وصلوا إليها، بعد دراسة المذهب الجديد، الذي أكروه رجماص بالغيب، ظناً منهم أنه يقفعقبة في سبيل مطامعهم ببلاد العرب.
كان شريف مكة، قد احتكم إلى العلماء ليقولوا رأيهم في مذهب ابن عبد الوهاب، فقرروا صلاحية هذا المذهب.
كما أن "محمد علي باشا" جمع علماء مكة في سنة ١٢١٥هـ لنفس الغرض، فجاءت قراراتهم في صالح هذا المذهب.
ولكن الأتراك أصروا على العدوان، ولم يكن محمد بن عبد الوهاب إلا رسول سلام) اهـ. ص/ ٢١ - ٢٢ بتلخيص واختصار.
ثم قال: في ص ٧٤ - ٧٥، ويكفي هذا الصدد أن نشير إلى بعض أوجه الخلاف بين مذهب الوهابيين، وبين غيرهم.
١- يرى الوهابيون، أن لا معبود إلا الله، وأن الرسول ﵊ بشر، فوق مستوى البشر.
٢- أعلن الوهابيون كراهيتهم لعبادة الأولياء، وهي متفشية بين المسلمين، حتى اضطر ابن سعود لتمير قباب الأولياء".
ثم ذكر الحفناوي قائلاً:
"وأنا من أنصار هذا الرأي.
فإنك لا تكاد تذهب إلى ضريح في مصر، إلا وترى الجهال يقبّلون الأعتاب، ويستغيثون بالأولياء، غير ذاكرين الله، ولا معتمدين إلا على العظام المدفونة في تلك القبور.
٣- يحتفل المسلمون سبع حفلات دينية. ولكن الوهابيين، لا يحتفلون إلا بعيد الفطر، وعيد الأضحى".
ثم قال: "ومهما يكن الخلاف المذهبي بين الوهابيين وغيرهم من المسلمين؛
стр. 107
فإننا نجل الوهابيين، فإنهم يدققون في عبادتهم، فيحفظون القرآن والحديث، ويأتمرون بما جاء في الشريعة الغراء، وينهون عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم١، فيحرمون على أنفسهم لبس الحرير، والتحلي بالذهب، وشرب الخمر، وتدين التبغ، ويحاربون السحر والميسر، وغيرهما من الأرجاس"اهـ ملخصاً.
المستشرق سيديو، في: "تاريخ العرب العام"، الذي نقله إلى العربية عادل زعيتر
قال في أثناء كلامه على ثورات العرب لتحرر من سيطرة الترك وسيطرة البرتغال في عمان بعد كلام:
"ومن ثم نرى أن جزيرة العرب استردت استقلالها التام تقريباً، منذ أوائل القرن الثامن عشر بفضل جدها، وضعف أعدائها، ولم يبق لها إلا أن تؤيد نصرها بمركز يلتف حوله جميع النفوس.
وهذا ما حاولت صنعه قبيلة ظهرت في نجد حوالي سنة ١٧٤٩م.
وهذا ما حوله الوهابيون النافذون حتى الآن، والذي سيكون لهم تأثير دائم في مصير جزيرة العرب لا ريب. واسم واضع هذه السيطرة هو: عبد الوهاب التميمي، الذي أكب على دراسة آداب العرب وعلومهم منذ صباه، والفقه أكثر ما عنى به.
واطلع على آراء رجال المذهب، وقصد بغداد، والبصرة، وفارس سائحاً، فنمت مداركه، فأنعم النظر في حال بني قومه وميولهم وغرائزهم، وطبيعة قواهم، فرأى أنه إذا ما حمل المسلمين على مراعاة أحكام القرآن، رجعت إليهم تلك الحماسة التي تعودتها عظمة الماضين.
стр. 108
ولم يكن للإصلاح الذي بدا زعيماً له هدف، سوى إعادة شريعة الرسول الخالصة إلى سابق عهدها.
وحارب ابن عبد الوهاب فعالات١ المسلمين في إحاطة محمد ﷺ بتعظيم حرمه الله في كتير من كلامه. وحارب تقديس قبور الأولياء، فحمل أنصاره على هدمها.
وحارب ابن عبد الوهاب ما كان يعيبه على الترك من فساد الأخلاق. وحارب تعاطي المسكرات.
ومما ذكر الناس به، هو أن الشريعة تأمر المسلمين بأن يؤتوا الزكاة٢، وتحرم عليهم الزينة٣، وتلزم القضاة بالنزاهة التامة.
ومما عني به على الخصوص إبقاء روح الجهاد في قومه لما أدى إليه الجهاد من نصر عجيب منذ قرون.
ولا يمكن أن تنعت أقواله بالإلحاد على العموم لما بدع تكراراً لسور القرآن، وهو لموافقته تعاليم الإسلام الصحيحة كان بالغ الأثر لمبادئه، فصار صناديد قبائل نجد ينضمون إلى لوائه، أفراداً وأرسالاً، فيؤلفون جيشاً صغيراً بقيادة محمد بن سعود من عشيرة المساليخ، وكان محمد قد اعتنق المذهب الجديد في الدرعية، فأبصر ابن عبد الوهاب فيه من المواهب الحربية ما لم يجده في الغير، فزوجه بابنته، مفوضاً إليه أمر حكومة الوهابيين السياسية".
واستمر الكاتب في كتابته حتى قال:
стр. 109
"فخلع على دين محمد رونقاً جديداً، وبدد الخرافات التي١ زالت مع الزمن، فأظهر القرآن خالياً من جميع ما عزى إليه من الشوائب٢.
وما لبثت النفوس التي أرهقتها شروح أئمة المسلمين المطولة الغامضة أن رجعت إلى بضعة مبادئ عامة بسيطة واضحة، فتقبلت خطط ابن عبد الوهاب الإصلاحية بقبول حسن.
ودعا الوهابيون إلى الفضيلة، خلافاً للقرامطة الذين تذرعوا بسيء المناخي، فلم يبالوا بغير قضاء المآرب"اهـ.
علي الطنطاوي، في كتابه: "محمد بن عبد الوهاب".
ذكر: فشو البدع قبل ولادة الشيخ "محمد" كما قال، واعتقد الناس النفع والضرر بالرسول والصالحين، وبالقبور والأشجار، والقباب والمزارات، فيطلبون منهم الحاجات، ويرجعون في الشدائد إليهم، وينذرون لهم، ويذبحون لهم، واشتد تعظيم الأموات. وكان حظ نجد في هذه الجاهلية الجديدة أكبر الحظوظ.
فقد اجتمع على أهله الجهل والبداوة، والفقر، والانقصام في كل ناحية من نواحي نجد، من الأمراء، بمقدار ما كان فيها من القرى، ففي كل قرية أمير، وفي كل ناحية جمعية أمم، وكان في كل إمارة قبر، عليه بناء، أو شجرة لها أسطورة، يقوم عليها سادن من شياطين الإنسن، يزين للناس الكفر، ويدعوهم إلى الاعتقاد بالقبر، والذبح له، والتبرك به، والدعاء عنده.
стр. 110
ثم ذكر شجرة تسمى شجرة الذئب، وقبر "زيد بن الخطاب" وذلك على سبيل المثال.
قال: "وكان العلماء قلة، والحكام عتاه ظلمة، والناس فوضى يغزو بعضهم بعضاً، ويعدو قويهم على ضعيفهم. في تلك البيئة نشأ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فرأى شمس الإسلام إلى أفول، ورأى ظلمة الكفر إلى امتداد وشمول.
وأراد الله له الخير، فقدر له أن يكون أحد الذين أخبر الرسول أنهم يبعثون ليجددوا لهذه الأمة دينها، بل لقد كان أحق بهذا الوصف من كل من وصف به في تاريخنا.
فقد حقق الله على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح، والدين الحق والألفة بعد الاختلاف، والوحدة بعد الانقسام.
ولا أقول: إن الرجل كامل، فالكمال لله، ولا أقول إنه معصوم فالعصمة للأنبياء، ولا أقول: إنه عار عن العيوب والأخطاء.
ولكن أقول: إن هذه اليقظة التي عمت نجداً، ثم امتدت حتى جاوزته إلى أطراف الجزيرة، ثم إلى ما حولها، ثم امتدت حتى وصلت إلى آخر بلاد الإسلام؛ ليست إلا حسنة من حسناته عند الله إن شاء الله"اهـ.
أبو السمح عبد الظاهر المصري، الذي كان إماماً بالمسجد الحرام ﵀، قال في "نونيته" التي تأسف فيها على الإسلام وأهله، مما عراهم: ابتدأها ﵀ بقوله:
أسفي على الإسلام
ومضى فيها حتى ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائلاً:
أسفي على الإسلام والإيمان
أسفي علي نور الهدى القرآن
أسفي علي الدين القديم وأهله
أسفا يذيب القلب بالأحزان
стр. 111
ومضى فيها حتى ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائلاً:
أسفي على الشيخ الإمام محمد
حبر الأنام العالم الرباني
علم الهدى بحر الندى مفني العدا
من شن غارته علىالأوثان
من قام في نجد مقام نبوة
يدعو إلى الإسلام والإيمان
حتى غدت نجد كروض مزهر
يختال في ظلل من العرفان
أحيا لنا الدين الحنيف كما أتى
وأقامه بالسيف والبرهان
برهانه القرآن والسنن التي
تروي لنا عن سيد الأكوان
كم حارب الشرك الخبيث وأهله
وأذاقهم في الحرب كل هوان
وأبان توحيد العبادة بعدما
درست معالمه من الأذهان
كم أبطل البدع التي قد عكرت
صفو الشريعة مورد الظمآن
وأضاء نوراً لم يزل متألقاً
يهدي به الرحمن كل أوان
يارب دعوة مؤمن متضرع
أغدق عليه سحائب الرضوان
رأي عالم فرنسي:
١- قال برنادلوس في كتاب: "العرب في التاريخ" ما يلي:
"وباسم الإسلام الخالي من الشوائب الذي ساد في القرن الأول؛ نادى محمد بن عبد الوهاب بالابتعاد عن جميع ما أضيف للعقيدة والعبادات من زيادات، باعتبارها بدع خرافية غريبة عن الإسلام الصحيح".
رأي مستشرق نمساوي:
٢- قال شيخ المستشرقين: جولد سيهر، في كتابه: "العقيدة والشريعة"، ما يلي:
"وإذا أردنا البحث في علاقة الإسلام السني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقية
стр. 112
التالية: يجب على من ينصّب نفسه للحكم عن الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصاراً للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي والصحابة، فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان".
رأي المستشرق: "جب الإنجليزي".
٣- قال في كتابه: "المحمدية":
"وفي جزيرة العرب قام حوالي ١٧٤٤م ١١٥٧هـ محمد بن عبد الوهاب مع أمراء الدرعية آل سعود بتحقيق الدعوة إلى المدرسة "المذهب" الحنبلية، التي دعا إليها ابن تيمية في القرن الرابع عشر".
وقال أيضاً في كتابه: "الاتجاهات المدينة في الإسلام":
"أما مجال الفكر فإن الوهابية بما قامت به من الفتن ضد التدخلات العدوانية، وضد الأصول القائلة بوحدة الوجود، التي تريد تدنيس التوحيد في الإسلام؛ فقد كانت عاملاً مفيداً للخلاص الأبدي، وحركة تجديد أخذت تنجح في العالم الإسلامي شيئاً فشيئا".
دائرة المعارف البريطانية.
٤- جاء في دائرة المعارف البريطانية، وهي تتكلم عن الوهابية ما يلي:
"الوهابية: اسم لحركة التطهير في الإسلام. والوهابيون: يتبعون تعاليم الرسول وحده، ويهملون كل ما سواها، وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح".
رأي جماعة من المستشرقين:
٥- قال الأستاذ: ويلفد، في كتاب "الإسلام في نظر الغرب"، ألّفه جماعة من المستشرقين:
стр. 113
"كان محمد بن عبد الوهاب يقول قبل كل شيء: يجب أن تعيشوا حسب الشرع الإسلامي. وهذا هو معنى أن تكونوا مسلمين، ولا ذاك الرغاء العاطفي، والتقي والحرارة التي يقدمها لكم الصوفيون، فأساس الإسلام هو الشرع، وإذا كنتم تريدون أن تكونوا مسلمين فيجب أن تعيشوا حسب أوامر الشرع ".
رأي مؤرخ ألماني:
٦- قال الدكتور: داكبرت، المؤرخ الألماني في كتابه "عبد العزيز"، وقد صدر في ألمانيا سنة ١٩٥٣م، ونقله إلى العربية الدكتور: أمين رويحة، عن الحركة والهابية:
"وكان لآل سعود إلى جانب سيفهم الذي يستخدمونه في الفتح سلاح معنوي آخر، يدينون له بأعظم قسط من نجاحهم، ذلك السلاح من صنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحد رجال الدين المطاردين في سبيل عقيدتهم.
والذي لجأ إلى الدرعية عاصمة آل سعود في ذلك الحين، فلقي لديهم الحماية والأمان، وكانت تملأ قلب محمد بن عبد الوهاب فكرة جديدة القوى العربية على أساس دين، ن ناسباً إلى ابتعادهم عن سيرة السلف الصالح وانقسامهم إلى شيع، وإلى ابتعادهم عن خلقهم العربي الأصيل؛ سبب تلاشيهم الذي جعلهم في متناول النفوذ الأجنبي".
إلى أن قال:
"ورأى الشيخ أن سبب الإنقاذ هو الرجوع إلى تعاليم الدين المشروعة، إلى تعاليم الرسول الصحيحة، فراح يبشر بوحي من ضميره وعقيدته بمحاربة البدع التي أدخلت على الإسلام عبر العصور الغابرة، والضال المضل من تقارير علماء الدين، غير مقيم وزناً إلا لما نص عليه القرآن صراحة، أو لما يمكن نسبته بصورة قاطعة للنبي محمد ﷺ ، وراح يحارب بكل قواه المستمدة من عقيدته الصلبة تقديس الأولياء، وجعلهم واسطة بين الله وبين الناس، وينادى بهدم الأضرحة، ومزارات الأولياء، وإزالة معالمها؛ اقتداء بالنبي الكريم، الذي حارب بدعة تقديس الهياكل، وعبادة الأصنام الموروثة من الجاهلية" انتهى ملخصاً.
стр. 114
رأي الأستاذ فيليب حتى:
٧- قال الأستاذ فيليب، وهو مؤرخ لبناني، في كتابه "تاريخ العرب":
"ولقد تاثر محمد بن عبد الوهاب بفكرة هي: أن الإسلام كما يمارسه معاصروه قد انحرف كثيراً عملياً ونظرياً عن طريق السنة التي استنها القرآن، وقرر أن ينقيها هو بنفسه".
رأي الأستاذ أحمد حسين - مؤسس حزب مصر الفتاة -:
٨- قال في كتابه "مشاهداتي في جزيرة العرب" بعد أن وصف ما كان في جزيرة العرب من جهالة قبل ظهور الدعوة ما يلي:
"وفي وسط هذا الجو ولد محمد بن عبد والهاب، وكان أبوه الشيخ عبد الوهاب قاضي بلدة العيينة، وكان شيخاً عالماً جليلاً، فقرأ على أبيه الفقه، وسرعان ما ظهرت عليه علائم النجابة، وبدأ يدرك على الفور ما تردت به البادية من همجية وردة عن دين الإسلام، وبدأت تجيش نفسه بما تجيش به نفس كل مصلح؛ من عزم على تغيير هذه الحال.
فلما بلغ من العمر عشرين ربيعاً، بدأ يستخدم فصاحته وعلمه في مناقشة أنداده وأضرابه، بل ومن هم أكبر منه سناً في فساد الحال، فلم يجد منهم أذناً صاغية".
وبعد أن ذكر سفر الشيخ إلى الحجاز والبصرة، ورجوعه ثانية إلى نجد، واستقرارة في الدرعية، واتفاقه مع محمد بن سعود، ختم هذا البحث بقوله:
"تلك هي قصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما بدأت، والتي لم تكمل حتى الآن، فلا يزال أحفاد محمد بن سعود، وأحفاد الشيخ محمد يحملون لواء التوحيد، وينافحون عنه.
وإذا كان العالم الإسلامي كله اليوم تحت تأثير النور والعرفان، قد بدأ يدرك بفطرته هذا الذي دعا إليه محمد بن عبد الوهاب ويتعشقه، فسيظل التاريخ يسجل لآل سعود الذين كانوا أول من نصره واستجاب له"اهـ.
стр. 115
رأي الأستاذ الإمام: محمد عبده.
٩- يقول الشيخ حافظ وهبه في كتابه "٥٠ عاماً في جزيرة العرب"، وهو يتحدث عن طلبة العلم في الأزهر:
"أنه سمع الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي مصر، يثني في دروسه بالأزهر على الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ويلقبّه بالمصلح العظيم، ويلقي تبعة وقف دعوته الإصلاحية على الأتراك، وعلى محمد علي الألباني، لجهلهم ومسايرتهم لعلماء عصرهم؛ ممن ساروا على سنة من سبقهم من مؤيدي البدع والخرافات، ومجافاة حقائق الإسلام".
رأي الأستاذ أحمد أمين، العالم المصري.
١٠- تناول الأستاذ أحمد أمين، العالم المصري الشهير في كتابه "زعماء الإصلاح الإسلامي" نهضة الإصلاح الديني في نجد، وهذا ما قاله عنها:
"ورأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العلام الإسلامي: أن هذا التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى، قد ضاع ودخله الكثير من الفساد.
فالتوحيد أساسه الاعتقاد بأن الله وحده، هو خالق هذا العالم، والمسيطر عليه، وواضع قوانينه التي يسير عليها، والشرع له، وليس في الخلق من يشاركه في خلقه، ولا في حكمه، ولا من يعينه على تصريف أموره، لأنه تعالى ليس في حاجة إلى عون أحد مهما كان من المقربين إليه، هو الذي بيده الحكم وحده، وهو الذي بيده النفع والضر وحده لا شريك له.
فمعنى: لا إله إلا الله: ليس في الوجود ذو سلطة حقيقية تسير العالم وفقاً لما وضع من قوانين إلا هو، وليس في الوجود من يستحق العبادة والتعظيم إلا هو.
وهذا هو محور القرآن: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ
стр. 116
وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
إذن، فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد المطلق الخالص من كل شائبة، إلى أن يشرك مع الله كثيراً من خلقه؟.
فهذه الأولياء يحج إليها، وتقدم لها النذور، ويعتقد أنها قادرة على النفع والضر.
وهذه الأضرحة التي لا عداد لها تقاوم في جميع أقطاره، يشد الناس إليها رحالهم، ويتمسحون بها، ويتذللون لها، ويطلبون جلب الخير لهم ودفع الشر عنهم، ففي كل بلدة ولي أو أولياء، وفي كل بلدة ضريح أو أضرحة، تشترك مع الله تعالى في تصريف الأمور، ودفع الأذى وجلب الخير، وكأن الله سلطان من سلاطين الدنيا يتقرب إليه بذوي الجاه، وأهل الزلفى لديه، ويرجحون في تغيير القوانين وقضاء الحاجات.
أليس هذا كما كان يقول مشركو العرب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ؟، وقولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ؟.
بل وا أسفاه، لم يكتف المسلمون بذلك، بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد، فهؤلاء أهل بلدة منفوحة باليمامة يعتقدون في نخلة هناك أن لها قدرة عجيبة، من قصدها من العرائس تزوجت لعامها.
وهذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرك. وفي كل بلدة من البلاد الإسلامية مثل هذا، ففي مصر شجرة الحنفي، ونعل الكلشني، وبوابة المتولي١.
وفي كل قطر حجر وشجر، فكيف يخلص التوحيد من كل هذه العقائد؟.
إنها تصد الناس عن الله الواحد، وتشرك معه غيره، وتسيء إلى النفوس، وتجعلها ذليلة وضيعة مخرفة، وتجردها من فكرة التوحيد، وتفقدها التسامي.
стр. 117
هكذا شغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك، وفكرة التوحيد في التشريع، فلا مصدر له إلا الكتاب والسنة".
١١- قال أمين سعيد، في كتابه "سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب":
"سيرة الإمام الشيخ: محمد بن عبد الوهاب التميمي من أحفل السير بالعظات، وأغناها بالفضائل، وأحقها بالبحث والفصل، والتفسير والتعليل، وهي سيرة مصلح من كرام المصلحين، ومجاهد من كبار المجاهدين، وعالم من خيرة العلماء، أنار الله بصيرته، وهداه سبله، وألهمه التقوى، فدعا أمته للرجوع إلى الله، والعمل بكتابه وسنة رسوله، ونبذ الشرك وعبادة القبور. انقادت إليه، واقتدت به، واشتجايت به، فأخرجها به من الظلمات إلى النور، فنجت وفازت، وجنت أطيب الثمار، وسمت إلى مرتبة الأخيار".
ثم ذكر ولادة الشيخ، وما كانت حالة الضعف والانحطاط التي سرت في جسم الدولة العثمانية، وذكر أحوال الجزيرة العربية، وما فيها من ظلمات الجهل، ومزيد الفقر، وتفشي الفوضاء:
"وفي وسط ذلك الجو القائم المربد؛ جو الجهل والجمود، جو ضعف الوازع الديني، وتسلط الحكام، واستبداد الطغام؛ أشرقت من جانب نجد أنوار الدعوة الوهابية، التي حمل مشعلها الإمام الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، فأنارت للأمة السبيل، وألهمتها رشدها، فشقت طريقها، واهتدت بهديها، وحققت الدعوة لنجد آمالها. وقد بدأت في محيطها، أو لما بدأت فأنشأت لها مجتمعاً إسلامياً سليماً، يؤمن بالتوحيد، ويعظم شأنه، ويسير على هداه، ولا يدعو مع الله أحداً.
ولا يزال هذا حاله، لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا، فهو يصدع بالحق ويؤمن به.
وانبثقت عن هذا المجتمع دولة عربية كريمة، نشأت في ظل الدعوة، وآمنت بها، فكانت أول دولة عربية كبرى يؤسسها العرب داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين، فاتبعت طريقهم، وترسمت خطاهم، فسادت وشادت، ووسعت حدودها، وانتشرت الدعوة في بلاد العرب، وبلاد الإسلام، وسرى نورها في أرجائها،
стр. 118
وأقل عليها الكثيرون، وأخذوا بها وتفاعلوا معها، واستجابوا لها، فكانت الأمة الكبرى لهذه النهضات التي تعم بلاد العرب وبلاد المسلمين، فأحيت ميت الهمم، وأيقظت خامد النفوس.
وضرب الشيخ الأمثال على تجرده ونزاهته، وعلى أنه لم يرد من دعوته سوى وجه الله وحده، وإصلاح حال أمته، وإنقاذها من ظلمات الجهالة التي كانت تغمرها.
ولقي في بدء الدعوة من الأذى والعدوان والمقاومة ما يلقاه الدعاة والمصلحون من قومهم، فما تردد وما توقف، بل صابر وثابر، لم يخفه تهديد، وما ثناه وعيد، ولا أثرت في نفسه مغريات.
فشرّقت الدعوة وغرّبت، وكثر عدد المؤمنين بها، وازداد أنصارها، واستقام أمرها، فأزعج ذلك خصومها، وأقلق أعداءها، فتألبوا عليها، وجاءوا صفوفاً صفوفاً لقتالها، وإطفاء أنوارها، فحملت السيف للدفاع عن نفسها، وحماية كيانا، والدفاع عن النفس حق مشروع، أقرته جميع الأديان، وجاءت به جميع الشرائع.
وهذه الحقيقة تنقض قول خصومها، وتلقف ما افتروا وما زيّفوا، فالدعوة لم تعتمد على السيف، ولم تشتهر في وجه الذين لم يدخلوا فيها، بل اعتمدت عليه في الدفاع عن نفسها، ومقاومة أعدائها الذين تجمعوا لقتالها، وتنادوا لمقاومتها، والإجهاز عليها.
فما أغنت عنهم جهودهم، فارتدوا منهزمين، وتواروا خاسرين، وانتصرت.
تغلبت لأنها نور وحق، وطبيعة النور أن يسري ويعم وينتشر مهما حاولوا ستره وإخفاءه، ومهما أقاموا من الحواجز في طريقه. ومن شأن الحق أن يعلو ولا يعلى عليه"انتهى. وهذا آخر ما تيسَّر جمعه.
والحمد لله الذي قد مَنَّ بإتمام ما أراد تسطيره وتحريره من ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، وأجزل لنا وله الثواب.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وجميع الأصحاب، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.