← Фатава

Фатава · id 11380

مجموعة الرسائل والمسائل والفتاوى

حمد بن ناصر آل معمر

Полный текст (238 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في هذا وإنما الكلام في التوسل بنفس الذات وأما قولهم: في حديث العباس فطفق الناس يتمسحون به فلم نقف لها على أصل ولا رأيناها في شيء من الكتب وعلى تقدير ثبوتها فليس فيها حجة على التوسل بالأموات.

стр. 177

فصل: في قوله إن سلمنا هذا القول وظهر دليله فالجاهل معذور لأنه لم يدر ما الشرك والكفر ومن مات قبل البيان فليس بكافر ... (فصل) وأما قوله إن سلمنا هذا القول وظهر دليله فالجهل معذور لأنه لم يدر ما الشرك والكفر، ومن مات قبل البيان فليس بكافر، وحكمه حكم المسلمين في الدنيا والآخرةن لأن قصة ذات أنواط وبني إسرائيل حين جاوزوا البحر تدل على ذلك إلى آخره. فالجواب أن يقال: أن الله تعالى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . وقد أجمع العلماء على أنه من بلغه دعوة الرسول ﷺ أن حجة الله قائمة عليه، ومعلوم بالإضرار من الدين أن الله بعث محمداً ﷺ وأنزل عليه الكتاب ليعبد وحده لا يشرك معه غيره، فلا يدعى إلا هو ولا يذبح إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف خوف السر إلا منه، والقرآن مملوء من هذا قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ وقال: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة. والله تعالى لا يعذب خلقه إلا بعد الاعذار فأرسل رسله وأنزل كتبه لئلا ويقولوا: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ . وكل من بلغه القرآن فليس بمعذور، فإن الأصول الكبار التي هي أصل دين الإسلام قد بينها الله تعالى في كتابه، وأوضحها وأقام حجته، على عباده، وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهماً جلياً كما يفهمها من هداه الله ووفقه، وانقاد لأمره، فإن الكفار قد قامت عليهم الحجة من الله تعالى مع إخباره بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه: فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ﴾ وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .. والآيات في هذا المعنى كثيرة يخبر سبحانه أنهم لم يفهموا القرآن ولم يفقهوه وأنه عاقبهم بالأكنة على قلوبهم والوقر في آذانهم

стр. 178

وأنه ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فلم يعذرهم مع هذا كله بل حكم بكفرهم وأمر بقتالهم، وقاتلهم رسول الله ﷺ وحكم بكفرهم، فهذا يبين لك أن بلوغ الحجة نوع وفهمها نوع آخر. وقد سئل شيخنا رحمه الله تعالى عن هذا الآية فأجاب السائل بقوله: من العجب العجاب كيف تشكون في هذا وقد وضحته لكم مراراً، فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحمها في كتابه فإن حجة الله في القرآن فمن بلغه فقد بلغته الحجة وبلوغها نوع وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم الله ببلوغها إياهم مع كونهم لم يفهموها. وإن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: "أينما لقيتوهم فاقتلوهم" مع كونهم في عصر الصحابة ويحقر معهم الإنسان عمل الصحابة، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشديد والغلو والاجتهاد وهم يظنون أنهم مطيعون لله وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها، وكذلك قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه وتحريقهم بالنار مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاحهم وهم أيضاً يظنون أنهم على حقن وكذلك إجماع السلف على تكفير أناس من غلاة القدرية وغيرهم مع كثرة علمهم، وشدة عبادتهم، وكونهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل أنهم لم يفهموا فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا انتهى كلامه. إذا تقرر هذا فنقول: إن هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية، وظاهر حالهم الشرك لا نتعرض لهم، ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم، بل نقول: من بلغته هذه الدعوة، المحمدية وانقاد لها، ووحد الله وعبده وحده لا شريك له، والتزم شائع الإسلام وعمل بما أمره الله به وتجنب ما نهاه عنه فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة في كل زمان وفي كل مكان، وأما من كانت حاله حال أهل الجاهلية لا يعرف التوحيد الذي بعث الله ورسوله يدعو إليه، ولا الشرك الذي بعث الله ورسوله ينهى عنه ويقاتل عليه، فهذا لا يقال أنه مسلم لجهله، بل من كان ظاهر عمله الشرك بالله فظاهره الكفر فلا يستغفر له ولا يتصدق عنه ونكل حاله إلى الله الذي يبلو السرائر ويعلم ما تخفي الصدور. ولا نقول: فلان مات كافراً لأنا لا نفرق بين المعين وغيره فلا نحكم على معين بكفر لأنا لا نعلم حقيقة حاله وباطن أمره بل نكل ذلك إلى الله، ولا نسب الأموات بل نقول أفضوا إلى ما قدموا، وليس هذا من الدين الذي أمرنا الله به بل الذي أمرنا به أن نعبد الله وحده ولا نشرك به، ونقاتل من أبى عن ذلك بعدما ندعوه إلى ما دعا إليه

стр. 179

رسول الله ﷺ فإذا أصر وعاند كفرناه وقاتلناه، فينبغي للطالب أن يفهم الفرق بين المعين وغيره، فنكفر من دان بغير الإسلام جملة ولا نحكم على معين بالنار ونلعن الظالمين جملة ولا نخص معيناً بلعنة كما قد ورد في الأحاديث من لعن السارق وشار بالخمر، فنلعن من لعنه الله ورسول الله ﷺ جملة ولا نخص شخصاً بلعنه، بين ذلك أن رسول الله ﷺ لعن شارب الخمر جملة، ولما جلد رجلاً قد شرب قال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".

стр. 180

فصل: قوله أن كثير من العلماء فعلوا هذه الأمور أو فعلت بحضرتهم ولم تنكر ... (فصل) وأما قوله ومنها أن كثيراً من العلماء الكبار فعلوا هذه الأمور وفعلت بحضرتهم، ولم تنكر، ومن ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور واتخاذها أعياداً في الغالب فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم يؤتى إليه من النواحي، وقد يحضرهم بعض العلماء فلا ينكر. فالجواب من وجوه: الوجه الأول: أن يقال: قد افترض الله على الخلق طاعة رسول الله ﷺ أو أخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . فإذا اختلف الناس في شيء من أمور الدين هل هو واجب أو محرم، أو جائز وجب رد ما وقع فيه الاختلاف إلى الله والرسول، ويجب على المؤمن إذا دعى إلى ذلك أن يقول سمعاً وطاعة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ..فنحن نحاكم من نازعنا في هذه المسألة وغيرها من المسائل إلى الله والرسول، لا إلى أقوال الرجال وآرائهم. فنقول لمن أجاز بناء القباب على القبور بالجص والآجر وأسرجها وفرشها بالرخام وعلق عليها قناديل الفضة وبيض النعام وكساها كما يكس بيت الله الحرام هل أمر رسول الله ﷺ بهذا وحث عليه أم نهى عنه وأمر بازالة ما وضع من ذلك صلى الله عليه وسلمما أمرنا به ائتمرنا وما نهانا عنه انتهينا، وسنته هي الحاكمة بيننا وبين خصومنا في محل النزاع، فنقول قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب ﵁ الا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، وفي صحيحه أيضاً عن ثمامة بن شفى الهمداني قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوى ثم قال سمعت رسول الله صلى

стр. 181

الله عليه وسلم يأمر بتسويتها وفي صحيحه أيضاً عن جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه، وفي سنن أبي داود والترمذي حديث حسن صحيح، وعن ابن عباس ﵄ قال لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج رواه الإمام أحمد وأهل السنن. فنهى رسول الله ﷺ عن البناء عليها وأمر بهدمه بعد ما يبنى ونهى عن الكتابة عليها، ولعن من أسرجها، فنحن نأمر بما أمر به رسول الله ﷺ من تسويتها وننهى عن البناء عليها كما نهى عنه رسول الله ﷺ ، فهو الذي افترض الله علينا طاعته واتباعه وأم غبره فيؤخذ من قوله ويترك كما قال الإمام مالك كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ وعن الصحابة فخذه ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير، وقال أيضاً لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذوا من حيث أخذوا. والعجب ممن يسمع هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ من النهي عن تعظيم القبور، وعقد القباب عليها من الجص والآجر، وإسراجها ولعن من أسرجها، ثم يقول فعلت هذه الأمور بحضرة العلماء الكبار ولم ينكروا كأنه لم يسمع ما جاء عن رسول الله ﷺ في ذلك قال ابن عباس ﵄: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر، وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الأسناد وصحته ويذهبون إلى قول سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. فإن كان هذا كلام ابن عباس فيمن عارض السنة لقول أبي بكر وعمر وكلام أحمد فيمن ذهب إلى رأي سفيان فكيف بمن عارض السنة بقول فلان صلى الله عليه وسلموقد روى البيهقي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أشد ما أتخون على أمتي ثلاثة زلة العالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناق الرجال" ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها إذ لولا ذلك لم يخف من زلة العالم على غيره، فإذا عرف أنها زلة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق العلماء، فإنه اتباع للخطأ على عمد، وقال عمر بن الخطاب ﵁: يفسد الزمان ثلاثة أئمة مضلون وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق وزلة العالم، فإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطىء لم يجز لأحد أن يفتي ويدين الله بقول لا يعرف وجهه فكيف إذا عارض بقوله أو فعله قول رسول الله ﷺ ﷺ . الوجه الثاني: أن يقال: إذا لم تقنع ولم يطمئن قلبك بما جاء عن رسول الله صلى الله وقلت العلماء أعلم منا وأطوع لله ولرسوله.

стр. 182

فنقول أعلم الناس بما أمر الله به رسول الله ﷺ ، وما نهى عنه أصحابه ﵃ فهم أعلم الناس بسنته، وأطوعهم لأمره، وهم الذين ﵃ عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل بدعة ضلالة" وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " خير القرون قرني الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات فان الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبه نبيه واقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديتهم فانهم كانوا على الصراط المستقيم، وقال حذيفة بن اليمان ﵁: يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من قبلكم فوالله لقد سبقتم سبقاً بعيداً ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم صلالاً بعيداً. فان احتج أحد علينا بما عليه المتأخرون قلنا الحجة بما عليه الصحابة، والتابعون والذين هم خير القرون لا بما عليه الخلف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ هل نقل عنهم انهم عقدوا القباب على القبور وأسرجوها، وخلقوها وكسوها الحرير أم هذا مما حدث بعدهم من المحدثات التي هي بدع ﷺ معلوم أن عندهم من قبور الصحابة الذين في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته ما لا يحص هل بنوا على قبورهم وعمظوها ودعوا عندها.. صلى الله عليه وسلمضلاً عن أن يسألوها حوائجهم أو يسألوا الله بأصحابها، فمن كان عنده في هذا أثر صحيح أو حسن فليرشدنا إليه وليدلنا عليه، وأنى له بذلك؟ فهذه سنة رسول الله ﷺ في خلفائه الراشدين. وقد روى خالد بن سنان عن أبي العالية قال لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فانا أول رجل من العرب قراه قرأته مثل ما أقرأ القرآن قال خالد: فقلت لأبي العالية ما كان فيه قال: سيرتكم وأموركم، ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت: فما صنعتم بالرجل قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة فلما كان بالليل دفناه، وواسينا القبور كلها مع الأرض لنعميه عن الناس لا ينبشونه فقلت وما يرجون منه قال: كانت السماء إذا حبست عنهم ابرزوا السرير فيمطرون فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال فقلت منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت ما كان تغير منه شيء قال: لا: إلا شعرات من قفاه أن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من نعيمه قبره لئلا يفتتن به الناس،

стр. 183

ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به هؤلاء المشركون وعلموا حقيقته لبنوا عليه وعظموه، وزخرفوا قبره وأسرجوه، وجعلوه وثنا يعبد، فانهم قد اتخذوا من القبور أوثاناً ممن لا يداني هذا ولا يقاربه، بل لعله عدو الله، وأقاموا لها سدنة وجعلوها معابد، واعتقدوا أن الصلاة عندها، والدعاء حولها والتبرك بها فضيلة مخصوصة ليست في المساجد، ولو كان الأمر كما زعموا بل لو كان مباحاً لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علماً ولما أخفوه خشية الفتنة به، بل دعوا عنده وبينوه لمن بعدهم، ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من هؤلاء الخلوف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وصرفوا لغير الله جل العبادات وما أحسن ما قال الأمام مالك رحمة الله صلى الله عليه وسلمن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولكن لكل ما نقص تمسكهم بسنة نبيهم ﷺ وهديه وسنة خلفائه الراشدين تعوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك، ومن له خبرة بما أمر به رسول الله ﷺ عند زيارة القبور وما يفعل بها وما يفعل عندها، وبما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم وازن بين هدية ﷺ وهدى أصحابه، وبين ما عليه المتأخرون اليوم، وما يفعلونه عند القبور تبين له التباين والتضاد، وعلم أن بينهما من الفرق أبعد مما بين المشرق والمغرب كما قيل: سارت مشرقة وسرت مغرباً ... شتان بين مشرق ومغرب الوجه الثالث: أن يقال: قوله، أن كثيراً من العلماء فعلوا هذه الأمور وفعلت بحضرتهم فلم ينكروا، من ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور. فيقال: بل قد نهوا عن ذلك وصرحوا بكراهته والنهي عنه وهذه كتبهم بأيدنا مصرحة بما ذكرنا، ونحن نسوق عباراتهم بألفاظها، فأما كلام الحنابلة فقال في الإقناع: ويستحب رفع القبر قدر شبر ويكره فوقه، ويكره البناء عليه سواء لاصق البناء القبر أو لا، ولو في ملكه من قبة أو غيرها للنهي عن ذلك، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى، في إغاثة اللهفان: ويجب هدم القباب التي على القبور لأنها أسست على معصية الرسول انتهى، وهو في المسبلة أشد كراهة قال الشيخ: هو غاضب، وقال أبو حفص: تحرم الحجرة بل تهدم وهو الصواب انتهى كلامه في الإقناع، وهذا الذي ذكره غير واحد من أئمة الحنابلة فلا حاجة إلى الاطالة بنقل عباراتهم. وأما كلام الشافعية فقال الأذرعي رحمه الله تعالى: في قوت المحتاج إلى شرح المنهاج عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: ويكره تجصيص القبر، والبناء والكتابة عليه، ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء، وفي الترمذي وغيره والنهي عن الكتابة، وعبارة الحلوانية ممنوعا منهما، وعبارة القاضي ابن كج ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن يبنى عليها قباب ولا غير قباب، والوصية بها باطلة، وقال الحضرمي في شرح المهذب، وقد يقولون: يعني الأصحاب لا تبنى القبور وكأنهم يريدون لا تبنى القبور نفسها بآجر والبناء قبل فالمفهوم من كلامهم أن هذا كالتجصيص فيكره، ولا يحرم، إلا أن يريد في المقبرة المسبلة فيحرم قلت: وينبغي تحريمه في المسبلة مطلقاً

стр. 184

وان لم يضيق لأنه قد أبدى بالجص وإحكام البناء فيمنع من الدفن هناك بعد البلاء، ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره على من علم النهى عنه بل هو القياس الحق، قوله: ولو بنى في مقبرة مسبلة هدم أي بناء على القبر فيها، وعلى الفرق في التحريم بيت ملكه وملك غيره جرى كثيرون منهم القاضيان الحسين، والمارودي في موضع آخر فقال: يكره البناء على القبور كالقباب والبيوت، وان كان في غير ملكه لم يجز للنهي عن ذلك والتضييق، قال الشافعي ﵁: ورأيت الولاة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى منها ولم أر الفقهاء يعيبون في ذلك عليهم انتهى. وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وانفاق الأموال الكثيرة عليها فلا ريب في تحريمه، والعجب كل العجب ممن يلزم ذلك الورثة من حكام العصر ويعمل بالوصية بذلك مع قول الأصحاب: لا تنفذ الوصية حيث لا حاجة إليه ومن جوز البناء في الملك صرح بالكراهة فكيف تنفذ الوصية على المكروه؟ انتهى كلام الاذرعي ﵀: فصرح بأن البناء مكروه وساق عبارات الأصحاب، وهل الكراهة كراهة تحريم أم لا؟ أم يفرق بين المسألة وغيرها؟ واختار التحريم مطلقا في ملكه وغيره على من علم النهي وقال بل هو القياس الحق. وأما المالكية، فقال القرطبي ﵀ في شرح مسلم: لما ذكر قوله: ﷺ : "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" ظاهرة منع تسنيم القبور ورفعها اوان تكون لاطئة بالأرض، وقد قال به: بعض أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بازالته ليس هو التسنيم ولا يعرف به القبر كي يحترم إنما هو الارتفاع الكثير الذي كانت الجاهلية تفعله، فانها كانت تعلى عليها وتبنى فوقها تفخيما لها وتعظيماً، وأما تسنيمها فذلك صفة قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر على ماذكر في الموطأ، وقد جاء عن عمر أنه هدمها وقال ينبغي أن تسوى تسوية تسنيم وهذا معنى قول الشافعي تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع وتكون على وجه الأرض، وتسنيمها اختاره أكثر العلماء وجملة أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي، قلت والذي صار إليه عمر أولا فانه جمع بين التسوية والتسنيم. وقوله نهى أن يجصص القبر ويبنى عليه التجصيص هو البناء بالجص وبظاهر هذا الحديث قال مالك وكره البناء والجص على القبور وقد أجازه غيره، وهذا حديث حجة عليه ووجه النهي على البناء، والتجصيص في القبور أن ذلك مباهاة واستعماله زينة الدنيا في أول منازل الآخر وتشبه بمن كان يعبد القبور ويعظمها، وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النص ينبغي أن يقال هو حرام كما قد قال به: بعض أهل العلم انتهى كلام القرطبي ﵀. وقال الشيخ سالم السنهوري: في كتابه تيسير الملك الجليل شرح مختصر خليل قال بعض: لا شك أن المعلاة والشبيكة من مقابر المسلمين المسبلة، المرصدة لدفن الموتى بمكة المشرفة وأما البناء بهما لا يجوز ويجب هدمه يدل له قول الشافعي: رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بنى بها، قال في المداخل: وقد جعل عمر ﵁ القرافة بمصر لدفن موتى المسلمين واستمر الأمر على ذلك وأن البناء بها ممنوع وان

стр. 185

السلطان الظاهر أمر باستفتاء العلماء في زمانه في هدم ما بها من البناء فاتفقوا على لسان واحد يجب على ولي الأمر هدمه وأن يكلف أصحابه رمي ترابها في الكمارة، ولم يختلف في ذلك أحد منهم، ثم إن الظاهر سافر إلى الشام فلم يرجع انتهى، قال بعض ولم أحداً من المالكية أباح البناء حول القبور في مقابر المسلمين سواء كان الميت صالحاً، أو عالماً أو شريفاً أو سلطاناً أو غير ذلك. وفي جواب ابن رشد عن سؤال القاضي له عن ذلك أما ما بني في مقبرة المسلمين ووقف، فإن وقفه باطل وأنقاضه باقية على ملك ربها إن كان حياً أو كان له ورثة، ويؤمر هو ووارثه بنقلها عن مقابر المسلمين، وإن لم يكن له وارث استأجر القاضي على نقلها منها وصرف الباقي في مصاريف بيت المال، ولا يؤخذ جواز البناء على القبور من قول الحاكم في مستدركه عقب مصاريف بيت المال، ولا يؤخذ جواز البناء على القبور عليه ليس العمل عليها فإن أئمة المسلمين شرقاً وغرباً مكتوب على قبورهم، وأخذه الخلف عن السلف فيكون إجماعاً مستنداً إلى حديث آخر كخبر "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ولا من وقل ابن قداح في مسائله: لا يجوز البناء على القبر وهل يكتب عليه أولا؟ لم يرد في ذلك عن السلف الصالح شيء ولكن إن وقع وعمل على قبر رجل من أهل الخير فخفيف لأن كلام الحاكم وابن قداح خاص بالكتابة لا يتعداها إلى البناء. وقال ابن رشد كره مالك البناء على القبر وجعل البلاطة المكتوبة وهي من بدع أهل الطول وأحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسمعة وهو مما لا اختلاف فيه , انتهى. فتأمل كلام الحنفية في ذكر كراهة البناء على القبور والمراد بالكراهة كراهة التحريم التي هي مقابلة ترك الواجب، وقد ذكروا من قواعدهم أن الكراهة حيث أطلقت فالمراد منها التحريم، وممن نبه على ذلك ابن نجيم في البحر وغيره حيث قال كلام السهنوري ﵀. وأما كلام الحنفية فقال الزيلعي في شرحه: على الكنز عند قول الماتن ويسنم القبر ولا يربع ولا يجصص، لما روى البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر رسول الله ﷺ مسنماً، وقال إبراهيم النخعي: أخبرني بعض من رأى قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر مسنمة، وسنم محمد بن الحنفية قبر ابن عباس، ويسنم قدر شبر وقيل أربعة أصابع، ولا بأس برش الماء عليه حفاظاً لترابه عن الاندراس. وعن أبي يوسف أنه كرهه لأنه يجري مجرى التطيين، ويكره أن يبني على القبر، وفي الخلاصة ولا يجصص القبر ولا يطين، ولا يرفع عليه بناء، وذكر أيضاً قاضي خان في فتاويه أنه لا يجصص القبر ولا يبنى عليه لما روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن التجصيص والتقصيص وعن البناء فوق القبر قالوا أراد بالبناء السفط الذي يجعل في ديارنا، وقال ابن الهمام في فتح القدير قال أبو حنيفة حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي ﷺ أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها، وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن حماد ابن أبي سليمان

стр. 186

عن إبراهيم قال أخبرني من رأى قبر رسول الله ﷺ وقبر أبي بكر وعمر فانتزه من الأرض وعليها فلق أبيض من مدر. فتأمل كلام الحنفية في ذكر كراهة البناء على القبور والمراد بالكراهة كراهة التحريم التي هي في مقابلة ترك الواجب، وقد ذكروا من قواعدهم أن الكراهة حيث أطلقت فالمراد منها التحريم، ومن نبه على ذلك ابن نجيم في البحر وغيره حيث قال وأفاد صحة إطلاق الحرمة على المكروه تحريماً، وتأمل كلام الزيلعي وما ذكره من الخلاف بين الأصحاب هل يسنم قدر شبر أو قدر أربع أصابع وذكر عن أبي يوسف أنه كره رش القبر بالماء لأنه يجري مجرى التطيين، وهل هذا منهم ﵏ إلا اتباع ما عليه السلف الصالح؟ من ترك تعظيم القبور التي هي من أعظم الوسائل إلى الشرك. فتأمل رحمك الله كلام العلماء من أهل المذاهب الذين نقلنا عنهم، والموجود في كلام غيرهم يوافق ذلك ولا يخالفه، وكلامهم صريح في النهي عن البناء على القبور، لكن هل هو تحريم أو تنزيه اختلفوا في ذلك فبعضهم قال: هو حرام مطلقاً إتباعاً للنص ولم يفرق بين ملكه وغيره، وبعضهم صرح بالنهي مطلقاً، وجعل التحريم في البناء في المقبرة المسبلة، والقول بتحريمه في المسبلة هو قول الأئمة الأربعة وهذا صريح في إبطال ما ذكره القائل أن العلماء لم ينكروا ذلك فإذا كانوا مصرحين بالنهي عن ذلك في كتب أصحاب الأئمة الأربعة. فكيف يقال: لم ينهوا عن ذلك بل أقروهم وقد صرحوا بتحريمه، وجوب هدمه إذا بنى في مقابر المسلمين، ومع هذا فقد ضيقت المقابر بالقباب في كل مصر من الأمصار مع وجود النهي والإنكار، فظهر لك بهذا وتبين أنه ليس بناء هذه القباب وتعظيمها، وإسراجها بأمر من العلماء، ولا رضى منهم بذلك، بل هو بأمر الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وشربوا الخمر والمسكرات وأعرضوا عن سماع الآيات، وأقبلوا على سماع الأبيات، فهل يقول أحد: أن هؤلاء الذين تركوا المأمور وارتكبوا كل محظور قد أقرهم العلماء على ذلك ورضوا به ولم ينكروه. وهذا القائل الذي زعم أن بناء القباب جائز لأن العلماء لم ينكروه يقال له: هل وجد في زمانهم من ترك الصلاة ولا يؤدي الزكاة ويشرب الخمور ويجاهر بالفجور؟ فإن قال: لم يوجد فهذا مكابرة كمن ينكر الشمس بالهاجرة وإن قال: بل وجدت في سائر الأقطار وكثر في جميع الأعصار والأمصار، فيقال: هل أجازه العلماء ورضوا به، فإن كان وجود القباب يدل على رضاهم بها فهذا مثله، وكيف يقال: إن العلماء بذلك راضون وله فاعلون؟ وهذه كتبهم مشحونة بالنهي عن ذلك وتحريمه ويوجبون هدمه في المقابر المسبلة. وهذه المقابر المسبلة بالقباب في الحرمين ومصر والشام والعراق وبلاد

стр. 187

العجم وكتبهم تنهى عن ذلك وتحرمه وتوجب هدمه ولا يقول: أن العلماء لم ينكروه إلا من قصر في العلم باعه وقل نظره واطلاعه هذا مع أنا نقول كما قال: ﷺ : "خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"، فلو قدر أن المتأخرين فعلوا ذلك وحضروه وأقروه ولم ينكروه لم يكن قولهم: حجة ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ فما وافق هديه فهو مقبول وما خالفه فهو مردود كما ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وكل قول يخالف سنته فهو مردود على قائله، وما أحسن ما قال الشافعي رحمه صلى الله عليه وسلمإذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي الحائط وقال أيضاً: "أجمع الناس أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وصح عنه أنه قال: إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثاً ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب، وصح عنه أنه قال: لا قول لأحد مع سنة رسول الله ﷺ ، وهذا وان كان لسان الشافعي فهو لسان الجماعة كلهم. وابلغ من هذا كله قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فهذا دليل على أنه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله أصوله وفروعه إلى الله ورسوله لا إلى غير الله ورسوله، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ وهذا شرط ينتفي المشروط بانتفائه، فدل على أن من حكم غير الله ورسوله في موارد النزاع كان خارجاً عن مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر. وقد اتفق السلف والخلف على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته بعد وفاته قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي هذا الرد الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولي الأمر ورد ما تنازعتم فيه إلى الله والرسول خير لكم في معاشكم ومعادكم وهو سعادتكم في الدارين فهو خير لكم وأحسن عاقبة فدل على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلاً وآجلاً. وهذه قاعدة عظيمة مهمة يحتاج إليها كل أحد وطالب العلم إليها أحوج فانه في غالب الأحوال يرى نصوص أهل مذهبه قد خالفت نصوص غيرهم من أهل المذاهب فلا ينبغي له أن يهجم على كتب المذاهب، ويأخذ بعزائمها ورخصها بل الواجب عليه أن يطلب ما جاء في تلك المسائل عن الله ورسوله، ويعرض نصوص مذهبه ونصوص غيرهم من أهل المذاهب على ما جاء عن الله ورسوله فما وافقها قلبه وما خالفها رده على قائله كائناً من كان فيجعل ما جاء عن الله ورسوله هو المعيار ويدور معه حيث دار. وكثير من الناس أو أكثرهم نكس هذا الحكم على رأسه وجعلوا الحكم للكتب التي

стр. 188

صنفها المتأخرون ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ، بل صرح بعضهم في مصنفاته بأنه يجب على العامي أن يتمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه، وان خالف نص الكتاب أو السنة وهذا من أعظم حيل الشيطان، وحبائله التي صاد بها كثيراً ممن ينتسب إلى العلم والدين فنبذوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وأقبلوا على الكتب التي صنفها متأخروهم. وقالوا هم أعلم به، ثم لم يكتفوا بها، ولم يعملوا بما فيها بل أن وافق ما فيها أهواءهم قبلوه وعملوا به، وقالوا نص عليه في الكتاب الفلاني، وان خالف ما فيها أهواءهم لم يعبأوا بها، ولم يحتجوا بها بل ربما جعلوا حجتهم ما فعله اخوان الشياطين من الرعايا والسلاطين الذين بنوا القباب على القبور وارتكبوا كل محظور فزخرفوا القبور بالبناء وكسوها كما يكسى البيت الحرام وفعلوا عندها ما يفعله عباد الأصنام حتى آل الأمر إلى أن صار فعلهم هذا حجة تعارض بها النصوص، فيقول قائلهم هذا موجود في كل عصر ومصر من غير نكير فيكون اجماعاً هذا مع علمه بما نص عليه الفقهاء من النهي عن ذلك، وتحريمه خصوصاً البناء في المقابر المسبلة فانهم اتفقوا على تحريم البناء فيها. ثم لا يخفى ما في الحرمين الشريفين من القباب المبنية في المعلاة والبقيع ومقابر مصر كالقرافة وغيرها، ومقابر الشام وغيرها فهلا أنكر المتأخرون ما نهى عنه علماؤهم وحرموه، بل أعرضوا عن ذلك كأنهم لم يسمعوه، بل أعرضوا عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ وغلبت عليهم العادة التي نشئوا عليها ووجدوا أهلهم عليها، واحتجوا بالحجة القرشية ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ والحجة الفرعونية ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ وقبلهم ابراهيم لما قال لهم ﵇: ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . والمشركون في هذا الزمان يسلكون سبيلهم خذو القذة بالقذة لما أنكرنا عليهم الشرك بالله وتعظيم القبور، والبناء عليها، واسراجها ودعاءها، والدعاء عندها ولم يكن لهم حجة يحتجون بها إلا هذه الحجج التي حكى الله عن المشركين من قريش ومن قبلهم، فيقولون هذا قد وجد من ستمائة سنة فلم ينكر هذا عمل الناس في القديم والحديث هذا فلان قد نص على هذا في منسكه هذا صاحب البردة قد ذكره في بردته هذا فلان حضره فلم ينكره، وهذه الشبهة هي التي ملأت قلوبهم وأخذت أسماعهم وأبصارهم فلم يلتفتوا إلى غيرها، فإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون وهم مستكبرون. وغاية ما يحتج به أحدهم إذا قيل له انزل والجىء إلى المحاجة والمناظرة أن يقول القرآن لا يفسره إلا الصحابة كان ابن عباس لا يفسره إلا في الصحراء مخافة أن ينزل عليه العذاب، فإذا قيل له بيننا وبينكم تفاسير السلف كابن عباس قال لسنا أهلاً لذلك، بل فرضنا التقليد ومشائخنا أعلم منا بكتاب الله، فلو كان هذا شركاً لما ذكروه في مناسكهم وأشعارهم ثم ينشد من الأشعار ما تقشعر منه الجلود لما فيها من الشرك

стр. 189

بالواحد المعبود، ويقول هذا كلام العالم الفلاني في قصيدته وشرحها فلان وفلان وتداولها العلماء فلم ينكروا ذلك. وهذه الشبهة هي التي قامت بقلوبهم وتوارثوها عن آبائهم فهم لا يصغون إلا إليها ولا يعولون إلا عليها كأنهم لم يسمعوا بكتاب منزل ولا نبي مرسل، فلما فضحهم الله، وهتك أستارهم بها أقيم عليهم من أدلة الكتاب والسنة على ابطال الشرك، وكفر من فعله وإباحة دمه وماله، وأقيم عليهم من الأدلة ما لا يقدرون على دفعه لم يكن لهم حيلة إلا الجحود والإنكار، وقالوا نعم هذا الشرك بالله، ونشهد أنه باطل ولكن هذه القباب التي على القبور لا يقصدها إلا العوام والجهلة الطغام. فإذا قيل أفلا تنهون العوام عما يفعلونه من الإشراك، وتهدمون هذه البنايا التي على القبور قالوا هذا أمر الملوك فبسبب هذه الأمور غلب الشرك على أكثر النفوس لغلبة الجهل وقلة العلم حتى صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الهدى كلاماً حسناً يناسب ذكره في هذا الموضوع قال ﵀: لما ذكر غزوة الطائف وذكر فوائد القصة قال: ومنها أنه لا يجوز ابقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً فانها شعائر الكفر والشرك وهي من أعظم المنكرات، فلا يجوز الاقرار عليها بعد القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً، وطواغيت تعبد من دون الله تعالى، والاحجار التي تقصد بالتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، فلا يجوز ابقاء شيء منها على وجه الارض مع القدرة على ازالتها وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الاخرى وأعظم شركاً عندها وبها والله المستعان. فلم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق، وترزق وتميت، وتحيي، وانما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله اخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم خذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الاعلام واشتدت غربة الاسلام، وقل العلماء وغلبت السفهاء، وتفاقم الامر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين انتهى كلامه.

стр. 190

فصل: اتخاذ القبور أعيادا في الغالب ... (فصل) وأما قول القائل واتخاذها أعيادا في الغالب فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم يؤتى إليه من النواحي، وقد يحضر بعض العلماء ولا ينكر- فنقول – هذه

стр. 191

المسألة يظهر جوابها مما تقدم، فان الله قد أتم نعمته على خلقه برسالة محمد ﷺ ، وأنزل عليه الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وافترض على الخلق طاعته، وأخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وهو ﷺ أنصح الخلق للأمة كما أخبر الله عنه في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فدل أمته على كل خير يعلمه لهم، وحذر أمته عن شر ما يعلمه لهمن فكل عمل لم يشرعه فليس من الدين. والعبادات مبناها على الأمر الاتباع لا على الهوى والابتداع، وكل عمل ليس عليه أمره فهو رد كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وقال ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" فيقال لمن أجاز القبور أعياداً: هل هذا مما شرعه رسول الله ﷺ ورغب فيه أم هو مما نهى عنه وحذر من ﷺ وهل فعل ذلك خلفاؤه الراشدون، والذين أمرنا النبي ﷺ بلزوم سنتهم كما في حديث العرباض "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة" ومعلوم أن قبره ﷺ أشرف قبر على وجه الأرض فلو كان فضيلة لما أهملوه ومن له معرفة بالسنن والآثار يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك وحذر أمته وأن الصحابة لم يفعلوه وكذلك أتباعهم الذين اتبعوهم بإحسان لم يفعلوه بل نهوا عن ذلك وأنكروا على ما فعله. ونحن نذكر بعض ما ورد في ذلك عن النبي ﷺ من النهي عن اتخاذ قبره عيداً وهو سيد القبور فقبر غيره من باب الأولى والأحرى، قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حديث ما كنتم" وهذا اسناد جيد رواته كلهم ثقاة مشاهير، وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا جعفر بن ابراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن الحسين انه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال: الا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فان تسليمكم يبلغني أينما كنتم" رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته التي اختارها من الاحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وقال سعيد بن منصور في السنن: حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 192

"لا تتخذوا بيتي عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي حيث ما كنتم فان صلاتكم تبلغني" وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي ﷺ فقال: اذا دخلت المسجد فسلم ثم قال: ان رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً ولا تتخذوا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم ما أنتم ومن بالاندلس الا سواء " فهذان المسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما، وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده هذا لو لم يكن روى مسندا من وجوه غير هذا فكيف وقد تقدم مسندا. ووجه الدلالة منه ان قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الارض وقد نهى عن اتخاذه عيداً فقبر غيره أولى بالنهى كائناً من كان ثم أنه قرن ذلك بقوله: "ولا تتخذوا من بيوتكم قبوراً" أي لا تعطلوها من الصلاة فيها، والدعاء والقرآن فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيوت، ونهى عن تحري العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون، ثم انه عقب النهى عن اتخاذه عيداً بقوله: "وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" يشير بذلك إلى ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم فلا حاجة إلى اتخاذه عيداً. وقد حرف هذه الاحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك وشبها من اليهود بالتحريف فقال هذا أمر بملازمة قبره، والعكوف عنده واعتياد قصده، وانتيابه ونهى أن يجعل كالعيد الذي انما يكون من الحول إلى الحول، بل أقصدوه كل ساعة وكل وقت، وهذا مراغمة ومحادة ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ وقلب للحقائق، ونسبة الرسول ﷺ إلى التدليس، والتلبيس والتناقض. فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون، ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل اثماً وأخف عقوبة من تعاطي مثل ذلك في دنيه وسنته، وهكذا غيرت أديان الرسل ولولا أن الله أقام لدنيه أنصاراً وأعواناً يذبون عنه لجرى عليه ما جرى على الاديان قبله. ولو أراد رسول الله ﷺ ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الانبياء مساجد أو يلعن فاعل ذلك، فانه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها فكيف يأمر بملازمتها، والعكوف عندها، وأن يعتاد قصدها وانتيابها، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول، وكيف يسأل ربه ألا يجعل قبره وثناً يعبد وكيف يقول أعلم الخلق بذلك؟ ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشى أن يتخذ مسجدا وكيف يقول: "لا تجعلوا قبري عيداً وصلوا علي حيثما كنتم" وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك مافهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك والتحريف. وهذا أفضل التابعين من أهل بيته على بن الحسين ﵁ نهي ذلك

стр. 193

الرجل ان يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ واستدل عليه بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال، وكذلك عن الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر اذا لم يكن يريد المسجد، ورأى ان ذلك من اتخاذه عيداً، فانظر إلى هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدنية، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب نسبى وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم وكانوا له أضبط، والعيد اذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه للعبادة عنده أو لغير العبادة كما ان المسجد الحرام ومزدلفة، وعرفة جعلها الله عيداً مثابة للناس يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك، وكان المشركون لهم أمكنة ينتابونها للاجماع عندها فلما جاء الاسلام محا الله ذلك كله.

стр. 194

فصل: إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ... (فصل) واعلم أن في اتخاذ القبور أعياداً من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله وغيرة على التوحيد فمن ذلك الصلاة إليها، والطواف بها وتقبيلها، واستلامها وتعفير الخدود على ترابها، والاستغاثة باصحابها وسؤالهم الرزق، والنصر والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات، واغاثة اللفهات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الاصنام يسألونها أوثانهم، وهذا هو عين الشرك الأكبر الذي بعث الله ورسوله ﷺ ينهي عنه، ويقاتل أهله ومن مات عليه كان من أهل النار عياذا بالله من ذلك. وكان مبدأ هذا الداء العظيم في قوم نوح لما غلوا في الصالحين كما أخبر الله عنهم في كتابه حيث قال: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ قال ابن جرير: وكان من خبر هؤلاء ما حدثناه ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس، أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوماً صالحين. فهؤلاء جمعوا بين فتنتين فتنة القبر وفتنة التماثيل وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما النبي ﷺ لما ذكرت له أم سلمة كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: "أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" وهذا كان سبب عبادة اللات فروى ابن جرير بإسناده عن منصور عن مجاهد ة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: كان يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو الجوزاء

стр. 195

عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج، فقد رأيت أن سبب عبادة يغوث ويعوق ونسر واللات إنما كان سببه تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها تماثيل ثم عبدوها. قال أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور وهي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه إلى أقرب النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا تجد أهل الشرك كثيراً يتضرعون عندها ويخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها، والدعاء ما لا يرجون في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، وإن لم يقصد ما قصده المشركون سداً للذريعة. قال وأما إن قصد الرجل بالصلاة عند القبر تبركاً بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد، وبناء المساجد عليها. فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، بل نهى عن ذلك في نهاية حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك، قالت عائشة ﵂. قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبائهم مساجد" ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً" متفق عليه، وقولها خشي هو بضم الخاء المعجمة تعليلاً لمنع إبراز قبره، وأبلغ من هذا أنه نهى عن الصلاة إلى القبر فلا يكون القبر بين المصلي والقبلة وروى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ وهو باطل من عدة وجوه. منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة المنبوشة كما يقوله المعللون بالنجاسة ومنها: أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعاً أن هذا ليس لأجل النجاسة لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع وليس للنجاسة عليها طريق فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون. ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها. ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكاد الحشوش، والمجازر أولى من ذكر القبور.

стр. 196

ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المساجد مع تطيينها بطين طاهر وهذا باطل قطعاً، وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وفهم الرسول ﷺ مقاصده جزم جزماً لا يحتمل النقيض ان هذه المبالغة واللعن والنهي ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل الشرك فان هذا وأمثاله منه ﷺ صيانة لحمى التوحيد فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكاباً لنهيه. ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به، وما نهى عنه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضاداً للاخر مناقضاً له: فانه نهى عن الصلاة اليها وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله، ونهى أن ايقاد السرج عليها وهؤلاء يوقفون الوقوف على ايقاد القناديل عليها، ونهى أن تتخذا عيداً، وهؤلاء يتخذونها أعياداً، ومناسك يجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها وهؤلاء يرفعونها ويبنون عليها القباب، ونهى عن الكتاب عليها، وهؤلاء يكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها وهؤلاء يزيدون سوى التراب الآجر والاحجار والجص، فأهل الشرك مناقضون لما أمر به الرسول ﷺ في أهل القبور وفي ما نهى عنه محادون له في ذلك. فاذا نهى الموحدون عما نهى عنه رسول الله ﷺ من تعظيمها، والصلاة عندها واسراجها، والبناء عليها والدعاء عندها، وما هو أعظم من ذلك مثل بناء المساجد عليها، ودعائها وسؤالها قضاء الحاجات، واغاثة اللهفات غضب المشركون واشمأزت قلوبهم، وقالوا قد تنقص أهل الرتب العالية، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر وسرى ذلك في نفوس الجهال الطغام حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعطائم ونفروا الناس عن دين الاسلام، ووالوا أهل الشرك، وعظموهم ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .

стр. 197

فصل: قوله فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم يؤتى إليه من النواحي وقد يحضره بعض العلماء ولا ينكر ... (فصل) وأما قوله: فالكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم يؤتى اليه من النواحي وقد يحضر بعض العلماء فلا ينكر. فنقول أما قوله فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم فقد قدمنا الجواب عن ذلك، وبينا أن ذلك من اتخاذها أعياداً، وإنه مما نهى عنه رسول الله ﷺ فإن العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان، ومكان فالزمان كقوله ﷺ : "يوم عرفة وأيام النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام " رواه أبو داود وغيره، وأما المكان فكما روى أبو داود في سننه أن رجلاً قال يا رسول الله: أنى نذرت

стр. 198

أن انحر إبلا ببوابة فقال: " أبها وثن من أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم"؟ قال لا قال: "فأوف بنذرك" وكقوله: " لا تجعلوا قبري عيداً" فالعيد مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فاذا كان اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، واتيانه للعبادة ولغيرها، كما ان المسجد الحرام ومنى ومزدلفة، وعرفة والمشاعر جعلها الله عيداً للحنفاء كما جعل أيام التعبيد فيها عيداً فاتيان القبور في يوم معلوم من شهر معلوم والاجتماع لذلك بدعة لم يشرعها رسول الله، ولم يفعلها الصحابة، ولا التابعون لهم باحسان سواء كان ذلك في البلد أو خارجا عنه. وأما قوله: يؤتي إليه من النواحي. فنقول: وهذا أيضاً بدعة مزعومة لم يفعلها الصحابة ولا التابعون لهم بإحسان، وبين ذلك أن زيارة القبور نوعان: زيارة شرعية، وزيارة بدعية شركية فالزيارة الشرعية مقصودها ثلاثة أشياء: أحدهما تذكير الآخرة، والاتعاظ والاعتبار، والثاني: الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه، فإذا زاره وأهدى إليه هدية، من دعاء أو صدقة سر الميت بذلك كما يسر الحي من يزوره ويهدي له، ولهذا شرع النبي ﷺ للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة، والرحمة لوم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعوا بهم، ولا يصلي عندهم، والثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شرعه النبي ﷺ فيحسن إلى نفسه وإلى المزور. وأما الزيارة البدعية الشركية: فأصلها مأخوذ من عبادة الأصنام، وهو أن يقصد قبر صالح في الصلاة عنده أو الدعاء عنده به أو طلب الحوائج منه، والاستغاثة به ونحو ذلك من البدعة التي لم يشعها رسول الله ﷺ ولا فعلها أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم بإحسان كما تقدم بيانه مبسوطاً. ثم أعلم أن الشرعية هي التي لا تشد الرحال فإن كانت بشد رحل فهي زيارة بدعية لم يأمر بها رسول الله ﷺ ولا فعلها الصحابة، بل قد نهى عنها رسول الله ﷺ في الصحيحين أنه قال: "لا تشد الرحال إلا ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد المسجد الأقصى ومسجدي هذا" وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر رجل أن يصلي في المسجد ويعتكف فيه أو يسافر إليه لم يجب عليه في ذلك باتفاق الأئمة، حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قبا لأنه ليس من الثلاثة مع أن مسجد قبا تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الصحيح "من تطهر في بيته ثم أتى قبا لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة". قالوا: ولأن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين لم يفعلها أحد من الصحابة التابعين، ولا أمر بها رسول ﷺ ، ولا استحسنها أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة، وإنما اختلف العلماء اتباع الأئمة في الجواز بعد اتفاقهم على أنه ليس مشروعاً ولا مستحباً فالمتقدمون منهم قالوا:

стр. 199

لا يجوز السفر اليها ولا تقصر الصلاة في هذا السفر لأنه معصية وهذا قول: أبى عبد الله بن بطه وأبى الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرة، وذهب طائفة من المتأخرين أصحاب أحمد والشافعي إلى جواز السفر إليها كأبي حامد الغزالي وابن عبدوس وأبي محمد المقدسي وأجابوا عن حديث "لا تشد الرحال" بأنه لنفي الاستحباب والفضيلة ورد عليهم الجمهور من وجهين: أحدهما: أن هذا تسليم منهم أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قرية ولا طاعة، ومن اعتقد أن السفر لزيارة القبور قربة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لاعتقاده أنه طاعة فإن ذلك محرم بإجماع المسلمين فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك، وأما إذا قصد بشد الرحل غرضاً من الأغراض المباحة فهذا جائز. الوجه الثاني: أن النفي يقضي النهي والنهي يقتضي التحريم، والأحاديث التي تذكر في زيارة قبر النبي ﷺ حديث صحيح ولا حسن، ولا روى أهل السنن المعروفة كسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والترمذي في ذلك شيئاً، بل ولا أهل المسانيد المعروفة كمسند أحمد، وأبي داود الطيالسي وعبد بن حميد وغيرهم، ولا أهل المصنفات المعروفة كموطأ مالك وغيره، بل لما سئل الإمام أحمد وغيره وهو أعلم الناس في زمانه بالسنة عن هذه المسألة لم يكن عنده ما يعتمد عليه إلا حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله على روحي حتى أرد ﵇" وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه، وكذلك مالك في الموطأ روى عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبة ثم ينصرف. واتفقت الأمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره، وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأظنه منصوصاً عنه، قال أبو حنيفة: يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه، وقال مالك لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ويدعو، ولكن يسلم ويمضي ومن رخص منهم في الدعاء عند قبره ﷺ فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء أن يدعوا مستقبل القبلة، أما مستدبر القبر، وأما منحرفاً عنه، وهو أن يستقبل القبلة ويدعو ولا يدعو مستقبل القبر، وهكذا المنقول عن سائر الأئمة، ليس فيهم من استحب للمرء أن يستقبل القبر أعني قبر النبي ﷺ فكيف بغيره؟ ولم يكن على عهد النبي ﷺ ولا في عصر الصحابة والتابعين مشهد يقصد بالزيارة لا في الحجاز، ولا في الشام، ولا اليمن ولا العراق، ولا خرسان ولا مصر، بعدما فتح الله هذه البلاد وصارت بلاد إسلام، وإنما حدث فيها بعد

стр. 200

انقراض عصر السلف، فصار يوجد في كلام بعض الناس فلان ترجى الإجابة عند قبره وفلان يدعي عند قبره، وبعضهم يقول قبر فلان الترياق، المجرب ونحو ذلك، مما لم يكن معروفاً في عهد الصحابة والتابعين، وقائل هذا أحسن أحواله أن يكون مجتهداً في هذه المسألة أو مقلداً فيعفو الله عنه، أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا، بل يقال هذه زلة فلا يجوز تقليده فيها إذا عرف أنها زلة لأنه اتباع للخطأ على عمد، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر من العارف وكلاهما مفرط فيما أمر به وقال الشعبي قال عمر ﵁ يفسد الزمان ثلاثة أئمة مضلون وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق وزلة العالم وقال معاذ ﵁ احذروا زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق، وقال اجتبوا من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله يراجع وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً. واعلم رحمك الله أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفرة والزلة وهو فيها معذور بل مأجور لاجتهاد، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن يهدر مكانه وإمامته منزلته من قلوب المسلمين، قال مجاهد والحكم ومالك وغيرهما: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، وقدر روى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة: قال وما هي يا رسول الله قال "أخاف عليهم من زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق وعلى الحق منار كأعلام الطريق". ويكفي اللبيب في هذا ما قصه الله في كتابه عن بني إسرائيل مع صلاحهم، وعلمهم أنهم بعدما فلق لهم البحر، وأنجاهم من عدوهم أتوا نبيهم ﷺ قائلين اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وكذلك ما رواه الترمذي وغيره أن أناساً من الصحابة في غزوة حنين أتوا النبي ﷺ حين مروا بسدرة للمشركين يعكفون عندها وينوطون بها يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتركبن سنن من كان قبلكم". فإذا كان قد خفي عليهم مع صلاحهم ووضوحه وبيانه وقبلهم قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم وقد اختارهم الله على عالمي زمانهم وخفي عليهم هذا وقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فهذا يفيد أن المسلم، بل العالم قد يقع في أشياء من الشرك، وهو لا يدري فيفيد الحرص بذل الجهد في البحث عما جاء عن الله ورسوله، ولا يقلد دينه الرجال فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا وأبى الله أن يصح إلا كتابه وأن يعصم إلا رسوله ﷺ .

стр. 201

وإذا اشتبه عليه الحق في هذا الباب أو غيره، فليدع بما رواه في صحيحه عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا قام من الليل: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام علم الهداة الأعلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام بن عبد الوهاب أجزل الله لهم الثواب وأدخلهم الجنة بغير حساب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي قال الله خطاباً له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأصحابه ومن أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. أما بعد فإني وقفت على جواب للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين وقد سئل عن أبيات من البردة وما فيها من الغلو والشرك العظيم المضاهي لشرك النصارى ونحوهم ممن صرف خصائص الربوبية والألوهية لغير الله كما هو صريح الأبيات المذكورة، ولا يخفى على من عرف دين الإسلام أنه الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه وأن الجنة عليه حرام، وذكر الشيخ في جوابه أن الأبيات المذكورة تضمنت الشرك وصرف خصائص الربوبية والألوهية لغير الله، فأعترض عليه جاهل ضال فقال مبرئا لصاحب الأبيات من ذلك الشرك بقوله حماه الله من ذلك، ويكفيه في نفي هذه الشفاعة قوله أول المنظومة. دع ما ادعته النصارى في نبيهم. البيت المطابق لقول النبي ﷺ "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم". الجواب: إن هذه التبرئة إنما نشأت عن الجهل وفساد التصور فلو عرف الناظم وهذا المعترض ومن سلك سبيلهم حق الله على عباده وما اختص به من ربوبيته وألوهيته وعرفوا معنى كلام الله وكلام رسوله ﷺ لما قالوا هم وأمثالهم ممن جهل التوحيد كما قال تعالى في حق من هذا وصفه: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ فالجهل بما بعث الله به رسله قد عم كثيراً من

стр. 202

هذه الأمة فظهر فيها ما أخبر به النبي ﷺ بقوله "لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال (فمن) ونحو ذلك من الأحاديث. وقوله ويكفيك في نفي هذه الشفاعة قوله أول المنظومة: دع ما ادعته النصارى في نبيهم -البيت. الجواب: إن هذا يزيده شناعة ومقتاً لأن هذا تناقض بين وبرهان أنه لا يعلم ما يقول فلقد وقع فيما وقعت فيه النصارى من الغلو العظيم الذي نهى عنه ورسوله، ولعن النبي ﷺ من فعله أو فعل ما يوصل إليه بقوله: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" وقوله لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت: قال: "أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده" وقال: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله " فلقد حذر أمته وأنذرهم عن الشرك ووسائله، وما دق منه وجل، ودعا الناس إلى التوحيد ونهاهم عن الشرك، وجاهدهم على ذلك حتى أزل الله به الشرك والأوثان من جميع الجزيرة وما حولها من نواحي الشام واليمن وغير ذلك. وقد بعث السرايا في هدم الأوثان وإزالتها كما هو مذكور في كتب الحديث، والتفسير والسير كما في حديث أبي الهياج الأسدي الذي في الصحيح قال قال علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته، وقد بعثه النبي ﷺ يوم الفتح لهدم مناة، وبعث خالد بن الوليد يومئذ لهدم العزى، وقطع السمرات التي كانت تعبدها قريش وهذيل، وبعث المغيرة بن شعبة لهم اللات فهدمها وأزال من جزيرة العرب وما حولها جميع الأصنام والأوثان التي كانت تعبد من دون الله، والصحابة ﵃ تعاهدوا هذا الأمر واعتنوا به بإزالته أعظم الاعتناء بعد وفاة رسول الله ﷺ . وقد أخبر النبي ﷺ بما يقع في أمته من الاختلاف كما في حديث العرباض بن سارية قال: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً" الحديث، فوقع ما أخبر به ﷺ وعظم الاختلاف في أصل الدين بعد القرون المفضلة كما هو معلوم عند العلماء، ولو أخذنا نذكر ذلك أو بعضه لخرج بنا عن المقصود من الاختصار، فانظر إلى ما وقع اليوم من البناء على القبور، والمشاهد وعبادتها، فلقد عمت هذه البلية في كثير من البلاد، ووقع ما وقع من الشرك وسوء الاعتقاد في أناس ينسبون إلى العلم، قال سليمان التيمي لو أخذت بزلة كل عالم لاجتمع فيك الشر كله، فإنا لله وإنا غليه راجعون.

стр. 203

وقوله المطابق لقول النبي ﷺ "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم". أقول لا ريب أن المطابقة وقعت منه ولا بد، لكنها في النهي عنه لا في المنهى، فالذي نهى عنه النبي ﷺ من الإطراء طابقته الأبيات من قوله: يا أكرم الخلق مالي من الوذ به ... سواك ... إلى آخرها فقد تضمنت غاية الإطراء والغلو الذي وقعت فيه النصارى وأمثالهم، فإنه قصر خصائص الالهية والربوبية التي قصرها الله على نفسه، وقصرها عليه رسول الله ﷺ فصرفها لغير الله، فإن الدعاء مخ العبادة واللياذ من أنواع العبادة، وقد جمع في أبياته الاستعانة والاستغاثة بغير الله، والالتجاء والرغبة إلى غير الله، فإن غاية ما يقع من المستغيث والمستعين والراغب إنما هو الدعاء واللياذ بالقلب واللسان، وهذه هي أنواع العبادة التي ذكرها الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه وشكرها لمن قصرها على الله ووعده على ذلك الإجابة والإثابة كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ الآية فهذا هو الدين الذي بعث الل به نبيه محمداً ﷺ ، وأمره أن يقول لهم: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (الجن:٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ إلى آخر الآيات وهذا هو توحيد الربوبية فوحد الله في الهيتة وربوبيته وبين للأمة ذلك كما أمره الله تعالى وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (الشرح:٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أمره بقصر الرغبة على به تعالى وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ . ونهى عن الاستعاذة بغيره بقوله تعالى عن مؤمن الجن ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ واحتج الإمام أحمد ﵀ وغيره على القائلين بخلق القرآن بحديث خولة بنت حكيم مرفوعاً "من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" الحديث على أن القرآن غير مخلوق، إذ لو كان مخلوقاً لما جاز أن يستعاذ بمخلوق لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وأمثال ذلك من القرآن والحديث كثير يظهر بالتدبر. وأما قول المعترض أن النصارى يقولون: أن المسيح ابن الله نعم قاله طائفة، وطائفة قالوا: هو الله والطائفة الثالثة قالوا هو ثالث ثلاثة، وبهذه الطرق الثلاثة عبدوا المسيح ﵇ فأنكر الله عليهم تلك الأقوال في المسيح، وأنكر عليهم ما فعلوه من الشرك كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

стр. 204

فأنكر عليهم عبادتهم للمسيح والأحبار والرهبان، وأما المسيح فعبادتهم له بالتأله وصرف خصائص الالهية له من دون الله كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ فأخبر أن الالهية وهي العبادة حق الله لا يشركه فيها أولوا العزم ولا غيرهم يبين ذلك قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ . وأما عبادتهم للأحبار فإنهم أطاعوهم فيما حللوه لهم من الحرام وتحريم ما حرموه عليهم من الحلال، ولما قدم عدي بن حاتم ﵁ على النبي ﷺ بعد فراره من الشام، وكان قبل مقدمه على النبي ﷺ نصرانياً فلما قدم على النبي ﷺ تلا عليه هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال يا رسول الله لسنا نعبدهم فقال النبي ﷺ : "أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه" قال: بلى "قال: فتلك عبادتهم" ففيه بيان أن من أشرك مع الله غيره في عبادته وأطاع غير الله في معصيته فقد اتخذه رباً ومعبوداً وهذا بين بحمد الله. فلو تأمل هذا الجاهل المعترض قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ لعلم أن الله تعالى قد أنكر على النصارى قولهم، وفعلهم وعلى كل من عبد معه غيره بأي نوع كان من أنواع العبادة، لكن هذا وأمثاله كرهوا التوحيد، وألفوا الشرك وأحبوه، وأحبوا أهله فترامى بهم هذا الداء العضال إلى ما ترى من التخليط والضلال والاستغناء بالجهل ووساوس الشيطان " فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". ولا شفاء لهذا الداء العظيم إلا بالتجرد عن الهوى والعصبية، والإقبال على تدبر الآيات المحكمات في بيان التوحيد الذي بعث الله به المرسلين كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أمره تعالى أن يدعو أهل الكتاب إلى أن يخلصوا العبادة لله وحده، ولا يشركوا فيها أحد من خلقه، فإنهم كانوا يعبدون أنبياءهم كالمسيح بن مريم، ويعبدون أحبارهم ورهبانهم. وتأمل قوله: ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ وهذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ إلى جميع من أرسل إليه كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ وقوله: ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ تعم كل شرك دق أو جل كثر أو قل، قال العماد بن كثير في تفسيره هذا الخطاب مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم وقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ لا وثناً ولا صنماً، ولا صليباً ولا طاغوتاً، ولا ناراً، ولا شيئاً، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، قلت وهذا هو معنى لا إله إلا الله، ثم

стр. 205

قال وهذه دعوة جميع الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ انتهى المقصود. وقال ﵀: في تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية قال محمد بن إسحق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام أتريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى بن مريم فقال رجل من أهل نجران يقال له الرئيس: أو ذاك منا يا محمد وإليه تدعونا أو كما قال فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله، وما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني" أو كما قال ﷺ : فأنزل الله في ذلك ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس اعبدوني من دون الله أي مع الله. وإذا كان هذا لا يصح لنبي ولا مرسل فلأن لا يصح لأحد من الناس بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري لا ينبغي هذا للمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، وذلك أن القوم كان يفسد بعضهم بعضاً يعني أهل الكتاب وقوله ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ -بعبادة أحد غير الله لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي لا يفعل ذلك، لأن من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر والأنبياء، إنما يأمرونكم بالإيمان وعبادة الله وحد لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال في حق الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ انتهى وهو في غاية الوضوح، وبيان التوحيد وخصائص الربوبية، والالهية ونظائر هذه الآيات كثيرة في القرآن وفي السنة من الأحاديث كذلك. فإذا كان من المستحيل عقلاً وشرعاً على رسول الله ﷺ هو وجميع الأنبياء والمرسلين أن يأمروا أحداً بعبادتهم فكيف جاز في عقول هؤلاء الجهلة أن يقبلوا قول صاحب البردة. يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم وقد أخلص الدعاء الذي هو مخ العبادة، واللياذ الذي هو من أنواع العبادة، وتضمن إخلاص الرغبة والاستكانة والاستغاثة، والالتجاء إلى غير الله وهذه هي معظم العبادة كما أشير إلى ذلك كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ

стр. 206

دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وعن أنس ﵁ مرفوعاً "الدعاء مخ العبادة" رواه الترمذي وقوله: إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم المنافي لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ وقوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ الآية وفي الحديث الصحيح قال لأبنته فاطمة وأحب الناس إليه: "يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك الله من شيء" فتأمل ما بين هذا وبين قول الناظم من التضاد والتباين، ثم المصادمة منه لما ذكره اله تعالى وذكره رسول الله ﷺ كقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ، وتأمل ما ذكره العلماء في سبب نزول هذه الآية وأمثال هذا الآية كثير لم ينسخ حكمها ولم يغير، ومن دواعي ذلك فقد افترى على الله كذباً وأضل الناس بغير علم كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ، وبهذا يعلم أن الناظم قد زلت قدمه اللهم إلا أن يكون قد تاب وأناب قبل الوفاة والله أعلم. وأما قوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها. فمن المعلوم أن الجواد لا يجود إلا بما يملكه، فمقتضى ذلك أن الدنيا والآخرة ليست لله لغيره، وأن أهل الجنة من الأولين والآخرين لم يدخلهم الجنة الرب الذي خلقها لهم، بل أدخلهموها غيره ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وفي الحديث الصحيح "لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله" قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني اله برحمته" وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ فلا شريك لله في ملكه كما لا شريك له في ألهيته، وربوبيته، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً. وقوله: ومن علومك علم اللوح والقلم: وهذا أيضاً كالذي قبله لا يجوز أن يقال: إلا في حق الله تعالى: الذي أحاط علمه بكل شيء كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وقوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ وقال

стр. 207

تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة تفوت الحصر، وكل هذه الأمور من خصائص الربوبية والالوهية التي بعث الله رسله وأنزل كتبه لبيانها واختصاصها لله سبحانه دون كل من سواه، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ كقوله في آية الكرسي: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ فقد أطلع من شاء من أنبيائه ورسله على ما شاء من الغيب بوحيه اليهم، فمن ذلك ما جرى من الأمم السالفة وما جرى عليهم كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ وكذلك ما تضمنه الكتاب والسنة من أخبار المعاد والجنة والنار ونحو ذلك أطلع الله عليه رسوله والمؤمنون عرفوه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وآمنوا به وأما احاطة العلم بالمعلومات كلياتها وجزئياتها، وما كان منها وما لم يكن فذاك إلى الله وحده لا يضاف إلى غيره من خلقه، فمن ادعى ذلك لغير الله فقد أعظم الفرية على الله، وعلى رسوله ﷺ فما أجرأ هذا القاتل على الله في سلب حقه وما أعداه لرسول الله ﷺ ولمن تولاه من المؤمنين ﷺ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وذكر قول عمر بن الخطاب ﵁ إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، فمن لا يعرف والشرك وما عابه القرآن وذمة وقع فيه، وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف انه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره، أو شر منه أو دونه فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والبدعة سنة، والسنة بدعة ويكفر الرجل بمحض الايمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ، ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عياناً والله المستعان انتهى. قلت وقد رأينا ذلك والله عياناً من هؤلاء الجهلة الذين ابتلينا بهم في هذه الأزمنة اشربت قلوبهم بالشرك والبدع واستحسنوا ذلك، وأنكروا التوحيد والسنة، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فضلوا وأضلوا. وأما قول الناظم: فإن لي ذمة منه بتسميتي محمداً ... ............... البيت فهذه من جهله إذ من المعلوم عند من له أدنى مسكة من عقل أن الاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين، واتباع السنة فأولياء الرسول ﷺ أتباعه على دينه، والعمل بسنته، كما دل على ذلك الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي

стр. 208

وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ (لأعراف:١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . وتأمل قصة أبي طالب عم النبي ﷺ وقد كان يحوطه ويحميه وينصره ويجمع القبائل على نصرته ﷺ ، وحمايته من أعدائه، وقد قال في حق النبي ﷺ : لقد علمو أن أبننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول إلا باطل حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل ولما لم يتبرأ من دين أبيه عبد المطلب ومات على ذلك، وقال النبي ﷺ : "لاستفغرن لك ما لم أنه عنك" أنزل الله سبحانه ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ فلا وسيلة للعبد لنيل شفاعة النبي ﷺ إلى بالإيمان به وبما جاء به من توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، ومحبته واتباعه، وتعظيم أمره ونهيه والدعوة إلى ما بعث به من دين الله والنهي عما نهى عنه من الشرك والبدع، وما لا فلا، فعكس الملحدون الأمر فطلبوا الشفاعة الذي بعث الله رسوله ﷺ بالنهي عنه وإنكاره، وقتال أهله، وإحلال دمائهم وأموالهم، وأضافوا إلى ذلك إنكار التوحيد، وعداوة من قام به واقتفى أثر النبي ﷺ كما تقدم في كلام شيخ الإسلام ﵀ من قوله: ويكفر الرجل بمحض الايمان وتجريد التوحيد إلى آخر كلامه. وأما قول الناظم: ولن يضيق رسول الله جاهك بي البيت فهذا هو الذي ذكر الله عن المشركين من اتخاذ الشفعاء ليشفعوا لهم، ويقربوهم إلى الله زلفى قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (الزمر:٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ فهذا هو دين الله الذي لا يقبل الله من أحدا دينا سواه، ثم ذكر بعد ذلك دين المشركين فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ . فتأمل قول الله تعالى كفرهم بقولهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال آخر هذه السورة ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (الزمر:٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ قلت وقد وقع من هؤلاء من اتخاذهم شفعاء بدعائهم وطلبهم ورغبتهم والالتجاء إليهم وهم أموات غافلون عنهم لا يقدرون ولا يسمعون لما طلبوا منهم وأرادوه. وقد أخبر تعالى (أن الشفاعة ملكه لا ينالها من أشرك به غيره وهو الذي له ملك

стр. 209

السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فعاملهم الله بنقيض قصدهم من جميع الوجوه، وأسجل عليهم بالضلال، ولهذه الآية نظائر كثيرة كقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ فبين أن دعوتهم غير الله شرك باللهن وأن المدعو غيره لا يملك شيئاً، وأنه لا يسمع دعاء الداعي ولا يستجيب له، وأن المدعو ينكر ذلك الشرك ويتبرأ منه ومن صاحبه يوم القيامة، فمن تأمل هذه الآيات انزاحت عنه وتوفيق اله وفتحه جميع الشبهات. ومما يشبه هذه الآية في حرمان من أنزل حوائجه بغير الله، واتخذه شفيعاً من دون الله بتوجيه قلبه وقالبه إليه واعتماده في حصول الشفاعة عليه كما قد تضمنه بيت الناظم قول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فأنظر كيف حرمهم الشفاعة لما طلبوها من غير الله؟ وأخبر كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ فهذه الشفاعة المنفية هي التي فيها الشرك. وأما الشفاعة التي أثبتها القرآن فإنما ثبتت بقيدين عظيمين إذن الرب تعالى للشفيع، ورضاه عن المشفوع له، وهو لا يرضى من الاديان الستة المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الآية الا الإيمان الذي أصله وأساسه التوحيد، والإخلاص كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ .. إلى قوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ لما ذكر شفاعته قال: "وهي نائلة ان شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً" وقال أبو هريرة: "من أحق الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "من قال لا اله الا الله خالصاًمن قلبه" قال شيخ الاسلام في هذا الحديث: "فتلك الشفاعة لأهل الاخلاص باذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله". وقد كشفنا بحمد الله بهذه الآيات المحكمات تلبيس هذا المعترض الملبس ولجاجه وافتراءه على الله ورسوله، فان دعوة غير الله ضلال وشرك ينافي التوحيد، وان اتخاذ الشفعاء انما هو بدعائهم والالتجاء اليهم وسؤالهم أن يشفعوا للداعي، وقد نهى الله عن ذلك، وبين أن الشفاعة له فاذا كانت له وحده فلا تطلب الا ممن هي

стр. 210

ملكه فيقول اللهم شفع نبيك في لأنه تعالى هو الذي أذن للشفيع يرضى دينه وهو الاخلاص كما تقدم بيانه. وأما قول المعترض ان المعتزلة احتجوا بالآيات التي فيها نفي الشفاعة على أنها لا تقع لأهل الكبائر من الموحدين. فأقول لا ريب أن قولهم هذا: بدعة وضلالة، وأنت أيها المجادل في آيات الله بغير سلطان مع المعتزلة في طرفي نقيض تقول: ان الشفاعة تثبت لمن طلبها، وسألها من الشفيع فجعلت طلبها موجباً لحصولها، والقرآن قد نفى ذلك وأبطله في مواضع كثيرة بحمد الله، والحق انها لا تقع الا لمن طلبها من الله وحده، ورغب اليه فيها، واخلص له العبادة بجميع أنواعها، فهذا هو الذي تقع له الشفاعة قبل دخول النار أو بعده ان دخلها بذنوبه، فهذا هو الذي يأذن الله للشفعاء أن يشفعوا له بما معه من الاخلاض كما صرحت بذلك الاحاديث والله أعلم، وقد قدمنا ما دل عليه الكتاب والسنة أن ما في القرآن من ذكر الشفاعة نفياً واثباتاً فحق لا اختلاف فيه بين أهل الحق، فالشفاعة المنفية انما هي في حق المشرك الذي اتخذ له شفيعاً يطلب الشفاعة منه فيرغب إليه في حصولها كما في البيت المتقدم، وهو كفر كما صرح به القرآن، وأما الشفاعة التي أثبتها الكتاب والسنة فقد ثبتت للمذنبين الموحدين المخلصين، وهذا هو الذي تظاهرت عليه النصوص واعتقده أهل السنة والجماعة ودانوا به. والحديث الذي أشار اليه المعترض من قوله "أنا لها أنا لها" لا ينافي ما تقرر، وذلك أن الناس في موقف القيامة اذا فزعوا إلى الرسل ليشفعوا لهم إلى الله في اراحتهم من كرب ذلك المقام بالحساب وكل نبي ذكر عذره قال النبي ﷺ في الحديث: "فيأتون فأخر بين يدي الله ساجداً" أو كما قال " فأحمده بمحامد يفتحها علي ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واسأل تعطه واشفع تشفع قال فيحد لي حداً فادخلهم الجنة" فتأمل كون هذه الشفاعة لم تقع الا بعد السجود لله ودعائه وحمده والثناء عليه بما هو أهله، وقوله "فيحد لي حداً" فيه بيان ان الله هو الذي يحد له، وهذا الذي يقع من الناس يوم القيامة مع الرسل هو من باب سؤال الحي الحاضر والتوسل إلى الله بدعائه، كما كان الصحابة ﵃ يسألون رسول الله ﷺ في حياته أن يدعو لهم إذا نابهم شيء كما في حديث الاستسقاء وغيره. ولما توفي رسول الله ﷺ لم يكونوا يفعلون عند قبره شيئاً من ذلك البتة ففرق أصحاب رسول الله وهم أعلم الأمة وأفضلها بين حالتي الحياة والممات وكانوا يصلون على النبي ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه وفي الصلوات والخطب وعند ذكره امتثالاً لقوله ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني أينما كنتم" ولما أراد عمر ﵁ أن يستسقي بالناس أخرج معه العباس بن عبد المطلب ﵁ فقال: اللهم انا كنا إذا أجدبنا توسلنا اليك بنبينا فتسقينا وأنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا

стр. 211

فيدعو، فلو جاز أن يتوسل عمر والصحابة بذات النبي ﷺ بعد وفاته لما صلح منهم أن يعدلوا عن النبي ﷺ إلى العباس، فلما عدلوا عنه إلى العباس علم أن التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته لا يجوز في دينهم، وصار هذا إجماعاً منهم. قال العلامة ابن القيم ﵀: وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك فقال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة لا ينبغي لأحد أن يدعو الله به وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، قال أبو الحسن أما المسألة بغير الله فتكره في قولهم لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه، وقال ابن بلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله إلا به فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك لأنه لا حق لمخلوق على الخالق، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه: أكره كذا عند محمد حرام وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب. فإذا قرر الشيطان عنده أن الاقسام على الله به والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه وانجع لقضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعاءه نفسه من دون الله ثم ينقله بعد درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثناً يعكف عليه، ويوقد عليه القناديل ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد ويعبده في السجود له، والطواف به وتقبيله واستلامه والحج إليه والذبح عنده ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس لعبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم. قال شيخنا قدس الله روحه وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس، قال وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه، ويتمثل لهم الشيطان أحياناً، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، ثم ذكر المرتبة الثانية وهي أن يسأل الله به وقال: هو بدعة باتفاق المسلمين، والثالثة أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فهذا أيضاً من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة وما علمت في ذلك نزاعاً بين أئمة الدين وإن كان كثير من الناس يفعل ذلك انتهى. ففرض على كل أحد أن يعلم ما أمر الله به ورسوله من إخلاص العبادة لله وحده فإنه الدين الذي بعثه به، وأن يترك ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ من الشرك فما دونه كما قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وأن لا يدين الله تعالى إلا بما دله الدليل على أنه من دين الله، ولا يكون أمعه يطير مع كل ريح، فإن الناس من أمة محمد ﷺ والأمم قبلها، قد تنازعوا في ربهم وأسمائهم وصفاته وما يجب له علة عباده

стр. 212

وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ فيا سعادة من تجرد عن العصبية والهوى، والتجأ إلى حصن الكتاب والسنة، فإن العلم معرفة الهدى بدليله وما ليس كذلك فجهل وضلال. وأما قول المعترض: فأنظر إلى الشفاء تجده حكى كفر من قال مثل هذه الكلمة أي الكلمة التي ذكرها المجيب في معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ الآيات ذكر عبارات النسفي في معناها، وهي قوله: هو إظهار للعبودية وبراءة مما يختص بالربوبية من علم الغيب أي أبا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر إلى آخر كلامه. إذ من عادة هذا المعترض الجاهل رد الحق، والمكابرة في دفعه والغلو المتناهي وإلا فمن المعلوم عند من له معرفة بدين الإسلام أن المجيب إنما أتى في جوابه بتحقيق التوحيد ونفي الشرك بالله، وذلك تعظيم لجانب الرسالة، وكان النبي ﷺ ينهى أمته عن كل ما يؤول بهم إلى الغلو، ولما قيل له ﷺ ، أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا قال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض لكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله تعالى" والنبي ﷺ هو أحق الخلق بالتواضع لله وحده سبحانه وفي الحديث "فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك" الحديث، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة يخبر بذلك عن نفسه، ويعترف بذلك لربه وهو الصادق المصدوق، فإذا قال المسلم مثل هذا في حقه ﷺ وأخبر به عن نفسه لم يكن منتقصاً له بل هذا من تصديقه والإيمان به. قال شيخ الإسلام ﵀: إذا كان الكلام في سياق توحيد الرب، ونفي خصائصه عما سواه لم يجز أن يقال: هذا سواء عبارة في حق دون الله من الأنبياء، والملائكة، فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي ﷺ كان أعظم الناس تقريراً لما يقال على هذا الوجه، وإن كان نفسه المسلوب كما في الصحيحين في حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة من السماء وأخبرها النبي ﷺ بذلك قالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ قالت واله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أياكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي فأقرها النبي ﷺ وأبوها على لهذا الكلام الذي نفت فيه أن نحمد رسول الله ﷺ ، وفي رواية أخرى بحمد الله لا بحمدك، ولم يقل أحد أن هذا سوء أدب عليه ﷺ ، وأخرج البيهقي بسنده إلى محمد بن مسلم سمعت حبان صاحب ابن المبارك يقول قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة الحمد أهله، وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن الأسود بن سريع أن النبي ﷺ أتي بأسير فقال: اللهم أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال النبي ﷺ : "عرف الحق لأهله".

стр. 213

وهذا المعترض وأمثاله ادعوا تعظيم رسول الله ﷺ بما قد نهى عنه من الغلو والإطراء، وهضموا ربوبية الله وتنقصوا الهيته، وأتوا بزخارف شيطانية، وحاولوا أن يكون حق الله من العبادة التي خلق لها عبادة نهباً بين الأحياء والأموات هذا يصرفه لنبي، وهذا لملك وهذا لصالح أو غير هؤلاء ممن اتخذوهم أنداداً لله، وعبدوا الشياطين بما أمروهم به من ذلك الشرك بالله، فإن عبادتهم للأنبياء والصالحين إنما تقع في الحقيقة على من زينها لهم من الشياطين وأمرهم بها كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ونحو هذا الآية كثير في القرآن. ولما ذكر العلامة ابن القيم ﵀ ما وقع في زمانه من الشرك بالله قال: وهذا هضم للربوبية وتنقص للألهية وسوء ظن برب العالمين وذكر أنهم ساووهم بالله في العبادة كما قال تعالى عنهم وهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وأما ذكره عن خالد الأزهري فخالد وما خالد أغرك منه كونه شرح التوضيح والآجرومية في النحو، وهذا لا يمنع كونه جاهلاً بالتوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ كما جهله من هو أعلم منه، ممن لهم تصانيف في المعقول كالفخر الرازي وأبي معشر البلخي ونحوهما ممن غلط في التوحيد، وقد كان خالد يشاهد أهل مصر يعبدون البدوي وغيره فما أنكر في ذلك في شيء من كتبه ولا نقل عنه أحد أنكاره فلو صح ما ذكر خالد من حال الناظم لم يكن جسراً تذاد عنه النصوص من الآيات المحكمات القواطع والأحاديث الواضحات البنات كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقوله ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ وقول النبي ﷺ : "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار". وقد استدرج الله أهل الشرك بأمور تقع لهم يظنونها كرامات عقوبة لهم، وكثير منها أحوال شيطانية أعانوا بها أولياءهم من الإنس كما قد يقع كثيراً لعباد الأصنام، وما أحسن ما قال بعضهم شعراً: تخالف الناس فيما قد رأوا ورووا ... وكلهم يدعون الفوز بالظفر فخذ بقول يكون النص ينصره ... إما عن الله أو عن سيد البشر وقد حاول هذا الجاهل المعترض صرف أبيات البردة عما هو صريح فيها نص فيما دلت عليه من الشرك، والالهية مشاركة الله في علمه، وملكه وهي لا تحتمل أن تصرف عما هي فيه من ذلك الشرك والغلو، فما ظفر هذا المعترض من ذلك بطائل غير أنه وسم نفسه بالجهل والضلال والزور والمحال، ولو سكت لسلم من الانتصار لهذا الشرك العظيم الذي وقع فيه.

стр. 214

وأما قول المعترض ورد في الحديث لولا حبيبي محمد ما خلقت سمائي ولا أرضي ولا جنتي ولا ناري فهذا من الموضوعات لا أصل له ومن ادعى خلاف ذلك فليذكر من رواه من أهل الكتاب المعتمدة في الحديث، وأنى له ذلك، بل هو من أكاذيب الغلاة الوضاعين، وقد بين الله تعالى حكمته في خلق السموات والأرض في كثير من سور القرآن كما قال في الآية التي تأتي بعد وهي قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ولها نظائر تبين حكمة الرب في خلق السموات والأرض. وقوله كيف ينكر تصرفه في إعطاء أحد بإذن الله من الدنيا في حياته أو في الآخرة بعد وفاته. أقول هذا كلام من اجترى، وافترى وأساء الأدب مع الله، وكذب على رسوله ﷺ ولم يعرف حقيقة الشفاعة، ولا عرف تفرد الله بالملك يوم القيامة، وهل قال رسول الله ﷺ أو أحد من أصحابه أو من بعدهم من أئمة الإسلام أن أحد يتصرف يوم القيامة ﷺ ولو أطلقت هذه العبارة في حق رسول الله ﷺ لادعاه كل لمعبوده من نبي أو ملك أو صالح أنه يشفع له إذا دعاه ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ وقال تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ وهذا القول الذي قاله الجاهل قد شافهنا به جاهل مثله بمصر يقول الذي يتصرف في الكون سبعة البدوي والإمام الشافعي والشيخ الدسوقي حتى أكمل السبعة من الأموات، هذا يقول هذا ولي له شفاعة، وهذا صالح كذلك وقد قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ إلى قوله ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي ظلم أعظم من الشرك بالله، ودعوى الشريك في الملك والتصرف وهذا غاية الظلم. قال شيخ الإسلام ﵀: في معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا لشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، فالشفاعة التي يظنها المشركون منتفية كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ أنه يأتي فيسجد لربه ويحمد لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له ارفع رأسك وقل تسمع وسأل تعطه واشفع تشفع، وقال له أبو هريرة ﵁: من أسعد الناس بشفاعتك قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود فالشفاعة

стр. 215

التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع وقد بين النبي إنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص انتهى كلامه. وقال العلامة ابن القيم في مدارج السالكين وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعاً فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فالمشرك إنما يتخذه معبوده لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع أما مالك لما يريده عابده منه، فان لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك، فان لم يكن شريكاً له كان معيناً له وظهيراً فان لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفياً مرتباً منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى فنفى الملك والشركة، والمظاهر والشفاعة التي يطلبها المشرك وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه فكفى بهذه الآية برهانا ونجاة وتجريداً للتوحيد وقطعاً لأصول الشرك، ومواده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا فم ذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن ولعمر الله ان كان أولئك ـ إلى أن قال ـ ومن أنواعه أي الشرك طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه اليهم وهذا أصل شرك العالم فان الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن يملك لمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع أو المشفوع له عنده فانه لا يقدر أن يشفع عند الله الا باذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سبباً لأذنه، وانما السبب لأذنه كمال التوحيد فجاء هذا المشرك بسبب يمنع هذا الاذن هو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك وأولياءه الموحدين له، بذمهم، وعيبهم ومعاداتهم وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص اذ ظنوا انهم راضون منهم بهذا وانهم يوالونهم عليه وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم؟ قال وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر الا من جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه والهه ومعبوده، فجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه لله وذله لله، وتوكله على الله واستعانته بالله والتجاءه إلى الله، وأخلص قصده لله متبعاً لأمره، متطلباً لمرضاته إذا سأل سأل الله وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله فهو بالله ومع الله انتهى. فرحم الله هذا الامام وشيخه، فلقد بين للناس حقيقة الشرك وطرقه وما يبطله، وفي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" ولم يقل فاسألني واستعن بي فقصر السؤال
следующие страницы →