً من هاجر، وكل هذا بعد نزول الوحي، ونحن بحمد الله لا ننكر فضل الحرمين، بل ننكر على من أنكره، ولكن نقول
стр. 226
الأرض لا تقدس أحداً، وانما يقدس المرء عمله، فالمحل الفاضل قد يجتمع فيه المسلم والكافر، وأهل الحق وأهل الباطل كما تقدم، فأهل الحق يزدادون بالعمل الصالح في المحل الفاضل لكثرة ثوابه، وأهل الباطل لا يزدهم إلا شراً تعظم فيه سيآتهم كما قال تعالى في حرم مكة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فاذا كان هذا الوعيد في الارادة فعمل السوء أعظم، فالمعول على الايمان والعمل الصالح، ومحله قلب المؤمن والناس مجزيون بأعمالهم أن خيراً فخير وأن شراً فشر.
وقوله ولو قيل أن هذا الحديث ورد في ذم نجد وأهلها إلى آخره.
فأقول الذم انما يقع في الحقيقة على الحال لا على المحل، والأحاديث التي وردت في ذم نجد كقوله ﷺ : "اللهم بارك لنا في يمننا اللهم بارك لنا في شامنا" قالوا وفي نجدنا قال "هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان" قيل: انه أراد نجد العراق لأن في بعض الفاظه ذكر المشرق، والعراق شرقي المدنية، والواقع يشهد له لأن نجد الحجاز ذكره العلماء في شرح هذا الحديث، فقد جرى في العراق من الملاحم والفتن ما لم يجر في نجد الحجاز، يعرف ذلك من له اطلاع على السير، والتاريخ، كخروج الخوارج بها الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكمقتل الحسين، وفتنة ابن الاشعث، وفتنة المختار وقد ادعى النبوة، وقتال بني أمية لمصعب بن الزبير، وقتله، وما جرى في ولاية الحجاج بن يوسف من القتل والسفك وغير ذلك مما يطول عده، وعلى كل حال فالذم يكون في حال دون حال ووقت دون وقت بحسب حال الساكن، لأن الذم انما يكون للحال دون المحل، وان كانت الأماكن تتفاضل وقد تقع المداولة فيها، فان الله يداول بين خلقه حتى في البقاع فمحل معصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر.
وأما قول المعترض: منها قوله ﷺ : لا يزالون في شر من كذابهم
فالجواب ان هذا من جملة كذبه على رسول الله ﷺ ، وجهله بالعلم لا يميز بين الحديث وغيره، وهذا الكلام ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ في نفر من بني حنيفة سكنوا الكوفة في ولاية ابن مسعود عليها، وكانوا في مسجد من مساجدها فيسمع منهم كلمة تشعر بتصديق مسيلمة فأخذهم عبد الله بن مسعود وقتل كبيرهم ابن النواحة وقال في الباقين: لا يزالون في بلية من كذابهم يعني ذلك النفر يذم نجدا بنفر أحدثوا حدثا في العراق وقد أفنى كل من حضر مسيلمة في القرن الأول ولم يبق بنجد من يصدق الكذاب، بل من كان في أواخر عهد الصحابة ﵃، ومن بعدهم بنجد يكفرون مسيلمة ويكذبونه فلم يبق بنجد من فتنة مسليمة لا عين ولا أثر.
فلو ذم نجد بمسيلمة بعد زواله وزوال من يصدقه، لذم اليمن بخروج الاسود العنس دعواه النبوة وما ضر المدينة سكن اليهود فيها وقد صارت مهاجر رسول الله ﷺ وأصحابه ومعقد الاسلام وما ذمت مكة بتكذيب أهلها الرسول ﷺ ، وشدة عداوتهم له بلى هي أحب أرض الله إليه فاذا كان الأمر
стр. 227
كذلك فارض اليمامة لم تعص الله، وانما ضرت المعصية ساكنيها بتصديقهم كذابهم، وما طالت مدتهم على ذلك الكفر بحمد الله فطهر تلك البلاد منهم، ومن سلم منهم من القتل دخل في الاسلام فصارت بلادهم بلاد اسلام بنيت فيها المساجد، وأقيمت الشرائع وعبد الله فيها في عهد الصحابة ﵃ وبعدهم، ونفر كثير منهم مع خالد بن الوليد لقتال العجم فقاتلوامع المسلمين.
فنال تلك البلد من الفضل ما نال غيرها من بلاد أهل الاسلام على أنها تفضل على كثير من البلاد بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال وهو بمكة لأصحابه: " أريت دار هجرتكم" فوصفها ثم قال: "فذهب وهلى إلى أنها اليمامة أو يثرب" ورؤيا النبي ﷺ حق، وكفى بهذا فضلاً لليمامة، وشرفاً لها على غيرها، فان ذهب وهله ﷺ في رؤياه إليها لا بد أن يكون له أثر في الخير يظهر فظهر ذلك الفضل بحمد الله في القرن الثاني عشر، فقام الداعي يدعو الناس إلى مادمت إليه الرسل من أفراد الله العبادة، وترك عبادة ما سواه، واقامة الفرائض والعمل بالواجبات، والنهي عن مواقعة المحرمات، وظهر فيها الاسلام أعظم من ظهوره في غيرها في هذه الازمان ولولا ذلك ما سب هؤلاء نجدا واليمامة بمسيلمة.
إذا عرف ذلك فليعلم ان مسيلمة وبني حنيفة انهما كفروا بجحودهم بعض آية من كتاب الله جهلاً وعناداً، وهذا المعترض وأمثاله جحدوا حقيقة ما بعث الله به رسله من التوحيد الذي دلتعليه الآيات المحكمات التي تفوت الحصر، وعصوا رسول الله ﷺ بارتكاب ما نهى عنه من الغلو، والشرك، فجوزوا أن يدعى مع الله غيره، وقد نهى الله ورسوله عن ذلك في أكثر سور القرآن، وجوزوا أن يستعان بغير الله ورسوله نهى عن ذلك أشد النهي، وجعلوا لله شريكاً في ملكه وربوبيته كما جعلوا له شريكاً في الالهية، وجعلوا له شريكاً في احاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها، وقد قال تعالى مبيناً لما اختص به من شمول علمه ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية.
وهذه الاصول كلها في الفاتحة يبين تعالى أنه هو المختص بذلك دون كل من سواه ففي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اختصاص الله بالحمد لكماله في ربوبيته والهيته وملكه، وشمول علمه وقدرته، وكماله في ذاته وصفاته ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو ربهم وخالقهم ورازقهم، ومليكهم والمتصرف فيهم بحكمته، ومشيئته ليس ذلك إلا له ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه تفرده بالملك كقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه قصر العبادة عليه تعالى بجميع أفرادها، وكذلك الاستعانة وفي ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أيضاً توحيد الربوبية.
стр. 228
وهذه الأصول أيضاً في: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فهو ربهم ورازقهم، والمتصرف فيهم والمدبر لهم ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ هو الذي له الملك كما في الحديث الوارد في الأذكار " لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وقوله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ هو مألوههم ومعبودهم لا معبود لهم سواه، فأهل الإيمان خصوه بالالهية، وأهل الشرك جعلوا له شريكاً يؤلهونه بالعبادة كالدعاء، والاستعانة والاستغاثة والالتجاء، والرغبة والتعلق عليه ونحو ذلك وفي ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ براءة النبي ﷺ من الشرك والمشركين ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (الكافرون:١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ فهذا هو التوحيد العملي وأساسه البراءة من الشرك والمشركين باطناً وظاهراً.
وفي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ توحيد العلم والعمل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يعني هو الله الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا وزير ولا ند، بل ولا شبيه له ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ في الاثبات إلا على الله ، لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قال عكرمة عن ابن عباس ﵄: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم، ومسائلهم، قلت: وفيه توحيد الربوبية، وتوحيد الالهية، وقال الأعمش عن شقيق عن أبي وائل: الصمد السيد الذي قد انتهى سؤدده، وقال الحسن أيضاً الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد كأنه جعل ما بعده تفسيراً له، وقال سفيان عن منصور عن مجاهد: الصمد المصمت لا جوف له قال أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة: وكل هذا صحيحة وهي صفات ربنا .
وقال مجاهد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ يعني لا صحابة له وهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي هو مالك كل شيء، وخالقه فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه تعالى وتقدس وتنزه، قلت فتدبر هذه السورة وما فيها من توحيد الالهية والربوبية وتنزيه الله عن الشرك والشبيه والنظير، وما فيها من مجامع صفات كماله ونعوت جلاله، ومن له بعض تصور يدري هذا بتوفيق الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .
وأما قول المعترض على قول المجيب ونوع الشرك جرى في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية أقول هذه البردة متقدمة على زمن شيخ الإسلام ومع هذا لم ينقل عنه فيها كلمة واحدة.
بالجواب تقدم البردة على زمن شيخ الإسلام ان كان كذلك فماذا يجدي عليه، وما الحجة منه على جواز الشرك وأيضاً فشهادته هذه على شيخ الإسلام غير محصورة فلا تقبل، وهولم يطلع إلا على النزر اليسير من كلام شيخ الإسلام، ولم يفهم معنى ما أطلع عليه، وهو في شق وشيخ الإسلام في شق، وليس في كلام شيخ الإسلام إلا ما هو حجة على هذا المعترض، لكنه يتعلق في باطله بمثل خيط العنكبوت، فان
стр. 229
كان يقنعه كلام شيخ الإسلام ﵀ المؤيد بالبرهان فقد تقدم من كلامه ما يكفي ويشفي في تمييز الحق من الباطل، وكلامه ﵀ في أكثر كتبه يبين هذا الشرك وينكره، ويرده كما قد رد على ابن البكري حين جوز الاستغاثة بغير الله، ولا يشك من له أدنى مسكة من عقل وفهم ان كلام صاحب البردة داخل تحت كلام شيخ الإسلام في الرد عليه والإنكار وأنا أورد هنا جواباً لشيخ الإسلام عن سؤال من سأله عن نوع هذا الشرك وبعض أفراده فأتى بجواب عام شامل كاف واف.
قال السائل ما قول علماء المسلمين فيمن يستنجد بأهل القبور ويطلب منهم إزالة الألم ويقول يا سيدي أنا في حسبك؟ وفيمن يستلم القبر ويمرغ وجهه عليه ويقول قضيت حاجتي ببركة الله وبركة الشيخ ونحو ذلك.
الجواب الحمد لله رب العالمين الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته والتوكل عليه، ودعاؤه لجلب المنافع ودفع المضار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الآيات وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ الآيات قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا، والملائكة قال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم عبادي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، فاذا كان هذا حال من يدعو الانبياء والملائكة فكيف بمن دونهم؟ قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ الآية وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
فبين سبحانه ان من دعى من دون الله من جميع المخلوقات الملائكة، والبشر وغيرهم انهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه، وانه ليس له شريك في ملكه له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وانه ليس له عون كما يكون للمك أعون وظهراء، وان الشفعاء لا يشفعون عنده الا لمن ارتضى، فنفى بذلك وجوه الشرك، وذلك أن من دعى من دونه أما يملكون مالكاً، وأما أن لا يكون مالكا واذا لم يكن مالكا فأما أن يكون شريكاً، وأما أن لا يكون شريكاً، واذا لم يكن شريكاً فأما أن يكون معاوناً، وأما أن يكون سائلاً طالباً، فأما الرابع فلا يكون الا من بعد اذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ وقال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً
стр. 230
لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
فبين سبحانه أن من أتخذ الملائكة والنبيين أرباباً كان كافراً فكيف بمن اتخذ من دونهم من المشائخ وغيرهم أرباباً: فلا يجوز أن يقول لملك ولا لنبي، ولا لشيخ سواء كان حيا أو ميتاً اغفر ذنبي، أو انصرني على عدوي أو اشف مريضي، أو ما أشبه ذلك، ومن سأل ذلك مخلوقاً كائناً من كان فهو مشرك بر به من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والانبياء، والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الآية وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
وان قال ان اسأله لأنه أقرب إلى الله مني ليشفع لي لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه يستشفعون بهم في مطالبهم، ولذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقد قال سبحانه ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فبين الفرق بينه وبين خلقه فان من عادة الناس أن يستشفع إلى الكبير بمن يكرم عليه فيسأله ذلك الشافع فيقضي حاجته أما رغبة وإما رهبة وأما أحياء وأما غير ذلك فالله لا يشفع عنده أحد حتى يأذن هو للشافع فلا يفعل إلا ما يشاء، وشفاعة الشافع عن اذنه والأمر كله له فالرغبة يجب أن تكون إليه كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ والرهبة تكون منه قال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وقد أمرنا أن نصلى على النبي ﷺ في الدعاء وجعل ذلك من أسباب أجابة دعائنا.
وقول كثير من الضلال: هذا أقرب إلى الله مني وأنا بعيد منه لا يمكن أن ندعوه الا بهذه الواسطة ونحو ذلك هو من قول المشركين فان الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وقد روى أن الصحابة ﵃ قالوا يارسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية وقد أمر الله العباد كلهم بالصلاة له ومناجاته، وأمر كلا منهم أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
ثم يقال لهذا المشرك أنت اذا دعوت هذا فان كنت تظن أنه أعلم بحالك، أويقدر على سؤالك وارحم بك من ربك فهذا جهل وضلال، وكفر، وان كنت تعلم ان الله أعلم وأقدر وأرحم فلماذا عدلت عن سؤال غيره، وان كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى منزلة عند الله منك فهذا حق أريد به باطل، فانه اذا كان أقرب منك وأعلى درجة فان معناه أن يثيبه، ويعطيه ليس معناه أنك دعوته كان الله يقضى
стр. 231
حاجتك أعظم مما يقضيها اذا دعوته أنت، فانك أن كنت مستحقاً للعقاب ورد الدعاء فالنبي والصالح لا يعين على ما يكره الله ولا يسعى فيما يبغضك إليه وان لم يكن كذلك فالله أولى بالرحمة والقبول منه.
فان قلت هذا دعاء الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب اذا دعوته انا فهذا هو القسم الثاني وهو أن يطلب منه الفعل ولا يدعوه، ولكن يطلب أن يدعو له كما يقال للحي ادع لي، وكما كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ الدعاء في الحي، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم وفلم يشرع لنا أن نقول ادع لنا ولا أسأل لنا ربك ونحو ذلك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة ولا التابعين. ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد بذلك حديث، بل الذي ثبت في الصحيح انهم لما أجدبوا زمن عمر استسقى بالعباس ﵄ فقال: اللهم انا كنا اذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وأنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون.
فلم يجيئوا إلى قبر النبي ﷺ قائلين: يارسول الله ادع الله، أو استسقى لنا ونحن نشكو إليك ما أصابنا، ونحو هذا، ولم يقله أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاءوا عند قبر النبي ﷺ يسلمون عليه ثم إذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر بل ينحرفون فيستقبلون القبلة، ويدعون الله وحده لا شريك له كما كانوا يدعونه في سائر البقاع، وفي المؤطا وغيره أن النبي ﷺ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي السنن أيضاً أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيث ما كنتم فان صلاتكم تبلغني" وفي الصحيح أنه قال في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما فعلوا قالت عائشة: ولولا ذلك لابرز قبره لكن خشى أن يتخذ مسجداً وفي سنن أبي داود عنه أنه قال: "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج".
ولهذا قال العلماء لا يجوز بناء المساجد على القبور، وقالوا: أنه لا يجوز أن ينذر لقبر ولا للمجاورين عند القبر شيئاً لا من دراهم، ولا زيت ولا شمع ولا حيوان، ولا غير ذلك كله لأنه نذر معصية، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين أن الصلاة عند القبور في المشاهد مستحبة، ولا أن الدعاء هناك أفضل، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد وفي البيوت أفضل من الصلات عند قبر، لا قبر نبي ولا صالح سواء سميت مشاهد أم لا وقد شرع الله ذلك في المساجد دون المشاهد وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ ولم يقل في المشاهد وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية.
وذكر البخاري في صحيحه والطبري وغيره في تفاسيرهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا
стр. 232
لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً﴾ الآية قالوا هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم طال عليهم الامد فاتخذوا تماثيلهم أصناماً، فالعكوف على القبور، والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها، هو أصل الشرك وعبادة الاوثان، ولهذا اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء الصالحين، فانه لا يتمسح به ولا يقبله، وليس في الدنيا ما شرع تقبيله الا الحجر الأسود، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: والله لأعلم حجر لا تضر ولا تنفع ولو أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، ولهذا يسن أن يقبل الرجل ويستلم ركني البيت الذين يليان الحجر ولا جدران البيت ولا مقام إبراهيم ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين انتهى.
وقال رحمه الاله في الرد على ابن البكري بعد كلام له سبق: لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق، ودعاءه سبب في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، ومن الذي قال إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر سواء كان نبياً أو غير نبي كان ذلك سبباً في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به، ومن الذي يفعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين إحداهما أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله والثانية أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها فإنه ليس كلما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه -إلى أن قال:
وهذا المقام يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقاً وأمرا، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتاً أو غائباً وأن يستغيثوا به سواء كان ذلك عند قبره أو لم يكن عند قبره، بل نقول سؤال الميت أو الغائب نبياً كان أو غير نبي من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وهذا مما يعلم بالاصطرار من دين المسلمين، فان أحداً منهم ما كان يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من المؤتى والغائبين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الانبياء الا عند قبورهم، ولا اذا بعدوا عنها بل، ولا أقسم بمخلوق على الله أصلاً، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الانبياء، ولا قبور غير الانبياء ولا الصلاة عندها.
وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه وذكروا ان هذا من البدع التي لم يفعلها السلف، وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب وقول بعضهم: فلان يدعي عند قبره وقول بعض الشيوخ: إذا كانت لك حاجة فاستعثت بي أو قال استغث عند قبري ونحو ذلك فان هذا قد وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم، ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الاسلام بعد القرون المفضلة.
стр. 233
وكذلك المساجد المبينة على القبور التي تمسى المشاهد محدثة في الاسلام، والسفر إليها محدث في الاسلام لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا قالت عائشة: ولولا ذلك لابرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً، وثبت في الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس: "ان من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فأني أنهاكم عن ذلك" وقد تقدم أن عمر لما أجدبوا استسقى بالعباس فقال اللهم انا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون، فلم يذهبوا إلى القبر ولا توسلوا بالعباس وكان توسلهم به توسلاً بدعائه كالامام مع المأموم وهذا تعذر بموته.
فأما قول القائل عن ميت من الانبياء والصالحين اللهم اني أسالك بفلان، أو بجاه فلان، أو بحرمة فلان فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة ولا التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز فكيف بقول القائل للميت: أنا أستغيث بك أو أستجير بك، وأنا في حسبك أوسل الله لي، ونحو ذلك، فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة لو قدر أنه له تأثير، فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت من تتمثل له الشياطين، وربما كانت له صورة ذلك الغائب وربما كلمته، وربما قضت له بعض أحياناً بعض حوائجه كما تفعل له شياطين الأصنام.
فإن أحداً من الأنبياء والصالحين لم يعبد في حياته إذ هو ينهي عن ذلك وأما بعد الموت فهو لا يقدر أن ينهي فيفضي ذلك إلى اتخاذ قبره وثناً يعبد ولهذا قال النبي ﷺ : "لا تتخذوا قبري عيداً" وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" وقال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية أن هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، ولهذا المعنى لعن النبي ﷺ الذين اتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد انتهى ملخصاً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزبير أنه رأى قوماً يمسحون المقام فقال لم تؤمروا بهذا إنما أمرتم بالصلاة عنده، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلهم، فإن كان المعترض يستدل بكلام شيخ الإسلام، فهذا صريح كلامه المؤيد بالأدلة والبراهين، وكلام العلماء كمثل كلام الشيخ في هذا كثير جداً لو ذكرناه لطال الجواب.
وأما قول المعترض بل مدح الصرصري وأثنى عليه بقوله قال الفقيه الصالح يحيى بن يوسف الصرصري في نظمه المشهور.
стр. 234
فالجواب أن هذا من جملة أكاذيب المعترض على شيخ الإسلام وغيره، وقد كذب على الإقناع والشفاء، وليس في الكتابين إلا ما يبطل قوله، وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وإلا فكلام الشيخ في رد ما يقوله الصرصري وانكاره موجود بحمد الله.
قال ﵀ في رده عللاى ابن البكري بعد وجهين ذكرهما: الثالث أنه ادرج سؤاله أيضاً في الاستغاثة به، وهذا جائز في حياته لكنه أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته بنقل أحد من العلماء، ولكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة وكمحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم دين وصلاح، لكنهم ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام الذين يخذ بقولهم في شرائع الإسلام، وليس معهم دليل شرعي، ولا نقلعن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وأكثر منه يأتي إلى قبر الشيخ يدعو به ويدعو عنده.
وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أوسنة، أو قول عن الصحابة والأئمة وليس عندهم إلى قول طائفة أخرى قبر معروف ترياق مجرب، والدعاء عند قبر الشيخ مجاب ونحو ذلك، ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض تلك الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين أو الكواكب والأوثان، فإن الشياطين كثيراًما تتمثل لهم فيرونها وقد تخاطب أحدهم ولا يراها، ولو ذكرت ما أعلم من الواقائع الموجودة في زماننا لطال المقال، وكل ما كان القوم أعظم جهلاً، وضلالاً كانت هذه الأحوال الشيطانية أكثر.
وقد يأتي الشيطان أحدهم بمال، أو طعام أو لباس أو غير ذلك، وهو لا يرى أحد أتاه به فيحسب ذلك كرامة، وإنما هو من الشيطان، وسببه شركه بالله، وخروجه عن طاعة الله ورسوله إلى طاعة الشيطان فأضلتهم الشياطين بذلك، كما كانت تضل عباد الاصنام انتهى ما ذكره شيخ الاسلام ﵀ من انكاره ما في شعر الصرصري وغيره من هذه الامور الشركية وبيان أسبابها.
وأما قول المعترض: وفيه توسل عظيم ان لم يزد على قول صاحب البردة لم ينقص عنه.
فالجواب أن هذا من عدم بصيرته، وكبير جهله، فان من له أدنى معرفة وفهم، يعلم أن بين قول صاحب البردة وقول الصرصري في أبياته تفاوتاً بعيداً، فقد نبهنا على ما يقتضيه كلام صاحب البردة من قصر الالهية والربوبية والملك وشمول العلم على عبد شرفه الله بعبوديته، ورسالته ودعوة الخلق إلى عبادته وحده وجهاد الناس على ذلك، وبلغ الأمة ما أنزل الله تعالى عليه في الآيات المحكمات من تجريد التوحيد والنهي عن الشرك ووسائله كما قدمنا الإشارة إليه.
стр. 235
وأما الصرصري ففي كلامه التوسل بالنبي ﷺ ، والاستغاثة به بلا قصر ولا حصر، للاستغاثة والاستعانة في جانب المخلوق وقد أنكره شيخ الاسلام ﵀، وذكر أنه لا دليل من كتاب ولا سنة عليه، ولا قال به أحد من الصحابة والتابعين والأئمة، وقد بين ﵀ ان استغاثة الحي بالحي انما هي بدعائه وشفاعته، وأما الميت والغائب فلا يجوز أن يستغاث به، وكذلك الحي فيما لا يقدر إلا الله، وأن أهل الاشراك ليس معهم إلا الجهل والهوى، وعوائد نشؤا عليها بلا برهان، وقد عرفت ان هذا المعترض لم يأت إلا بشبهات واهبة، وحكايات سوفسطائية أومنامات تضليلية كما قال كعب بن زهير:
فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... أن الأماني والأحلام تضليل
وليس مع هؤلاء المشركين الادعوى مجردة محشوة بالأكاذيب، وليس معهم بحمد الله دليل من كتاب أو سنة، أو قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، وقد جئناهم بأدلة الكتاب والسنة وما عليه الصحابة والأئمة، ولو استقصينا ذكر الأدلة وبسطنا القول لاحتمل مجلداً ضخما.
وسبب الفتنة بقصائد هؤلاء المتأخرين كقصائد البوصيري، والبرعي واختيارها على قصائد شعراء الصحابة كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك وكعب بن زهير وغيرهم من شعراء الصحابة ﵃، وفيها من شواهد اللغة والبلاغة ما لم يدرك هؤلاء المتأخرون منه عشر المعشار، وما ذاك إلا لأن قصائد هؤلاء المتأخرين تجاوزوا فيها الحد إلى ما يكرهه الله ورسوله، فزينها الشيطان في نفوس الجهال، والضلال فمالت إليها نفوسهم عن قصائد الصحابة، التي ليس فيها إلا الحق والصدق وما قصروا فيها جهدهم عما يصلح أن يمدح به رسول الله ﷺ ، وتحروا فيها ما يرضيه، وتجنبوا ما يسخطه ﷺ ، وما نهى عنه من الغلو فما أشبه هؤلاء بقول أبي الوفاء بن عقيل، وهو في القرن الخامس، لما صعبت التكاليف على الجهال، والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم اذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع إلى آخره.
ومما يتعين أن نختم به هذا ﷺ : فصل ذكره العلامة ابن القيم ﵀ ونفعنا بعلومه، قال بعد أن ذكر زيارة الموحدين للقبور: وأن مقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكير الآخرة والاعتبار والاتعاظ، الثاني: الاحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به فيتناساه، فاذا زاره وأهدى إليه هدية من دعاء أوصدقة ازداد بذلك سروره وفرحه، ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لأهل القبور بالمغفرة، والرحمة وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم ولا يدعو بهم، ولا يصلى عندهم، الثالث: احسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ .
وأما الزيارة الشركية فأصلها مأخوذ من عباد الأصنام قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله، لا يزال تأتيه الالطاف من الله، وتفيض على روحه
стр. 236
الخيرات، فاذا علق الزائر روحه به وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الالطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية، والماء على الجسم المقابل له، قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله واقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه الالتفات إلى غيره وكلما كان جمع القلب والهمة عليه أعظم كان أقرب إلى الانتفاع به.
وقد ذكر هذه الزيارة ابن سيناء والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعياداً، وتعليق الستور عليها وايقاد السرج، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ أبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده، وكان رسول الله ﷺ في شق وهؤلاء في شق وهذا الذي ذكره هؤلاء في زيارة القبور والشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله قالوا: فان العبد اذا تعلق روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه صار بينه وبينه اتصال يفيض عليه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحضرة وقرب من السلطان وهو شديد التعلق به فما يحصل لذلك من الأنعام والأفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بابطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم وأوجب لهم النار.
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وأبطاله مذهبهم قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض، وهو الله وحده، وهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو ملك السموات والأرض، وهو الله وحده، وهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه، فصارت الشفاعة في الحقيقة انما هي له، والذي يشفع عنده انما يشفع باذنه وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي ارادته من نفسه أن يرحم عبده وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون، ومن وافقهم، وهي التي أبطلها الله بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ .
وأخبر سبحانه أنه ليس للعباد من دونه، بل أراد سبحانه رحمة بعبده اذن هو لمن يشفع فيه كما قال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فالشفاعة باذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل يشفع باذنه، والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك، والعبد المأمور فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك، فانه لا شريك له، والتي أثبتها
стр. 237
شفاعة العبد المأمور الذي يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له، ويقول اشفع في فلان، ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهو الذين ارتضى الله سبحانه قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ فأخبر أنه لا تحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضى قول المشفوع له، واذنه للشافع، فأما المشرك فانه لا يرضاه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه، فانه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، واذنه للشافع فمتى لم يوجد مجوع الأمرين لم توجد الشفاعة.
وسر ذلك أن الأمر كله لله وحده، فليس لأحد معه من الامر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئاً الا من بعد اذنه لهم، ولا سيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره، واذنه، فاذا أشركهم به المشرك واتخذهم شفعاء من دونه ظناً منه أنه اذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه، وما يجب له وما يمتنع عليم فان هذا محال ممتنع يشبه قياس الرب سبحانه على الملوك والكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج.
وبهذا القياس الفاسد عبد ت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي، والفرق بينهما هو الفرق بين الخالق والمخلوق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والملوك والغني والفقير، الذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره، فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم، فان قيام مصالحهم بهم وهم أعوانهم، وأنصارهم الذين قيام الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم والسنتهم في الناس فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم وان لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنقص طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم فلا يجدون بداً من قبول شفاعتهمعلى الكره والرضاء، فأما الذي غناه من لوازم ذاته وكل ما سواه فقير إليه لذاته وكل من في السموات والأرض عبيد له مقهورون لقهره مصرفون بمشيئته لو أهلكهم جميعاً لم ينقص من عزه، وسلطانه وملكه وربوبيته والهيته مثقال ذرة قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وقال في سيدة آي القرآن أية الكرسي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فأخبر ان ملكه السموات والأرض. يوجب أن تكون الشفاعة كلها له وحده، وان أحداً لا يشفع عنده الا باذنه، فانه ليس بشريك بل مملوك محض بخلاف شفاعة أهل الدينا بعضهم عند بعض.
فتبين أن الشفاعة التي نفاها الله سبحانه في القرآن هي هذه الشفاعة الشركية التي يفعلها بعضهم مع بعض، ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعرفة
стр. 238
عند الناس، ويقيدها تارة بأنها لا تنفع الا باذنه، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه، فانه هو الذي قبل والذي أذن والذي رضى عن المشفوع، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة، وقوله فمتخذ الشفيع لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده، ومحبوبه ومرجوه ومخوفه الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه ويتباعد من سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع ليشفع له قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فبين سبحانه ان متخذي الشفعاء مشركون وان الشفاعة لا تحصل باتخاذهم.
وسر الفرق بين الشفاعتين: ان شفاعة المخلوق للمخلوق وسؤاله للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده لا خلقاً ولا أمراً ولا اذناه، بل هو سبب محرك له من خارج كسائر الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المحرك لأجله ما يوافقه كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه في أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض فيقبل شفاعة الشافع وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع فيردها، وقد يتعارض عنده الأمر ان فيبقى متردداً بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد وبين الشفاعة التي تقتضي القبول فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح.
وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب سبحانه، فانه ما لم يخلق شفاعة الشافع، ويأذن له فيها ويحبها منه، ويرضى عن الشافع لم يمكن أن توجد، والشافع لا يشفع عنده بمجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور بالشفاعة مطيع بامتثال الأمر، فان أحداً من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة، ولا غيرها الا بمشيئة الله وخلقه، فالرب تعالى هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره، وهو في الحقيقة شريكه، ولو أن مملوكه وعبده، فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله من رزق او نصر أو غيره فكل منهما محتاج إلى الآخر.
ومن وفقه الله لفهم هذا الموضوع تبين له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بيت ما أثبت الله من الشفاعة، وما نفاه وأبطله، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد أبعد مما بين المشرق والمغرب، وانهم على شيء والسلف على شيء كما قيل:
سارت مشرقة وسرت مغرباً ... شتان بين مشرق ومغرب
والأمر والله أعظم مما ذكرنا انتهى وبه كمل الجواب، والحمد لله الذي هدانا لدينه الذي رضيه لعباده، وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله، وصلى الله وسلم على محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.