على العبد ما يستطيعه من معرفة الحق فإذا بذل مجهوده في معرفة الحق فهو معذور فيما خفي عليه.
(النوع الثالث) التقليد السائغ وهو تقليد أهل العلم عند العجز عن معرفة الدليل وأهل هذا النوع نوعان أيضاً (أحدهما) من كان من العوام الذين لا معرفة لهم بالفقه والحديث ولا ينظرون في كلام العلماء فهؤلاء لهم التقليد بغير خلاف بل حكى غير واحد إجماع العلماء على ذلك.
(النوع الثاني) من كان محصلاً لبعض العلوم قد تفقه في مذهب من المذاهب وتبصر في كتب متأخري الأصحاب كالإقناع والمنتهى في مذهب الحنابلة أو المنهاج ونحوه في مذهب الشافعية أو مختصر خليل ونحوه في مذهب المالكية أو الكنز ونحوه في مذهب الحنفية ولكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل ومعرفة الراجح من كلام العلماء فهذا له التقليد أيضاً إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة مشهورة وذلك لقوله تعالى ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وفي الحديث عن النبي ﷺ : "ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال" ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستفتون العلماء ويتبعونهم في الأحكام الشرعية والعلماء يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير فكان إجماعاً على جواز اتباع العامي العلماء المجتهدين ويلزم هذا العامي أن يقلد الأعلم عنده كما يلزمه في مسألة القبلة فإذا اجتهد مجتهدان عند اشتباه القبلة فاختلفا في الجهة اتبع المقلد أوثقهما عنده ولا يجوز له أن يتبع الرخص بل يحرم لك عليه ويفسق به. قال ابن عبد البر لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً. ولا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه. قال الشيخ تقي الدين في الأخذ برخص المذهب وعزائمه طاعة١ غير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه وهو خلاف الإجماع وتوقف أيضاً في جوازه.
وبالجملة فالعامي الذي ليس له من العلم حظ ولا نصيب فرضه التقليد فإذا وقعت له حادثة استفتى من عرفه عالماً عدلاً أو رآه منتصباً للإفتاء والتدريس واعتبر الشيخ تقي الدين وابن الصلاح الاستفاضة بأنه أهل للفتيا ورجحه النووي في الروضة ونقله عن أصحابه.
وقال الشيخ تقي الدين لا يجوز أن يستفتي إلا من يفتي بعلم وعدل. فعلى هذا لا يكتفي بمجرد اعتزائه إلى العلم ولو بمنصب تدريس أو غيره لا سيما في هذا الزمان
стр. 37
الذي غلب فيه الجهل وقل فيه طلب العلم وتصدى فيه جهلة الطلبة للقضاء والفتيا فتجد بعضهم يقضي ويفتي وهو لا يحسن عبارة الكتاب ولا يعلم صورة المسئلة بل لو طولب بإحضار تلك المسألة وهي في الكتاب لم يهتد إلى موضعها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس
قال في شرح مختصر التحرير ويلزم ولي الأمر منع من لم يعرف بعلم أو جهل حاله من الفتيا قال ربيعة بعض من يفتي أحق بالضرب من السراق. ولا تصح الفتيا من مستور الحال. وما يجيب به المقلد عن حكم فإخبار عن مذهب إمامه لا فتيا قاله أبو الخطاب وابن عقيل والموفق ويعمل بخبره إن كان عدلاً لأنه ناقلاً كالراوي. ولعامي تقليد مفضول من المجتهدين عند الأكثر من أصحابنا منهم القاضي وأبو الخطاب وصاحب الروضة وقاله الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية وقيل يصح إن اعتقده فاضلاً أو مساوياً لا أن اعتقده مفضولاً لأنه ليس من القواعد أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح وقال ابن عقيل١ وابن سيرج والقفال والسمعاني يلزمه الاجتهاد فيقدم الأرجح، ومعناه قول الخرقي والموفق في المقنع ولأحمد روايتان. ويلزمه إن بان له الأرجح تقليده في الأصح زاد بعض أصحابنا وبعض الشافعية في الأظهر ويقدم الأعلم على الأورع، ويخير في تقليد أحد مستويين عند أكثر أصحابنا قال في الرعاية ولا يكفيه من تسكن نفسه إليه، بل لا بد من سكون النفس والطمأنينة به، ويحرم عليه تتبع الرخص ويفسق به. وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم والآخر بخلافه تخير في الأخذ بأيهما شاء على الصحيح، اختاره القاضي والمجد وأبو الخطاب وذكر أنه ظاهر كلام أحمد وقيل يأخذ بقول الأفضل منهما علماً وديناً وهذا اختيار الموفق في الروضة.
ويحرم تساهل مفت وتقليد معروف به٢ لأن الفتيا أمر خطر فينبغي أن يتبع السلف الصالح في ذلك فقد كانوا يهابون الفتيا كثيراً وقد قال الإمام أحمد إذا هاب الرجل شيئاً لا ينبغي أن يحمل على أن يقول به. قال بعض الشافعية من اكتفى في فتياه بقول أو وجه في المسئلة من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع. وذكر عن أبي الوليد الباجي٣ إنه ذكر عن بعض أصحابهم أنه كان يقول الذي لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه، قال أبو الوليد وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع. انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصاً.
وهذا الذي ذكره أبو الوليد ذكر مثله الشيخ تقي الدين وصاحب الإنصاف وغيرهما. قال في الاختيارات وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى أو بقول أو وجه
стр. 38
من غير نظر في الترجيح ويجب العلم بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعاً. وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان ويجب تولية الأمثل فالأمثل وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره فيولي مع عدم العدل انفع الفاسقين وأقلهما شراً وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه الاورع وفيما نذر حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. انتهى.
стр. 39
هل يجب على المتعلم معرفة الدليل
(وقول السائل) وفقه الله هل يلزم المبتدئين المتعلمين الترقي إلى معرفة الدليل الناص على كل مسألة.
(جوابه) يعلم مما تقدم أن عليه أن يتقي الله بحسب استطاعته فيلزمه من ذلك ما يمكنه ويسقط عنه ما يعجز عنه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فلا يهجم على التقليد ويخلد إلى أرضه مع قدرته على معرفة الدليل لا سيما إذا كان قاضياً أو مفتياً وله ملكة قوية يقوى بها على الاستدلال ومعرفة الراجح فإن الرجل النبيه الذي له فهم وفيه ذكاء إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الكتب التي يذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم كالمغني والشرح١ والتمهيد لابن عبد البر ونحوه هذه الكتب يحصل عنده في الغالب ما يعرف به رجحان أحد القولين فإذا كان طالب العلم متمذهباً بأحد المذاهب الأربعة ثم رأى دليلاً مخالفاً لمذهب إمامه وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب ولم يعلم له ناسخاً ولا معارضاً فخالف مذهبه واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل كان مصيباً في ذلك بل هذا الواجب عليه ولم يخرج بذلك عن التقليد فهو مقلد لذلك الإمام فيجعل إماماً بازاء إمام ويبقى له الدليل بلا معارض.
قال في الإختيارات من كان متبعاً لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن.
وقال أبو العباس في موضع آخر بل يجب عليه وان أحمد نص عليه ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع.
وقال أيضاً أكثر من يميز في العلم من المتوسطين إذا نظر وتأمل أدلة الفريقين بقصد حسن ونظر تام ترجح عنده أحدهما لكن قد لا يثق بنظره بل يحتمل عنده مالا يعرف جوابه والواجب على مثل هذا موافقته للقول الذي ترجح عنده بلا دعوى منه للاجتهاد كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة إذا ترجح عنده أحدهما قلده والدليل الخاص الذي يرجح به قول على قول أولى بالإتباع من دليل عام على أن أحدهما أعلم أو أدين لأن الحق واحد ولابد ويجب أن ينصب الله على الحكم دليلاً٢ انتهى.
стр. 40
وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته "قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" ولازم ذلك أن من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيراً فيكون التفقه في الدين فرضاً والفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهاً لكن من الناس من قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته ويلزمه ما يقدر عليه
"وأما القادر على الاستدلال فقيل يحرم عليه التقليد مطلقاً وقيل يجوز مطلقاً وقيل يجوز عند الحاجة كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال وهذا القول أعدل الأقوال.
والاجتهاد ليس هو أمراً واحداً لا يقبل التجزي والانقسام بل قد يكون الرجل مجتهداً في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه، فمن نظر في مسألة تنازع فيها العلماء ورأى مع أحد القولين نصوصاً لم يعلم لها معارضاً بعد نظر مثله فهو بين أمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه ومثل هذا ليس بحجة شرعية بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره باشتغاله على مذهب إمام آخر، وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه وحينئذ فيكون موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل فهذا هو الذي يصلح وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاده تاماً في هذا المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النصوص فهذا يجب عليه اتباع النصوص وإن لم يفعل كان متبعاً للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ورسوله، بخلاف من يقول قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها فهذا يقال له قد قال الله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول هو الراجح فعليك أن تتبع ذلك ثم أن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضاً راجحاً كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من حق هو محمود فيه بخلاف اصراره على قول لا حجة معه عليه وترك القول الذي ترجحت حجته. وأما الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى فهذا مذموم.
"وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه لا سيما إن كان قد رواه أيضاً فمثل هذا لا يكون عذار في ترك النص فقد بينا فيما كتبناه في (رفع الملام عن الأئمة الاعلام) نحواً من عشرين عذراً للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الاعذار وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول فمن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس أو عمل بعض الأمصار وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه وان نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس والعمل لم يكن عذر ذلك الرجل عذراً في حقه فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان
стр. 41
وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقداً أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار من أهل المدينة النبوية الذين يقال أنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم انه منسوخ أو له معارض راجح، وقد بلغ من بعده أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه بل عمل به طائفة منهم من سمعه منهم ونحوه ذلك مما يقدح في هذا المعارض.
"وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد أنت أعلم أم الإمام الفلاني كانت هذه معارضة فاسدة لأن الإمام الفلاني قد عارضه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، فكما أن الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع وإذا تنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول -وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع آخر- فكذلك موارد النزاع بين الأئمة. وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب وأخذوا بقول من هو دونهما كأبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في دية الأصابع وأخذوا بقول معاوية لما كان معه من السنة أن النبي ﷺ قال: "هذه وهذه سواء" وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة فقال له أن أبا بكر وعمر يقولان.. فقال ابن عباس يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر. وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها فعارضوه بقول عمر فبين أن عمر يرد ما يقولونه فألحوا عليه فقال: أمر رسول الله ﷺ أحق أن يتبع أم أمر عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس. ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ﷺ ويبقي كل إمام في اتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به اليهود والنصارى في قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
стр. 42
بحث تقليد نقاد الحديث في صحته وغيرها
وأما السؤال السائل عن الترقي إلى معرفة طرق الحديث وصحته أم تقليد المخرجين للحديث في أنه صحيح أو حسن يكفيهم
فجوابه أن ذلك يكفيهم
قال في شرح مختصر التحرير ويشترط في المجتهد أن يكون عالماً بصحة الحديث وضعفه سنداً ومتناً ولو كان علمه بذلك تقليداً كنقله من كتاب صحيح من كتب الحديث المنسوبة إلى الأئمة كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والدارقطني والحاكم ونحوهم لأنهم أهل المعرفة بذلك فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقومين في القيم انتهى.
وقال في مسودة ابن تيمية: العامي الذي ليس معه آلة الاجتهاد في الفروع يجوز له التقليد فيها عند الشافعية والجمهور، قال أبو الخطاب ويجوز له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر وكون سنده صحيحاً أو فاسداً ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع انتهى.
стр. 43
وقال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في الفيته:
واخذ متن من كتاب لعمل ... أو احتجاج حيث ساغ قد جعل
عرضاً له على أصول يشترط ... وقال يحيى النووي أصل فقط
ثم قال المؤلف في شرحه أي وأخذ الحديث من كتاب من الكتب المعتمدة لعمل به أو احتجاج به إن كان ممن يسوغ له العمل الحديث أو الاحتجاج به جعل ابن الصلاح شرطه أن يكون ذلك الكتاب مقابلاً بمقابلة ثقة على أصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة، قال النووي فإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه. وقال ابن الصلاح في قسم الحسن حين ذكر أن نسخ الترمذي تختلف في قوله حسن أو حسن صحيح ونحو ذلك، فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول وتعتمد على ما اتفقت عليه. فقوله ينبغي قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك وإنما هو مستحب وهو كذلك انتهى كلام العراقي.
وقال أبو الحسن البكري الشافعي في كتابه (كنز المحتاج على المنهاج) لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهداً إلا إذا فوضت إليه واقعة خاصة: فيكفي الاجتهاد في تلك الواقعة بناءاً على تجزئ الاجتهاد وهو الأصح -إلى أن قال- وقد يحصل الإجتهاد في باب دون باب آخر ولا حاجة لتتبع الأحاديث بل يكفي أصل مصحح أعتني به بجمع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود -ولا أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه عند الحاجة- ولا إلى البحث عن رواة حديث أجمع السلف على قبوله أو تواترت عدالة رواته ويقظتهم وما عداه يكتفي في رواته بتعديل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه جرحاً وتعديلاً- ولا إلى ضابط جميع مواضع الإجماع والاختلاف، بل يكفي معرفته بعدم مخالفة قوله الإجماع لموافقته بتقدم عليه أو غلبة ظن بتوليها في عصره، وكذا في معرفة الناسخ والمنسوخ انتهى.
وقال في شرح الروض للقاضي زكريا لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهداً قال: والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة، وعرف منها العام، والخاص، والمطلق، والمقيد، والمجمل، والمبين، والنص، والظاهر، والناسخ، والمتواتر، والآحاد، والمرسل، والمتصل، وعدالة الرواة وجرحهم، وأقاويل الصحابة ﵃. فمن بعدهم -إلى أن قال- ولا يشترط التبحر في هذه العلوم بل يكفي معرفة جمل منها وأن يكون له في كتب الحديث أصل صحيح يجمع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود فيعرف كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به. ويكتفي في البحث عن الآحاد بما قبله منها السلف وتواترت أهلية رواته من العدل والضبط وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهل إمام مشهور عرفت صحت مذهبه في الجرح والتعديل. ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع ويجوز أن يتبعض بالباب الذي يجتهد فيه انتهى كلام القاضي.
فتبين بما ذكرناه من القول جواز الاعتماد على نقل الأحاديث من الكتاب المصحح وكذلك التقليد لأهل الجرح والتعديل في تصحيح الحديث أو تضعيفه والله سبحانه أعلم.
стр. 44
ما قيل في تقليد الأئمة الأربعة
(وأما قول السائل) وفقه الله لفهم المسائل حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵏.
فنقول: هذا الإجماع حكاه غير واحد من المتأخرين وكلهم نسبوه إلى الوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة صاحب الإفصاح عن معاني الصحاح فإنه ذكر نحواً من هذه العبارة وليس مراده أن الإجماع منعقد على وجوب تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة وأن الإجتهاد بعد استقرار هذه المذاهب لا يجوز فإن كلامه يأبى ذلك، وإنما أراد الرد على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهداً وأن المقلد لا ينفذ قضاؤه كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين وحمل كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهداً على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فيجوز تولية المقلد لأهلها ويفذ قضاؤه، وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة بحيث أن يلزم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة ولا يخرج عن مذهب من قلده كما يتوهم بل كلامه يخالف ذلك ولا يوافقه.
وعبارته في الإفصاح: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد إلا أبا حنيفة فإنه قال يجوز ذلك. ثم قال والصحيح في هذه المسألة أن قول من قال لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد فإنه إنما عني به ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به لأنه مستند إلى سنة رسول الله ﷺ .
"فالقاضي الآن وان لم يكن من أهل الاجتهاد ولا يسعى في طلب الأحاديث وابتغاء طرقها ولا عرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ مالا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه وغير ذلك من شروط الاجتهاد فان ذلك مما قد فرغ منه ودأب له فيما سواه وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم وانحصر، الحق في أقاويلهم، ودونت العلوم، وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق. فإذا عمل القاضي في أقضية بما يأخذ عنهم أو عن الواحد منهم فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قاله. وعلى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخياً مواطن الاتفاق ما أمكنه كان آخذا بالحزم عاملاً بالأولى، وكذلك إذا قصد في موطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى مع جواز علمه أن يعمل بقول الواحد، إلا أنني أكره له أن يكون ذلك من حيث أنه قد قرأ مذهب واحد منهم أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب حتى إنه إذا حضر عنده خصمان وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم نحو الوكيل بغير رضاء الخصم وكان الحاكم حنفياً وقد علم أن مالكاً والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل وأن أبا حنيفة يمنعه فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء
стр. 45
الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من غير أن يثبت عنه بالدليل ما قاله ولا أداه اجتهاده إلى أن أبا حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه فإني أخاف على هذا من الله بأنه اتبع في ذلك هواه وأنه ليس من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ وكذلك إن كان القاضي مالكياً فأختصم إليه اثنان في سؤر الكلب فقضى بطهارته مع علمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته، وكذلك إن كان القاضي شافعياً فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمداً فقال أحدهما هذا منعني من بيع شاة مذكاة فقال الآخر إنما منعته من بيع الميتة، فقضى عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثالثة على خلافه، وكذلك إن كان القاضي حنبلياً فاختصم إليه اثنان فقال أحدهما لي عليه مال فقال الآخر كان له علي مال فقضيته، فقضى عليه بالبراءة من إقراره مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه، فإن هذا وأمثاله مما توخى اتباع الأكثرين فيه أقرب عندي إلى الإخلاص وأرجح في العمل.
"وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا صحيحة وإنهم قد سدوا ثغراً من ثغور الإسلام سده فرض كفاية ولو أهملت هذا القول ولم أذكره ومشيت على الطريق التي عليه الفقهاء الذين يذكر كل منهم في كتاب ان صنفه أو كلام إن قاله أنه لا يصح أن يكون قاضياً إلا من كان من أهل الاجتهاد، ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة في الحكام، فإن هذا كالإحالة والتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم، وأن لا ينفذ حق، ولا يكاتب به ولا يقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية، وهذا غير صحيح بل الصحيح في المسألة أن ولاة الحكام جائزة وأن حكومتهم اليوم صحيحة نافذة وولايتهم جائزة شرعاً انتهى كلام ابن هبيرة رحمه الله١.
فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد جائزة إذا تعذرت تولية المجتهد لأنه ذكر أن شروط الاجتهاد ليست موجودة في الحكام وأن هذا كالإحالة وكأنه تعطيل للأحكام وسد لباب الحكم فينفذ قضاء المقلد للحاجة لئلا تتعطل الأحكام. وهكذا قال غير واحد من المتأخرين الذين يذكرون أن من شروط القاضي أن يكون مجتهداً يذكر هذا ثم يذكر القول الثاني أنه يجوز تولية المقلد للضرورة كما ذكره متأخرو الحنابلة والمالكية والشافعية
وتضمن أيضاً كلام ابن هبيرة أن إجماع الأئمة الأربعة حجة وأن الحق لا يخرج عن
стр. 46
أقولهم فلا يخرج القاضي عما اجمعوا عليه فإن اختلفوا فالأولى أن يتبع ما عليه الأكثر، وصرح بأنه يكره له أن يقضي بما انفرد به الواحد منهم عما عليه الثالثة لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن يكون متبعاً لهواه. وتضمن كلامه أيضاً أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون من عداهم من الأئمة لأن مذاهبهم مدونة قد حررت ونقحها اتباعهم بخلاف أقول غيرهم من الأئمة فلأجل هذا جاز تقليدهم. فليس في كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم لا على وجوبه. بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم لا يفتي إلا به، بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يتوخى مواطن الاتفاق إن وجده وإلا توخى ما عليه الأكثر فيعمل بما قاله الواحد منهم مخالفة للأكثر. فقضية كلامه أن المقلد لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة بل يجتهد في أقوالهم ويتوخى ما عليه أكثرهم إلا أن يكون للواحد منهم دليل فيأخذ بقول من كان الدليل معه فيكون من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾
وهذا من جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم من أن المقلد إذا كان نبيهاً وله ملكة قوية ونظر فيما تنازع فيه الأئمة وأمعن النظر في أدلتهم وتعليلاتهم تبين له الراجح من المرجوح وحينئذ فيعمل بما ترجح عنده أنه الصواب ولا يخرج بذلك عن التقليد فإذا كان الرجل شافعياً أو حنبلياً ونظر في كتب الخلاف ووجد دليلاً صحيحاً قد استدل به مالك فعمل بالدليل كان هذا هو المناسب في حقه فيجعل إماماً بازاء إمام ويسلم له الدليل بلا معارض. وليس هذا من الاجتهاد المطلق بل هو من الاجتهاد المقيد فهو يتبع الدليل ويقلد الإمام الذي قد أخذ به.
وأما الأخذ بالدليل من غير نظر كلام العلماء فهو وظيفة المجتهد المطلق وأما المقلد الذي لم يجتمع فيه الشروط ففرضه التقليد وسؤال أهل العلم.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا الإسناد القوي من الضعيف فيجوز أن يعمل بما شاء ويتخير ما أحب منها فيفتي به ويعمل به؟ قال لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم انتهى كلامه.
وأما إذا وجد الحديث قد عمل به بعض الأئمة المجتهدين ولا يعلم عند غيره حجة يدفع بها الحديث فعمل به كان قد عمل بالحديث وقلد هذا الإمام المجتهد في تصحيحه وعدم ما يعارضه فيكون متبعاً للدليل غير خارج عن التقليد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف ويذكر فيها الراجح مثل كتاب التعليق للقاضي أبي يعلى والانتصار لأبي الخطاب وعمل الأدلة لابن عقيل وتعليق القاضي يعقوب البرزيني وأبي الحسن الزاغوني ومما يعرف منه ذلك كتاب المغني للشيخ أبي محمد وكتاب شرح الهداية لجدنا أبي البركات، ومن كان خبيراً بأصول أحمد ونصوصه عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل ومن كان له بصر بالأدلة الشرعية عرف الراجح
стр. 47
في الشرع، وأحمد ﵀ أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان ﵏ ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصاً كما يوجد لغيره، ولا يوجد قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه ما يوافق القول القوي وأكثر مغاريده التي لم يختلف فيها مذهبه يكون قوله فيها راجحاً انتهى كلامه ﵀.
وهو موافق لما ذكره صاحب الافصاح من أن القاضي عليه أن يتوخى أصابة الحق فيتوخى مواطن الاتفاق فيعمل بما اتفقوا عليه فان لم يكن الحكم متفقاً نظر فيما عليه الجمهور إذا لم يكن مع مخالفهم دليل فليس الناظر في كتب الخلاف ومعرفة الأدلة بخارج عن التقليد وليس في كلام صاحب الإفصاح ما يقتضي التمذهب بمذهب لا يخرج عنه بل كلامه صريح في ضد ذلك.
وهذه شبهة ألقاها الشيطان على كثير ممن يدعي العلم وصار بها أكثرهم فظنوا أن النظر في الأدلة أمر صعب لا يقدر عليه إلا المجتهد المطلق، وأن من نظر في الدليل وخالف إمامه لمخالفة قوله لذلك الدليل فقد خرج عن التقليد ونسب نفسه إلى الاجتهاد المطلق، واستقرت هذه الشبهة في قلوب كثير حتى آل الأمر بهم إلى أن ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وزعموا أن هذا هو الواجب عليهم، وأن من انتسب إلى مذهب إمام فعليه أن يأخذ بعزائمه ورخصه وإن خالف نص كتاب أو سنة، فصار إمام المذهب عند أهل مذهبه كالنبي في أمته لا يجوز الخروج عن قوله، ولا تجوز مخالفته، فلو رأوا أحدا من المقلدين قد خالف مذهبه وقلد إماماً آخر في مسألة لأجل الدليل الذي استدل به قالوا هذا قد نسب نفسه إلى الاجتهاد ونزل نفسه منزلة الأئمة المجتهدين، وإن كان لم يخرج عن التقليد وإنما قلد إماماً دون إمام آخر لأجل الدليل وعمل بقوله تعالى: ﴿فإ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾
فالمتعصبون للمذاهب إذا وجدوا دليلاً ردوه إلى نص إمامهم فإن وافق الدليل نص الإمام قبلوه وإن خالفه ردوه واتبعوا نص الإمام، واحتالوا في رد الأحاديث بكل حيلة يهتدون إليها، فإذا قيل هذا حديث رسول الله ﷺ قالوا أنت أعلم بالحديث من الإمام الفلاني؟ مثال ذلك إذا حكمنا بطهارة بول ما يؤكل لحمه وحكم الشافعي بنجاسته وقلنا له قد دل على طهارته حديث العرنيين وهو حديث صحيح وكذلك حديث أنس في الصلاة في مرابض الغنم، فقال هذا المنجس لأبوال مأكول اللحم: أنت أعلم بهذه الأحاديث من الإمام الشافعي فقد سمعها ولم يأخذ بها؟ فنقول له قد خالف الشافعي في هذه المسألة من هو مثله أو أعلم منه كمالك والإمام أحمد رحمهما الله وغيرهما من كبار الأئمة، فنجعل هؤلاء الأئمة بازاء الشافعي ونقول إمام بإمام وتسلم لنا الأحاديث ونرد الأمر إلى الله والرسول عند تنازع هؤلاء الأئمة ونتبع الإمام الذي أخذ بالنص ونعمل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فنمتثل ما أمر الله به. وهذا هو الواجب علينا ولسنا في هذا العمل خارجين عن التقليد بل خرجنا عن تقليد إمام إلى تقليد إمام آخر لأجل الحجة التي أدلى بها من غير معارض
стр. 48
لها ولا ناسخ. فالانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لأمر ديني -بأن تبين له رجحان قول على قول فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الدليل- مثاب على فعله بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه ولا يتبع أحداً في مخالفته الله ورسوله فإن الله فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ﷺ في كل حال كما تقدم ذكره.
وقد ذكرنا أن الشافعي ﵀ قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
стр. 49
الانتقال من مذهب إلى آخر
وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب لمجرد الهوى أو لغرض دنيوي فهذا لا يجوز وصاحبه يكون متبعاً لهواه وقد نص الإمام أحمد ﵀ على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجباً أو محرماً ثم يعتقده غير واجب أو محرم بمجرد هواه، وذلك مثل أن يكون طالباً للشفعة بالجوار فيعتقدها أنها حق ويقول مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أرجح من مذهب الجمهور ثم إذا طلبت منه الشفعة بالجوار اعتقد أنها ليست ثابته وقال مذهب الجمهور في هذه المسألة أرجح. ومثل من يعتقد إذا كان أخاً مع جد أن الأخوة تقاسم الجد كما هو مذهب الأئمة الثلاثة فإذا كان جداً مع أخ اعتقد أن الجد يسقط الأخوة كما هو مذهب أبي حنيفة. فهذا نحوه لا يجوز، وصاحبه مذموم، بل يجب عليه أن يعتقد الحق فيما له وعليه ولا يتبع هواه ولا يتبع الرخص، فمتبع الرخص مذموم والمتعصب للمذهب مذموم، وكلاهما متبع هواه.
والمتعصبون لمذاهب الأئمة تجدهم في أكثر المسائل خالفوا نصوص أئمتهم واتبعوا أقوال المتأخرين من أهل مذهبهم فهم يحرصون على قاله الآخر فالآخر وكلما تأخر الرجل أخذوا بكلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام من فوقه فأهل كل عصر إنما يقضون بقول الأدنى فالأدنى إليهم وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدمين هجراً ورغبة عنه حتى إن كتب المتقدمين لا تكاد توجد عندهم فإن وقعت في أيديهم فهي مهجورة.
فالحنابلة قد اعتمدوا على ما في الإقناع والمنتهى ولا ينظرون فيما سواهما ومن خالف مذهب المتأخرين فهو عنهم مخالف لمذهب أحمد ﵀ مع أن كثيراً من المسائل التي جزم بها المتأخرون مخالفة لنصوص أحمد يعرف ذلك من عرفه. وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم بل قد هجروا كتب المتأخرين فالمغني والشرح والإنصاف والفروع ونحو هذه الكتب التي يذكر فيها أهلها خلاف الأئمة أو خلاف الأصحاب لا ينظرون فيها. فهؤلاء في الحقيقة أتباع الحجاوي وابن النجار لا اتباع الإمام أحمد وكذلك متأخرو الشافعية هم في الحقيقة اتباع ابن حجر الهيتمي صاحب التحفة واضرابه من شراح المناهج فما خالف ذلك من نصوص الشافعي لا يعبئون به شيئاً وكذلك متأخرو المالكية هم في الحقيقة اتباع خليل فلا يعبئون بما خالف مختصر خليل شيئاً ولو وجدوا حديثاً ثابتاً في الصحيحين لم يعملوا به إذا خالف المذهب
стр. 50
وقالوا الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ .
فكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم فلا يرجعون إلا إليها ولا يعتمدون إلا عليها. وأما كتب الحديث كالأمهات الست وغيرها من كتب الحديث وشروحها وكتب الفقه الكبار التي يذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل. ويعتذرون بأنهم قاصرون عن معرفتها. فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبقى إلا التقليد، والمقلد يأخذ بقول إمامه ولا ينظر إلى دليله وتعليله، ولم يميزوا بين المجتهد المطلق الذي قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد فهو يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد، وبين المجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب الأئمة الأربعة من غير خروج عنها، فهو ملتزم لمذهب إمام من الأئمة وينظر في كتب الخلاف ويمعن النظر في الأدلة فإذا رأى الدليل بخلاف مذهبه قلد الإمام الذي قد أخذ بالدليل فهو اجتهاد مشوب بالتقليد، فينظر إلى ما اتفقوا عليه ويأخذ به، فإن اختلفوا نظر في الأدلة فإن وجد مع أحدهم دليلاً أخذ بقوله، فإن لم يجد في المسألة دليلاً من الجانبين أخذ بما عليه الجمهور، فإن لم يجد ذلك بل قوي الخلاف عنده من الجانبين التزم قول إمامه إذا لم يترجح عنده خلافه. فأكثر المقلدين لا يميزون بين المجتهد المستقل من غيره وجعلوهما نوعاً واحداً، وهذا غلط واضح فإن من كان قاصراً في العلم لا يستقل بأخذ الأحكام من الأدلة بل يسأل أهل العلم كما نص عليه الإمام أحمد ﵀ في رواية ابنه عبد الله وقد ذكرناه فيما تقدم.
وأما الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة وتوخي الحق بما دل عليه الدليل وبما عليه الجمهور فهذا الذي ينبغي العدول عنه وهو الذي ذكره صاحب الإفصاح. وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه بحيث لا يخرج عنه وإن خالف نص الكتاب أو السنة فهذا مذموم غير ممدوح وقد ذمه صاحب الإفصاح كما تقدم ذكره بل قد ذمه الأئمة ﵃.
قال الشافعي ﵀: طالب العلم بلا حجة كحاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يحل لأحد يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه. وقد صرح مالك أن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب. فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دون إبراهيم أو مثله.
فقال جعفر الفريابي حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن جميل (قال) قلت لمالك بن أنس يا أبا عبد الله إن عندنا قوماً وضعوا كتاباً يقول أحدهم حدثنا فلان عن عمر بن الخطاب ﵁ بكذا وكذا وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم، قال مالك وصح عندهم قول عمر؟ قلت إنما هي رواية كما صح عنده قول إبراهيم، فقال هؤلاء يستتابون.
стр. 51
وقال أبو عمر بن عبد البر يقال لمن قال بالتقليد. لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسول الله صلى الله عليه لم أحصها والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني.
قيل له أما العلماء إذا أجمعوا على تأويل شيء من كتاب أو حكاية عن سنة رسول الله ﷺ أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟ فإن قال قلدته لأني أعلم أنه على صواب. قيل له علمت ذلك من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ أو إجماع؟ فإن قال نعم أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال قلدته لأنه أعلم مني، قيل له فقلد كل من هو أعلم منك فإنك تجد من ذلك خلقاً كثيراً ولا تخص من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك. فإن قال قلدته لأنه أعلم الناس، قيل له فهو إذاً أعلم من الصحابة فكفى بقول مثل هذا قبحاً،١.
"فإن قال أنا أقلد بعض الصحابة، قيل له فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم ولعل من تركت منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟ على أن القول لا يصح بفضل قائله وإنما بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مدين عن عيسى بن دينار عن القاسم عن مالك قال ليس كلما قال الرجل قولاً وإن كان له فضل يتبع عليه لقوله ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ .
فإن قال قصري وقلة علمي تحملني على التقليد، قيل له أما من قلد فيما ينزل به أحكام شرعية عالماً يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره به فمعذور لأنه قد أتى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله ولابد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك، ولكن من كانت هذه حاله هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك يصيرها إلى غير من كانت في يده بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه وهو مقر أن صاحبه يخطئ ويصيب وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة وكفى بذلك جهلاً ورداً للقرآن قال الله : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ولم يستقين فليس بعلم وإنما هو ظن والظن لا يغني من الحق شيئاً".
ثم ذكر حديث ابن عباس ﵁ "من أفتى بفتيا وهو يعمي عنها كان
стр. 52
إثمها عليه" موقوفاً ومرفوعاً، قال وثبت عن النبي ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" قال ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد انتهى كلام أبي عمر رحمه الله تعالى.
فتأمل ما في هذا الكلام من الرد على من يقول بلزوم التمذهب بمذهب من هذه المذاهب الأربعة لا يخرج عن ذلك المذهب ولو وجد دليلاً يخالفه لأن الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه ويجعل هذا عذراً له في رد الحديث أو ترك العمل به.
وتأمل قوله لا خالف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد. ومراده إذا كان المقلد قادراً على الاستدلال وأما العاجز عنه فهو كالأعمى يقلد في جهة القبلة فهو معذور إذا كان عاجزاً وقد حكى الإمام أبو محمد بن حزم الإجماع على أنه لا يجوز التزام مذهب بعينه لا يخرج عنه فقال: أجمعوا على أنه لا يجوز لحاكم ولا لمفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتى إلا بقوله انتهى.
فحكاية الإجماع من هذين الإمامين أعني أبا عمر بن عبد البر وأبا محمد بن حزم كاف في إبطال قول المتعصبين للمذهب والله أعلم.
بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط
ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين آمين.
стр. 53
عدة رسائل في مسائل فقهية
الرسالة الأولى
من حمد بن ناصر بن معمر إلى جانب الأخ المكرم جمعان بن ناصر حفظه الله تعالى آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وموجب الخط إبلاغ السلام وبعد فالخط الشريف وصل أوصلك الله إلى رضوانه وما ذكر جنابك صار لدى محبك معلوماً ومن طرف المسائل التي تسأل عنها وتطلب جوابها.
(حكم اشترط طلاق الضرة في عقد النكاح)
(فالمسألة الأولى) فيمن شرطت على زوجها عند العقد طلاق ضرتها فهذا الشرط اختلف العلماء فيه هل هو صحيح أم فاسد فذهب الحنابلة إلى صحته فيجب عندهم الوفاء وخيار الفسخ لها إذا لم يف وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه شرط باطل للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك والنهي يقضي الفساد على هذا يبطل الشرط ويصح النكاح لأن هذا ليس من الشروط المبطلة للعقد كنكاح الشغار والتحليل والمتعة.
(الشروط الصحيحة في عقد النكاح)
(وأما المسألة الثانية) فيما شرطت على الزوج عند العقد شرطاً صحيحاً ورضي بذلك وقالت إن فعلت كذا فهو طلاقي ثم لم يف لها بل خالف ما شرطت عليه فهذا الشرط إن كان من الشروط الصحيحة فلها الفسخ إن لم يف به وإن لم تقل فهو طلاقي فلها إلغاؤه وأبطاله فإذا أسقطته بعد البينونة سقط وجاز له أن يرجع إليها بنكاح جديد وإن كان الإسقاط قبل البينونة سقط والنكاح بحاله وليس لها مطالبته بذلك بعد إسقاطه.
(حكم تراضي الزوجين على تعليق الطلاق بالتزوج عليها)
(وأما المسألة الثالثة) فيمن تشاجر هو وزوجته ثم تراضيا على شروط صحيحة كقوله إن تزوجت عليك فهو طلاقك، ثم قالت له أعد اللفظ فأعاده مرتين أو ثلاث هل يثبت هذا الشرط وإن كان بعد عقد النكاح؟ وهل يقع عليه الطلاق؟ وهل يفرق بن الحرفين فيما إذا قال إن تزوجت فأنت طالق أو إذا تزوجت؟ فنقول هذا الشرط وهو تعليق الطلاق على التزوج شرط لازم وتعليقه صحيح فمتى تزوج طلقت ثم ننظر في نيته حال تكراره لفظ الطلاق فإن قصد بالتكرير أفهامها أو التأكيد لم تطلق إلا واحدة
стр. 54
وله أن يراجعها بعد التزوج بالأخرى لأن هذا الشرط لم يوجد عند العقد بل حدث بعد ذلك فإن لم يقصد بالتكرار الإفهام ولا التأكيد طلقت ما نواه فإن لم يكن له نية ففيه خلاف والأشهر أنها تطلق بعدد التكرار وبعضهم يقول لا تطلق إلا واحدة.
وأما التفرقة بين إن الشرطية وإذا فالعامة لا يفرقون بينهما فيحكم عليهم بلغتهم على قصدهم ونيتهم مع أن في مثل هذه الصورة يقع الطلاق بكل حال.
(طلاق غير البالغ)
(وأما المسألة الرابعة) وهي طلاق الصبي الذي لم يبلغ فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب مالك وطائفة من العلماء إلى أنه لا يقع طلاقه حتى يبلغ وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه والشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه إذا عقل وعلم أن زوجته تبين منه بذلك خصوصاً إذا تجاوز العشر فإنه يقع طلاقه.
(أحكام زيادة الوكيل بالتطليق على الواحدة)
(وأما المسألة الخامسة) فيمن وكل وكيلاً في طلاق زوجته هل للوكيل أن يزيد على طلقة إذا كان الموكل لم يأمره بكثير ولا قليل؟ وهل إذا طلق ثلاثاً تقع أم لا؟ وهل يعتبر إنكار الموكل ذلك؟
فهذه المسألة الراجح فيها أن الوكيل لا يزيد على واحدة لأن الزيادة خلاف السنة فإن زاد لم يقع إ لا واحدة إلا أن يأمره الموكل بذلك فإن لم يأمره بذلك ولم يثبت ببينة ولا بأقرار الموكل -لم يثبت إلا طلاق السنة وهي طلقة واحدة.
(حكم تكرار لفظ التطليق في الخلع)
(وأما المسألة السادسة) فيمن بذلت لزوجها عوضاً كمخالعة الناس اليوم على أن يطلقها فقبل العوض ثم قال أنت طالق ثم قال أنت طالق ثم قال أنت طالق ثلاث مرات أو أكثر هل تبين منه باللفظة الأولى ولم تلحقها البواقي عند من يقول أن المختلعة لا يلحقها طلاق؟ فنقول الذي ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى أنها تبين بالأولى ولا يلحقها ما بعدها لأنها بانت بالجملة الأولى فإذا لحقها جملة ثانية وثالثة لم يصادف ذلك محلاً وأما عند من يقول أن المختلعة يلحقها الطلاق كما ذكر كثير من التابعين فالطلاق عندهم لاحق.
(حكم من أخذ عوض الخلع ولم ينطق بما يدل على إنشائه)
(وأما المسألة السابعة) فيمن خالع زوجته بأن بذلت له العوض وقبله ولم يتلفظ بخلع ولا طلاق ولا فسخ هل تبين بمجرد أخذ العوض فالذي عليه الجمهور أنه لا بد أن اللفظ لقوله ﷺ : "أقبل الحديقة وطلقها تطليقة".
стр. 55
(تعليق الطلاق)
(وأما المسألة الثامنة) فيمن قال لزوجته إذا جاءني حقي فأنت طالق وإن نزلت على أهلك فأنت طالق فأقامت مدة لم تعطه ولم تنزل على أهلها هل الشرط لازم لهم إبطاله؟ فنقول إذا علق طلاقها على ذلك فالشرط لازم والتعليق ثابت ولو اتفقا على إبطاله وفي الحديث "ثلاث هزلهن جد وجدهن جد" الحديث.
(الوصية بالأضحية وأكل ورثة الموصي منها)
(وأما المسألة التاسعة) فيمن أوصى عند موته بأضحية هل للموصى إليه أو غيره من ورثة الميت الأكل منها أم لا؟ فالذي يظهر لي من كلام العلماء أنه لا بأس بذلك وإنما اختلفوا في أضحية اليتيم.
(المفاضلة بين التضحية عن الميت والتصدق بثمنها)
(وأما المسألة العاشرة) هل الأضحية عن الميت أفضل أم الصدقة بثمنها؟
فهذه المسئلة اختلف العلماء فيها فذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء إلى أن ذبحها أفضل من الصدقة بثمنها وهو اختيار الشيخ تقي الدين ﵀ وذهب بعضهم إلى أن الصدقة بثمنها أفضل وهذا القول قوي في النظر وذلك لأن التضحية عن الميت لم يكن معرفاً عند السلف إلا أنه ورد عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يضحي عن النبي ﷺ ويذكر أن رسول الله ﷺ أوصاه بذلك والحديث ليس في الصحاح وبعض أهل العلم تكلم فيه وبعض الفقهاء لما سمعه أخذ بظاهره وقال لا يضحى عن الميت إلا أن يوصي بذلك فإن لم يوص فلا يذبح عنه بل يتصدق بثمنها فإذا كان هذا صورة المسألة فالأمر في ذلك واسع إن شاء الله تعالى.
(حكم من ضحى عن غيره قبل نفسه أو وفاء نذره)
(وأما المسألة الحادية عشرة) هل له أن يضحي عن غيره قبل أن يضحي لنفسه؟ وهل له أن يضحي وعليه نذر قبل أن يوفي بنذره؟ فمسألة التضحية عن الغير قبل أن يضحي لنفسه فلا أعلم فيها بأساً وإنما المنع فيمن عليه حجة الإسلام فليس له أن يحج عن غيره قبل أن يحج فريضة الإسلام.
وأما تقديم الأضحية على النذر فالواجب يقدم على النافلة فإذا كان المنذور أضحية ذبحها قبل أضحية التطوع فإن تطوع وترك النذر وترك النذر الواجب وجب عليه أن يذبح الواجب أيضاً وأما إذا أراد أن يذبحهما جميعاً لكنه قدم التطوع على النذر فلا أعلم في هذا منعاً.
(التفريق بين الأم وولدها الصغير وبين الأخوة في البيع)
(وأما المسألة الثانية عشرة) وهي التفريق بين الوالدة وولدها قبل البلوغ وكذلك بين الأخوة في البيع فأما قبل البلوغ فلا يجوز التفريق وأما بعد البلوغ ففيه
стр. 56
خلاف والمشهور عن أحمد وكثير من الفقهاء أنه لا يجوز لحديث "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" ١ وكذلك حديث علي في التفرقة بين الأخوة وفيه أن النبي ﷺ قال "رده رده".
(من أبان زوجاً من أربع ليس له التزوج بغيرها قبل انقضاء عدتها)
(وأما المسألة الثالثة عشرة) فيمن معه أربع فطلق واحدة وأبانها هل له أن يتزوج في مكانها أخرى وإن كانت المطلقة لم تعتد" لأنها بائن ليس عليها رجعة أم لا تجوز ذلك حتى تعتد المطلقة؟ فالذي نص عليه العلماء أن ذلك لا يجوز بل لا بد من انقضاء العدة ولا يجوز له أن يجمع ماءه في رحم خمس نسوة. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 57
الرسالة الثانية
...
رسالة ثانية
من حمد بن ناصر معمر إلى جناب الأخ المكرم جمعان بن ناصر سلمه الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته والمسائل وصلت وهذا جوابها.
(طلب أمام المسجد المعاونة من الفيء أو الزكاة)
أما سؤال أمام المسجد المعاونة من الفيء أو الزكاة فالسؤال من حيث هو مذموم إلا في حال الاضطرار لكن إن كان السؤال من الفيء فهو موافق لأن الفيء للمسلمين غنيهم وفقيرهم وما من أحد من المسلمين إلا وله فيه نصيب.
فإذا سأل الإنسان نصيبه من الفيء لم ينكر عليه.
وأما إن كان السؤال من الزكاة فإن كان السائل غنياً فهو حرام ولا تحل له الزكاة بل لو جاءته من غير سؤال لم تحل له أن كان من الخمسة المذكورين في الحديث وذلك لأن الله تعالى قسمها بنفسه ولم يرض فيها بقسم نبي ولا غيره.
(فروع في العبادات)
وأما القيء فالمشهور أنه نجس وأما نقض الوضوء ففيه خلاف والمشهور أنه ينقض إذا كان كثيراً ولا ينقض اليسير منه وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه لا ينقض الوضوء ولو كثر لكن يستحب الوضوء وهذا اختيار الشيخ تقي الدين.
وأما الخروج من الصلاة لأجل الخارج اليسير من القيء أو الدم فان كان يسيراً لم يقطع الصلاة ولا اعادة عليه لأنه روي عن الصحابة نحو ذلك فابن أبي أوفى بزق دما ثم قام فصلى. وابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ.
وأما إخراج الإنسان زكاته أو بعضها بنفسه فذكر أهل العلم أنه لا يجوز أن يخرجها ولا بعضها أن كان الإمام عدلاً يضعها في أهلها (بل) يجب دفعها إليه.
وأما قضاء الفوائت فالمشهور قضاء الفوائت على الفور مرتبا قلت الفوائت أو كثرت.
وإذا صلى الحاضرة قبل الفائتة فان كان ناسياً للفائتة سقط الترتيب ويصلى الفائتة ولا يقضي الحاضرة لأن الترتيب يسقط بالنسيان.
وأما الصلاة على الميت فان أوصى الميت بأن يصلى عليه رجل معين فهو أحق من غيره. ولا يقوم أحد في جنب الإمام بل يقف الإمام وحده إلا أن يكون المكان ضيقاً بحيث لا يحصل له الوقوف في الصف حينئذ يقف في جنب الإمام للحاجة.
стр. 58
وأما المطلقة فلا يجوز العقد عليها في العدة بإجماع أهل العلم بل لا يجوز التصريح في خطبتها فان كانت رجعية حرم التعريض أيضاً لأنها زوجة مادامت في العدة فان عقد عليها فالنكاح باطل ولا يحتاج إلى طلاق لأنه باطل إجماعاً بل يفرق بينهما فإذا اعتدت فهو خاطب من الخطاب وعند مالك أنها تحرم عليه أبداً وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر والأول قول علي وهو المشهور عن أحمد والجديد من قولي الشافعي.
وأما المطلقة إذا مات زوجها وهي في العدة كانت رجعية استأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً بلا خلاف بين العلماء وان كانت بائناً بنت على عدة الطلاق إلا أن يطلقها في مرض موته فتعتد أطول الاجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء وعند مالك والشافعي أنها تبني على عدة الطلاق لأنها بائن وليست بزوجة كما لو طلقها في الصحة.
فأما إذا كان الطلاق البائن في الصحة فإنها تبني على عدة الطلاق عند الأئمة الثلاثة وعند أبي حنيفة تعتد أطول الاجلين.
وأما مسألة الذي طلق زوجته واختل عقله فإن كان حال الطلاق ثابت العقل وطلق مختاراً فالطلاق واقع فإن كانت آخر ثلاث تطليقات لم تحل له إلا بعد زوج وإصابة ولو اختل عقله بعد ذلك ولو آل به الأمر إلى الجنون.
وإن كان الطلاق الذي وقع بكلمة واحدة جمع فيها الطلاق فكذلك عند الأئمة الأربعة وهو الذي يفتى به عندنا وعند الشيخ تقي الدين وابن القيم ان طلاق الثلاث بكلمة واحدة مطلب تحسب طلقة واحدة وحينئذ فله رجعتها. والعمل على كلام الجمهور
وأما الدعاء عند ختم القرآن فروي عن أنس ﵁ أنه كان يجمع أهله وولده يدعو عند ختم القرآن وروي عن طائفة من السلف وهو قول غير واحد من الفقهاء وأما تعيين الدعاء فلم يثبت فيها دعاء مخصوص ولهذا لم يستحبه بعض الفقهاء قال لأنه لم يرد فيه سنة عن رسول الله ﷺ .
وأما التكبير في آخر كل سورة من سورة الضحى إلى آخر القرآن ففيه خلاف ولم يستحبه الشيخ تقي الدين إلى لمن يقرأ بقراءة ابن كثير.
وأما من قرأ بقرآة عاصم التي هي غالب قراءة الناس اليوم فلا.
وأما الرجل الذي وقف على المسجد بعض أملاكه فإن عين القائمين أو الإمام أو المؤذن تعين ما عينه الواقف من الجهات فإن لم يعين جهة فالواقف على المسجد يدخل فيه الإمام والمؤذن والقيم وكذا عمارته كتطيين سطحه وإبدال خشبه لتكسير فيه ونحو ذلك والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 59
الرسالة الثالثة
...
رسالة ثالثة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان، رزقه الله العلم النافع والإيمان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه والمسائل وصلت وهذا جوابها واصلك إن شاء الله تعالى.
(المسألة الأولى) في المنكر الذي يجب إنكاره هل يسقط الإنكار إذا بلغ الأمير أم لا فأعلم أن إنكار المنكر يجب بحسب الاستطاعة كما قال النبي ﷺ : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" وحينئذ إذا وقع المنكر وبلغ الأمير فلم يغيره لم يسقط إنكاره بل ينكره بحسب الاستطاعة لكن إن خاف حصول منكر أعظم سقط الإنكار وأنكر بقلبه وقد نص العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه أنه لا ينبغي وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد وفي الحديث "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي".
(وأما مسألة العطية) فلا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية بين الأولاد وكراهة التفضل لكن اختلفوا في صفة التسوية فالمشهور عن أحمد أن المستحب أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله في الميراث للذكر مثل حظ الانثيين وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي أنه يعطي الأنثى مثل ما يعطي الذكر.
стр. 60
الرسالة الرابعة
...
رسالة رابعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله تعالى آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه، وسر الخاطر سؤالك عن ما أشكل عليك رزقنا الله وإياك العلم النافع والعمل الصالح.
فأما ما سألت عنه من استعمال كنايات الطلاق فالذي عليه أكثر العلماء أن الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا مع النية فإذا تكلم الزوج بالكناية وقال: لم أرد طلاقك ولم أنوه، ولم يتكلم بذلك في حال الغضب وسؤالها الطلاق فهذا يقبل قوله ولا يقع به طلاق وأما إن تكلم بذلك في حال الغضب فهذا مما اختلف الفقهاء فيه فقال بعضهم يقبل قوله انه لم يرد طلاقاً ولم ينوه. وقال بعضهم لا يقبل قوله في ظاهر الحكم لأجل القرينة الدالة على إرادة الطلاق وبعض أهل العلم يفرق بين الكنايات ويقول الكنايات التي يكثر استعمالها في الطلاق ويعبرون أن من تلفظها فإنما يريد الطلاق فهذا لا يقبل بقوله وأما الكنايات التي تستعمل في عرف أهل البلد في الطلاق وفي غيره فهذا يقبل انه ما أراد الطلاق بل لو تلفظ بذلك وقال لم أرد الطلاق ولا غيره لم تطلق إلا بالنية إذا كان الطلاق لفظاً يستعمل في الطلاق وفي غيره.
стр. 61
(وأما المسألة الثانية) إذا قال أنت طالق طالق أنت طالق. فهذا إن نوى بالتكرار التأكيد أو إفهامها لم يقع إلا واحدة فان نوى به طلاقاً ثلاثاً وقعت ثلاثاً عند الجمهور وأما اذا طلق بالنية وقال لم أرد به التأكيد والإفهام ولا إيقاع ثلاث بل عزبت نيته فهذا محل الخلاف فبعض أهل العلم يقول واحدة إلا أن ينوي طلاق ثلاث فتقع.
(وأما قولك) إذا توقف المفتي عن الإفتاء في الكنايات هل يكون داخلاً في الكتمان أم لا؟ فأعلم أن الذي يتناوله الوعيد هو من عنده علم من الله ورسوله فيسأل عنه فيكتمه. وأما من أشكل عليه الحكم ولم يتبين له حكم الله ورسوله فهذا لا حرج عليه إذا توقف. ولو عرف اختلاف العلماء ولم يعلم الراجح من القولين وأحمد ﵀ وغيره من العلماء يتوقفون كثيراً في مسائل مع معرفتهم بكلام العلماء قبلهم في تلك المسائل إذا لم يتبين لهم الصواب وأحمد يتوقف عن الإفتاء في كنايات الطلاق في أكثر أجوبته وبعض العلماء لا يفتي في مسائل الطلاق بالكلية لعظم خطرها. والواجب على المفتي أن يراقب الله ويخشاه ويعلم أنه قد عرض نفسه للحكم بين يدي الله وبين عباده فيما أحل الله وحرم عليهم فلا يتكلم إلا بعلم وما أشكل عليه فليكله إلى عالمه.
(وأما مسألة الحامل) إذا رأت الدم فهذا ينظر فيه وفي حال عادة المرأة فأن كان ذلك ليس بعادة لها إذا حملت فهذا لا تلتفت إليه بل تصلي فيه وتصوم ويكون حكمها حكم المستحاضة وليس في هذا اختلاف وإنما الاختلاف فيما إذا كانت عادة المرأة أنها تحيض وتطهر في عادة الطهر فهذا الذي اختلف فيه العلماء والراجح في الدليل أنه حيض إذا كان على ما وصفنا ولكن قليل الوقوع وأكثر الواقع على متكرره وبين من ليس لها عادة أو يضرب عليها الدم فإنه يشتبه على كثير من الطلبة.
(وأما مسألة اليتيمة) إذا طلبت الزوج فيجوز لوليها تزويجها وإن لم تبلغ إذا كانت لها تسع سنين ولكن لا يجبرها ولا يزوجها إلا برضائها إذا كانت يتيمة وأما الأب فيجوز له إجبار الصغيرة التي لم تبلغ والبلوغ يحصل بالحيض ونبات الشعر الخشن حول القبل.
(وأما مسألة الأمي) فالأمي الذي لا يحسن الفاتحة أو يلحن فيها لحناً يغير المعنى وأما إذا كان يحسن الفاتحة ولا يحيل ألفاظها عن معانيها فهذا لا يسمى أمياً ولكن أحق الناس بالإمامة أقرأهم لكتاب الله فإن وجد القارئ قدم على غيره وأما إذا أقيمت الصلاة ثم جاء القارئ وهم يصلون جاز للقارئ أن يصلي معهم إذا كان الإمام يحسن قراءة الفاتحة ولا يلحن فيها لحناً يحيل المعنى وأما الذي يلحن فيها لحناً يحيل المعنى فهذا هو الأمي لا يجوز أن يصلي إلا بمثله فلا يؤم أحداً يحسن الفاتحة.
(وأما مسألة تعيين الإمام) كما هو واقع في المساجد التي لها أئمة راتبون فهذا إذا بان له أنه غير إمامه الراتب صحت صلاته لأن قصده الصلاة مع الجماعة وليس له قصد في تعيين الإمام والله أعلم.
стр. 62
الرسالة الخامسة
...
رسالة خامسة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر حفظه الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وكذلك السؤال وصورته
ما قول العلماء فيمن دفع دابته إلى آخر يسقي عليها زرعاً بجزء من الثمرة سواء كان الدفع قبل وجود الزرع أو بعد ما أخضر الزرع وسواء كان مدة السقي معلومة أو مجهولة مثل إلى أن تهزل أو تعجز هل هذا جائز يشبه دفع الدابة إلى من يعمل عليها ببعض مغلها أم هذا ليس بصحيح لعدم معرفة الأجرة والجهل بالمدة إذا لم توقت؟ فنقول هذه المسألة لم أقف عليها منصوصة في كلام العلماء ولكنهم نصوا على ما يؤخذ منه حكم هذه المسألة فمن ذلك أنهم ذكروا أن من شروط صحة الإجارة معرفة قدر الأجرة. ومعرفة قدر المدة قال في المغني: يشترط في عوض الإجارة كونه معلوماً لا نعلم فيه خلافاً انتهى ولكن هذه المسألة هل تلحق بمسائل الإجارة وتعطى أحكامها أم تلحق بمسائل الشركة وتعطي أحكامها مثل المساقاة والمزارعة والمضاربة وغير ذلك من مسائل المشاركات؟ فإن قلنا إنها بمسائل الإجارة أشبه فالإجارة لا تصح إلا بأجرة معلومة على مدة معلومة ولهذا اختلف العلماء في جواز الأرض ببعض ما يخرج منها كثلث أو ربع فمنعه أبو حنيفة والشافعي وغيرهما وعللوه بأن العوض مجهول فلا تصح الإجارة بعوض مجهول، وأجازه الإمام أحمد فمن أصحابه من قال هو إجارة ومنهم من قال بل هو مزارعة بلفظ الإجارة قال في الإنصاف والصحيح من المذهب أن هذه إجارة لأن الإجارة تصح بجزء مشاع معلوم مما يخرج من الأرض المأجورة وهو من مفردات المذهب انتهى. قال في المغني إجارة الأرض بجزء مشاع يخرج منها كنصف وثلث وربع المنصوص عن أحمد جوازه وهو قول أكثر الأصحاب واختار أبو الخطاب أنها لا تصح وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو التصحيح إن شاء الله لما تقدم من الأحاديث من في النهي من غير معارض لها ولأنها إجارة بعوض مجهول فلم تصح كأجارتها بثلث ما كخرج من أرض أخرى، ولأنه لا نص في جوازها ولا يمكن قياسها على المنصوص فإن المنصوص إنما وردت بالنهي عن إجارتها بذلك ولا نعلم في تجويزها نصاً والمنصوص جواز إجارة ذلك في بذهب أو فضة أو شيء معلوم فأما نص أحمد فيتعين حمله على المزارعة بلفظ الإجارة انتهى. وقال في المغني أيضاً قال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى رجل على أن يعلفها ويحفظها وما ولدت من ولد (فهو) بينهما قال أكره ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأبو خيثمة ولا أعلم فيه مخالفاً وذلك لأن العوض معدوم مجهول أيوجد أم لا والأصل عدمه انتهى.
وأما إن ألحقنا هذه المسألة المسؤول عنها بمسائل الشركة وقلنا هي بمسائل الشركة أشبه جرى فيها من اختلاف العلماء ما جرى في نظائرها وأنا أذكر لك بعض ما ذكر العلماء في هذا الباب: قال في المغني وإن دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها وما رزق الله بينهما نصفين أو ثلاثا أو كيفما شرط صح. نص عليه في رواية الأثرم
стр. 63
ومحمد بن سعيد ونقل عن الأوزاعي ما يدل على هذا وكره ذلك الحسن والنخعي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لا يصح والربح كله لرب المال وللعامل أجرة مثله ولنا أنها عين نمت بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير وكالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة وقد أشار أحمد رحمه الله تعالى إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة فقال لا بأس بالثوب يدفع بالثلث أو الربع لحديث جابر أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر، وهذا يدل على أنه ظاهر في مثل هذا إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة ولا إلى الإجارة. ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس ونقل أحمد بن سعيد فيمن دفع عبده إلى رجل يكتسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قميصاً وله نصف ربحه بعمله جاز، نص عليه في رواية حرب وإن دفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه جاز، نص عليه. ولم يجز مالك وأبو حنيفة والشافعي شيئاً من ذلك وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يقول لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم أو درهمين قال أكرهه لأن هذا شيء لا يعرف الثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً لحديث جابر أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر. قيل لأبي عبد الله فان كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهما قال فليجعل له ثلثاً وعشراً ثلث أو نصف عشر وما أشبهه انتهى ملخصاً. وقد نص أحمد أيضاً على جواز دفع الثوب لمن يبيعه بثمن يقدر له ويقول ما زاد فهو لك وقال في الإنصاف ولو دفع عبده أو دابته إلى من يعمل بهما بجزء من الأجرة أو ثوباً بخيطه أو عزلاً ينسجه بجزء من ربحه جاز نص عليه وهو المذهب جزم به ناظم المفردات وهو منها وقال في الحاوي الصغير ومن استأجر من يجد نخله أو يحصد زرعه بجزء مشاع منه جاز نص عليه في رواية مهنا وعنه لا يجوز وللعامل أجرة مثله. ونقل مهنا في الحصاد: هو أب لي أمن المقاطعة، وعنه له دفع دابته أو نخله لمن يقوم به بجزء من نمائه اختاره شيخ الإسلام والمذهب، لا لحصول نمائه من غير عمله انتهى ملخصاً. وقال في المغني وان اشترك ثلاثة من أحدهم الأرض ومن الآخر البذر ومن الآخر البقر والعمل على أن ما رزق الله بينهم فعملوا فهذا عقد فاسد نص عليه أحمد في رواية أبي داود ومهنا وأحمد ابن القاسم وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي فعلى هذا يكون الزرع لصاحب البذر لأنه نماء ماله ولصاحبيه عليه أجرة مثلهما انتهى. وقال في موضع آخر فان اشترك ثلاثة من أحدهم الدابة ومن الآخر راوية ومن الآخر العمل على أن ما رزق الله بينهما صح في قياس قول أحمد فانه قد نص في الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها على أن لهم الأجرة على الصحة وهذا مثله وهكذا لو اشترك أربعة من أحدهم دكان ومن الآخر رحى ومن آخر بغل ومن آخر العمل على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى بينهم صح وكان بينهم على ما شرطوه وقال القاضي العقد فاسد في المسألتين جميعاً وهو ظاهر قول الشافعي انتهى. ومن تأمل ما نقلناه تبين له حكم مسألة السؤال والله أعلم.
стр. 64
الرسالة السادسة
...
رسالة سادسة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه وتسأل فيه عن مسائل:
(الأولى) المطلقة البائن إذا مات زوجها الذي أبانها وهي في العدة فهذه إن كان زوجها طلقها في الصحة فانها تبنى على عدة الطلاق ولا تعتد للوفاة كما لو لم يمت.
(الثانية) المتوفى عنها وهي حامل هل هي في احداد ولو اعتدت أربعة أشهر وعشراً؟ فالأمر كذلك هي في احداد حتى تضع حملها.
(الثالثة) العبد المملوك إذا سرق من حرز من غير مال سيده هل يجب عليه القطع؟ فالامر كذلك وأما سيده فلا يقطع بسرقة ماله.
(الرابعة) فيمن طلق امرأته قبل أن يدخل بها ثلاثاً هل إذا بانت بالأولى تحل له بملاك جديد أم تحرم عليه إلا بعد الزوج الثاني بعد أن يجامعها١ ولا تحل للزوج الأول قبل جماع الزوج الثاني وأما إن كان طلقها ثلاثاً واحدة بعد واحدة فإنها تبين بالأولى ولا يلحقها بقية الطلاق لأن غير المدخول بها لا عدة عليها ولا يلحقها الطلاق فاذا بانت بالاولى حلت لزوجها بعقد ثان وان لم تتزوج غيره وتبقى معه على طلقتين.
(الخامسة) فيمن طلق زوجته تطليقتين بعد المسيس ثم تزوجت لها زوجاً ثانياً وطلقها قبل أن يمسها هل ترجع إلى الأول؟ فالامر كذلك ولا تأثير لهذا الزوج في حل العقد لأنها حلال لزوجها قبله فإذا اعتدت حلت لزوجها الأول بعقد جديد فان لم يكن خلا بها فلا عدة ويعقد عليها الثاني في الحال.
(السادسة) إذا وطىء الصبي الصبية هل يلزمهما غير التعزير؟ فلا يلزمهما حد بل يعزران تعزيراً بليغاً قال الشيخ تقي الدين لا خلاف بين العلماء ان غير المكلف يعزر على الفاحشة تعزيراً بليغاً.
(السابعة) فيمن رمى صبية بالزنا أو صبياً فان كان يمكن الوطء من مثله كبنت تسع وابن عشر فهذا يقام الحد على قاذفهما وان لم يبلغاً بخلاف الصغير الذي لا يجامع مثله الصغيرة التي لا يجامع مثلها فليس على قاذفهما إلا التعزير وأما الصغير إذا قذف الكبير فليس عليه إلا التعزير.
(الثامنة) عبارة الشرح في تفسير الشرطين وكذلك عبارة الإنصاف التي نقلت فالذي عليه الفتوى أن الشرطين الصحيحين لا يؤثران في العقد كما هو اختيار الشيخ تقي الدين.
стр. 65
(التاسعة) الجراح المقدرات مثل الموضحة والمأمومة والجائفة إذا كانت في العبد فديتها في نسبتها من ثمنه فالموضحة في الحر ديتها نصف عشر الدية ومن العبد نصف عشر قيمته بعد البرء.
(العاشرة) دية المملوك قيمته سواء كثرت أو قلت وإذا قتل الحر العبد لم يقد به لقوله تعالى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ .
(الحادية عشرة) الإقرار بالزنا هل يكفي فيه مرة أو أربع فالمسألة خلافية بين العلماء والاحوط أنه لا بد من الإقرار أربع مرات كما هو مذهب الإمام أحمد ولا بد أن يقيم على إقراره فان رجع عن إقراره لم يقم عليه الحد بل لو شرعوا في إقامة الحد عليه فرجع ترك لحديث ما عز والله أعلم.
стр. 66
الرسالة السابعة
...
رسالة سابعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر الأخ جمعان جعله الله من أهل العلم والإيمان آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته والخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وكذلك المسائل التي تسأل عنها.
(الأولى) إذا سرقت الدابة ونحرت الخ
(فالجواب) أن الدابة إن سرقت من حرز مثلها كالبعير المعقول الذي عنده حافظ أو لم يكن معقولاً وكان الحافظ ناظراً إليه أو مستيقظاً بحيث يراه ونحو ذلك مما ذكر الفقهاء في معرفة حرز المواشي فهذه إذا سرقت من الحرز فعلى السارق القطع بشروطه فان لم تكن في حرز فلا قطع على السارق وعليه غرامة مثلي قيمتها وهو مذهب الإمام أحمد واحتج بأن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها وأما من سرق من الثمرة فان كان بعد ما آواها الجرين فعليه القطع فان كان قبل ذلك بأن سرق من الثمر المعلق فلا قطع وعليه من مثله وبالغ أبو عمر بن عبد البر وقال لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بغرامة مثليه والصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ سئل عن الثمر المعلق فقال "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة١ فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" حديث حسن قال الإمام أحمد لا أعلم شيئاً يدفعه وأما ما عدا هذا من الثمرة والماشية فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا يغرم أكثر من القيمة ان كان متقوماً أو مثله إن كان مثلياً فالأصل وجوب غرامة المثل المتلف والمغصوب والنهب والاختلاس وسائر ما تجب غرامته مخالفة الأصل في هذين الموضعين لا أثر له ويبقى ما عداهما على الأصل واختار الشيخ تقي الدين ﵀ وجوب غرامته المثلية في كل سرقة لا قطع فيها.
стр. 67
وأما قول السائل وفقه الله إذا اختلفا في القيمة ولا بينة لهما من القول قوله؟ ١ فالظاهر من كلامهم أن القول قول الغارم. وأما قوله إذا سرقها وباعها على من لا يعرف فما الحكم؟ فنقول الحكم فيها كما تقدم وهو غرامة المثلين على ما ذكرنا من تغريم عمر حاطباً وعلى ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب فان فيه أن السائل قال الشاة الحريسة يا نبي الله؟ قال "ثمنها ومثله معه" ولا فرق بين بيع الشاة وبين ذبحها ونحر الناقة وبيعها.
(وأما المسألة الثانية) إذا دبر الرجل جاريته كقوله أنت عتيقة على موتي أو إذا مت فأنت حرة فهل بين هذه الألفاظ فرق؟
(فالجواب) أنه لا فرق بين هذه الألفاظ بل متى علق وصريح العتق بالموت فقال أنت حرة أو محررة أو عتيقة بعد موتي صارت مدبرة بغير خلاف علمته وأما قوله إذا دبرها وهي حامل أو حملت بعد التدبير فما الحكم في ولدها فنقول أما إذا دبرها وهي حامل فان ولدها يدخل معها في التدبير بغير خلاف علمناه لأنه بمنزلة عضو من أعضائها وأما إذا حملت بعد التدبير ففيه خلاف بين العلماء فذهب الجمهور إلى أنه يتبع أمه في التدبير ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها وهو مروي عن ابن مسعود وابن عمر وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والثوري وأصحاب الرأي وذكر القاضي أن حنبلاً نقل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشترطه المولى قال: فظاهره أنه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها وهذا قول جابر بن زيد وهو اختيار المزني من أصحاب الشافعي قال جابر بن زيد انما هو بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت فان ثمرته لك ما عشت وللشافعي قولان كالمذهبين.
(وأما المسألة الثالثة) إذا تصرف الفضولي وأنكره صاحب المال فلم يجز التصرف فما الحكم في نماء المبيع؟
(فنقول) اختلف الفقهاء في تصرف الفضولي إذا أجازه المالك هل هو صحيح أم لا والخلاف مشهور وأما إذا لم يجز المالك لم ينعقد أصلاً ولا تدخل هذه المسئلة في الخلاف بل المالك باق على ملك صاحبه ولا ينتقل بتصرف الفضولي ونماؤه لمالكه.
وأما قوله إذا قال الفضولي للمشتري أنا ضامن ما لحقك من الغرامة هل يلزمه غرامة النماء؟ فنقول إن كان المشتري جاهلاً ان هذا مال الغير أو كان عالماً لكن جهل الحكم وغره الفضولي فما لزم المشتري من الغرامة من هذا النماء الذي تلف تحت يده فهو على الضامن من الغار.
(وأما المسألة الرابعة) وهي قوله على القول بأثبات الشفعة بالشركة والطرق هل إذا باع إنسان عقاره وقد وقعت الحدود ان الشركة باقية في البئر والطرق ومسير
стр. 68
الماء هل يأخذ الشفيع المبيع كله لأجل الشركة في هذه الأمور أم لا شفعة له في الطريق ومسير الماء؟
فنقول على القول بأثبات الشفعة بالشركة في البئر والطريق يأخذ الشفيع المبيع كله بالشركة في البئر والطريق ولا يختص ذلك في البئر نفسها ولا بالطريق وحده وقد نص على ذلك أحمد ﵀ في رواية أبي طالب فانه سأله عن الشفعة لمن هي فقال للجار إذا كان الطريق واحداً فإذا صرفت الطرق الأربعة من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ "الجار أحق بشفعة جاره ينتظره بها وان كان غائباً إذا كان طريقهما واحد" وفي حديث جابر المتفق عليه "الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فمفهوم الحديث الأخير موافق لمنطوق الأول بإثبات الشفعة إذا لم تصرف الطريق والشركة في البئر تقاس على الشركة في الطريق لأن الشفعة إنما شرعت لأزالة الضرر عن الشريك ومع بقاء الشركة في البئر والطريق يبقى الضرر بحاله وهذا اختيار الشيخ تقي الدين ﵀ وهو الذي عليه الفتوى.
وأما الشفعة فيما لا ينقل وليس بعقار كالشجر إذا بيع مفرداً ونحو قول الشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى أن الشفعة تثبت في البناء والغراس وأن بيع مفرداً لعموم قوله ﷺ "الشفعة فيما لم يقسم" ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر والضرر فيما لم يقسم أبلغ منه فيما ينقسم وقد روى الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "الشفيع شريك والشفعة في كل شيء" وقد روى مرسلاً رواه الطحاوي من حديث جابر مرفوعاً ولفظه "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء".
(وأما مسألة الضيافة) والقول بوجوبها فالضيف على من نزل به وأما الغائب ومن لم ينزل به الضيف فلا يجب عليه معونة المنزول به إلا أن يختار المعين.
(وأما مسألة الغريم) الذي أبرأ غرماءه مما عليهم من الدين فلما برىء من المرض أراد الرجوع مما زاد على الثلث فهذا لا رجوع فيه بل سقط الدين بمجرد إسقاطه وانما التفضيل فيما إذا أبرأ من الدين ومات في ذلك المرض.
(وأما الذي أبرأ غريمه على شرط مجهول) بأن شرط عليه ذلولا تمشي في الجهاد دائماً ومتى ماتت اشترى أخرى أو شرط عليه أضحية كل سنة على الدوام فهذا لا يصح والبراءة. الحالة هذه لا تصح والله أعلم.
стр. 69
الرسالة الثامنة
...
رسالة ثامنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وهذا جواب المسائل واصلك إن شاء الله تعالى.
(الأولى) فيمن طلق زوجته في مرض موته وأبانها فالذي عليه العمل أنها ترثه ما دامت في العدة في قول جمهور العلماء وكذا ترثه بعد العدة ما لم تتزوج كما ذهب إليه مالك والإمام أحمد في رواية بل مذهب مالك أنها ترثه ولو تزوجت والراجح الأول.
(وأما المسألة الثانية) وهي قولهم في المطلقة عليها أطول الأجلين من ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشراً فصورة المسألة على ما صورته في السؤال وأما الخلاف فالمشهور عن أحمد المعمول به عند أصحابه أن المطلقة البائن في مرض الموت تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء وهذا مذهب أبي حنيفة وقال مالك والشافعي تبني على عدة الطلاق.
(وأما المسألة الثالثة) فالمشهور جواز إجارة العين المستأجرة قال في المغني يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها نص عليه أحمد وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي والشعبي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأما اجارتها قبل قبضها فلا يجوز من غير المؤجر في إحدى الوجهين وهو قول أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي ويجوز للمستأجر إجارة العين بمثل الأجرة وزيادة نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي وابن المنذر.
(وأما المسألة الرابعة) وهي مسألة الحرز فالحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه ويختلف باختلاف الأموال فحرز الغنم الحظيرة وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها إذا كان يراها في الغالب وأما إذا نام عنها فقد خرج من الحرز والضابط ما ذكرناه وهو أن الحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه الأموال تختلف وتفصيل المسألة مذكور في باب القطع في السرقة فراجعه.
(وأما المسألة الخامسة) وهي السرقة من الثمر قبل إيوائه الحرز فهذا لا قطع فيه ولو كان عليه حائط أو حافظ إذا كان في رؤوس النخل لحديث رافع بن خديج "لا قطع في ثمر ولا كثر " وكذلك الماشية تسرق من المرعى إذا لم تكن محرزة لا قطع فيها وتضمن بمثل قيمتها والثمر يضمن بمثلي قيمته لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وروى الأثرم أن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل مزينة مثلي قيمتها وهذا مذهب أحمد. وأما الجمهور فقالوا: لا يجب عليه إلا غرامة مثله قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال بغرامة مثليه وحجة أهل القول الأول حديث عمرو بن شعيب قال أحمد لا أعلم شيئاً يدفعه. وأما المختلس والمنتهب والخائن وغيرهم فلا يغرم إلا مثله
стр. 70
من غير زيادة على المثل والقيمة لأن الأصل وجوب غرامة المثل بمثله والمتقوم بقيمته خولف في هذين الموضعين للأثر ويبقى ما عداهما على الأصل.
(وأما المسألة السادسة) إذا جامع جاهلاً أو ناسياً في نهار رمضان هل حكم الجاهل حكم الناسي أم بينهما فرق؟
فالمشهور أن حكمها واحد عند من يوجب الكفارة وبعض الفقهاء فرق بين أن يكون جاهلاً بالحكم أو جاهلاً بالوقت فأسقط الكفارة عن الجاهل بالوقت كما لو جامع أول يوم من رمضان يظن أنه من شعبان أو جامع معتقداً أن الفجر لم يطلع فبان أنه قد طلع ومن أسقطها عن الجاهل بالوقت فالناسي مثله وأولى قال الشيخ تقي الدين: لا قضاء على من جامع جاهلاً بالوقت أو ناسياً ولا كفارة أيضاً.
(وأما المسألة السابعة) وهي مسألة القذف فالقذف ينقسم إلى صريح وكناية كالطلاق فالصريح ما لا يحتمل غيره نحو يازاني يا عاهر ونحو ذلك والكناية التعريض بالألفاظ المجملة المحتملة للقذف وغيره فان فسر الكناية بالزنا فهو قذف لأنه أقر بالقذف وأن فسره بما يحتمله غير القذف قبل مع يمنيه ويعزر تعزيراً يردعه وأمثاله ونحو ذلك فمتى وجد منه اللفظ المحتمل للقذف وغيره ولم يفسره بما يوجب القذف فانه يعزر ولا حد عليه.
(وأما المسألة الثامنة) هل للأب أن يأخذ من صداق ابنته أم لا؟ فالمشهور عن أحمد جوازه وهو قول اسحق بن راهويه وقد روي عن مسروق أنه زوج ابنته واشترط لنفسه عشرة آلاف يجعلها في الحج والمساكين ثم قال للزوج: جهز امرأتك وروي ذلك عن علي بن الحسين أيضاً واستدلوا لذلك بما حكى الله عن شعيب ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ وبقوله ﷺ "أنت ومالك لأبيك" وقوله "إن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم" فإذا شرط لنفسه شيئاً من الصداق كان آخذا من مال ابنته وله ذلك.
(وأما المسألة التاسعة) إذا كان لأنسان طعام في ذمة رجل وليس هو سلماً وذلك بأن يكون قرضاً أو إجارة أرض أو عمارة تخل وأراد صاحبه أن يأخذ عنه جنساً آخر من الطعام فهذا لا بأس به إذا لم يتفرقاً وبينهما شيء فان اتفقاً على المعارضة وتفرقاً قبل التقابض لم يثبت الأول ومتى تقايضاً جازت المعاوضة كما يجوز ذلك في بيع الأعيان لقوله ﷺ : " إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم يداً بيد " وكما وردت السنة بمثل ذلك في قبض الدراهم عن الدنانير والدنانير عن الدراهم في حديث ابن عمر.
(وأما المسألة العاشرة) فالعاصب للميت من كان أقرب من غيره بعد العاصب أو قرب فمتى ثبت النسب بأن هذا ابن عم الميت ولا يعرف أحداً أقرب منه فهو العاصب ولو بعد عن الميت فان عرف أن هذا الميت من هذه القبيلة ولم يعرف له عاصب معين
стр. 71
وأشكل الأمر دفع إلى أكبرهم سناً فان كان للميت وارث ذو فرض أخذ فرضه ولم يوجد عاصب فالرد إلى ذوي الفروض أولى من دفعه إلى بيت المال ويرد على أهل الفروض على حسب ميراثهم إلا الزوج والزوجة فلا يرد عليهم.
(وأما المسألة الحادية عشرة) إذا زنت المرأة البكر وجلدت فهل تغرب أم لا فالمسألة فيها خلاف بين العلماء والمشهور أنها تغرب كما هو ظاهر الحديث أعني قوله ﷺ "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" والله أعلم.
стр. 72
الرسالة التاسعة
...
رسالة تاسعة
(قال جامع الرسائل) ومن جواب أسئلة وردت على حمد بن ناصر ﵀ وعفا عنه قال:
(التهليلات العشر من صلاتي المغرب والفجر)
الحمد لله، أما المسائل التي سألت عنها فأولها السؤال عن التهليلات العشر بعد صلاة الصبح والمغرب إذا كان قد ثبت في الأحاديث من "قال قبل أن ينصرف -وفي لفظ دبر المغرب والصبح- لا اله إلا الله وحده لا شريك له" الخ وهو الذي يفعله الناس اليوم من الجهر هل كان من هديه ﷺ وفعله أصحابه والتابعون وما أصل هذه التهليلات؟
فنقول وبالله التوفيق: أما أصل التهليلات العشر فهو ما أشار إليه السائل وفقه الله من الأحاديث الواردة فيه فروي الترمذي في سننه حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال "من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير –عشر مرات- كتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات" الحديث وروى الترمذي أيضاً والنسائي في اليوم والليلة من حديث عمارة ابن شبيب مرفوعاً "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير على أثر المغرب بعث الله له مسلحة يحفظونه حتى يصبح" الحديث قال الترمذي: غريب فهذان الحديثان هما أصل التهليلات العشر بعد صلاة الصبح والمغرب وهما حجة على استحباب هذه التهليلات ولهذا استحبها العلماء وذكروها في الأذكار المستحبة دبر الصلاة وأن المصلي يهلل بهن دبر صلاة الفجر وصلاة المغرب.
(المأثور في الأذكار عقب الصلاة ورفع الصوت بها)
وأما قول السائل هل كان هذا من هديه ﷺ أو فعله أصحابه؟ لم يبلغنا من فعله ﷺ والذي ثبت عنه الترغيب في ذلك ويترتب الأجر العظيم على فعله وذلك كاف في استحبابه وهذا له نظائر كثيرة في السنة فإذا
стр. 73
وردت الأحاديث بالحث على شيء من العبادات ورغب فيه الشارع ثبت أنها مستحبة وإن لم يرد عن النبي ﷺ أنه فعلها لم تستحب ومن تأمل الأحاديث عرف ذلك، وليس في هذا اختلاف بين العلماء وإنما الخلاف بينهم في استحباب رفع الصوت بالذكر عقب الصلاة المكتوبة لأنه قد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ قال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك يعني بالجهر. ولهذا اختلف العلماء هل الأصل الإسرار كما هو المشهور عند اتباع الأئمة أم الجهر أفضل لهذا الحديث الصحيح؟ قال في الفروع وهل يستحب الجهر لذلك كقول بعض السلف والخلف وقاله شيخنا أم لا؟ كما ذكره أبو الحسن ابن بطال وجماعة وأنه قول أهل المذاهب المتبوعة وغيرهم وظاهر كلام أصحابنا مختلف ويتوجه تخريج واحتمال يجهر لقصد التعليم فقط ثم يتركه وفاقاً للشافعي وحمل الشافعي خبر ابن عباس على هذا انتهى كلامه. فهذا الاختلاف في استحباب الجهر بعد الصلوات بالأذكار الواردة من حيث الجملة وحديث ابن عباس دليل على الاستحباب. وأما تخصيص هذه التهليلات بالجهر دون غيرها من الأذكار فلا نعلم له أصلاً ولكن لما أثبت ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر كان على عهد رسول الله ﷺ صح الاستدلال به على رفع الصوت بالتهليلات إذ هو من جملة الأذكار الواردة فمن رفع صوته بذلك لم ينكر عليه بل يقال رفع الذكر بعد الصلاة مستحب ومن أسر لم ينكر عليه لأن ذلك من مسائل الاختلاف بين العلماء وكل منهم قد قال باجتهاده ﵃.
(حكم التلقيح بالجدري)
وأما السؤال عن التوتين الذي يفعله العوام يأخذون قيحاً من المجدور ويشقون جلد الصحيح ويجعلونه في ذلك المشقوق يزعمون أنه أن جدر يخفف عنه فهذا ليس من التمائم المنهي عن تعلقها فيما يظهر لنا وإنما هو من التداوي عن الداء قبل نزوله كما يفعلون بالمجدور إذا أخذته حمى الجدري لطخوا رجليه بالحنا لئلا يظهر الجدري في عينيه وقد جرب ذلك فوجد له تأثير وهؤلاء يزعمون أن التوتين من الأسباب المخففة للجدري والذي يظهر لنا فيه الكراهة لأن فاعله يستعجل به البلاء قبل نزوله إلا أنه في الغالب إذا وتن ظهر فيه الجدري فربما قتله فيكون الفاعل لذلك قد أعان على قتل نفسه كما ذكره العلماء فيمن أكل فوق الشبع فمات بسبب ذلك فهذا وجه الكراهة١
(التوسل إلى الخالق بالمخلوقين)
وأما السؤال عن قول الخارج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك فهذا ليس فيه دليل على السؤال بالمخلوقين كما قد توهمه بعض الناس فاستدل به
стр. 74
على جواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وإنما هو سؤال الله تعالى بما أوجبه على نفسه فضلاً وكرماً لأنه يجيب سؤال السائلين إذا سألوه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ونظيره قوله ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وقوله: ﴿كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا معنى ما ذكر العلماء في الحديث الوارد في ذلك إن صح وإلا فهو ضعيف، وعلى تقدير صحته فهو من باب السؤال بصفات الله لا من السؤال بذات المخلوقين والله أعلم.
стр. 75
الرسالة العاشرة
...
رسالة عاشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر إلى الأخ إبراهيم بن محمد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه وما ذكرت صار عندنا معلوماً ومن جانب السؤال عما تضمنته سورة الإخلاص من التوحيد العلمي فيذكرون أهل العلم أن سورة الإخلاص متضمنة للتوحيد العلمي و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ متضمنة للتوحيد العملي فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها توحيد الاعتقاد والمعرفة ومما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه ونفي الولد والوالد الذي هو من لزوم الصمدية ونفي الكفر المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له ونفي كل نقص عنه ونفي الشبيه والمثيل ونفي مطلق الشريك عنه وهذه الأصول مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه فرق الضلال والشرك ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن وبيان ذلك أن القرآن مداره على الخبر والإنشاء والخبر نوعان خبر عن الخالق وأسمائه وصفاته وأحكامه وخبر عن خلقه فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه سبحانه وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن كما أخلصت سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ لبيان الشرك العملي القصدي.
(الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية)
وأما الفرق بين الشفاعة المثبتة المنفية فهي مسألة عظيمة ومن لم يعرفها حقيقة التوحيد والشرك والشيخ رحمه الله١ عقد له باباً في كتاب التوحيد فقال (باب الشفاعة) وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا