← Фатава

Фатава · id 11380

مجموعة الرسائل والمسائل والفتاوى

حمد بن ناصر آل معمر

Полный текст (238 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مجموعة الرسائل والمسائل والفتاوي لحمد بن ناصر بن معمر من علماء القرن الثالث عشر الهجري مقدمة الناشر هذا كتاب ليس لنا فضل فيه سوى فضل الترتيب والجمع إن صح أن يسمى هذا من "باب الفضل" وإلا فالفضل للمتقدمين. حفزنا على جمعه "هكذا" اقتراحات كثيرة من عدة إخوان فضلاء ولا شك في أن المعنيين بالتراث العلمي، والدارسين لعلوم الشريعة والعقيدة سيجدون فيه نبعاً صافياً، ومنهلاً عذقاً رحم الله الشيخ الجليل ونفع بعلمه. وإنا لنخص بالشكر الشيخين الجليلين عبد الله بن عبد الرحمن البسام عضو هيئة التمييز بالمنطقة الغربية وعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ المتتبع لسير علماء الدعوة على توجيهاتهما وتشجيعهما لإخراج الكتاب على هذه الصورة العصرية حتى يتم النفع به. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. "الناشر"

стр. 2

ترجمة حياة الشيخ حمد بن ناصر بن معمر بقلم الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ مؤلف كتاب مشاهير علماء نجد هو العالم العلامة المحقق الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر النجدي التميمي من آل معمر أهل العيينة. نزح منها واستوطن مدينة الدرعية وقرأ فيها على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعلى الشيخ أبي بكر حسين بن غنام نزيل الدرعية، صاحب التاريخ المشهور وعلى الشيخ سليمان بن عبد الوهاب أخي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبعد ذلك جلس للتدريس بمدينة الدرعية فأخذ عنه العلم خلق كثير من أهل الدرعية وغيرهم من أهل نجد الوافدين إليها، نذكر من فضلائهم في هذه الترجمة المقتضبة: الشيخ العلامة الشهيد سليمان بن الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ونجل المترجم الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن معمر. والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين. وفي سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة من الهجرة طلب غالب بن مساعد شريف مكة من الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أن يبعث إليه عالماً ليناظر علماء الحرم الشريف في شيء من أمور الدين، فبعث إليه الإمام عبد العزيز المترجم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر على رأس ركب من العلماء، فلما وصلوا إلى الحرم الشريف أناخوا رواحلهم أمام قصر الشريف غالب فاستقبلهم بالحفاوة والإكرام وأنزلهم منزلاً محترماً يليق بهم، فلما طافوا وسعوا للعمرة ونحروا الجزر التي أرسلها معهم الأمير سعود بن عبد العزيز هدياً للحرم واستراحوا أربعة أيام من عناء السفر جمع الشريف غالب علماء الحرم الشريف من أرباب مذاهب الأئمة الأربعة - ماعدا الحنابلة - فوقع بين علماء الحرم ومقدمهم يومئذ في الكلام الشيخ ١ عبد الملك القلعي الحنفي وبين الشيخ حمد بن ناصر مناظرة عظيمة في مجالس عديدة بحضرة والي مكة الشريف غالب وبمشهد عظيم من أهل مكة وذلك في شهر رجب من السنة المذكورة سنة ١٢١١هـ فظهر عليهم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر بالحجة وقهرهم بالحق فسلموا له وأذعنوا، وقد سألهم –﵀ ثلاث مسائل..

стр. 3

الأولى: ما قولكم فيمن دعا نبياً أو ولياً واستغاث به في تفريج الكربات كقوله: يا رسول الله، أو يا ابن عباس، أو يا محجوب أو غيرهم من الصالحين. والثانية: من قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولم يصل ولم يزك هل يكون مؤمناً؟، والثالثة: قال: هل يجوز البناء على القبور؟ فعكس علماء الحرم هذه الأسئلة على الشيخ حمد المذكور.. وطلبوا منه الإجابة عليها فأجاب عنها ﵀ بما يشفي الغليل، ويبتهج به من يتبع الدليل، وأصل الإجابة وحررها لهم في رسالة سماها علماء الدرعية "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" وقد أوردها الشيخ حسين بن غنام في الجزء الثاني من تاريخه، واختارها الشيخ سليمان بن سحمان مع مختاراته التي جمعها في رسالة وسماها "الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية" فطبعت عدة مرات، ولولا ذلك لأوردناها في ترجمتنا للشيخ حمد بن معمر المذكور، فإنها جليلة القدر، عظيمة الفائدة (*) وقد أشار إلى ما جرى بين الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وعلماء مكة من المناظرة الشيخ محمد بن علي الشوكاني فقال في الجزء الثاني من كتابه "البدر الطالع" ص (٧) بعد ترجمته للشريف غالب بن مساعد ما نصه: وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه، وقدم صاحبه في الدين. انتهى كلام الشوكاني. وألف رسالة عنوانها: "حقيقة التوحيد والعبادة والفرق بين العادة والعبادة" تقع في ٦٨ صفحة طبعت بمطبعة المنار بالقاهرة عام ١٣٤٩هـ. وللشيخ حمد بن معمر غير هذه الرسالة رسائل كثيرة أجاب فيها على أسئلة علمية، لو جمعت لبلغت مجلداً ضخماً (*) ولكنها طبعت مفرقة في مجاميع الرسائل والمسائل النجدية، التي طبعت بمطبعة المنار أولاً، ثم بمطبعة أم القرى بمكة المكرمة ثانياً (١) وقد ولاه الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود قضاء الدرعية من جملة قضاتها الكثيرين، وبعثه بعدما استولى على الحجاز٣ سنة ١٢٢٠هـ إلى مكة عند الشريف غالب مشرفاً على أحكام قضاة مكة المكرمة، فأقام بمكة أربع سنوات ثم توفي بها ﵀ سنة ألف ومائتين وخمس وعشرين من الهجرة، في أول شهر ذي الحجة، وصلى عليه الناس تحت الكعبة المشرفة ثم خرجوا به من الحرم إلى البياضية٤ فخرج الإمام سعود بن عبد العزيز من قصره بالبياضية وصلى عليه بعدد كثير من المسلمين صلاة ثانية قبل أن يدفن ثم دفنوه بعد ذلك بمقبرة البياضية.

стр. 4

قال أحمد بن محمد بن أحمد الحضراوي في تاريخه المخطوط الذي سماه "اللطائف في تاريخ الطائف" مانصه: نقلا منه عن السيد محمد ياسين ميرغنى بن عبد الله المحجوب لما ذكر كشف الامام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود للقبة التي فوق صخرة مقام ابراهيم قال: وكان المباشر له أي لكشف القبة حمد بن ناصر، يقصد به المترجم له. ثم ذكر بعد كلام لا فائدة في ذكره أنه مات ودفن بالبياضية. وقد ذكر المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر في الجزء الأول من تاريخه ص ١٥٩ طبعة أبي بطين: أن الشيخ١ حمد بن ناصر بن معمر توفي بمكة، وخفى عليه أنه دفن بالبياضية. فلم يذكر ذلك. وقد خلف الشيخ حمد ابنا عالما هو الشيخ عبد العزيز صاحب "منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب ". (وسنورد له ترجمة في هذه الرسالة) . رحم الله الشيخ حمدا ورحم ابنه الشيخ عبد العزيز، وجميع مشائخ الاسلام، وعلماء الدين، انه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وسلم. "عن كتاب مشاهير علماء نجد"

стр. 5

الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب المسألة الأولى: فيمن دعا نبيا أو وليا وأستغاث به في تفريج الكربات ... الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب المسألة الأولى قالوا ما قولكم فيمن دعا نبينا أو ولياً واستغاث به في تفريج الكربات كقوله يا رسول الله أويا ابن عباس أويا محجوب أو غيرهم من الأولياء الصالحين. (الجواب) الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادى له، وأشهد أن لااله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، وقفا أثرهم الى آخر الزمان. أما بعد فأن الله تعالى قد أكمل لنا الدين، ورسوله قد بلغ البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب هدى وذكرى للمؤمنين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ . قال ابن عباس تكفل الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخر، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُون﴾ . وروى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنة رسوله" وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لقد تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهار لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" وقال ﷺ : "ما تركت من شيء يقرب إلى الجنة إلا وحدثكم به ولا من شيء يقرب إلى النار إلا وقد حدثكم به " وقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشد ين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور فأن كل بدعة ضلالة" فمن أصغى إلى كتاب الله وسنة رسوله وجد فيهما الهدى والشفاء وقد ذ م الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى حكم غيره فقال تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ . إذا عرف فنقول: الذي شرعه رسول الله ﷺ عند زيارة القبور

стр. 6

إنما هو تذكر الآخر ة والإحسان إلى الميت بالدعاء له، والترحم والاستغفار له وسؤال العافية. كما في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا السلام على أهل الديار -وفي لفظ عليكم أهل الديار- من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية". وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" رواه مسلم فإذا كنا على جنازته ندعوا له لا ندعوه، ونشفع له لا نستشفع به، فبعد الدفن أولى وأحرى. فبدل أهل الشرك قولا غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه، والشفاعة له بالإستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانا إلى الميت بسؤال الميت، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة بنص رسول الله ﷺ ، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء مخ العبادة" رواه الترمذي وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة، ومن المحال أن يكون دعاء الموت مشروعاً ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ، ثم يوفق له الخلوف الذي يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون. فهذه سنة رسول الله ﷺ ، وهذه طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل نقل عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلاً عن أن يسألوا أصحابها جلب الفوائد، وكشف الشدائد؟ ومعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمطار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبره، ولا دعاه، ولا استشفى به، ولا استنصر به، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا الصلاة عندها، فإن كان عندكم في هذا أثر صحيح أو حسن فأوقفونا عليه، بل الذي صح عنهم خلاف ما ذهبتم إليه. ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس وتوسل بدعائه وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. ثبت ذلك في صحيح البخاري ذكره في كتاب الاستسقاء من صحيحه. ونحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا

стр. 7

أحداً من الأموات ولا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُم﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ . قال مجاهد: يبتغون إلى ربهم الوسيلة هو عيسى وعزير والملائكة، وقال إبراهيم النخعي قال: كان ابن عباس يقول في قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ هو عزير والمسيح والشمس والقمر. وعن السدي وعن أبي هريرة. وعن ابن عباس قال: عيسى وأمه والعزير. وعن عبد الله بن مسعود قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية. ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري ذكره في كتاب التفسير، وهذه الأقوال في معنى الآية كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابداً لله سواء كان من الملائكة، أو من الجن، أو من البشر. فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً، وذلك المدعوا يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجوا رحمته، ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتاً، أو غائباً من الأنبياء والصالحين فقد تناولته هذه الآية. ومعلوم أن المشركين يسألون الصالحين بمعنى أنهم وسائط بينهم وبين الله، ومع هذا فقد نهى الله عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعي ولا تحويله ولا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال ﴿وَلا تَحْوِيلاً﴾ فذكر نكرة تعم أنواع التحويل، فكل من دعا ميتاً من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة أو الجن فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله وهؤلاء المشركون اليوم منهم من إذا نزلت به شدة لا يدعوا إلا شيخه، ولا يذكر اسمه، قد لهج الصبي بذكر أمه، فإذا تعس أحدهم قال: يا ابن عباس. أيا محجوب. ومنهم من يحلف بالله ويكذب، ويحلف بابن عباس أو غيره فيصدق ولا يكذب، فيكون المخلوق في صدره أعظم من الخالق. وإذا كان دعاء الموتى يتضمن هذا الاستهزاء بالدين، وهذه المحادة لرب العالمين،

стр. 8

فأي الفريقين أحق بالاستهزاء والمحادة لله؟ من كان يدعوا الموتى ويستغيث بهم ويأمر بذلك؟ أو من كان لا يدعوا إلا الله وحده لا شريك له كما أمرت به رسله ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء به؟ ونحن بحمد الله من أعظم الناس إيجاباً لرعاية جانب الرسول تصديقاً له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به واتباع ذلك دون ما خالفه عملاً بقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . ومعنا ولله الحمد أصلان عظيمان (أحدهما) : أن لا نعبد إلا الله فلا ندعو إلا هو، ولا نذبح النسك إلا لوجهه، ولا نرجو إلا هو، ولا نتوكل إلا عليه. (والأصل الثاني) أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبدعة.. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله أن محمداً رسول الله، فان شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن إخلاص الألوهية لله فلا يتأله القلب، ولا اللسان، ولا الجوارح بغيره تعالى. لا يحب، ولا خشية، ولا إجلال ولا رغبة، ولا رهبة، وشهادة أن محمداً عبده ورسوله تتضمن تصد يقه في جميع ما أخبر به وطاعته واتباعه في كل ما أمر به، فما أثبته وجب اتباعه. وقد روي عن البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا ومن يأبى يا رسول الله؟ قال "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبي". إذا تمهد هذا فنقول الذي نعتقده وندين لله به أن من دعا نبياً أو وليا أو غيرهما وسأل منهم الحاجات، وتفريج الكربات، فقد ارتكب أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا أولياء وشفعاء يستجلبون بهم المنافع، ويستدفعون بهم المضار بزعمهم. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فمن جعل الأنبياء أو غيرهم كابن عباس، والمحجوب أو أبي طالب، وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار –بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لكونهم أقرب إلى الملك -فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك حلال المال والدم. وقد نص العلماء ﵏ على ذلك وحكوا عليه الإجماع قال في الإقناع وشرحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعا لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ انتهى.

стр. 9

وقال الإمام أبو الوفا علي بن عقيل الحنبلي ﵀ لما صعبت التكاليف على الطغام والجهال عدلوا عن أوضاع الشرك إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها والتزامها بما نهى عنه الشرع من ايقاد النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع عليها: يا مولاي افعل لي كذا وكذا. وأخذ تربتها تبركاً، وافاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه. وقال الإمام البكري الشافعي ﵀ في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وكانت الكفار إذا سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا الله، فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ لأجل طلب شفاعتهم عند الله وهذا كفر منهم. انتهى كلامه. فتأمل ما ذكره صاحب الإقناع وما ذكره ابن عقيل من تعظيم القبور وخطاب الموتى بالحوائج وإن ذلك كفر. وقال الحافظ العماد بن كثير ﵀ في تفسيره عند قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إنما يحملهم على عبادتهم انهم عمدوا إلى الأصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين بزعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له، كافرين به. قال قتادة والسدى ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي ليشفعوا لنا عنده وليقربونا ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتقدها المشركون في قديم الدهر وحديثة وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردها والنهى عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له. وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بأذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وكرهوه ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ تعالى عن ذلك. انتهى كلامه. وقال الإمام البكري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ الآية: فإن قلت إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام؟

стр. 10

(قلت) كلهم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله والتقرب إليه لكن بطرق مختلفة ففرقة قالت ليس لنا أهلية عبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته فعبدناها لتقربنا إليه زلفى، وفرقة قالت الملائكة ذو وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذونا أصناما على هيئتها لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة قالت جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة كما أن الكعبة قبلة في عبادته، وفرقة قالت اعتقد ت أن لكل ملك شيطاناً موكلاً بأمر الله فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله ولا أصابه شيطان بنكبة بأمر الله تعالى. انتهى كلامه. فأنظر إلى كلام هؤلاء الأئمة وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله وتأمل ما ذكره ابن كثير وما حكاه عن زيد بن أسلم وابن زيد، ثم قال وهذا الشبة هي التي أعتقدها المشركين في قديم الدهر وحديثة وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردها والنهى عنها. وتأمل ما ذكره البكري رحمة الله عند آية الزمر أن الكفار ما أرادوا إلا الشفاعة ثم صرح بأن هذا كفر. فمن تأمل ما ذكره الله في كتابه تبين له أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله فانهم لم يعتقدوا فيها أنها تخلق الخلائق وتنزل المطر وتنبت النبات بل كانوا مقرين أن الفاعل لذلك هو الله وحده لا شريك له في ذلك. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي أخبر الله فيها أن المشركين معترفون أن الله هو الخالق الرازق وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم ويشفعوا لهم كما ذكره سبحانه في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فبعث الله الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يجعل معه إله آخر وأخبر أن الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بأذنه وأنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلا التوحيد والشفاعة مقيدة بهذه القيود قال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ وقال تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .

стр. 11

وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله أنه تعالى " آتى تحت العرش فأخر لله ساجداً، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: يا محمد أرفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع –قال- فيحد لي حداً ثم أدخلهم الجنة ثم أعود" فذكر أربع مرات صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. وقال الإمام البكري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ نفي الشفيع وإن كانت الشفاعة واقعة في الآخرة لأنها من حيث أنها لا تقع إلا بإذنه، كأنها غير موجودة من غيره، وهو كذلك لكن جعل ذلك لتبين الرتب، وجملة النفي حال من ضمير يحشروا، وهي محل الخوف، والمراد به المؤمنون العاصون، انتهى. وقال أيضاً عند قوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ دل على أن الشفاعة تكون للمؤمنين فقط. وقال الحافظ عماد الدين بن كثير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم، وإنما عبد هؤلاء المشركون آلهة هم يعترفون أنها مخلوفة عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وماملك. وكما أخبرنا عنهم في قوله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فأنكر تعالى ذلك عليهم حيث اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم يزجرون عن ذلك، وينهونهم عن عبادة من سوى الله فكذبوهم.. انتهى كلامه. والمقصود بيان شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ وأنهم ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله. وبيان أن طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم في الشدائد أنه من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين. وبيان أن الشفاعة كلها لله، ليس لأحد معه فيها شيء، وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله تعالى، وأنه تعالى لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله. وأنه لا يرضى إلا التوحيد كما تقدمت الأدلة الدالة على ذلك. ومعلوم أعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عند الله الرسل والملائكة المقربون. وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول. ولا يتقدمون بين يديه. ولا يفعلون شيئاً إلى بعد إذنه لهم وأمره فيأذن سبحانه لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له تعالى. والذي شفع عنده إنما شفع بإذنه له. وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه. وهي إرادته أن يرحم عبيده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها المشركون ومن وافقهم. وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي

стр. 12

نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ . ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد كما صرحت بذلك النصوص فروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا لله خالصاً من قلبه" (وعن عوف بن مالك قال قال رسول ﷺ : "أتاني أت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً" رواه الترمذي وابن ماجه. فأسعد الناس بشفاعة رسول الله ﷺ أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد لله وأخلصوه من التعليقات الشركية وهم الذين ارتضى الله سبحانه قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ فأخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع. فأما المشرك فإنه لا يرتضيه ولا يرضى قوله فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له وإذنه للشافع. فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة. وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه سبحانه فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع له والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة فالرب ﵎ هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعا من أذن له أن يشفع ليكرمه. فللشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك ولهذا أثبتها الله سبحانه بإذنه في موضوع من كتابه. وبين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد كما تقدم من حديث أبي هريرة وعوف بن مالك. فمتخذ الشفيع مشرك لا تنفعه شفاعته. ولا يشفع فيه. ومتخذ الرب إلهه ومعبوده هو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيه. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فبين أن المتخذين شفعاء مشركون. وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم إنما تحصل بإذنه سبحانه للشافع ورضاه عن المشفوع له كما تقدم بيانه. والمقصود أن الكتاب والسنة دلا على أن من جعل الملائكة أو الأنبياء أو ابن عباس أو أبا طالب أو المحجوب وسائط بينهم وبين الله ليشفعوا لهم عند الله لأجل قربهم من الله كما يفعل عند الملوك أنه كافر مشرك حلال الدم والمال وإن قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول

стр. 13

الله. وصلى وصام. وزعم أنه مسلم. بل هو من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. ومن تأمل القرآن العزيز وجده مصرحاً بأن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بأن الله هو الخالق الرازق وأن السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت قهره وتصريفه كما حكاه تعالى عنهم في سورة يونس وسورة المؤمنين والعنكبوت وغيرها من السور -ووجده مصرحاً بأن المشركين يدعون الصالحين كما ذكر تعالى ذلك عنهم في سورة سبحان والمائدة وغيرهما من السور، وكذلك ذكر عنهم أنهم يعبدون الملائكة كما ذكر ذلك في سورة الفرقان والنجم ووجده مصرحاً بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلا الشفاعة والتقرب إلى الله كما ذكر تعالى ذلك عنهم في سورة يونس والزمر وغيرهما من السور. فإذا تبين لكم أن القرآن قد صرح بهذه المسائل الثلاث أعني اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وأنهم يدعون الصالحين وأنهم ما أردوا منهم إلا الشفاعة تبين لكم أن الذي يفعل عند القبور اليوم من سؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد، أنه الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين، فإن هؤلاء المشركين مشبهون شبهوا الخالق تعالى بالمخلوق. وفي القرآن العزيز وكلام أهل العلم من الرد على هؤلاء مالا يتسع له هذا الموضع فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة إما لإخبارهم عن أحوال الناس مالا يعرفونه ومن قال أن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء أو غيرهم من الأولياء والصالحين فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. (الثاني) أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعاونونه فلا بد له من أعوان يعاونونه وأنصار لذله وعجزه. والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه ربه وخالقه وهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم، والله سبحانه ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما، فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه. (الثالث) أن لا يكون الملك مريداً لنفع رعيته والإحسان إليهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظه أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته. والله تعالى رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأسباب

стр. 14

إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهو سبحانه إذا أراد إجراء نفع العباد بعضهم على يد بعض جعل هذا يحسن إلى هذا ويدعوا له أو يشفع له. فهو الذي خلق ذلك كله وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه. والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه كما تقدم بيانه. بخلاف الملوك المحتاجين فإن الشافع عندهم يكون شريكاً لهم في الملك وقد يكون مظاهراً لهم على ملكهم. وهم يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك. والملك يقبل شفاعتهم تارة لحاجته إليهم وتارة لجزاء إحسانهم ومكافأتهم. حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة والولد. حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ويقبل شفاعة مملوكه فإذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه. ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره. وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس. فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو لرهبة. والله تعالى لا يرجو أحداً ولا يخافه ولا يحتج إلى أحد. هو الغني سبحانه عما سواه وكل ما سواه فقير إليه. والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعدونه عند المخلوق وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فأخبر سبحانه أن مايدعى من دونه لايملك كشف الضر عن الداعي ولاتحويله فأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه. ويتقربون إلى الله. فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسط الملائكة والأنبياء. وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه إله. وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ .

стр. 15

المسألة الثانية: من قال لا إله إلا الله ولم يصل ولم يزك هل يكون مؤمنا ... المسألة الثانية وأما المسألة الثانية فقالوا: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يصل ولم يزك هل يكون مؤمناً؟ فنقول: أما من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهو مقيم على شركه يدعو الموتى. ويستغيث بهم ويسألهم قضاء الحاجات. وتفريج الكربات. فهذا كافر مشرك حلال الدم والمال. وأن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام وزعم أنه مسلم كما تقدم بيانه. وأما أن وحد الله تعالى ولم يشرك به. ولكنه ترك الصلاة ومنع الزكاة. فان كان جاحدا للوجوب فهو كافر إجماعا. وأما أن أقر بالوجوب ولكنه ترك الصلاة تكاسلاً. فهذا قد اختلف العلماء في كفره. والعلماء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة. لا يجتمعوا على ضلالة. وإذا تنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. والواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق. بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال العلماء: الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه. والرد إلى الرسول هو الرد إلى السنة بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ . وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى غيره. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ إذا عرف هذا فنقول: اختلف العلماء ﵏ في تارك الصلاة كسلاً من غير جحود لوجوبها. فذهب الإمام أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك إلى أنه لا يحكم بكفره. واحتجوا بما رواه عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.." وذهب إمامنا أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن المبارك والنخعي وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين إلى أنه كافر. وحكاه إسحاق بن راهوية إجماعاً ذكره عنه الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي في شرح الأربعين. وذكره في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) عن جمهور الصحابة ﵃. وقال الإمام أبو محمد بن حزم: سائر الصحابة ﵃ ومن بعدهم من

стр. 16

التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقاً. ويحكمون عليه بالارتداد. منهم: أبو بكر وعمر وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وعبد الرحمن بن عوف وأبو الدراداء وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة. ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة. وأجابوا عن قوله ﷺ "من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" إن المراد عدم المحافظة عليهن في أوقاتهن بدليل الآيات والأحاديث الواردة فيها وفي تركها. واحتجوا على كفر تاركها بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" وعن بريدة بن الحصيب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح إسناده على شرط مسلم. وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد والكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد كفر وأشرك" وإسناده صحيح على شرط مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: "من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" رواه الإمام أحمد وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه، وعن عبادة بن الصامت قال: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: "لا تشرك بالله شيئاً، ولا تترك الصلاة عمداً فمن تركها عمداً فقد خرج من الملة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه. وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ " من ترك الصلاة مكتوبة متعمداً برئت منه ذمة الله" وراه الإمام أحمد. وعن أبي الدرداء قال: أوصاني أبو القاسم يعني رسول الله ﷺ أن لا أترك الصلاة متعمداً فمن تركها متعمداً فقد برئت منه الذمة. رواه ابن أبي حاتم. وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة" الحديث. وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة رواه الترمذي. فهذه الأحاديث كما ترى صريحة في كفر تارك الصلاة مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق بن راهوية وابن حزم وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم. ثم اعلم أن العلماء كلهم مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلاً إلا أبا حنيفة ومحمد بن شهاب الزهري وداود فإنهم قالوا: يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب. ومن احتج لهذا القول بقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل

стр. 17

الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" فقد أبعد النجعة فإن هذا الحديث لا حجة فيه لمن يقول بقتله كما سيأتي بيانه وبسطه إن شاء الله. واحتج الجمهور على قتله بالكتاب والسنة.. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ-إلى قوله- فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فشرط الكف بالتوبة من الشرك وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد هذه الثلاث لم يكف عن قتلهم، ولم يخل سبيلهم. قال ابن ماجه: حدثنا نصر بن علي حدثنا أبو أحمد حدثنا الربيع بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض" قال أنس: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ قال خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقال في آية أخرى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ . وأما السنة فثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" فعلق العصمة على الشهادتين والصلاة والزكاة. وقد بعث النبي ﷺ كتاباً فيه "من محمد رسول الله إلى أهل عمان. أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله والنبي رسول الله وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد وإلا غزوتكم" خرجه الطبراني والبزار وغيرهما، ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين. وروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي ابن الأشجع أن أبا بكر الصديق بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس: فمن ترك واحدة تقاتله على الخمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. فقال سعيد بن جبير قال عمر بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل على الصلاة والزكاة. وبالجملة فالكتاب والسنة يدلان على أن القتال ممدود إلى شهادتين والصلاة الزكاة، وقد أجمع العلماء على ذلك. قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربون وأولى.. انتهى.

стр. 18

وأما حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أمرت الناس أن أقاتل حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" فهذا لا إشكال فيه بحمد الله، وليس لكم فيه حجة، بل هو حجة عليكم، ولو لم يكن إلا قوله "إلا بحقها" لكان كافياً في إبطال قولكم. وقد قال علماؤنا ﵏: إذا قال الكافر لا إله إلا الله فقد شرع في العاصم لدمه، فيجب الكف عنه، فإن تمم ذلك تحققت العصمة، وإلا بطلت، ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: "لا إله إلا الله" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كف عنه، وصار دمه وماله معصوماً. ثم بين ﷺ في الحديث الآخر أن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين فقال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" فبين أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك، ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاها أبو بكر الصديق، ثم وافقوه ﵁. ومما يبين فساد قولكم وخطأ فهمكم في معنى حديث أبي هريرة أن الصحابة ﵃ أجمعوا على قتال مانعي الزكاة بعد مناظرة وقعت بين أبي بكر وعمر، استدل عمر على أبي بكر بحديث أبي هريرة فبين صديق الأمة ﵁ أن الحديث حجة على قتال من منع الزكاة، فوافقه عمر وسائر الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون، ونحن نسوق الحديث بتمامه، ثم نذكر ما قاله العلماء في شرحه ليتبين أن فهمكم الفاسد لم يقل به أحد من العلماء، وأنه فهم مشئوم مذموم مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة فنقول: ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر كيف تقاتل الناس -وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" فقال أبو بكر لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، فوالله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. وهذا الحديث خرجه البخاري في كتاب الزكاة، ومسلم في كتاب الأمان وهو من أعظم الأدلة على فساد قولكم، فإن الصديق ﵁ جعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب. وقد تكلم النووي ﵀ على هذا الحديث في شرح صحيح مسلم فقال (باب) الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا

стр. 19

الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ ، وأن من قال ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سررته إلى الله تعالى. وقتال من منع الزكاة وغيرها من حقوق الإسلام، واهتمام الإمام بشرائع الإسلام) ثم ساق الحديث، ثم قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلاماً حسناً لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد قال ﵀: (مما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة عادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: وكفر من كفر من العرب ... والصنف الآخر فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام ... وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين الزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم. وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر ﵁ وناظره واحتج عليه بقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم نفسه وماله" فكان لهذا من عمر ﵁ تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر: الزكاة حق المال. يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دمه وماله. معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة ﵃، ولذلك ردوا المختلف فيه إلى المتفق عليه ... فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر ﵁ وبان له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله: فلما رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر بالقتال عرفت أنه الحق. يريد إنشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصاً ودلالة) انتهى. فتأمل هذا الباب الذي ذكره النووي ﵀ وهو إمام الشافعية على الإطلاق تجده صريحاً في رد شبهتكم -أن من قال لا إله إلا الله لا يباح دمه وماله، وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة، فالترجمة نفسها صريحة في رد قولكم فإنه صريح بالأمر بالقتال على ترك الصلاة ومنع الزكاة. وتأمل ما ذكره الخطابي أن الذين منعوا الزكاة منهم من كان يسمح بها ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم كبني يربوع فإنهم أرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، وإنه عرض

стр. 20

الخلاف ووقعت الشبهة لعمر في أمر هؤلاء، ثم إن عمر وافق أبا بكر على قتالهم. وتأمل قوله: واحتج عمر بقول النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وكان هذا من عمر تعلقاً بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل في شرائطه. وتأمل قوله: إن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعاً من الصحابة. وقد أشار الخطابي إلى أن حديث أبي هريرة مختصر. قال النووي ﵀ (قال الخطابي ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر أن عبد الله بن عمر وأنساً روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة ففي حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وفي رواية أنس: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلا بحقها. لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" انتهى. (قلت) وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب والسنة ورواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر ﵄ دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة، وكان هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس آخر فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة لأحتج بها ولما كان احتج بالقياس والعموم، والله أعلم) انتهى كلام النووي. فتأمل ما ذكره الخطابي تجده صريحاً في رد قولكم وتأمل قوله: فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليهم. وبالجملة فحديث أبي هريرة حجة عليكم لا لكم، ولو لم يكن فيه إلا قوله "بحقها" لكان كافياً في بطلان شبهتكم، فإن الصلاة والزكاة من أعظم حقوق لا إله إلا الله، بل هما أعظمها على الإطلاق. ومما يدل على بطلان قولكم وفساد فهمكم في معنى الحديث أعني حديث أبي هريرة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" أن جميع الشراح والمحدثين لم يتأولوه على هذا التأويل الذي ذهبتم إليه فإنه حديث صحيح مخرج في الصحاح، وهؤلاء شراح البخاري ومحشوه نحوا من أربعين كما نبه عليه القسطلاني في خطبة شرح البخاري -وكذا شرح مسلم- هل أحد منهم استدل به على ترك قتال من ترك الفرائض؟ بل الذي ذكروه خلاف ما ذهبتم إليه، ولو لم يكن إلا احتجاج عمر

стр. 21

به على أبي بكر، واستدلال أبي بكر على قتال مانعي الزكاة لكان كافياً، ونحن نذكر لكم كلام الشراح عذراً أو نذراً. قال النووي ﵀: قوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله " قال الخطابي: ومعلوم أن المراد بها أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف، قال ومعنى حسابه على الله أي فيما يسرون به ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر (قال) ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك أيضاً عن أحمد بن حنبل هذا كلام الخطابي. (وذكر القاضي عياض ﵀ معنى هذا وزاد عليه وأوضحه فقال: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعتبر عن الإجابة إلى الإيمان وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعى إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله "لا إله إلا الله" إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده ولذلك جاء في الحديث الآخر: وأني رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة" هذا كلام القاضي عياض. قال النووي (قلت ولابد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به " انتهى كلام النووي. فتأمل ما ذكره الخطابي وذكره القاضي عياض أن المراد بقول لا إله إلا الله التعبير عن الإجابة إلى الإيمان، واستدل لذلك بالحديث الآخر الذي فيه "واني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة". وتأمل قول أن المراد بحديث أبي هريرة مشركوا العرب وغيرهم ممن لا يوحد، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلا الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده وتأمل قول النووي ولا بد من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ . وبالجملة فقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" لا نعلم أحداً من العلماء أجراه على ظاهره وقال أن من قال لا إله إلا الله يكف عنه ولا يجوز قتاله وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة. هذا لم يقل به أحد من العلماء -ولازم قولكم أن اليهود لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأن الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأن الصحابة

стр. 22

مخطئون في قتالهم لمانعي الزكاة لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ولازم قولكم أن بني حنيفة مسلمون لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله.. سبحان الله ما أعظم هذا الجهل ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومن العجب أنكم تقرؤن في صحيح البخاري في هذا الباب الذي ذكره في كتاب الإيمان حيث قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ حدثنا عبد الله السندي أنبأنا أبو روح الجرمي قال حدثنا قال حدثنا شعبة عن واقد بن محمد سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا هم فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى". ثم بعد ذلك نقول من قال لا إله إلا الله حرم ماله ودمه. ولا أدري بما تجيبون به عن هذه الآية والحديثين الذين ذكرهما البخاري وبأي شيء تدفعون به هذه الأدلة؟؟ وقال الإمام أبو عيسى الترمذي في سننه (باب أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) حدثنا هناد وأنبأنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث -ثم أردفه بحديث أبي هريرة في قتال أبي بكر لمانعي الزكاة وساق الحديث بتمامه، ثم قال: (باب ما جاء "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة" حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني أنبأني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين) وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي هريرة هذا الحديث حسن صحيح. والمقصود فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي أنه من العلماء على الجهلة من الناس أن من قال لا إله إلا الله محمداً رسول الله أنه مسلم لا يجوز قتله وإن ترك فرائض الإسلام. فهذا كلام الله وهذا كلام رسوله وهذا كلام العلماء صريحاً في رد هذه الشبهة بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة ومنع الزكاة وإن أقروا بالوجوب كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك، بل قد صرح العلماء أن أهل البلد إذا تركوا الآذان والإقامة يقاتلون كما سيأتي وصرحوا أيضاً بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يقاتلون وكذلك لو تركوا صلاة العيد، وعلماء حرم الله الشريف يقولون من قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ونفسه وإن لم يصل ولم يزك، فسبحان الله مقلب القلوب والأبصار كيف يشاء. وهل هذا إلا معارضة لكلام الله وكلام رسوله وكلام أئمة المذاهب. وهذا كلامهم

стр. 23

موجود في كتبهم يصرحون بأن من ترك الصلاة قتل وأن الطائفة الممتنعة من فعل الصلاة والزكاة والصيام والحج تقاتل حتى يكون الدين كله لله ويحكون عليه الإجماع كما صرح بذلك أئمة الحنابلة في كتبهم فإذا كانوا مصرحون بأن من ترك بعض شعائر الإسلام كأهل القرية إذا تركوا الآذان أو تركوا صلاة العيد انهم يقاتلون فكيف بمن ترك الصلاة رأسا؟ وهؤلاء يقولون من قال لا إله إلا الله محمداً رسول الله فقد عصم ماله ودمه، وإن كان طائفة ممتنعين من فعل الصلاة بل يصرحون بأن (أهل) البوادي مسلمون حرام علينا دماؤهم وأموالهم، مع العلم القطعي بأنهم لا يؤذنون ولا يصلون ولا يزكون، بل الظاهر عنهم أنهم كافرون بالشرائع وينكرون البعث بعد الموت، فسبحان الله ما أعظم هذا الجهل. وقد ذكرنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام شراح الحديث ما فيه الهدى لمن هداه الله وبين أن العصمة شرطها التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. فمن لم يأت بهذه الثلاث لم يكف عنهم، ولم يخل سبيلهم. وقد قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقال النبي ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله أن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله". وأما كلام الفقهاء فنذكره على التفصيل إن شاء الله "أما كلام المالكية فقال الشيخ على الأجهوري في شرح المختصر: من ترك فرضاً آخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري قتله بالسيف حداً على المشهور.. وقال ابن حبيب وجماعة خارج المذهب كفراً، واختاره ابن عبد السلام انتهى. وقال في فضل الأذان، قال المازري: في الأذان معنيان أحدهما إظهار الشعائر والتعريف بأن الدار دار الإسلام وهو فرض كفاية يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، فإن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال قوتلوا، والثاني الدعاء للصلاة والإعلام بوقتها. وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إذا لم يسمع الأذان أغار وإلا أمسك وقال المصنف يقاتلون عليه ليس القتال من خصائص القول بالوجوب إلا أنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم لأن في التمالي على تركها إماتتها انتهى. وقال في فضل صلاة الجماعة. قال ابن رشد: صلاة الجماعة مستحبة للرجال في نفسه فرض كفاية في الجملة، ويعني بقوله في الجملة إنها فرض كفاية، على أهل المصر لو تركوها قوتلوا كما تقدم انتهى.

стр. 24

وعبارة غيره وإن تركها أهل بلد قوتلوا وأهل حارة اجبروا عليها.. انتهى كلام الشيخ علي الأجهوري. فانظر تصريحهم بأن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك وإنما اختلفوا في كفره، وإن ابن حبيب وابن عبد السلام اختاروا أنه يقتل كافرا. وتأمل كلامهم في الطائفة الممتنعة عن الأذان أو عن إقامة الجماعة في المساجد انهم يقاتلون، فأين هذا من قولكم أن من ترك الفرائض مع الإقرار بوجوبها لا يحل قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله. وأما كلام الشافعية فقال الشيخ الإمام العلامة أحمد بن حمدان الأذرعي ﵀ في كتاب (قوت المحتاج في شرح المنهاج) من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها كفر بالإجماع، وذلك جار في كل جحود مجمع عليه من الدين بالضرورة، فإن تركها كسلاً قتل حداً على الصحيح أوالمشهور. أما قتله فلأن الله أمر بقتل المشركين ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولمافي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلاالله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا هم فاعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأمولهم إلا بحقها" ثم قال: (اشارات) منها جعل قتله ردة ووجد لشرذمة منهم منصور التميمي، وابن خزيمة، وقضية كلام الرونق أنه كلام منصور حيث قال: فإذا قتل ففي ماله ودفنه بين المسلمين قولان: أحدهما مارواه الربيع عن الشافعي أن ماله يكون لورثته ويدفن في مقابر المسلمين. وقال منصور في المستعمل سألت الربيع ما نصنع بماله إذا قتلناه؟ قال يكون فيئا. (ومنها) قال في الروضة: تارك الوضوء يقتل على الصحيح جزم به الشيخ أبو حامد. وفي البيان: لو صلى عريان مع القدرة على الستر أوالفريضة قاعداً بلا عذر قتل، وكذلك لو ترك التشهد والإعتدل، حكاه ابن الاستاذ عن البحر. فإن صح طرد في سائر الأركان والشروط، ويجب أن يكون محله فيما أجمع عليه، ومنها لو امتنع من الصوم والزكاة حبس ومنع المفطرات. وقال إمام الحرمين يجوز أن يجعل الممتنع مما يضيق عليه كالممتنع من الصلاة يجبر عليه، فإن أبى ضربت عنقه. قال المصنف والصحيح قتله بصلاة واحدة بشرط اخراجها عن وقت الضرورة انتهى كلام الأذرعي. فانظر كلامه في قتل من ترك الصلاة كسلاً. وأن الربيع روى عن الشافعي أن ماله يكون فيئا ولا يدفن في مقابر المسلمين. وتأمل كلام أبي حامد وكلام صاحب الروضة في قتل تارك الوضوء وكلام صاحب البيان فمن صلى عريان مع القدرة على التستر وصلى الفريضة قاعداً بلا عذر أنه يقتل، فأين هذا من قولكم أن من قال لا إله إلا الله كف عنه ولايجوز قتاله بوجه من الوجوه.

стр. 25

وقال الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي في التحفة في باب حكم تارك الصلاة: أن ترك الصلاة جاحداً وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلاً مع اعتقاده وجوبها قتل للآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر "أمرت أن أقاتل الناس" لأنهما شرطاً في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لأن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة، فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة. وقال في باب صلاة الجماعة قيل وهي فرض للرجال فتجب بحيث تظهر بها الشعائر في ذلك المحل في البادية أو غيرها فإن لم يظهر الشعار بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم -كأهل محلة من قرية كبيرة ولم يظهر الشعار إلا بهم - قوتلوا، يقاتلهم الإمام أو نائبه لإظهارهذه الشعيرة الكبيرة. وقال في باب الأذان: والإقامة سنة وقيل فرض كفاية فيقاتل أهل بلد تركوهما أواحدهما بحيث لم يظهروا الشعائر. وقال في باب صلاة العيد: هي سنة وقيل فرض كفاية فعليه يقاتل أهل بلد تركوها. انتهى كلامه في التحفة. فانظر كلامهم في قتل تارك الصلاة كسلاً. وتأمل قوله أن الآية والحديث شرطاً في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام، وإقام الصلاة، وإتياء الزكاة، وان الإمام يأخذ الزكاة بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا. وتأمل كلامه في باب صلاة الجماعة، وانها تجب بحيث يظهر الشعار في ذلك المحل حتى في البادية وأنهم يقاتلون إذا امتنعوا. وتأمل كلامه في الأذان والإقامة وأن الإمام يقاتل على تركهما وعلى ترك أحدهما على القول بأنهما فرض كفاية. وتأمل كلامه في الطائفة اذا امتنعوا من صلاة العيدين، فأين هذا من كلام من يقول: إن أهل البلد والبوادي إذا قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله لم يجز قتالهم وان لم يصلوا ولم يزكوا، سبحان الله ما أعظم هذا الجهل. وأما كلام الحنابلة في الإقناع وشرحه في كتاب الصلاة: ومن جحد وجوبها كفر، فإن تركها تهاوناً وكسلاً لا جحوداً دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، فيهدده فأن أبي أن يصلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿َإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فمن ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل. ولقوله ﵇: "ومن ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ورسوله" رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيد. ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كمترد نصاً، فإن تاب بفعلها وإلا قتل بضرب

стр. 26

عنقه بالسيف لما رواه جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم. روى بريدة أن النبي ﷺ قال: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي، انتهى. وقال ﵀ في باب الأذان والإقامة: فإن تركهما أي الأذان والإقامة أهل بلد قوتلوا، أي يقاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهر. فقتلوا على تركهما كصلاة العيد. وقال ﵀ في باب صلاة الجماعة: وهي واجبة وجوب عين. فيقاتل تاركها كالأذان. لكن الأذان إنما يقاتل على تركها أهل البلد كلهم، بخلاف الجماعة فإنه يقاتل تاركها وإن أقامها غيره لأن وجوبها على الأعيان بخلافه. وقال ﵀ في باب صلاة العيدين: وهي فرض كفاية إن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر قاتلهم الإمام كالأذان، لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين. وقال ﵀ في (باب إخراج الزكاة) ومن منعها بخلاً أو تهاوناً أخذت منه قهراً كدين الآدمي، وإن غيب ماله أو كتمه وأمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت منه بغير زيادة. وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوباً. فإن تاب وأخرج كف عنه وإلا قتل لاتفاق الصحابة في قتال مانعيها وإن لم يمكن أخذها إلا بقتال وجب على الإمام قتاله إن وضعها موضعها. انتهى كلامه في الإقناع وشرحه. فتأمل كلامه فيمن ترك الصلاة كسلاً من غير جحود أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً -وتأمل كلامه في أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة وصلاة العيد إنهم يقاتلون بمجرد ترك ذلك، فهذا كلام المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه، فإذا كانوا مصرحين بقتال من التزم شرائع الإسلام، إلا أنهم تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد، فكيف بمن ترك الصلاة رأساً كالبوادي الذين لا يصلون ولا يزكون ولا يصومون. بل ينكرون الشرائع. وينكرون البعث بعد الموت هذا هو الغالب عليهم إلا من شاء الله وهم القليل. وإلا فأكثرهم ليس معهم من الإسلام إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله. ومع هذا يجادل عنهم علماء مكة المشرفة ويقولون: إنهم مسلمون وإن دماءهم وأموالهم حرام بحرمة الإسلام وإن لم يزكوا ولم يصوموا. إلا إنهم يقولون لا إله إلا الله. وهل هذا إلا رد على الله تعالى حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وهؤلاء يقولون يخلى سبيلهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا.

стр. 27

وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام" وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلا الله عصم دمه وماله وإن لم يصل ولم يزك ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فهذا كتاب الله. وهذه سنة رسوله. وهذا إجماع الصحابة على قتل من ترك الصلاة ومن منع الزكاة. وقال صديق الأمة أبو بكر ﵁: والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ -وفي رواية عناقاً- لقاتلهم على منعها. وهذا أيضاً إجماع العلماء. قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين بين وأولى. انتهى. وقال أبو العباس ﵀: القتال واجب حتى يكون الدين كله لله. وحتى لا تكون فتنة. فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. فأيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات أو الزكاة أو الصيام أو الحج. أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر. أو نكاح ذوات المحارم. أو عن التزام جهاد الكفار. أو ضرب الجزية على أهل الكتاب. أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماتها التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها. التي يكفر الواحد بجحودها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر أو الأذان والإقامة عند من يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر. فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها. انتهى كلامه. فتأمل كل إمام الحنابلة وتصريحه بأن من امتنع من شرائع الإسلام الظاهرة كالصلوات الخمس والصيام أو الزكاة أو الحج، وعن ترك المحرمات كالزنا أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك فإنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك حتى يكون الدين كله لله ويلتزمون جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وإن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الطوائف من الصحابة فمن بعدهم. فأين هذا من قولكم: إن من قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه وإن ترك الفرائض وارتكب المحرمات، بل من تأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده عرف أن قولكم هذا مضاد لما فعله النبي ﷺ وما فعله الخلفاء الراشدين ومن بعدهم.

стр. 28

فيا سبحان الله أما علمتم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وهم يقولون: لا إله إلا الله وسبى نساءهم، واستحل دماءهم وأموالهم؟ أما علمتم أن رسول الله ﷺ أراد أن يغزوا بني المصطلق لما قيل له أنهم منعوا الزكاة. وكان الذي قاله كاذباً. والقصة المشهور في كتب الحديث والتفسير. وذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . أما علمتم أن علي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية مع انهم يقولون لا إله إلا الله؟ أما علمتم أن الصحابة ﵃ قاتلوا الخوارج بأمر نبيهم ﷺ . مع أنه ﷺ أخبر أن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم. وقال: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويؤذنون ويصومون؟ أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني يربوع لما منعوا الزكاة. مع أنهم مقرون بوجوبها. وكانوا قد جمعوا صدقاتهم أرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة. وفي أمر هؤلاء عرضت الشبهة لعمر ﵁ حتى جلاها الصديق أبو بكر ﵁ وقال: والله لو منعوني عقالاً -وفي رواية عناقاً- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.. وقد تقدم ذلك مبسوطاً. وذكرنا لفظه في شرح مسلم في (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) . أما علمتم أن رسول الله ﷺ بعث البراء إلى رجل تزوج امرأة كما رواه الترمذي في سننه حيث قال (باب فيما جاء فيمن تزوج امرأة أبيه) حدثنا أبو سعيد الأشج أخبرنا حفص بن غياث عن أشعث عن عدي بن ثابت عن البراء قال: مر بي خالي أبو بردة ومعه لواء فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن آتيه برأسه. حديث حسن غريب. انتهى ولو تتبعنا الآيات والأحاديث والآثار وكلام العلماء في قتال من قال: لا إله إلا الله إذا ترك بعض حقوقها لطال الكلام جداً. فكيف بمن جحد الإسلام كله. وكذب به. واستهزأ به على عمد إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله كهؤلاء البوادي؟ وفيما ذكرنا كفاية لمن طلب الأنصاف، فقد ذكرنا الأدلة من كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة، وإجماع الصحابة، وإجماع العلماء بعدهم. فإن كان هذا الذي ذكرناه له معنى آخر ما فهمناه بينوه لنا من كلام الله وكلام العلماء، فرحم الله امرءا نظر لنفسه وعرف أنه ملاق الله الذي عنده الجنة والنار.

стр. 29

المسألة الثالثة: هل يجوز البناء على القبور ... المسألة الثالثة وأما المسألة الثالثة فقالوا: فهل يجوز البناء على القبور؟ فنقول: ثبت في الصحيحين والسنن عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن البناء على القبور وأمر بهدمه، كما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا يحيى حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن ثابت عن أبي وائل الهياج الأسدي قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته. وقال أيضاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه. وقال أيضاً: حدثنا ابن شفى هارون بن سعيد الالي قال حدثنا وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن ثمامة حدثه قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم بردوس فتوفي صاحب لنا. فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها. وقال الترمذي: (باب ما جاء في تسوية القبور) حدثنا محمد بن بشار: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن حبيب عن أبي ثابت عن وائل أن علياً ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته. قال: وفي الباب عن جابر وقال ابن ماجه في (باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها) : حدثنا زهير بن مروان حدثنا عبد الرزاق عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور. وحدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبور شيء. وحدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا وهب، حدثنا عبد الرحمن بن زيد عن القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبور.

стр. 30

وقال النووي ﵀ في شرح مسلم: قال الشافعي ﵀ في الأم: رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويؤيد الهدم قوله: ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.. وقال الأذرعي ﵀ في (قوت المحتاج) ثبت في صحيح مسلم النهى عن التجصيص والبناء وفي الترمذي وغيره: النهى عن الكتابة. وقال القاضي ابن كج: ولا يجوز أن يبنى عليها قباب ولا غيرها، والوصية عليها باطلة. قال الأذرعي: ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره من غير حاجة على من علم النهى، بل هو القياس الحق، والوجه في البناء على القبور المباهاة والمضاهاة للجبابرة والكفار، والتحريم ثبت بدون ذلك. وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وانفاق الأموال الكثيرة عليه فلا ريب في تحريمه. والعجب كل العجب ممن يلزم ذلك الورثة من حكام العصر ويعمل بالوصية بذلك! انتهى كلام الأذرعي ﵀. ومن جمع سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب والمحجوب وغيرهما وجد أحدهما مضاداً للأخر، مناقضاً له بحيث لا جتمعان أبداً. فنهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور كما تقدم ذكره، وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في (المعلاة) أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها وأنتم تزيدون عليها غير التراب والتابوت الذي عليه ولباس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص. وقد روى أبو داود من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه، ونهى رسول الله ﷺ عن الكتابة عليها كما تقدم في صحيح مسلم. وقال أبو عيسى الترمذي (باب ما جاء في تجصيص القبور والكتابة عليها) حدثنا عبد الرحمن بن الأسود حدثنا محمد بن ربيعة عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن نجصص القبور وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ. هذا حديث حسن صحيح وهذه القبور عندكم مكتوب عليها القرآن والأشعار. وقال أبو داود (باب البناء على القبور) حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرني ابن جريج قال حدثني أبو النبير أنه سمع جابرا يقول: سمعت النبي ﷺ "نهى أن يعقد على القبر، وأن يجصص وأن يبنى عليها" انتهى. ولعن رسول الله ﷺ من أسرجها والذي رأيته ليلة دخولنا مكة شرفها الله في المقبرة أكثر من مئة قنديل، هذا مع علمكم أن رسول الله صلى الله عليه

стр. 31

وسلم لعن فاعله، فقد روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أهل السنن. وأعظم من هذا كله وأشد تحريماً الشرك الأكبر الذي يفعل عندها وهو دعاء المقبورين وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكن تقولون لنا أن هذا لا يفعل عندها وليس عندها أحد يدعوها ويسألها، ونقول: اللهم اجعل ما ذكرناه حقاً وصدقاً ونسأل الله أن يطهر حرمه من الشرك.. ولا ريب أن دعاء الموتى وسؤالهم جلب الفوائد وكشف الشدائد إنه من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين كما تقدم بيانه في المسألة الأولى وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ . وقد روى الترمذي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ رواه أحمد وأبو داود والترمذي. قال العلقمي في شرح الجامع الصغير حديث (الدعاء مخ العبادة) وقال شيخناً قال في النهلة مخ الشيء خالصه، وانما كان مخها لأمرين أحدهما أنه امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وخالصها.. والثاني إذا رأى نجاح الأمور من الله تعالى قطع عمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده وهذا أصل العبادة. ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها، وهذا هو المطلوب من الدعاء. وقوله (الدعاء هو العبادة) قال شيخناً قال الطيالسي أتى بالخبر المعرف باللام ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. وقال شيخناً قال البيضاوي لما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تتأهل أن تسمى عبادة من حيث يدل على أن فاعله مقبل على الله معرض عما سواه لا يرجو إلا إياه، ولا يخاف إلا منه واستدل عليه بالآية يعني بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فأنها تدل على أنه أمر مأمور به

стр. 32

إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والسبب على المسبب، وما كان كذلك كان أتم العبادة. انتهى كلام العلقمي ﵀. وليكن هذا آخر الكلام على هذا المسائل الثلاث، فان وافقتمونا على أن هذا هو الحق فهو المطلوب، وان زعمتم أن الحق خلافه فأجيبونا بعلم من الكتاب والسنة فانهما الحاكمان بين الناس فيما تنازعوا فيه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقد ذكرنا لكم الأدلة فاذكروا لنا جوابها من الكتاب والسنة وكلام الأئمة فإذا أجبتم على هذه المسائل الثلاث أجبناكم عن بقية المسائل. ولنختم الكلام بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ . والحمد لله أولاً وآخراً كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 33

مجموعة الرسائل والمسائل والفتاوى مسألة هل يجب على المبتدئين المتعلمين الرقي إلى معرفة الدليل أم يكفيهم بتقليد من سبقهم مدخل ... مجموعة الرسائل والمسائل والفتاوى (وبه أستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. (مسألة) ما قولكم نور الله قلوبكم لفك المعضلات، ووفقكم للأعمال الصالحات: هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناص على كل مسألة ومعرفة طرقه وصحته؟ أم تقليد المخرجين للحديث أنه صحيح أو حسن، أو يكفيهم العمل بالفقهيات المجردة عن الدليل يغنهم هذا فيمن طلب العلم وتأهل له. فما الحال في العوام هل يجزئهم مجرد التقليد؟ وأيضاً حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد فأفيدونا واحتسبوا فان الحاجة ماسة إلى هذه المباحث فان تتفضلوا بطول الجواب وذكر الدليل ومن قال به فهو المطلوب. فأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر رحمه الله تعالى: الجواب وبالله التوفيق. لا ريب أن الله سبحانه فرض على عباده طاعته وطاعة رسوله ﷺ قال الله تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى قوله ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ولم يوجب الله على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ، واتفق العلماء على أنه ليس أحد معصوماً إلا رسول الله ﷺ . وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون فقال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه. وقال معن بن عيسى سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في قولي فكل ما خالف الكتاب والسنة فاتركوه. وقال ابن القاسم كان مالك يكثر أن يقول: (أن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين) وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وإذا رأيت الحجة على الطريق فهي قولي. والأمام أحمد كان يقول لا تقلدوني ولا تقلدوا

стр. 34

مالكاً ولا الشافعي ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا. وكان يقول من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال. وقال لا تقلد دينك الرجال فانهم لن يسلموا من أن يغلطوا. وقال ابن عبد البر أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله. ولهذا جعل الفقهاء من شروط القاضي أن يكون مجتهداً فلا يصح أن يتولاه المقلد. هذا الذي عليه جمهور العلماء قال في الإفصاح١ اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة فإنه قال يجوز ذلك. وقال الموفق في المغني٢. يشترط في القاضي ثلاثة شروط (أحدها) الكمال وهو نوعان كمال الأحكام وكمال الخلقة (والثاني) العدالة (والثالث) أن يكون من أهل الاجتهاد وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية وقال بعضهم يجوز أن يكون عامياً فيحكم بالتقلد لأن الغرض فصل الخصومات فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين ولنا قوله تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولم يقل بالتقليد وقال ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وقال ﴿فافَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وروى بريدة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار" رواه ابن ماجه (١) والعامي يقضى على جهل ولأن الحكم آكد من الفتيا لأنه فتيا وإلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون مقلداً فالحاكم أولى انتهى. وقال في الإنصاف (٢) ويشترط القاضي أن يكون مجتهداً هذا المذهب المشهور وعليه معظم الأصحاب، قال ابن حزم يشترط كونه مجتهداً إجماعاً وقال أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله، وقال في الإفصاح الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة وأن الحق لا يخرج عنهم واختار في الترغيب ومجتهداً٣ في مذهب إمامه للضرورة. واختار في الإفصاح والرعاية ومقلداً

стр. 35

(قلت) وعليه العمل من مدة طويلة وإلا تعطلت أحكام الناس وقيل في المقلد يفتي ضرورة وذكر القاضي أن ابن شاقلا اعترض عليه بقول الإمام أحمد لا يكون فقيهاً حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث فقال ان كنت لا أحفظه فانني أفتى بقول من يحفظ أكثر منه. قال القاضي لا يقتضي هذا أنه كان يقلد أحمد لمنعه الفتيا بلا علم قال بعض الأصحاب: ظاهره تقليده إلا أن يحمل على أخذ طرق العلم عنه. وقال ابن بشار من الأصحاب لا أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها. وقال القاضي هذا منه مبالغة في فضله وظاهر نقل عبد الله يفتي غير مجتهد ذكره القاضي وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة انتهى ملخصاً. وذكر ابن القيم مسئلة التقليد في الفتيا ثلاثة أقوال: (أحدها) أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد لأنه ليس بعلم والفتوى بغير علم حرام ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم وأن المقلد لا يطلق عيه اسم عالم وهذا قول أكثر الأصحاب وهو قول جمهور الشافعية. (والثاني) أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه فيجوز أن يقلد غيره من العلماء إذا كان الفتوى لنفسه ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به لغيره وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا. (والقول الثالث) أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد وهو أصح الأقوال وعليه العمل انتهى كلام ابن القيم ﵀. فتبين بما ذكرناه أن المقلد ليس بعالم وإن التقليد إنما يصار إليه عند الحاجة للضرورة ولكن قد دعت الحاجة والضرورة إليه من زمان طويل لا سيما في هذا الوقت وحينئذ فيقال التقليد ثلاثة أنواع: (أحدها) التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد فهذا لا يجوز وقد اتفق السلف والأئمة على ذمه وتحريمه قال الشافعي ﵀ أجمع المسلمون على أنه من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. (النوع الثاني) التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل فهذا مذموم أيضاً لأنه عمل على جهل وإفتاء بغير علم مع قدرته وتمكنه من معرفة الدليل المرشد والله تعالى قد أوجب على عباده أن يتقوه بحسب استطاعتهم فقال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه ثم يلتزم طاعة الله ورسوله ولم يكلف الله عباده ما لا يطيقونه بل الواجب

стр. 36

على العبد ما يستطيعه من معرفة الحق فإذا بذل مجهوده في معرفة الحق فهو معذور فيما خفي عليه. (النوع الثالث) التقليد السائغ وهو تقليد أهل العلم عند العجز عن معرفة الدليل وأهل هذا النوع نوعان أيضاً (أحدهما) من كان من العوام الذين لا معرفة لهم بالفقه والحديث ولا ينظرون في كلام العلماء فهؤلاء لهم التقليد بغير خلاف بل حكى غير واحد إجماع العلماء على ذلك. (النوع الثاني) من كان محصلاً لبعض العلوم قد تفقه في مذهب من المذاهب وتبصر في كتب متأخري الأصحاب كالإقناع والمنتهى في مذهب الحنابلة أو المنهاج ونحوه في مذهب الشافعية أو مختصر خليل ونحوه في مذهب المالكية أو الكنز ونحوه في مذهب الحنفية ولكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل ومعرفة الراجح من كلام العلماء فهذا له التقليد أيضاً إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة مشهورة وذلك لقوله تعالى ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفي الحديث عن النبي ﷺ : "ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال" ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستفتون العلماء ويتبعونهم في الأحكام الشرعية والعلماء يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير فكان إجماعاً على جواز اتباع العامي العلماء المجتهدين ويلزم هذا العامي أن يقلد الأعلم عنده كما يلزمه في مسألة القبلة فإذا اجتهد مجتهدان عند اشتباه القبلة فاختلفا في الجهة اتبع المقلد أوثقهما عنده ولا يجوز له أن يتبع الرخص بل يحرم لك عليه ويفسق به. قال ابن عبد البر لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً. ولا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه. قال الشيخ تقي الدين في الأخذ برخص المذهب وعزائمه طاعة١ غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه وهو خلاف الإجماع وتوقف أيضاً في جوازه. وبالجملة فالعامي الذي ليس له من العلم حظ ولا نصيب فرضه التقليد فإذا وقعت له حادثة استفتى من عرفه عالماً عدلاً أو رآه منتصباً للإفتاء والتدريس واعتبر الشيخ تقي الدين وابن الصلاح الاستفاضة بأنه أهل للفتيا ورجحه النووي في الروضة ونقله عن أصحابه. وقال الشيخ تقي الدين لا يجوز أن يستفتي إلا من يفتي بعلم وعدل. فعلى هذا لا يكتفي بمجرد اعتزائه إلى العلم ولو بمنصب تدريس أو غيره لا سيما في هذا الزمان

стр. 37

الذي غلب فيه الجهل وقل فيه طلب العلم وتصدى فيه جهلة الطلبة للقضاء والفتيا فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب ولا يعلم صورة المسئلة بل لو طولب بإحضار تلك المسألة وهي في الكتاب لم يهتد إلى موضعها فإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس قال في شرح مختصر التحرير ويلزم ولي الأمر منع من لم يعرف بعلم أو جهل حاله من الفتيا قال ربيعة بعض من يفتي أحق بالضرب من السراق. ولا تصح الفتيا من مستور الحال. وما يجيب به المقلد عن حكم فإخبار عن مذهب إمامه لا فتيا قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق ويعمل بخبره إن كان عدلاً لأنه ناقلاً كالراوي. ولعامي تقليد مفضول من المجتهدين عند الأكثر من أصحابنا منهم القاضي وأبو الخطاب وصاحب الروضة وقاله الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية وقيل يصح إن اعتقده فاضلاً أو مساوياً لا أن اعتقده مفضولاً لأنه ليس من القواعد أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح وقال ابن عقيل١ وابن سيرج والقفال والسمعاني يلزمه الاجتهاد فيقدم الأرجح، ومعناه قول الخرقي والموفق في المقنع ولأحمد روايتان. ويلزمه إن بان له الأرجح تقليده في الأصح زاد بعض أصحابنا وبعض الشافعية في الأظهر ويقدم الأعلم على الأورع، ويخير في تقليد أحد مستويين عند أكثر أصحابنا قال في الرعاية ولا يكفيه من تسكن نفسه إليه، بل لا بد من سكون النفس والطمأنينة به، ويحرم عليه تتبع الرخص ويفسق به. وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر بخلافه تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب وذكر أنه ظاهر كلام أحمد وقيل يأخذ بقول الأفضل منهما علماً وديناً وهذا اختيار الموفق في الروضة. ويحرم تساهل مفت وتقليد معروف به٢ لأن الفتيا أمر خطر فينبغي أن يتبع السلف الصالح في ذلك فقد كانوا يهابون الفتيا كثيراً وقد قال الإمام أحمد إذا هاب الرجل شيئاً لا ينبغي أن يحمل على أن يقول به. قال بعض الشافعية من اكتفى في فتياه بقول أو وجه في المسئلة من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع. وذكر عن أبي الوليد الباجي٣ إنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول الذي لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه، قال أبو الوليد وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع. انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصاً. وهذا الذي ذكره أبو الوليد ذكر مثله الشيخ تقي الدين وصاحب الإنصاف وغيرهما. قال في الاختيارات وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى أو بقول أو وجه

стр. 38

من غير نظر في الترجيح ويجب العلم بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعاً. وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان ويجب تولية الأمثل فالأمثل وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره فيولي مع عدم العدل انفع الفاسقين وأقلهما شراً وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه الاورع وفيما نذر حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. انتهى.

стр. 39

هل يجب على المتعلم معرفة الدليل (وقول السائل) وفقه الله هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناص على كل مسألة. (جوابه) يعلم مما تقدم أن عليه أن يتقي الله بحسب استطاعته فيلزمه من ذلك ما يمكنه ويسقط عنه ما يعجز عنه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فلا يهجم على التقليد ويخلد إلى أرضه مع قدرته على معرفة الدليل لا سيما إذا كان قاضياً أو مفتياً وله ملكة قوية يقوى بها على الاستدلال ومعرفة الراجح فإن الرجل النبيه الذي له فهم وفيه ذكاء إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الكتب التي يذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم كالمغني والشرح١ والتمهيد لابن عبد البر ونحوه هذه الكتب يحصل عنده في الغالب ما يعرف به رجحان أحد القولين فإذا كان طالب العلم متمذهباً بأحد المذاهب الأربعة ثم رأى دليلاً مخالفاً لمذهب إمامه وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب ولم يعلم له ناسخاً ولا معارضاً فخالف مذهبه واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل كان مصيباً في ذلك بل هذا الواجب عليه ولم يخرج بذلك عن التقليد فهو مقلد لذلك الإمام فيجعل إماماً بازاء إمام ويبقى له الدليل بلا معارض. قال في الإختيارات من كان متبعاً لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن. وقال أبو العباس في موضع آخر بل يجب عليه وان أحمد نص عليه ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع. وقال أيضاً أكثر من يميز في العلم من المتوسطين إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام ترجح عنده أحدهما لكن قد لا يثق بنظره بل يحتمل عنده مالا يعرف جوابه والواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة إذا ترجح عنده أحدهما قلده والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى بالإتباع من دليل عام على أن أحدهما أعلم أو أدين لأن الحق واحد ولابد ويجب أن ينصب الله على الحكم دليلاً٢ انتهى.

стр. 40

وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته "قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" ولازم ذلك أن من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيراً فيكون التفقه في الدين فرضاً والفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهاً لكن من الناس من قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته ويلزمه ما يقدر عليه "وأما القادر على الاستدلال فقيل يحرم عليه التقليد مطلقاً وقيل يجوز مطلقاً وقيل يجوز عند الحاجة كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال وهذا القول أعدل الأقوال. والاجتهاد ليس هو أمراً واحداً لا يقبل التجزي والانقسام بل قد يكون الرجل مجتهداً في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه، فمن نظر في مسألة تنازع فيها العلماء ورأى مع أحد القولين نصوصاً لم يعلم لها معارضاً بعد نظر مثله فهو بين أمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه ومثل هذا ليس بحجة شرعية بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره باشتغاله على مذهب إمام آخر، وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه وحينئذ فيكون موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل فهذا هو الذي يصلح وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاده تاماً في هذا المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النصوص فهذا يجب عليه اتباع النصوص وإن لم يفعل كان متبعاً للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ورسوله، بخلاف من يقول قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها فهذا يقال له قد قال الله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول هو الراجح فعليك أن تتبع ذلك ثم أن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضاً راجحاً كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من حق هو محمود فيه بخلاف اصراره على قول لا حجة معه عليه وترك القول الذي ترجحت حجته. وأما الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم. "وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه لا سيما إن كان قد رواه أيضاً فمثل هذا لا يكون عذار في ترك النص فقد بينا فيما كتبناه في (رفع الملام عن الأئمة الاعلام) نحواً من عشرين عذراً للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الاعذار وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول فمن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس أو عمل بعض الأمصار وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه وان نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل لم يكن عذر ذلك الرجل عذراً في حقه فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان
следующие страницы →