مجموعة رسائل في التوحيد والإيمانمن تأليف الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى
الرسالة الأولى مسائل الجاهلية ١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
هذه أمور خالف فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، مما لا غنى للمسلم عن معرفتها.
فالضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتبين الأشياء.
فأهم ما فيها وأشدها خطرا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول ﷺ ، فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية تمت الخسارة
стр. 2
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١.
(المسألة الأولى) : أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، يريدون شفاعتهم عند الله لظنهم أن الله يحب ذلك وأن الصالحين يحبونه٢ كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤. وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ ، فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص، وأخبر أن من فعل ما استحسنوا٥ فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. وهذه هي المسألة التي تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٦.
(الثانية) : أنهم متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ
стр. 3
بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ١. وكذلك في دنياهم ويرون أن ٢ ذلك هو الصواب، فأتى بالاجتماع في الدين بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٤ ونهانا عن مشابهتهم بقوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ٥ ونهانا عن التفرق في الدنيا ٦ بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٧.
(الثالثة) : أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له فضيلة، والسمع والطاعة له ذل ٨ ومهانة، فخالفهم رسول الله ﷺ وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك وأبدي فيه ٩ وأعاد.
стр. 4
وهذه الثلاث ١ هي التي جمع بينها فيما " صح ٢ " عنه في الصحيحين أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ٣ ولا تشركو ابه شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم". ولم يقع خلل في دين الناس ودنياهم إلا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها.
(الرابعة) : أن دينهم مبني على أصول أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ٥؛ فأتاهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ٦ الآية، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٧.
стр. 5
(الخامسة) : أن من أكبر قواعدهم الاغترار بالأكثر، ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله، فأتاهم بضد ذلك وأوضحه في غير موضع من القرآن ١.
(السادسة) : الاحتجاج بالمتقدمين كقوله: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ ٢، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ ٣.
(السابعة) : الاستدلال بقوم ٤ أعطوا قوى في الأفهام والأعمال وفي الملك والمال والجاه، فرد الله ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ ٥ الآية، وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ ٦، وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ٧ الآية.
(الثامنة) : الاستدلال على بطلان الشيء بأنه لم يتبعه إلا الضعفاء كقوله ٨:
(الثالثة عشرة) : الغلو في العلماء والصالحين كقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ١.
(الرابعة عشرة) : أن كل ما تقدم مبني على قاعدة، وهي النفي والإثبات، فيتبعون الهوى والظن ويعرضون عما جاءت به الرسل ٢.
(الخامسة عشرة) : اعتذارهم عن اتباع ما آتاهم الله بعدم الفهم كقولهم ٣: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ، ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ ٤، فأكذبهم الله وبين أن ذلك بسبب الطبع على قلوبهم، وأن ٥ الطبع بسبب كفرهم.
(السادسة عشرة) : اعتياضهم عما أتاهم من الله بكتب السحر، كما ذكر الله ذلك في قوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ٦.
(السابعة عشرة) : نسبة باطلهم إلى الأنبياء كقوله ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ ٧، وقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً﴾ ٨.
стр. 8
(الثامنة عشرة) : تناقضهم في الانتساب، ينتسبون إلى إبراهيم مع إظهارهم ترك اتباعه.
(التاسعة عشرة) : قدحهم في بعض الصالحين بفعل بعض المنتسبين إليهم ١ كقدح اليهود في عيسى، وقدح اليهود والنصارى في محمد ﷺ .
(العشرون) : اعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء كما نسبوه لسليمان ﵇.
(الحادية والعشرون) : تعبدهم بالمكاء والتصدية.
(الثانية والعشرون) : أنهم اتخذوا دينهم لهوا ولعبا.
(الثالثة والعشرون) : أن الحياة الدنيا غرتهم فظنوا أن عطاء الله منها يدل على رضاه كقولهم٢ ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ٣.
(الرابعة والعشرون) : ترك الدخول في الحق إذا سبقهم إليه الضعفاء تكبرا وأنفة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ٤. الآيات.
стр. 9
(الخامسة والعشرون) : الاستدلال على بطلانه بسبق الضعفاء كقوله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ ١.
(السادسة والعشرون) : تحريف كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
(السابعة والعشرون) : تصنيف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله كقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾ ٢ الآية.
(الثامنة والعشرون) : أنهم لا يقبلون ٣ من الحق إلا الذي مع طائفتهم كقوله: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ ٤.
(التاسعة والعشرون) : أنهم مع ذلك لا يعلمون بما تقوله طائفتهم ٥ كما نبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٦.
(الثلاثون) : وهي من عجائب آيات الله، أنهم لما تركوا وصية الله بالاجتماع، وارتكبوا ما نهى الله عنه من الافتراق، صار كل حزب بما لديهم فرحين.
стр. 10
(الحادية والثلاثون) : وهي من أعجب الآيات ١ أيضا: معاداتهم الدين الذي انتسبوا إليه غاية العداوة، ومحبتهم دين الكفار الذين عادوهم وعادوا نبيهم وفئتهم غاية المحبة، كما فعلوا مع النبي ﷺ لما أتاهم بدين موسى ﵇، واتبعوا كتب السحر وهي من دين آل فرعون.
(الثانية والثلاثون) : كفرهم بالحق إذا كان مع من لا يهوونه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ٢ الآية.
(الثالثة والثلاثون) : إنكارهم ما أقروا أنه من دينهم كما فعلوا في حج البيت، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٣.
(الرابعة والثلاثون) : أن كل فرقة تدعي أنها الناجية، فأكذبهم الله بقوله: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤. ثم بين الصواب بقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ٥ الآية.
(الخامسة والثلاثون) : التعبد بكشف العورات كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ ٦.
стр. 11
(السادسة والثلاثون) : التعبد بتحريم الحلال كما تعبدوا بالشرك.
(السابعة والثلاثون) : التعبد باتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله.
(الثامنة والثلاثون) : الإلحاد في الصفات كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
(التاسعة والثلاثون) : الإلحاد في الأسماء كقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ٢.
(الأربعون) : التعطيل، كقول آل فرعون.
(الحادية والأربعون) : نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة والتعب، مع تنْزيه رهبانهم عن بعض ذلك ٣.
(الثانية والأربعون) : الشرك في الملك كقول المجوس.
(الثالثة والأربعون) : جحود القدر.
(الرابعة والأربعون) : الاحتجاج على الله به ٤.
(الخامسة والأربعون) : معارضة شرع الله بقدره.
(السادسة والأربعون) : مسبة الدهر كقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ٥.
стр. 12
(السابعة والأربعون) : إضافة نعم الله إلى غيره كقوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
(الثامنة والأربعون) : الكفر بآيات الله.
(التاسعة والأربعون) : جحد بعضها.
(الخمسون) : قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢.
(الحادية والخمسون) : قولهم في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٣.
(الثانية والخمسون) : القدح في حكمة الله تعالى.
(الثالثة والخمسون) : إعمال الحيل الظاهرة والباطنة في دفع ما جاءت به الرسل كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ ٥.
(الرابعة والخمسون) : الإقرار بالحق ليتوصلوا به إلى دفعه، كما قال في الآية.
(الخامسة والخمسون) : التعصب للمذهب كقوله فيها: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ٦.
стр. 13
(السادسة والخمسون) : تسمية اتباع الإسلام شركا، كما ذكره في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآيتين.
(السابعة والخمسون) : تحريف الكلم عن مواضعه.
(الثامنة والخمسون) : لي الألسنة بالكتاب ٢.
(التاسعة والخمسون) : تلقيب أهل الهدى بالصباة والحشوية.
(الستون) : افتراء الكذب على الله.
(الحادية والستون) : التكذيب بالحق ٣.
(الثانية والستون) : كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى للملوك كما قالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ ٤.
(الثالثة والستون) : رميهم ٥ إياهم بالفساد في الأرض كما في الآية.
(الرابعة والستون) : رميهم إياهم بانتقاص دين الملك كما قال تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ ٦، وكما قال تعالى ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ٧ الآية.
стр. 14
(الخامسة والستون) : رميهم إياهم بانتقاص آلهة الملك كما في الآية.
(السادسة والستون) :رميهم إياهم بتبديل الدين كما قال تعالى ١: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ٢.
(السابعة والستون) : رميهم إياهم بانتقاص الملك كقولهم: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ ٣.
(الثامنة والستون) : دعواهم العمل بما عندهم من الحق كقولهم ٤ ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ ٥، مع تركهم إياه.
(التاسعة والستون) : الزيادة في العبادة كفعلهم يوم عاشوراء.
(السبعون) : نقصهم منها، كتركهم الوقوف بعرفات.
(الحادية والسبعون) : تركهم الواجب ورعا.
(الثانية والسبعون) : تعبدهم بترك الطيبات من الرزق.
(الثالثة والسبعون) : تعبدهم بترك زينة الله.
(الرابعة والسبعون) : دعوتهم الناس إلى الضلال بغير علم.
(الخامسة والسبعون) : دعوتهم إياهم إلى الكفر مع العلم.
(السادسة والسبعون) : المكر الكبار كفعل قوم نوح.
(السابعة والسبعون) : أن أئمتهم إما عالم فاجر، وإما عابد جاهل، كما
стр. 15
في قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ ٢.
(الثامنة والسبعون) : دعواهم أنهم أولياء الله من دون الناس ٣.
(التاسعة والسبعون) : دعواهم محبة الله، مع تركهم شرعه، فطالبهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ ٤ الآية.
(الثمانون) : تمنيهم الأماني الكاذبة كقولهم ٥: ﴿نْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ ٦، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾ ٧.
(الحادية والثمانون) : اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد.
(الثانية والثمانون) : اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد كما ذكر عن عمر ٨.
стр. 16
(الثالثة والثمانون) : اتخاذ السرج على القبور.
(الرابعة والثمانون) : اتخاذها أعيادا.
(الخامسة والثمانون) : الذبح عند القبور.
(السادسة والثمانون) : التبرك بآثار المعظمين، كدار الندوة، وافتخار من كانت تحت يده بذلك ١، كما قيل لحكيم بن حزام: بعت مكرمة قريش. فقال: ذهبت المكارم إلا التقوى ٢.
(السابعة والثمانون) : الفخر بالأحساب.
(الثامنة والثمانون) : الطعن في الأنساب.
(التاسعة والثمانون) :الاستسقاء بالأنواء.
(التسعون) : النياحة.
(الحادية والتسعون) . أن أجل فضائلهم البغي ٣، فذكر الله فيه ما ذكر ٤.
(الثانية والتسعون) : أن أجل فضائلهم الفخر ولو بحق، فنهى عنه.
стр. 17
(الثالثة والتسعون) : أن تعصب الإنسان لطائفته على الحق والباطل أمر لا بد منه عندهم، فذكر الله فيه ما ذكر.
(الرابعة والتسعون) : أن من دينهم أخذ الرجل بجريمة غيره، فأنزل الله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١.
(الخامسة والتسعون) : تعيير الرجل بما في غيره فقال: "أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ٢".
(السادسة والتسعون) ? الافتخار بولاية البيت، فذمهم الله بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ ٣.
(السابعة والتسعون) : الافتخار بكونهم ذرية الأنبياء، فأتى الله بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ ٤ الآية.
стр. 18
(الثامنة والتسعون) : الافتخار بالصنائع كفعل أهل الرحلتين على أهل الحرث.
(التاسعة والتسعون) : عظمة الدنيا في قلوبهم كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ١.
(المائة) : التحكم على الله كما في الآية.
(الحادية بعد المائة) : ازدراء الفقراء، فأتاهم بقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ ٢.
(الثانية بعد المائة) : رميهم أتباع الرسل بعدم الإخلاص وطلب الدنيا، فأجابهم بقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ الآية وأمثالها.
(الثالثة بعد المائة) : الكفر بالملائكة.
(الرابعة بعد المائة) : الكفر بالرسل.
(الخامسة بعد المائة) : الكفر بالكتب.
(السادسة بعد المائة) : الإعراض عما جاء عن الله.
(السابعة بعد المائة) : الكفر باليوم الآخر.
(الثامنة بعد المائة) : التكذيب بلقاء الله.
(التاسعة بعد المائة) : التكذيب ببعض ما أخبرت به الرسل عن اليوم
стр. 19
الآخر كما في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ ١، ومنها التكذيب بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٢، وقوله: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٤.
(العاشرة بعد المائة) : قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس.
(الحادية عشرة بعد المائة) : الإيمان بالجبت والطاغوت.
(الثانية عشرة بعد المائة) : تفضيل دين المشركين على دين المسلمين.
(الثالثة عشرة بعد المائة) : لبس الحق بالباطل.
(الرابعة عشرة بعد المائة) : كتمان الحق مع العلم به.
(الخامسة عشرة بعد المائة) : قاعدة الضلال وهي: القول على الله بلا علم.
(السادسة عشرة بعد المائة) : التناقض الواضح لما كذبوا بالحق كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ ٥.
(السابعة عشرة بعد المائة) : الإيمان ببعض المنْزل دون بعض.
(الثامنة عشرة بعد المائة) : التفريق بين الرسل.
(التاسعة عشرة بعد المائة) : مخاصمتهم ٦ فيما ليس لهم به علم.
(العشرون بعد المائة) : دعواهم اتباع السلف مع التصريح بمخالفتهم.
стр. 20
(الحادية والعشرون بعد المائة) : صدهم عن سبيل الله من آمن به.
(الثانية والعشرون بعد المائة) : مودتهم الكفر والكافرين ١.
(الثالثة والعشرون بعد المائة، والرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، والثامنة والعشرون بعد المائة) : العيافة، والطرق، والطيرة، والكهانة، والتحاكم إلى الطاغوت، وكراهة التزويج بين العبدين ٢.
والله أعلم.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 21
الرسالة الثانية: شرح ستة مواضيع من السيرة
...
الرسالة الثانية شرح ستة مواضع من السيرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: تأمل رحمك الله ستة مواضع من السيرة، وافهمها فهما حسنا، لعل الله أن يفهمك دين الأنبياء لتتبعه، ودين المشركين لتتركه، فإن أكثر من يدعي الدين ويدعى ١ من الموحدين لا يفهم الستة كما ينبغي:
(الأول) : قصة نزول الوحي، وفيها أن أول آية أرسله الله بها ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ٤، فإذا فهمت أنهم يفعلون أشياء كثيرة يعرفون أنها من الظلم والعدوان مثل الزنى، وعرفت أيضا أنهم يفعلون شيئا ٥ من العبادة يتقربون بها إلى الله مثل الحج
стр. 22
والعمرة والصدقة على المساكين والإحسان إليهم ١ وغير ذلك، وأجلها عندهم الشرك، فهو أجل ما يتقربون به إلى الله عندهم، كما ذكر الله عنهم أنهم ٢ قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ٤﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، فأول ما أمره الله به الإنذار عنه قبل الإنذار عن الزنى والسرقة وغيرهما ٦، وعرفت أن منهم من تعلق على الأصنام، ومنهم من تعلق على الملائكة وعلى الأولياء من بني آدم، ويقولون ما نريد منهم إلا شفاعتهم، ومع هذا بدأ بالإنذار عنه في أول آية أرسله الله ٧ بها؛ فإن أحكمت هذه المسألة فيا بشراك، خصوصا إذا عرفت أن ما بعدها أعظم من الصلوات الخمس، ولم تفرض إلا في ليلة الإسراء سنة عشر بعد حصار الشعب وموت أبي طالب وبعد هجرة الحبشة بسنتين، فإذا عرفت أن تلك الأمور الكثيرة والعداوة البالغة كل ذلك عند هذه المسألة قبل فرض الصلاة، رجوت أن تعرف المسألة.
(الموضع الثاني) : أنه ﷺ لما قام ينذرهم عن الشرك،
стр. 23
ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك واستحسنوه ١، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة وقالوا: سفه أحلامنا وعاب ديننا وشتم آلهتنا. ومعلوم أنه ﷺ لم يشتم عيسى وأمه ولا الملائكة ولا الصالحين، لكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون ٢ ولا يضرون جعلوا ذلك شتما. فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام - ولو وحد الله وترك الشرك - إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغض ٣ كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ الآية. فإذا فهمت هذا فهما جيدا ٥، عرفت أن كثيرا من الذين يدعون الدين لا يعرفونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب ٦ والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة، مع أنه صلى الله
стр. 24
عليه وسلم
أرحم الناس، لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم، كيف وقد أنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ ١؟ فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه فكيف بغير ذلك؟
(الموضع الثالث) : "قصة قراءته ﷺ سورة النجم بحضرتهم، فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ٢ ألقى الشيطان في تلاوته تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فظنوا أن رسول الله ﷺ قالها ٣ ففرحوا بذلك وقالوا كلاما معناه: هذا الذي نريد، ونحن نعرف أن الله هو النافع الضار وحده لا شريك له، ولكن هؤلاء يشفعون لنا عنده. فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه، فشاع الخبر أنهم صافوه ٤. وسمع بذلك من بالحبشة فرجعوا، فلما أنكر ذلك رسول الله ﷺ عادوا إلى شر مما ٥ كانوا عليه". ولما قالوا له: إنك قلت ذلك، خاف من الله خوفا عظيما حتى أنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ٦ الآية، فمن فهم هذه القصة ثم شك بعدها ٧ في دين النبي ﷺ ولم يفرق
стр. 25
بينه وبين دين المشركين، فأبعده الله ١، خصوصا إن عرف أن قولهم: " تلك الغرانيق" الملائكة.
(الموضع الرابع) : قصة أبي طالب، فمن فهمها فهما حسنا، وتأمل إقراره بالتوحيد، وحث الناس عليه، وتسفيه عقول المشركين، ومحبته لمن أسلم وخلع الشرك، ثم بذل عمره وماله وأولاده وعشيرته في نصرة رسول الله ﷺ إلى أن مات، ثم صبره على المشقة العظيمة والعداوة البالغة ٢، لكن لما لم يدخل فيه، ولم يتبرأ من دينه الأول، لم يصر مسلما، مع أنه يعتذر من ذلك بأن فيه مسبة لأبيه عبد المطلب ولهاشم وغيرهما من مشايخهم. ثم مع قرابته ونصرته استغفر له رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ٣. والذي يبين هذا أنه إذا عُرف رجل من أهل البصرة أو الإحساء بحب الدين وبحب المسلمين، مع أنه لم ينصر الدين بيد ولا مال، ولا له من الأعذار مثل ما لأبي طالب، وفهم الواقع من أكثر من يدعي الدين تبين له الهدى ٤
стр. 26
من الضلال، وعرف سوء الأفهام، والله المستعان.
(الموضع الخامس) : قصة الهجرة، وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها، ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها، وهي أن من أصحاب رسول الله ﷺ من لم يهاجر - من غير شك في الدين وتزيين دين المشركين - ولكن محبة للأهل والمال والوطن، فلما خرجوا إلى بدر خرجوا مع المشركين كارهين، فقتل بعضهم بالرمي، والرامي لا يعرفه. فلما سمع الصحابة أن من القتلى فلانا وفلانا شق عليهم وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ١.
فمن تأمل قصتهم وتأمل قول الصحابة: "قتلنا إخواننا"، علم ٢ أنه لو بلغهم عنهم كلام في الدين أو كلام في تزيين دين المشركين لم يقولوا: قتلنا إخواننا، فإن الله تعالى قد بين لهم - وهم بمكة ٣ قبل الهجرة أن ذلك كفر بعد الإيمان بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ
стр. 27
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ١. وأبلغ من هذا ما تقدم من كلام الله تعالى فيهم، فإن الملائكة تقول: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ ؟ ولم يقولوا: كيف تصديقكم. ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ ٢، ولم يقولوا كذبتم مثل "ما يقول الله والملائكة ٣ للمجاهد الذي يقول: جاهدت في سبيلك حتى قُتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل قاتلت ليقال جريء، وكذلك يقولون للعالم والمتصدق: كذبت، بل تعلمت ليقال عالم وتصدقت ليقال جواد" وأما هؤلاء فلم يكذبوهم بل أجابوهم بقولهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ٤؟ ويزيد ذلك إيضاحا للعارف والجاهل الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ ٥. فهذا أوضح جدا أن هؤلاء خرجوا من الوعيد فلم يبق شبهة، لكن لمن طلب العلم، بخلاف من لم يطلبه، بل قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ٦. ومن فهم هذا الموضع والذي قبله فهم كلام الحسن البصري قال:"ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال٧"، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٨.
стр. 28
(الموضع السادس) : قصة الردة بعد موت النبي ﷺ ، فمن سمعها لا يبقى ١ في قلبه مثقل ذرة من شبهة الشياطين الذين يسمَّون " العلماء " وهي قولهم: هذا هو الشرك، لكن يقولون لا إله إلا الله، ومن قالها لا يكفر بشيء. وأعظم من ذلك وأكبر تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون لا إله إلا الله، وهم بهذه اللفظة أهل إسلام٢، وحرم الإسلام مالهم ودمهم، مع إقرارهم بأنهم تركوا الإسلام كله، ومع علمهم بإنكارهم البعث واستهزائهم بمن أقر به، واستهزائهم وتفضيلهم دين آبائهم المخالف ٣ لدين النبي ﷺ ؛ ومع هذا كله يصرح هؤلاء الشياطين المردة الجهلة أن البدو أسلموا ٤ ولو جرى منهم ذلك كله لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ولازمُ قولهم أن اليهود أسلموا ٥ لأنهم يقولونها، وأيضا كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود بأضعاف مضاعفة أعني البوادي المتصفين بما ذكرنا. والذي يبين ذلك من قصة الردة أن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذب النبي ﷺ ورجعوا إلى عبادة الأوثان وقالوا:
стр. 29
لو كان نبيا ما مات. ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة ظنا أن النبي ﷺ أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك فصدقهم كثير من الناس، ومع هذا أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر. فإذا عرفت أن العلماء أجمعوا أن الذين كذبوا ورجعوا إلى عبادة الأوثان وشتموا رسول الله ﷺ هم ١ ومن أقر بنبوة مسيلمة في حال واحدة ولو ثبت على الإسلام كله. ومنهم من أقر بالشهادتين وصدق طليحة في دعواه النبوة، ومنهم من صدق العنسي صاحب صنعاء، وكل هؤلاء أجمع العلماء أنهم سواء. ومنهم ٢ من كذب النبي ﷺ ورجع إلى عبادة الأوثان على حال واحدة. ومنهم أنواع أخر آخرهم ٣ الفجاءة السلمي لما وفد على أبي بكر وذكر له أنه يريد قتال المرتدين ويطلب من أبي بكر أن يمده، فأعطاه سلاحا ورواحل، فاستعرض السلمي المسلم والكافر يأخذ أموالهم، فجهز أبو بكر جيشا لقتاله. فلما أحس بالجيش قال لأميرهم: أنت أمير أبي بكر وأنا أميره ولم أكفر، فقال: إن كنت صادقا فألق السلاح، فألقاه، فبعث به إلى أبي بكر فأمر بتحريقه بالنار
стр. 30
وهو حي. فإذا كان هذا حكم الصحابة في هذا الرجل مع إقراره بأركان الإسلام الخمسة، فما ظنك بمن لم يقر من الإسلام بكلمة واحدة إلا أن يقول لا إله إلا الله بلسانه مع تصريحه بتكذيب معناها وتصريحه بالبراءة من دين محمد ﷺ ومن كتاب الله تعالى، ويقولون هذا دين الحضر وديننا دين آبائنا؟ ثم يفتون ١ هؤلاء المردة الجهال أن هؤلاء مسلمون ولو صرحوا بذلك كله إذا قالوا لا إله إلا الله. سبحانك هذا بهتان عظيم! وما أحسن ما قال واحد من البوادي لما قدم علينا وسمع شيئا من الإسلام قال: أشهد أننا كفار، يعني هو وجميع البوادي، وأشهد أن المطوع الذي يسمينا أهل الإسلام أنه كافر. تم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 31
الرسالة الثالثة تفسير كلمة التوحيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لوليه، والصلاة والسلام على نبيه، سئل الشيخ محمد رحمه الله تعالى عن معنى "لا إله إلا الله"، فأجاب بقوله: اعلم رحمك الله تعالى أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي العروة الوثقى، وهي التي جعلها إبراهيم ﵇ كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون.
وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها، فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون.
ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب، ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض من خالفها ومعاداته، كما قال النبي ﷺ : "من قال لا إله إلا الله مخلصا" ١ وفي رواية: "خالصا من قلبه" وفي رواية: "صادقا من قلبه" وفي حديث آخر: " "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" ٢، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة.
فاعلم أن هذه الكلمة
стр. 32
نفي وإثبات: نفي الإلهية عما سوى الله من المرسلين ١ حتى محمد ﷺ ، ومن الملائكة حتى جبريل ٢، فضلا عن غيرهما من الأنبياء ٣ والصالحين، (وإثباتها لله () ٤.
إذا فهمت ذلك فتأمل الألوهية التي أثبتها الله تعالى لنفسه ونفاها عن محمد ﷺ وجبريل وغيرهما أن يكون لهم منها مثقال حبة من خردل.
فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية.
والإله معناه ٥ الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه الفقير والشيخ، وتسميه العامة السيد؛ وأشباه هذا وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده ٦ منْزلة يرضى أن يلتجئ الإنسان إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم واسطة بينه وبين الله.
стр. 33
فالذين يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم الذين يسميهم الأولون الآلهة، والواسطة هو الإله، فقول الرجل "لا إله إلا الله" إبطال للوسائط.
وإذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة، فذلك بأمرين:
الأول: أن تعرف أن الكفار ١ الذين قاتلهم رسول الله ﷺ وقتلهم وأباح أموالهم واستحل نساءهم كانوا مقرين لله سبحانه بتوحيد الربوبية، وهو أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا الله وحده.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ٢. وهذه مسألة عظيمة جليلة ٣ مهمة، وهي أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ٤ شاهدون بهذا كله ومقرون به، ومع هذا لم يدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرم دماءهم ولا أموالهم، وكانوا أيضا يتصدقون ويحجون ويعتمرون ويتعبدون ويتركون ٥ أشياء من المحرمات خوفا من الله (.
ولكن الأمر الثاني: هو الذي كفرهم وأحل دماءهم وأموالهم وهو: أنهم لم
стр. 34
يشهدوا لله بتوحيد الألوهية؛ وتوحيد الإلهية ١ هو أن لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح لغيره ولا ينذر لغيره ٢، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل؛ فمن استغاث بغيره فقد كفر، ومن ذبح لغيره فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر، وأشباه ذلك.
وتمام هذا أن تعرف أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون الصالحين - مثل الملائكة وعيسى وأمه ٣ وعزير وغيرهم من الأولياء - فكفروا بهذا، مع إقرارهم بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المدبر. إذا عرفت ٤ هذا عرفت معنى " لا إله إلا الله "، وعرفت أن من نخا ٥ نبيا أو ملكا، أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله ﷺ .
فإن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكن هؤلاء الصالحون مقربون ٦، ونحن ندعوهم وننذر لهم وندخل
стр. 35
عليهم ونستغيث بهم، ونريد بذلك الوجاهة والشفاعة، وإلا فنحن نفهم أن الله هو الخالق الرازق ١ المدبر.
فقل: كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله، فإنهم يدعون عيسى وعزيرا والملائكة والأولياء يريدون ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣.
فإذا تأملت هذا تأملا جيدا، وعرفت أن الكفار يشهدون لله بتوحيد الربوبية - وهو تفرده بالخلق والرزق والتدبير - وهم ينخون عيسى والملائكة والأولياء، يقصدون أنهم يقربونهم إلى الله زلفى ويشفعون لهم ٤ عنده، وعرفت أن من الكفار - خصوصا النصارى منهم - من يعبد الله الليل والنهار ويزهد في الدنيا ويتصدق بما دخل عليه منها معتزلا في صومعة عن الناس، وهو مع هذا كافر عدو لله مخلد في النار بسبب اعتقاده في عيسى أو غيره من الأولياء يدعوه أو يذبح له أو ينذر له، تبين ٥ لك كيف صفة الإسلام الذي دعا إليه نبيك محمد ﷺ ، وتبين لك أن كثيرا من الناس عنه بمعزل، وتبين لك معنى قوله ﷺ : "بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ ٦".
стр. 36
فالله الله يا إخواني!! تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره، وأسه ورأسه شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وأبغضوهم ١ وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال: ما علي منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله تعالى بهم، وافترض عليه الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم، فالله الله يا إخواني ٢، تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم وأنتم ٣ لا تشركون به شيئا.
اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.
ولنختم الكلام بآية ذكرها الله تعالى في كتابه تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم من كفر ٤ الذين قاتلهم رسول الله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّض إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ ٥. فقد ذكر الله عن الكفار ٦ أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة والمشايخ فلم يدعوا أحدا منهم ولم يستغيثوا به ٧، بل يخلصون لله وحده لا شريك له
стр. 37
ويستغيثون ١ به وحده، فإذا جاء الرخاء أشركوا.
وأنت ترى المشركين من أهل زماننا - ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم، وفيه زهد واجتهاد وعبادة - إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله، مثل معروف أو عبد القادر الجيلاني وأجل من هؤلاء مثل زيد بن الخطاب والزبير، وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ فالله المستعان.
وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس ويقال له: "الأشقر" ٢ ويوسف وأمثالهم، والله أعلم.
والحمد لله أولا وآخرا
وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين، آمين.
стр. 38
الرسالة الرابعة: تلقين أصول العقيدة للعامة
...
الرسالة الرابعة تلقين أصول العقيدة العامة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله فإذا قيل لك: إيش معنى الرب؟ فقل: المعبود المالك المتصرف.
فإذا قيل لك: إيش أكبر ما ترى من مخلوقاته؟ فقل: السموات والأرض.
فإذا قيل لك: إيش تعرفه به؟ فقل: أعرفه بآياته ومخلوقاته.
وإذا قيل لك: إيش أعظم ما ترى من آياته؟ فقل: الليل والنهار، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
فإذا قيل لك: إيش معنى الله؟ فقل: معناه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
فإذا قيل لك: لأي شيء الله خلقك؟ فقل: لعبادته.
فإذا قيل لك: أي شيء عبادته؟: فقل توحيده وطاعته.
فإذا قيل لك: أي شيء الدليل على ذلك؟ فقل: قوله
стр. 39
تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١.
وإذا قيل لك: أي شيء أول ما فرض الله عليك؟ فقل: كفر بالطاغوت وإيمان بالله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
فإذا قيل: إيش العروة الوثقى؟ فقل: لا إله إلا الله. ومعنى "لا إله" نفي و " إلا الله " إثبات.
فإذا قيل لك: إيش أنت نافي، وإيش أنت مثبت؟ فقل: نافي جميع ما يعبدون من دون الله، ومثبت العبادة لله وحده لا شريك له.
فإذا قيل لك: إيش الدليل على ذلك؟ فقل: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٣ هذا دليل النفي، ودليل الإثبات ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٤.
فإذا قيل لك: إيش الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟
فقل: توحيد الربوبية فعل الرب، مثل الخلق والرزق، والإحياء، والإماتة، وإنزال المطر وإنبات النبات، وتدبير الأمور ... وتوحيد الإلهية فعلك أيها ٥ العبد، مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة والنذر والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادة.
стр. 40
فإذا قيل لك إيش دينك؟ فقل: ديني الإسلام، وأصله وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه، والإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. وهو مبني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت مع الاستطاعة.
ودليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
ودليل أن محمدا رسول الله قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢.
والدليل على إخلاص العبادة والصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣.
ودليل الصوم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٤.
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ٥.
وأصول الإيمان ستة: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم