← Тараджим

Тараджим · id 11382

محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه

أحمد بن حجر آل بوطامي

Полный текст (118 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٩- وكان محمد ﵊ يرسل الرسل للملوك، يدعوهم إلى الهدى ودين التوحيد، ويرسل السرايا للغزو، إن أعلنوا الحرب على الدعوة. وكان ابن عبد الوهاب يفعل ذلك أيضاً، متبعاً سنة رسولنا ﵊. ١٠- وكما ابتلى الرسول بأعداء أقوياء، لدد في الخصومة، ينفسون عليه، ويتهمونه بالسحر والكذب، حتى إن أقرب ذوي قرباه كانوا في حيرة من أمره، وحتى إن عمه أبا لهب كان لا يرضى عنه، وخاصمه وسفه حلمه، ولم يأل جهداً في تأليب الناس عليه. ابتلى ابن عبد الوهاب أيضاً بخصوم أشداء، نصبوا له الحبائل، ورشقوه بالسهام، ولكنها كانت تطيش وكان ينجو، بفضل الله، حتى أخوه سليمان، ونقد آرائه ودعوته وطريقته نقداً لاذعاً١. ١١- وكما انتصر الرسول على أعدائه، وخضعوا له، وأصبحوا من خيرة أنصاره، كعمر، وخالد، وعمرو بن العاص. فكذلك انتصر تابعه المخلص الأواه على مناوئيه، وأتوا إليه معتذرين، فإذا به يعفو كرماً، ويرتاح إليهم، ويصفح عنهم. وإذا بهم يعودون إخوة وأنصاراً مخلصين٢.

стр. 72

أثر الدعوة في البلاد النجدية: ١- قضت هذه الدعوة المباركة قضاءً تاماً على ما كان شائعاً في "نجد" من الخرافات، وما كان شائعاً من تعظيم القبور والنذر لها، والاعتقاد في بعض الأشجار، وأحيت معالم الشريعة بعد اندثارها. ٢- إن أهل نجد قد رجعوا إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك والوثنية، كما رجعوا إلى الكتاب والسنة المطهرة، وحكموها في جليل الأمور وحقيرها. ٣- كانوا متفرقين، لا تجمعهم رابطة، ولا يجمعهم حكم شرعي، ولا قانوني، بل كانوا مختلفين ومتفرقين، في المشارب والنهزعات. فوحّدت هذه الدعوة كلمتهم، وجمعت شملهم، وجعلتهم تحت راية واحدة وأخضعتهم لسلطان واحد، يسوسهم بكتاب الله المجيد، وسنة رسوله. ٤- كانوا في نهاية من الجهل والغباوة، إلى حد أن اعتقدوا في الأشجار والغيرام. فنشرت الدعوة فيهم علوم الشريعة المطهرة، وآلاتها من: التفسير، والحديث، والتوحيد، والفقه، والسير، والتواريخ، والنحو، وما إلى ذلك من العلوم. وأصبحت الدرعية كعبة العلوم والمعارف، يفد إليها طلاب العلوم من سائر النواحي من أرجاء نجد، واليمن، والحجاز، والخليج العربي، وانتشر العلم في جميع الطبقات، حتى قال المؤرخون: أصبح الراعي يرعى المواشي في الفيافي، ولوح التعليم في عنقه. حتى من قوة انتشار العلم وسريانه ظهر العلماء الراسخون، وألّفوا الكتب القيمة في مختلف العلوم، بعد ذلك الجهل العظيم الذي خيّم على أرجاء نجد، وتركها تتخبط في دياجير الظلمات والأوهام.

стр. 73

٥- انتشر الأمن في جميع أرجاء نجد، حتى كان الماشي والراكب يمشي المسافات الطويلة، ذات اليالي والأيام، لا يخاف إلا الله، ولو كان عنده من الأموال ما تنوء بحملها عصبة من الرجال. ٦- لم تكن نجد معروفة لدى الأمم، وكانت حقيرة، وليس لها حساب، ولا ميزان، ولا قيمة، ولم يكن لها ملِك ولا حاكم معروف، ما عدا بعض الأمراء الصغار الذين كانوا يحكمون قرية أو قريتين؛ فأصبحت نجد ببركة هذه الدعوة مملكة موحّدة، طار صيتها في الآفاق، ووضعت في صف الأمم. وكانت الدولة إذ ذاك الدولة العثمانية، حسبت لها ألف حساب وحساب، وخافت على سلطتها وسيطرتها من هذه الدولة السعودية المباركة، حتى جرت الجيوش الجرارة لمحاربتها وإماتتها. ٧- إنه بقي من آثارها: هذه الدولة السعودية الحاضرة، الممتد سلطانها من الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، دولة الكتاب والسنة والتوحيد النقي. دولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دولة نشرت العدل والأمن والسلام. دولة عززت من مركز العلم، وقامت بنشره بين جميع أفراد الرعية، وكل من يفد إليها، فأسست المعاهد العلمية والكليات، والمدارس وأنفقت الأموال الطائلة للمدرسين والدارسين، سواء كانوا من الوطنيين، أو من غيرهم. دولة تمثل الصدر الأول والسلف الصالح في أحكامها، وهيمنتها على الأخلاق، وتحكيمها للكتاب والسنة. دولة تسهر على مصالح الرعية، وتعمل لرفاهية الشعب، ومحاربة الفقر، ورفع مستوى المعيشة، كما تسهر على راحة الحجاج، وبذل جميع الوسائل لرفاهية الحجاج، وتذليل جميع العقبات أمامهم، وترغيبهم في العودة المرّة بعد المرة إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة المسجد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.

стр. 74

وبالجملة؛ فهي أحسن الدول العربية في تحكيم الشرع، ونشر الأمن والعدل والعلم، ومحاربة أهل البدع والضلال، والأخذ على أيدي السفهاء والعابثين بالأخلاق، والمنتهكين الحرمات. أيدها الله، ووفقها للخير والنفع العام. انتشارها في الخارج: انتشرت دعوة الشيخ في خارج نجد من أجل استيلاء الدولة السعودية على مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، وأصبح حجاج البلاد الإسلامية يفدون إلى مكة المكرمة، ويشاهدون علماء هذه الدعوة الحقة، ويستمعون خطبهم ومواعظهم، وإرشاداتهم السديدة، وتوجيهاتهم القيمة، كما شاهدوا سيرة الدولة السعودية إذ ذاك، وما هي عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر الأمن والعدل والإنصاف. فتأثر بعض الحجاج بدعوة الشيخ، فأخذ ينشر في بلاده التوحيد، ويحارب الخرافات الشائعات في بلاده، كما قام بضد القبوريين والداعين إلى تقديس القبور وبناء القباب عليها. فانتقلت هذه المبادئ الإصلاحية إلى السودان في إفريقيا، وسومطرة في آسيا والهند. كما انتشرت في العراق والشام ومصر والجزائر وجاوة، وعمان، وفارس، وكان هدف رعاتها في كل مكان تحل به هو: محاربة الفساد، والقضاء على البدع والخرافات، وتصحيح العقيدة الدينية. فقامت الثورات على يد دعاة الوهابيين ضد الوضاع السائدة في البلاد. أما في السودان فقد كان الداعية هو الشيخ عثمان بن فودي، أحد أفراد قبيلة الفولا، وهي من قبائل رعاة السودانيين، فإنه بعد التقائه بعلماء الدعوة في موسم الحج، وبعد اعتناقه المبادئ التي دعا إليها الشيخ؛ عاد إلى بلاده، وأخذ يحارب البدع الشائعة بين عشيرته وقومه، ويعمل للقضاء على بقايا الوثنية وعبادة الأموات، التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في

стр. 75

نفوس السودانيين، وأخذ ينشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة، ويذيع مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فاستطاع أن يجمع حوله قبيلته في وحدة متماسكة، مرتبطة برباط الدين المتين، بعد أن كانت منقسمة إلى عدة وحدات ضعيفة متخاذلة. وبعد ذلك ابتدأ حروبه سنة ١٨٠٢م ضد قبائل الهوسا الوثنية، وقضى على مملكة غبر، التي كانت تقع على مجرى نهر النيجر. وما مضت سنتان، حتى أقام عثمان مملكة (سوكوتو) في السودان على أساس من الدعوة الدينية الوهابية، ومدت رواقها على جميع الأقطار الواقعة بين (تمبكتو) وبحيرة (تشاد) ، وبقيت محافظة على استقلالها ووحدتها نحو قرن، حتى استطاع الاستعمار الأوربي، أن يقضي على ما كان لها من استقلال ووحدة. وكما غزت الدعوة الوهابية السودان، كذلك غزت الدعوة بعض المقاطعات الهندية بواسطة أحد الحجاج الهنود، وهو السيد أحمد. وقد كان هذا الرجل من أمراء الهند، وذهب إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، بعد أن اعتنق الإسلام سنة ١٨١٦ م. فلما التقى بالوهابيين في مكة اقتنع بصحة ما يدعون إليه، وأصبح من دعاة المذهب، الذين تملكهم الإيمان، وسيطرت عليهم العقيدة. ولما عاد سنة ١٨٢٠م إلى وطنه في الهند بجهة البنغال، وجد ميداناً صالحاً للدعوة بين سكان المنطقة من الهنود المسلمين، الذين اختلطت عقائدهم وتقاليدهم الدينية بالكثير من عقائد الهندوس وعوائدهم. فابتدأ الدعوة في مدينة (بتين) ، ودعا إخوانه المسلمين ليؤمنوا بمبادئ الإسلام الصحيحة، ويتركوا البدع والعقائد الهندوسية، التي كانت شائعة بنيهم. وبعد مرحلة من الجهاد استطاع هؤلاء المسلمون الوهابيون أن يقيموا الدولة الإسلامية على أساس من المبادئ الوهابية، بجهة البنجاب، تحت حكم الداعية السيد أحمد.

стр. 76

ولم تلبث هذه الدولة طويلاً، حتى قضى عليها الاستعمار الإنكليزي في العقد الرابع من القرن التاسع عشر. ولكن الدعوة الوهابية ظلت قائمة هناك على يد خلفاء السيد أحمد من بعده، ولم يستطع المستعمرون أن ينالوا منها. ولا يزال الكثيرون من سكان هذه المناطق يدينون بالإسلام على المذهب الوهابي. وفي سومطرة ابتدأت الدعوة الوهابية سنة ١٨٠٣م على يد أحد الحجاج من أهل الجزيرة، وكان قد عاد من الحج في نفس السنة، بعد أن التقى بالوهابيين، واطلع على صحة ما يدعون إليه. فلما عاد إلى وطنه ابتدأ دعوته، ثم تطورت الحركة إلى حروب طاحنة بين المسلمين والوهابيين، الذين أصبحوا قوة كبيرة في سومطرة، وبين غير المسلمين من سكانها الأصليين، حتى رأت حكومة الاستعمار الهولندية سنة ١٨٢١م أن تناهض هذه الحركة القوية، محافظة على كيانها ونفوذها هناك. واستمرت المناوشات والحروب بين المستعمرين الهولنديين، وبين السومطرين الوهابيين، مالا يقل عن ستة شعر عاماً. ثم انتهت بتغلب قوى الاستعمار على القائمين بحركة الوهابية. كذلك الحركة السنوسية، التي ابتدأت في الجزائر أواسط القرن التاسع عشر، ثم غزت طرابلس بعد ذلك، وانتشرت في شمال أفريقيا، ثم مدت رواقها نحو الجنوب، فتمكنت في السودان هذه الحركة السنوسية، التي ناهضت الاستعمار في كل مكان، والتي كانت ولا زالت مدرسة تربية وتهذيب للشعب السنوسي، قد تأثرت بالدعوة الوهابية في أساسها. فالسيد محمد علي السنوسي، مؤسس الحركة السنوسية، كان في مكة يطلب العلم وقت استيلاء الوهابيين عليها، فعاشرهم، وتتلمذ على علمائهم، وتأثر بمذهبهم.

стр. 77

ثم عاد إلى الجزائر، وابتدأ حركته الإصلاحية على ضوء تعاليم الإصلاح الدينية الإسلامية، التي أضرم نارها في الجزيرة العربية: محمد بن عبد الوهاب. انتهى بحذف واختصار١. وكما انتشرت في الجزائر بواسطة الدعوة السنوسية، فقد انتشرت هذه الدعوة المباركة بحضرموت، وجاوة بواسطة السيد محمد رشيد رضا، وتأليفه جمعية الإرشاد الداعية هناك إلى الكتاب والسنة، ونبذ البدع والخرافات، بق مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد تأثر فيها كثيرون بحضرموت، وعدن، وجاوة، كما هو معروف. بالجملة؛ فقد كان لهذه الدعوة أثر عظيم خطير في العالم الإسلامي من نواح مختلفة، وكانت الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله تأثر بها زعماء الإسلاح في سائر الأقطار الإسلامية، وكل الحركات الإصلاحية مدينة للدعوة الوهابية. ويمكن تحديد الصلة بينها وبين كل من هذه الحركات، إما عن طريق الاقتباس، أو المحاكاة، أو مجرد التأثر. ثناء العلماء على الشيخ محمد بن عبد الوهاب من المسلمين والغربيين الكافرين: أكثر العلماء السلفيون والمؤرخون المحققون من الثناء على الشيخ، والتنويه بدعوته القائمة على دعائم الكتاب والسنة. من ذلك: قصيدة الشيخ: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، مؤلف "سبل السلام"، لما بلغه دعوة الشيخ وثورته على البدع والخرافات، وقيامه بالدين الصحيح، والسنة المطهرة، وإرشاد الناس إلى أن يتمسكوا بالوحيين. وإلى القارئ بعض القصيدة: سلامي على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي وقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا رباها وحياها بقهقهة الرعد

стр. 78

سرت أسير بنشد الريح أن سرت ألا يا صبا نجد متىهجت من نجد قفي واسألي عن عالم حل سوحها به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنة أحمد فيا حبذا الهادي وياحبذا المهدي لقد أنكرت كل الطوائف قوله بلا صدر في الحق منهم ولا ورد وما كل قول بالقبول مقابل وما كل قول واجب الرد والطرد سوى ما أتى عن ربنا ورسوله فذلك قول جل، ياذا، عن الرد وأما أقاويل الرجال إنها تدور على قدر الأدلة في النقد وقد جاءت الأخبار عنه بأنه يعيد لنا لاشرع الشريف بما يبدي وينشر جهراً ما طوى كل جاهل ومبتدع منه، فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادماً مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله يغوث وود، بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة أهلت لغير الله جهراً على عمد وكم طائف حول القبور مقبل ومستلم الأركان منهن باليد لقد سرني ماجاءني من طريقه وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي يصب عليه صوت ذم وغيبة ويجفوه من قد كان يهواه عن بعد ويعزي إليه كل مالاً يقوله لتنقيصه عند التهامي والنجدي فيرميه أهل الرفض بالنصب فرية ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد وليس له ذنب سوى أنه أتى بتحكيم قول الله في الحل والعقد ويتبع أقوال النبي محمد وهل غيره بالله في الشرع من يهدي لئن عده الجهال ذنباً فحبذا به حبذا يوم انقرادي في لحدي سلامي على أهل الحديث فإنني نشأت على حب الأحاديث من مهدي هم بذلوا في حفظ سنة أحمد وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد

стр. 79

أأنتم أهدى من صحابة أحمد وأهل الكساء هيهات ما الشوك كالورد أولئك أهدى في الطريقة منكمو فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي إلى آخر ما جاء في تلك القصيدة ومنهم: الشيخ: محمد بن أحمد الحفظي، صاحب دوجال من قرى عسير، فقد نظم أرجوزة طويلة، ذكر دعوة الشيخ، وأثنى عليه ثناءً حسناً، افتتح الأرجوزة بقوله: الحمد حقاً مستحقاً أبداً لله رب العالمين سرمداً إلى أن قال: مصلياً على الرسول الشارع وأهله وصحبه والتابع في البدء والختم، وأما بعد: فهذه منظومة تعد حركني لنظمها الخير الذي قد جاءنا في آخر العصر القذي لما دعا الداعي من المشارق بأمر رب العالمين الخالق وبعث الله لنا مجدداً من أرض نجد عالماً مجتهداً شيخ الهدى محمد المحمدي الحنبلي الأثري الأحمدي فقام والشرك الصريح قد سرى بين الورى وقد طغى واعتكرا لا يعرفون الدين والتهليلا وطرق الإسلام والسبيلا إلا أساميها وباق الرسم والأرض لا تخلو من أهل العلم وكل حزب فلهم وليجة يدعونه في الضيق للتفريجة وملة الإسلام والأحكام في غربة وأهلها أيتام دعا إلى الله وبالتهليلة يصرح بين أظهر القبيلة مستضعفاً وماله من ناصر ولا له مساعد موازر في ذلة وقلة وفي يده مهفة تغنيه عن مهنده كأنها ريح الصبا في الرعب والحق يعلو بجنود الرب قد أذكرتني درة لعمر وضرب موسى بالعصا للحجر

стр. 80

ولم يزل يدعو إلى دين النبي ليس إلى نفس دعا أو مذهب يعلم الناس معاني أشهد أن لا إله غير فرد يعبد محمداً نبيه وعبده رسوله إليكمو وقصده أن تعبدوه وحده لا تشركوا شيئاً به والابتداع فاتركوا ومن دعا دون الإله أحداً أشرك بالله ولو محمداً إن قلتمو نعبدهمو للقربة أو للشفاعة فتلك الكذبة وربنا يقول في كتابه هذا هو الشرك بلا تشابه هذا معاني دعوة الشيخ لمن عاصره فاستكبروا عن السنن رثاء الشيخ العلامة: محمد بن علي الشوكاني، مؤلف "نيل الأوطار"، للشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ومثنياً عليه: مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي وأصمي بسهم الافتجاع مقاتلي وخطب به إعشار أحشاي صدعت فأمست بفرط الوجد أي تواكلي ورزء تقاضاني، صفاء معيشتي وانهلني قسراً أمر المناهل مصاب به ذابت حشاشة مهجتي وعن حمله قد كل متني وكاهلي مصاب به الدنيا قد اغبر وجهها وقد شمخت أعلام قوم أسافل

стр. 81

به انهدر كن الدين وانبت حبله وشيد بناء الغي مع كل باطل وقام على الإسلام جهراً وأهله نعيق غراب بالمذلة هائل وسيم منار الأتباع لأحمد هوان انهدام جاء من كل جاهل لقد مات طود العلم قطب رحى العلا ومركز أدوار الفحول الأفاضل ماتت علوم الدين طراً بموته وغيب وجه الحق تحت الجنادل إمام الهدى ما حي الردى قامع العدا ومروي الصدى من فيض علم ونائل إمام الورى علامة العصر قدوتي وشيخ الشيوخ الجد فرد الفضائل (محمد) ذو المجد الذي عز دركه وجل مقاماً عن لحوق المطاول إلى عابد الوهاب يعزي وإنه سلالة انجاب زكي الخصائل عليه من الرحمن أعظم رحمة تيل ثراه بالضحى والأصائل لقد أشرقت نجد بنور ضيائة وقام مقامات الهدى بالدلائل ومن شأنه قمع الضلال ونصره لمن كان مظلوما وليس بخاذل وكم كان في الدين الحنيف مجاهدا بماضي سنان دامغ للأباطل وكم ذب عن سامي حماه وذاد من مضل وبدعي ومعفو ونائل ففيم استباح أهل الضلالة لعرضة وكم نكست أعلامة والأرازل فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزا ولا اشتد للاسلام ركن المعاقل ولا كان للتوحيد واضح لا حب يقيم أعوجاج السير من كل عاذل فما هو إلا قائم في زمانه مقام النبي في إماته باطل ستبكيه أجفاني حياتي وإن أمت ستبكية عني جفن حقا وأرتحلت بباطل أفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبة لقد عبت حقا وأرتحلت بباطل نعم ذنبه التقليد قد جد حبله وبل التعصب بالسيوف الصياقل ولما دعا الله في الخلق صارخاً صرختم له بالقذف مثل الزواجل أفيقوا أفيقوا إنه ليس داعياً لإلي دين آباء له وقبائل دعا لكتاب الله والسنة التي أتانا بها طه النبي، خير قائل

стр. 82

وقال الشيخ: حسين بن غنام الإحسائي، ﵀، مؤلف "روضة الأفكار والأفهام"؛ يرثي الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ويثني عليه بما هو أهله: إلى الله في كشف الشدائد نفزع وليس إلى غير المهيمن مفزع لقد كسفت شمس المعارف والهدى فسالت دماء في الخدود وأدمع إمام أصيب الناس طراً بفقده وطاف بهم خطب من البين موجع وأظلم أرجاء البلاد بموته وحل بهم كرب من الحزن مفظع شهاب هوى من أفقه وسمائه ونجم ثوى في الترب وأراه بلقع وكوكب سعد مستنير سناؤه وبدر له في منزل اليمن مطلع وصبح تبدي للأنام ضياؤه فداج الدياجي بعده متقشع لقد غاض بحر العلم والفهم والندى وقد كان فيه للبرية مرتع فقوم جلاعنهم صدى الرين فاهتدوا فأسماعهم للحق تصغى وستمع وقوم ذووا فقر وجهد وفاقة حووا واقتنوا مافيه للعيش مطمع لقد رفع المولى به رتبة الهدى بوقت به يعلى الضلال ويرفع أبان له من لمعة الحق لمعة أزيل بها عنه حجاب وبرقع سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى وعام بتيار المعارف يقطع فأحيا به التوحيد بعد اندراسه وأقوى به من مظلم الشرك مهيع فأنواعر صبح السحق باد سناؤها ومصابحه عال ورياه طيع سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها سواه ولا حاذى سناها سميدع وشمر في منهاج سنة أحمد يشيد ويحي ما تعفى ويرفع وينفي الأعادي عن حماه وسوحه ويدمغ أرباب الضلال ويدفع يناظر بالآيات والسنة التي أمرنا إليها في التنازع نرجع فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها وأمسى محياها يضي ويلمع وعاد به نهج الغواية طامساً وقد كان مسلوكاً به الناس تربع وجرت به نجد ذيول افتخارها وحق بالألمعي ترفع

стр. 83

فآثار فيها سوام سوافر وأنواره فيها تضئ وتسطع لقد وجد الإسلام يوم فراقه مصاباً خشيناص بعده يتصدع وطاشت أولو الأحلام والفضل والنهي وكادت له الأرواح تترى وتتبع وطارت قلوب المسلمين بموته فظنوا به أن القيامة تقرع فضجوا جميعاً بالبكاء تاسفاً وكادت قلوب بعده تتفجع وفاضت عيون واستهلت مدامع يخالطها مزج من الدم يهمع بكته ذووا الحاجات يوم فراقه وأهل الهدى والحق والدين أجمع إلى أن قال: لئن كان في الدنيا له القبر موضع فيوم الجزاء يرجى له الخلد موضع سقى قبره من هاطل العفو ديمة وباكره سحب من البر همع وأسكنه بحبوحة الفوز والرضا ولا زال بالرضوان فيها يمتع وقال الشيخ: عمران بن علي بن رضوان، من سكان لنجه، من البلدان الفارسية؛ رداً على بعض الملحدين، ومثنياً على الشيخ؛ قصيدة أجاد فيها وأفاد. أولها: جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي في سب دين الهاشمي محمد قد زخرفوها للطغام بقولهم إن الكتاب هو الهدى فبه اقتد لو أن ناظمها تمسك بالذي قد قال فيها أولاً إذ يبتدي لهدى ووفق ثم جاز سعادة لا شك فيها عند كل موحد لكنه قد زاع عما قاله متأولاً فيه بتأويل ردي فأتت كشهد فيه سم ناقع من ذاق منه ففي الهلاك المبعد الشيخ شاهد بعض أهل جهالة يدعون أصحاب القبور الهمد تاجاً وشمساناً ومن ضاهاهما من قبة أو تربة أو مشهد يرجون منهم قربة وشفاعة ويؤملون كذلك أخذاً باليد ورأى لعباد القبور تقرباً بالنذر والذبح الشنيع المفسد

стр. 84

ما أنكر القراء والأشياخ ما شهدوا من الفعل الذي لم يحمد بل جوزوه وشاركوا في أكله من كان يذبح للقبور ويفتدي فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنسح المبين وبالكلام الجيد يدعوهم لله أن لا يعبدوا إلا المهيمن ذا الجلال السرمد لا يشركوا ملكاً ولا من مرسل كلا ولا من صالح أو سيد فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا إلا عجيب عندنا لم يعهد ما قاله آباؤنا أيضاً ولا أجدادنا أهل الحجي والسؤدد إنا وجدنا جملة الآبا على هذا فنحن بما وجدنا نفتدي فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من أهل الزمان اشتد غير مقلد ناداهم يا قوم كيف جعلتم لله أنداداً بغير تعدد لو أنصفوا لرأوا له فضلاً على أظهرا ما قد ضيعوه من اليد ودعوا له بالخير بعد مماته ليكافئوه على وفاق المرشد لكنهم قد عاندوا، وتكبروا ومشوا على منهاج قوم حسد ورموه بالبهتان والإفك الذي هم يعملون به ومنهم يبتدي كمقالهم هو للمتابع قاطع بدخول جنات وحور خرد حاشا وكلا ليس هذا شأنه بل إنه يرجو بها لموحد قالوا له يا كافراً يا فاجراً ما ضره قول العداة الحسد قالت قريش قبلهم للمصطفى ذا ساحر، ذا كاهن، ذا معتدي قالوا له غشاش أمة أحمد وهو النصيح بكل وجه يبتدي هل قال إلا وحدوا رب السما وذروا عبادة ما سوى المتفرد وتمسكوا بالسنة البيضا، ولا تتنطعوا بزيادة وتردد هذا الذي جعلوه غشا وهو قد بعثت به الرسل الكرام لمن هدى من عهد آدم ثم نوح هكذا تترى إلى عهد النبي محمد وكذلك الخلفاء بعد نبيهم والتابعون وكل حبر مهتدي من هاجهم هذا عليه تمسكوا من كان مستناً بهم فليقتد

стр. 85

ومن قصيدة: للشيخ أحمد بن مشرف الأحسائي، وفي مدح فيصل بن تركي، وذكر فيها عن الشيخ: وأووا إماماً قام لله داعياً يسمى بشيخ المسلمين محمد لقد أوضح الإسلام عند اغترابه وقد جد في إخفائه كل ملحد وجدد منهاج الشريعة إذ عفت فأكرم به من عالم ومجدد وأحيا بدرس العلم دارس رسمها كما قد أمات الشرك بالقول واليد فكم شبهة للمشركين أزاحها بكل دليل كاشف للتردد وألف في التوحيد أوجز نبذه بها قد هدى الرحمن للحق من هدى نصوصاً من القرآن تشفي من العمى وكل حديث للأئمة مسند فوازروه عبد العزيز ورهطه على قلة منهم وعيش منكد فما خاف في الرحمن لومة لائم ولم يثنه صولات باغ ومعتدي قال علامة العراق، السيد: محمود شكري الألوسي ﵀ في آخر تاريخه لنجد: "كان الشيخ محمد من بيت علم في نواحي نجد، وكان أبوه الشيخ: عبد الوهاب عالماً فقيهاً على مذهب الإمام أحمد، وكان قاضياً في بلد العيينة، ثم في حريملاء، وذلك في أوائل القرن الثاني عشر، وله معرفة تامة بالحديث والفقه، وله أسئلة وأجوبة. وكان والد عبد الوهاب الشيخ: سليمان عالماً، فقيهاً، أعلم علماء نجد في عصره، له اليد الطولى في العلم، وانتهت إليه رياسة العلم في نجد صنف ودرس وأفتى. إلا أن الشيخ محمداً لم يكن على طريقة أبيه وجده، وكان شديد التعصب للسنة، كثير الإنكار على من خالف الحق من العلماء. والحاصل: أنه كان من العلماء الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وكان يعلم الناس الصلاة وأحكامها، وسائر أركان الدين، ويأمر بالجماعات.

стр. 86

وقد جَدَّ في تعليم الناس، وحثهم على الطاعة وأمرهم بتعلم أصول الإسلام، وشرائطه، وسائر أحكام الدين، وأمر جميع أهل البلاد بالمذاكرة في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح، وبين العشائين، بمعرفة الله، ومعرفة دين الإسلام، ومعرفة أركانه، ومعرفة النبي محمد ﷺ ونسبه ومبعثه وهجرته. وأول مادعا إليه كلمة التوحيد، وسائر العبادات التي لا تنبغي إلا لله، كالدعاء، والذبح، والنذر، والخوف، والرجاء، والخشية، والرغبة، والتوكل، والإنابة، وغير ذلك. فلم يبق أحد من عوام أهل نجد، جاهلاً بأحكام دين الإسلام بل كلهم تعلموا ذلك، بعد أن كانوا جاهلين، إلاالخواص منهم. وانتفع الناس به من هذه الجهة الحميدة أي سيرته المرضية وإرشاده النافع" انتهى. الأمير: شكيب أرسلان، في الجزء الرابع من حاضر العالم الإسلامي، تحت عنوان: "تاريخ نجد الحديث". ذكر ولادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ثم قال: "طلب محمد بن عبد الوهاب العلم في دمشق١، ورحل إلى بغداد والبصرة، وتشرّب مبادئ الحافظ حجة الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن عروة الحنبلي، وغيرهم من فحول أئمة الحنابلة، وأخذ يفكر في إعادة الإسلام لنقاوته الأولى، فلذلك، الوهابية يسمون مذهبهم عقيدة السلف٢.

стр. 87

ومن هناك أنرك الاعتقاد بالأولياء وزيارة القبور١ والاستغاثة بغير الله، وغير ذلك مما جعله من باب الشرك واستشهد على صحة آرائه بالآيات القرآنية والأحاديث المصطوفية، ولا أظنه أورد ثمة شياً عير ما أورده ابن تيمية"انتهى. الشيخ: محمد حامد الفقي، رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، من علماء الأزهر الشريف، في كتابه: "أثر الدعوة الوهابية" قال: "الوهابية: نسبة إلى الإمام المصلح شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، مجدد القرن الثاني عشر، وهي نسبة على غير القياس العربي، والصحيح أن يقال: المحمدية، إذ إن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو محمد، لا عبد الوهاب". ثم قال بعد كلام: "وإنهم لحنابلة متعصبون لمذهب الإمام أحمد في فروعه ككل أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يدّعون، لا بالقول، ولا بالكتابة أن الشيخ ابن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علماً غير ما كان عند السلف الصالح، وإنما كان عمله وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح، وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الإلهية والعبادة لله وحده؛ ذلاً، وخضوعاً، ودعاءً، ونذراً وحلفاً، وتوكلاً، وطاعة لشرائعه. وفي توحيد الأسماء والصفات: فيؤمن بآياتها كما وردت، لا يحرف ولا يؤول، ولا يشبه، ولا يمثل، على ما ورد في لفظ القرآن العربي المبين، وما جاء عن الرسول ﷺ ، وما كان عليه الصحابة وتابعوهم والأئمة المهتدون، من السلف والخلف رضوان الله عليهم، في كل ذلك وأن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لا يتم على وجه الصحيح، إلا بهذا". انتهى بتلخيص.

стр. 88

كلام: عبد المتعال الصعيدي، في كتابه "المجددون في الإسلام" قال عنه: "هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب". ثم ذكر ولادته ونشأته، ورحلاته لتحصيل العلوم، ثم قال: وقد رجع إلى بلده بعد هذه الرحلة العلمية الطويلة، وقد تهيأ له بها مالم يتهيأ لغيره من علماء نجد، فكان أوسع منهم علماً، وأعرف بالعلماء السابقين الذين كانت لهم جولة في الإصلاح، ولم يقع في ذلك الجمود ولاركود، الذي وقع فيه علماء عصره حتى ألفوا ما فيه من البدع وأخذوها على أنها من أصول الدين وأركانه. فلما عاد الشيخ إلى بلده، لم يرض بما رضي به علماء نجد، من السكوت على تلك البدع، وأراد أن يعيد في محاربتها عهد أسلافه من الحنابلة، ولا سيما الشيخ ابن تيمية ﵀. وكان قد درس كتبه ورسائله الإصلاحية، فيما درسه في نشأته. وأخذ يدعو إلى مثل ما دعا إليه ابن تيمية قبله، من التوحيد بالعبادة لله وحده، وإنكار التوجه إلى أصحاب القباب والقبور، وغنكار التوسل بالأولياء والأنبياء إلى الله في قضاء الحاجات. وقد بدأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته في بلده يلين ورفق ثم أخذ يرسل بها إلى أمراء الحجاز وغيره من الأقطار. ولما رأى أهل بلده مثابرته على ذعوته، قاموا باضطهاده، فتركهم إلى بلدة الدرعية بنجد، وكان أميرها محمد بن سعود، فعرض عليه دعوته فقبلها، وقام بحمايتها ونشرها في بلاد العرب. ولم يزل الشيخ يقوم بدعوته في حماية هذه الإمارة، إلى أن مات ﵀ سنة ١٢٠٦ هـ"انتهى ملخصاً.

стр. 89

السيد: محمد رشيد رضا قال في التعريف بكتاب "صيانة الإنسان"، بعد أن ذكر فشو البدع بسبب ضعف العلم والعمل بالكتاب والسنة، ونصر الملوك والحكام لأهلها، وتأييد المعممين لها. قال ﵀ ما نصه: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: لم يخل قرن من القرون التي كثر فيها البدع من علماء ربانيين، يجددون لهذه الأمة أمر دينها بالدعوة والتعليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، كما ورد في الأحاديث. ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، من هؤلاء العدول المجددين قام يدعو إلى تجريد التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين ﷺ ، وترك البدع والمعاصي وإقامة شعائر الإسلام المتروكة وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة. فنهدت لمناهضته واضطهاده، القوى الثلاث. قوة الدولة والحكام، ووقوة أنصارها من علماء النفاق، وقوة العوام الغام. وكان أقوى سلاحهم في الرد عليه، أنه خالف جمهور المسلمين. من هؤلاء المسلمون الذين خالفهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته هم أعراب في البوادي، شر من أهل الجاهلية، يعيشون بالسلب والنهب، ويستحلون قتل المسلم وغيره لأجل الكسب، ويتحاكمون إلى طواغيتهم في كل أمر، ويجحدون كثيراً من أمور الإسلام المجمع عليها، التي لا يسع مسلماً جهلها، إلى آخر ما قال، عليه ﵀ ذي الجلال.

стр. 90

كلام: أحمد بن عبد الغفور الحجازي، في كتابه "محمد بن عبد الوهاب": "كان محمد بن عبد الوهاب الشاب الناهض من أكبر أنصار الحرية الفكرية، المتمشي على نهج الإسلام، يدعوا إليها في إخلاص وحماس، واستطاع أن يتحرر من قيود البيئة، ويخرج على تقاليد قومه البالية. فثار ثورته المشهورة على الجمود والتأخر وحاربهما حرباً ضروساً قاسية، سائراً في كل شؤونه على الطريقة العلمية والنقد العليم النزيه"انتهى. الدكتور طه حسين قال: "إن الباحث عن الحياة العقلية والأدبية في جزيرة العرب، لا يستطيع أن يهمل حركة عنيفة نشأت فيها أثناء القرن الثامن عشر، فلفتت إليها العالم الحديث في الشرق والغرب، واضطرته أن يهتم بأمرها، وأحدثت فيها آثاراً خطيرة، هان شأنها بعض الشئ ولكنها عادت فاشتدت في هذه الأيام وأخذت تؤثر لا في الجزيرة وحدها، بل في علاقاتها بالأمم الأوربية. هذه الحركة هي: حركة الوهابيين، التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب، شيخ من شيوخ نجد". ثم ذكر نزراً يسيراً عن نشأة الشيخ، ورحلاته العلمية ودعوته إلى أن قال: "قلت: إن هذا المذهب الجديد قديم معنى، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر، لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص، النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية. هو الدعوة إلى الإسلام، كما جاء به النبي ﷺ خالصاً لله، ملغياً كل واسطة بين الله وبين الناس. هو إحياء للإسلام العربي وتطهير له، مما أصابه من نتائج الجهل، ومن نتائج الاختلاط بغير العرب

стр. 91

فقد أنكر محمد بن عبد الوهاب على أهل نجد، ما كانوا قد عادوا إليه من جاهلية في العقيدة والسيرة، إلى أن قال: ولولا أن الترك والمصريين، اجتمعوا على حرب هذا المذهب وحاربوه في داره بقوى وأسلحة لا عهد لأهل البادية بها، لكان من المرجو جداً أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرن الثاني عشر، والثالث عشر الهجري، كما وحد ظهور الإسلام كلمتهم في القرن الأول. ولكن الذي يعنينا من هذا المذهب أثره في الحياة العقلية والأدبية عند العرب، فقد كان هذا الأثر عظيماً خطيراً من نواحٍ مختلفة. فهو قد أيقظ النفس العربية، فوضع أمامها مثلاً أعلى أحيته، وجاهدت في سبيله بالسيف والقلم والسنان. وهو لفت المسلمين جميعاً، وأهل العراق والشام ومصر بنوع خاص، إلى جزيرة العرب". انتهى من كتاب "محمد بن عبد الوهاب"، لأحمد عبد الغفور. حافظ وهبه، في كتابه: "جزيرة العرب" بعد أن ذكر نبذة يسيرة من تاريخ الشيخ، قال: "لم يكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نبياً، كما ادعى نيبهر الدانمركي، ولكنه مصلح مجدد، داع إلى الرجوع إلى الدين الحق، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة، ولا آراء خاصة، وكل ما يطبق في نجد، هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀. وأما في العقائد فهم يتبعون السلف الصالح، ويخالفون من عداهم. وتكاد تكون تعاليمهم مطابقة تمام المطابقة لما كتبه ابن تيمية وتلاميذه في كتبهم، وإن كانوا يخالفونهم في مسائل معدودة في فروع الدين"انتهى.

стр. 92

محمد بن قاسم، في كتابه "تاريخ أوربا": "كان الوهابيون في عقيدتهم ومذهبهم على طريق أهل السنة والجماعة، والأساس الأصلي لمذهبهم، هو توحيد الله" اهـ. الأستاذ: منح هارون، في الرد على الكاتب الإنجليزي (كونت ويلز) ، قال ما يأتي: "ولما اتسعت حركة السعوديين في ذلك الحين، وأخذت تهدد العراق والشام والحجاز واليمن، لم تر السلطة العثمانية أو السياسة الغاشمة بداً من أن تعمل لصرف قلوب العرب عن هذا الأمير، يعني: عبد العزيز بن محمد بن سعود، الطامح لاسترداد مجد العرب، فأوعزت إلى بعض عمالها من المشايخ، فأخذوا يدسون على الشيخ ابن عبد الوهاب أقوالاً، ما أنزل الله بها من سلطان، ويتخذون من المسائل الخلافية بين مذهب الإمام أحمد، وبين المذاهب الإسلامية الأخرى وسيلة للطعن على الوهابيين، الذين ألصقوا بهم هذا الاسم؛ تضليلاً للرأي العام الإسلامي، وإيهاماً بأنهم ذوو مذهب جديد، غير معترف به، مع أنهم لم يخرجوا في شيء من مذهب الإمام أحمد، الذي هو مذهب السلف الصالح، ولم يقولوا شيئاً مبتدعاً في الدين، وكل ما قاله الشيخ ابن عبد الوهاب قال به غيره ممن سبقه من الأئمة الأعلام، ومن الصحابة الكرام، ولم يخرج في شيء عما قاله الإمام أحمد، وابن تيمية، رحمهما الله". عمر أبو النصر في كتاب: "ابن سعود" قال عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما يلي: "والواقع أن دعوة ابن عبد الوهاب ليست غير دعاية صالحة موفّقة لنبذ

стр. 93

البدع والمفاسد، التي نهكت دين الإسلام، والتي عمل بعض المشايخ على الترويج لها وذيوعها وانتشارها بين الناس. وإذا ذهبنا نبحث الدعوة في مصادرها، ونتولاها بالنقد والبحث والتحقيق وجدنا أنها لا تختلف عن مذهب الإمام أحمد ابن حنبل إلا في بعض التبسيط والتطويل: وليس للوهابيين مذهب خاص بدعى باسمهم، كما يقول بعض الحاملين عليهم، وإنما مذهبهم الإمام أحمد، وليس فيما يطلبونه ويدعونه غليه ما ينافي السنة ولا يتفق مع القرآن الكريم. وهم ينكرون هذا التضليل، الذي يحاوله بعض الشيوخ وغير الشيوخ، وهذا الإغراق في إقامة القباب حول الأضرحة والقبور والصلاة فيها، وإقامة المباخر وطلب الشفاعة من أصحابها. والإسلام ينهي عن هذا. وليس في الإسلام وسيط، وليس هناك من يشفع عنده إلا بإذنه: انتهى باختصار وحذف، من كتاب أحمد عبد الغفور". محمد كرد على، في "القديم والحديث" بعد أن ذكر فصلاً ممتعاً عن أصل الوهابية. قال: "وما ابن عبد الوهاب إلا داعية، هداهم من الضلال، وساقهم إلى الدين السمح وإذا بدت شدة من بعضهم، فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعباً من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص، مثل هؤلاء القوم. وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم، سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غلوة، وما يتهمهم به أعداؤهم، فزور لا أصل له".

стр. 94

أحمد بن سعيد البغدادي، في كتابه "نديم الأديب" عن كتاب محمد بن عبد الوهاب، لأحمد عبد الغفور١. "وجميع ما ذكره المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف". عن كتاب محمد بن عبد الوهاب لأحمد عبد الغفور.

стр. 95

الزركلي في "الأعلام" (الجزء السابع) قال: "محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب. ولد ونشأ في العيينة بنجد، ورحل مرتين إلى الحجاز، ثم ذهب إلى المدينة، ورحل إلى البصرة، وعاد إلى نجد، وسكن حريملا، ثم انتقل إلى العيينة، ناهجاً منهج السلف الصالح، وداعياً إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع، وتحطيم ما علق بالإسلام من الأوهام. وكانت دعوته، الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم افسلامي كله، تأثر بها رجال الإصلاح، في الهند، ومصر، والعراق، والشام، وغيرها. فظهر الألوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان، ومحمد عبده بمصر، وجمال الدين القاسمي بالشام، وخير الدين التونسي بتونس، وصديق حسن خان في بهوبال، وأمير علي في كلكته. وعرف من ولاه، وشد أزره في قلب الجزيرة بأهل التوحيد (إخوان من أطاع الله) ، وسماهم خصومهم بالوهابية، نسبة إليه"انتهى بحذف واختصار. الدكتور: محمد عبد الله ماضي، في كتابه "حاضر العالم الإسلامي"، تحت عنوان: النهضة العربية السعودية، بعد كلام سابق، قال ما نصه: "كما بعث الرسول ﷺ محمد بن عبد الله بين العرب، وهم في فوضى شاملة، وانحطاط عام، وتفكك وانحلال، ليس لهم وحدة تربطهم، ولا فكرة صالحة تجمعهم، فنشر مبادئ الإسلام، بينهم، وجمعهم على التوحيد، فوحّد بينهم في العقيدة، فأصبحوا يدينون بمبدأ واحد، ويعبدون الله وحده، فوحّد

стр. 96

بينهم في المظهر، وجعل منهم أمة واحدة عربية مسلمة، قوية عزيزة الجانب، وأقام لهم دولة على أساس من الدين الحنيف. فكذلك أخذ المصلح الديني، والزعيم الإسلامي: محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، يدعو إلى تصحيح العقيدة، والرجوع إلى مبادئ الإسلام الصحيحة، واعتناقها من جديد بين النجديين. وكانوا قد فسدت عقيدتهم، وضلت سيرتهم. وأخذ الزعيم السياسي النجدي محمد بن سعود، يناصر ابن عبد الوهاب في دعوته الدينية الإصلاحية، ويعمل على نشرها واعتناق الناس لها"انتهى. محمد ضياء الدين الريس، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة فؤاد الأول نشر في مجلة "الإرشاد" الكويتية التي كانت تصدر سابقاً، في العدد السادس من شهر رجب، سنة ١٣٧٣ هجري بعنوان:" الحركة الوهابية"، قال بعد كلام: "مؤسس الدعوة هو: محمد بن عبد الوهاب، ولد في بلدة العيينة بإقليم العارض بنجد، عام ١٧٠٣م، فتلقى العلم في موطنه، ثم رحل في سبيل الدراسة والمعرفة إلى المدينة ومكة، والإحساء، والبصرة، وبغداد، ودمشق، وقيل فارس أيضاً. فاكتسب من سياحته العديدة علماً غزيراً، وخبرة واسعة، ووقف على أحوال العالم الإسلامي، ثم قارن بين ما آلت إليه حاله وما كونه في ذهنه من أفكار عن المثل الدينية الصحيحة. فكانت نتيجة ذلك، هذا المذهب الجديد الذي عرف به، وحمل اسمه، وكان سبباً في خلق هذه الحركة الإصلاحية الخطيرة. والمذهب الوهابي، ليس مذهباً بالمعنى الصحيح، وهو لا يعدو أن يكون تفسيراً، أو وجهة نظر معينة، في فهم بعض نواحي الدين الإسلامي، وهو لا يخرج ـ في مجموعة ـ عن حدود المذاهب السنية المعترف بها.

стр. 97

والوهابيون يتبعون في فروع الأحكام حيث الفقه، مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وفي العقائد مذهب أهل السنة، وبخاصة كما قرروها وفسرها الإمام السني، العلامة ابن تيمية. وابن تيمية هو الأستاذ المباشر لابن عبد الوهاب، وإن فصل بينهما أربعة قرون. فقد قرأ كتبه وتأثر كل التأثر، بتعاليمه. والمبادئ الأساسية للدعوة الوهابية، هي تنقية معنى التوحيد من شوائب الشرك، ظاهرة وخفية، وإخلاص الدين لله، وعدم الالتجاء إلى غير الله، وعدم الغلو في تمجيد الرسول بما يخرجه عن حدود الطبيعة البشرية، وتحديد معنى الرسالة التي كلف بإبلاغها،. ومصادر العقيدة، هو الرجوع إلى مذهب السلف في فهم الدين، وتفسير آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ . وتكره الوهابية التعقيدات التي أدخلها المكلمون والفلاسفة والصوفية، ولا مانع من الاجتهاد، كما يرون ضرورة القيام بواجب الجهاد. وهذه الحركة كانت نهضة أخلاقية شاملة، ووثبة روحية جريئة ودعوة إلى دين الحق والإصلاح. فقد أيقظت العقول الراقدة، وحركت المشاعر الخامدة، ودعت إلى إعادة النظر في الدين، لتصفية العقيدة، وتطهير العقول من الخرافات والأوهام. فقد احتوت على مبدأين، كان لهما أكبر الأثر في تطور العالم الإسلامي وتقدمه، وهما: دعوة إلى الرجوع إلى مذهب السلف، مع الاعتماد على الكتاب والسنة وتقرير مبدأ الاجتهاد. فكان هذان المبدآن أساساً لنهضة فلسفية روحية.

стр. 98

والواقع: أن كل حركات الإصلاح التي ظهرت في الشرق، في القرن التاسع عشر، كانت مدنية للدعوة الوهابية، لتقرير هذه الأصول. ويمكن تحديد الصلة بينهما وبين كل من هذه الحركات، إما عن طريق الاقتباس أو المحاكات، أو مجرد التأثر". انتهى ملخصاً. عبد الكريم الخطيب، في كتابه "محمد بن عبد الوهاب.. العقل الحر" في الفصل الخامس: "الكلمة الطيبة كلمة مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لأنها كلمة الحق، والحق في ظل الله، يباركه وينتصر له. ودعوة محمد بن عبد الوهاب من الكلم الطيب، لأنها تستند إلى الحق، وتدعو له، وتعمل في سبيله، لهذا كانت دعوة مباركة، وفيرة الثمر، كثيرة الخير. لقد قام صاحبها يدعو إلى الله، لا يبغي بهذا جاهاً، ولا بطلب سلطاناً، وإنما يضيء للناس معالم الطريق، ويكشف لهم المعاثر والمزالق التي أقامها الشيطان وأعوان الشيطان". إلى أن قال: "والذي لا شك فيه أن الدعوة الوهابية، كانت أشبع بالقذيفة الصارخة، تنفجر في جوف الليل والناس نيام. كانت صوتاً راعاداً أيقظ المجتمع الإسلامي كله، وأزعج طائر النوم المحوم على أوطانهم منذ أمد بعيدا "هـ. الشيخ: محمد بشير السهسواني الهندي، مؤلف "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان" قال عن الشيخ محمد: "إنه من المعلوم عند كل عاقل خَبَر الناس، وعرف أحوالهم، وسمع شيئاً من أخبارهم وتواريخهم؛ أن أهل نجد وغيرهم ممن تبع دعوة الشيخ واستجاب

стр. 99

لدعوته من سكان جزيرة العرب؛ كانوا على غاية من الجهالة والضلالة، والفقر، والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف". إلى أن قال: "فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده، وهدم به بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفر من أنكر البعث، واستراب فيه من أهل الجهالة والجفا. وأمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وترك المنكرات والمسكرات، ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين في الأصول والفروع من مسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلى واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدت الحدود الشرعية، وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد، وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد، حتى سارت دعوته، وثبت نصحه لله ولكتابه، ولرسوله ولعامة المسلمين وأئمتهم. وجمع الله به القلوب بعد شتاتها، وتألّفت بعد عداوتها، وصاروا بنعمة الله إخواناً. فأعطاهم الله بذلك من النصر والعز والظهور، ما لا يعرف مثله بسكان تلك الفيافي والصخور، وفتح عليهم الأحساء والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، من اليمن إلى العراق والشام، دانت لهم عربها، فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدين والدنيا، وتفتخر بما نالها من العز والنصر، والإقبال والسنا"اهـ. قلت في منظومتي اللآلي السنية بعد الثناء على الشيخ ابن تيمية، وعلى الشيخ ابن القيم رحمهما الله: وعلى الشيخ الجليل المعتبر من بشرع الله كان أظهرا ذلك الحبر الإمام المرتضى أيد الحق الذي قد غمرا

стр. 100

صاحب الدعوة في نجدهم مظهر الحق الذي قد أنكرا عم ذا الشرك القبيح نجدهم ضم الأمصار الكبار والقرى جاءهم يدعو إلى الله العلي أتركوا القبر وخلوا الشجرا اعبدوا الله الذي يرزقكم من لهذا الخلق أيضاً قد برى جاهد الشرك بسيف قاطع ولسان مظهر ما استترا بث دين الله جهراً ما ونى مزق الإلحاد فيما حررا ولصرح السنة في نجد بنى وقصور الشرك فيها دمرا فاستنارت نجدهم وافتخرت حق لنجدي أن يفتخرا محمد جميل بيهم، في كتابه: "الحلقة المفقودة في تاريخ العرب" تحت عنوان: "آل سعود في حكم آل عثمان". "الوهابية، وأمارة السعوديين الأولى: أصاب تركيا أواخر القرن السابع عشر في أثناء حروبها مع روسيا وفارس خذلان إثر خذلان. خدم العرب وغيرهم في جهادهم القومي، ثم تعاقب على عرش السلطنة منذ مفتتح القرن التالي، خمسة عواهل، كانوا غير أكفاء. فاهتز البعث القومي خلال حكمهم وربل، وانفسح المجال في جملة ذلك إلى حركات كانت قومية في العاطفة، ودينية في الغاية. حدثت في نجد وكادت تجمع شتات جزيرة العرب وتحررها، وتنهض بها نهضة الإسلام الأولى، وأعني بها "الوهابية". واضع هذا المذهب رجل تميمي، اسمه: محمد بن عبد الوهاب ﵀ طلب العلم في بغداد والبصرة.

стр. 101

ولما عاد إلى نجد في منتصف القرن الثامن عشر، كبر عليه أن يرى وطنه وسائر الجزيرة يهيمان في جهالة لا حد لها. ٨٤٦٤٠٨٦ - ١٩٨٨٣٢١١ فود النهوض بها، فدعا إلى الاعتماد على القرآن، وإلى شريعة بيضاء نقية، كما تركها محمد ﷺ ، ونهى عن الغلو في تقديس الأنبياء والأولياء. وكان خلال ذلك ينكر على الترك تحكمهم، ويؤاخذهم على الأخلاق التي تعتبر في الشرع إفساداً. وكانت قبائل نجد وغيرها لا تعرف من الدين إلا أنها مسلمة، فأقبلت على دعوته، واستمسكت بالآداب التي بشربها. وكان زعيم مريديه "محمد بن سعود" يجمع بين الشجاعة والحكمة، فعقد له محمد بن عبد الوهاب راية القيادة، واستطاع بعقله الكبير أن يؤلف بين القبائل، وأن يوجهها إلى أطراف الجزيرة لتنشر الوهابية، وكان الأمراء البارزون في جزيرة العرب وقتئذ هم أشراف الحجاز، وبنو خالد في الأحساء، وآل معمر في العيينة، وآل السعدون في العراق، والإمام المتوكلي في صنعاء، والسادة في نجران؛ فأعلنت نجد عليهم حروباً دامية كان هدفها الإصلاح على أساس المذهب الوهابي. ستودارد الأمريكي، مؤلف "حاضر العالم الإسلامي"، الذي علق عليه الأمير شكيب أرسلان قال في الفصل الأول من الكتاب في اليقظة الإسلامية في القرن الثامن عشر. "كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدلي والانحطاط أعمق درك، فاربد جوه، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه، ورجاً من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب". إلى أن قال: "وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سخفاً من الخرافات، وقشور الصوفية، وخلت المساجد من

стр. 102

أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين، يخرجون من مكان إلى مكان، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور. وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهتكت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام. وعلى الجملة؛ فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطاً بعيد القرار. فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدعي الإسلام، لغضب وأطلق على من استحقها١ من المسلمين، كما يعلن المرتدون، وعبدة الأوثان. وفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومدلج في ظلمته، إذا بصوت يدوي من قلب صحراء شبه الجزيرة مَهَّد الإسلام، يوقظ المؤمنين، ويدعوهم إلى الإصلاح، والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم. فكان الصارخ هذا الصوت إنما هو المصلح المشهور الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، الذي أشعل نار الوهابية، فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها، إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي. ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس، واستعادة المجد الإسلامي القديم، والعز التليد. تبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأ ت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام" انتهى.

стр. 103

كلام بروكلمان في "تاريخ الشعوب الإسلامية"، ج/ ٤، "الإسلام في القرن التاسع عشر" بترجمة الدكتور: نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي. قال تحت عنوان "الحركة الوهابية في بلاد العرب": "ولم يحالف التوفيق محمد علي في شبه الجزيرة العربية بقد ما حالفه في مصر وسوريا. وتفصيل ذلك أنه ولد في نجد المرتفعة في قلب الجزيرة محمد بن عبد الوهاب، من قبيلة تميم ما بين أواخر القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر. فنشأ محمد محباً للعلم، واقفاً نفسه على دراسة الفقه والشريعة، وقصد وفقاً ـ للعادة القديمة ـ إلى عواصم الشرق الإسلامي طلباً للعلم في مدارسها. وفي بغداد درس محمد فقه أحمد بن حنبل، مؤسس آخر المذاهب السنية الأربعة. ثم إنه درس مؤلفات أحمد بن تيمية، الذي كان قد أحيا - في القرآن الرابع عشر - تعاليم ابن حنبل. والواقع أن دراسته لآراء هذين الإمامين انتهت به إلى الإيقان من أن الإسلام في شكله السائد في عصره، وبخاصة بين الأتراك، مشرب بالمساوي التي لا تمت إلى الدين الصحيح بنسب. فلما آب إلى بلده الأول سعى أول ما سعى إلى أن يعيد إلى العقيدة والحياة الإسلاميتين صفائهما الأصلي في محيطه الضيق". ثم ذكر التجاءه إلى محمد بن سعود. "وهناك لقي محمد حفاوة وترحيباً، حتى إذا انقضت فترة قصيرة، اكتسبت تعالميه أنصاراً ومريدين. ولقد شجب تقديس الرسول والأولياء على اختلاف صوره، وكان ذاك قد شاع بين المسلمين منذ قرون؛ تقليداً للنصرانية، وبعض الطقوس الدينية الأكثر

стр. 104

بدائية، رامياً بالشرك أولئك الذين يشاركون في هذا التقديس، والذي يقضي القرآن بحربهم، حتى يرجعوا عن غيهم، أو يبادوا١. وأخذ محمد أتباعه بأداء صلاة الجمعة في صرامة لا تعرف الرحمة، ونهى عن كل زينة في اللباس٢، وعن لبس الحرير خاصة "قلت: أي: بالنسبة للرجال فقط". وحرم أيما تزيين أو زخرفة للمساجد والأضرحة، ليس هذا فحسب، بل لقد توسّع في فهم التحريم الإسلامي لمختلف ضروب المسكر، فحرم تدخين التبع الذي أعلن جميع الفقهاء تقريباً من الحنابلة وغير الحنابلة معارضتهم له أول دخوله إلى بلاد الشرق.

стр. 105

معنى قوله لم يكن يتمتع ... إلخ، أن الشيخ كان يمشي ويدعو الناس إلى اتباع سنة الرسول، غير مبيح لهم الزيادات المحدثة، التي أحدثها الخلوف، لأمور لا تخفي، كما فعلت الأمم السالفة. ولم يكن مبتكراً ولا مبتدعاً للمبادئ التي دعا الناس إليها، بل كان تابعاً للرسول". مصطفى الحفناوي وليمز، في كتابه "ابن سعود: سياسته، حروبه، مطامعه". قال لما ذكر بعض ثورات الغربيين لإصلاح مجتمعهم الفاسد: "كذلك لما شاع الفساد في بلاد المسلمين قام في جزيرة العرب محمد بن عبد الوهاب يحارب البدع، ويدعو إلى جمع الصفوف، لإعادة مجد الإسلام، وعبادة الله بقلب سليم. ولكنه - كغيره من المصلحين - اضطهد، واتهم بالإلحاد والزندقة، وطورد حتى التجأ إلى محمد بن سعود. ثم ذكر ولادته، ورحلته لطلب العلم، وأنه لما عاد إلى بلاده صمّم على نشر الدين الصحيح. وقال: "لما اتصل ببيت سعود، وتزوج محمد بن سعود بابنة الشيخ، عندئذ تشيع السعوديون للمذهب الجديد"١. فغضب عليهم الأتراك، ولم يكن غضبهم صادراً عن عقيدة، وعن فكرة

стр. 106

وصلوا إليها، بعد دراسة المذهب الجديد، الذي أكروه رجماص بالغيب، ظناً منهم أنه يقفعقبة في سبيل مطامعهم ببلاد العرب. كان شريف مكة، قد احتكم إلى العلماء ليقولوا رأيهم في مذهب ابن عبد الوهاب، فقرروا صلاحية هذا المذهب. كما أن "محمد علي باشا" جمع علماء مكة في سنة ١٢١٥هـ لنفس الغرض، فجاءت قراراتهم في صالح هذا المذهب. ولكن الأتراك أصروا على العدوان، ولم يكن محمد بن عبد الوهاب إلا رسول سلام) اهـ. ص/ ٢١ - ٢٢ بتلخيص واختصار. ثم قال: في ص ٧٤ - ٧٥، ويكفي هذا الصدد أن نشير إلى بعض أوجه الخلاف بين مذهب الوهابيين، وبين غيرهم. ١- يرى الوهابيون، أن لا معبود إلا الله، وأن الرسول ﵊ بشر، فوق مستوى البشر. ٢- أعلن الوهابيون كراهيتهم لعبادة الأولياء، وهي متفشية بين المسلمين، حتى اضطر ابن سعود لتمير قباب الأولياء". ثم ذكر الحفناوي قائلاً: "وأنا من أنصار هذا الرأي. فإنك لا تكاد تذهب إلى ضريح في مصر، إلا وترى الجهال يقبّلون الأعتاب، ويستغيثون بالأولياء، غير ذاكرين الله، ولا معتمدين إلا على العظام المدفونة في تلك القبور. ٣- يحتفل المسلمون سبع حفلات دينية. ولكن الوهابيين، لا يحتفلون إلا بعيد الفطر، وعيد الأضحى". ثم قال: "ومهما يكن الخلاف المذهبي بين الوهابيين وغيرهم من المسلمين؛

стр. 107

فإننا نجل الوهابيين، فإنهم يدققون في عبادتهم، فيحفظون القرآن والحديث، ويأتمرون بما جاء في الشريعة الغراء، وينهون عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم١، فيحرمون على أنفسهم لبس الحرير، والتحلي بالذهب، وشرب الخمر، وتدين التبغ، ويحاربون السحر والميسر، وغيرهما من الأرجاس"اهـ ملخصاً. المستشرق سيديو، في: "تاريخ العرب العام"، الذي نقله إلى العربية عادل زعيتر قال في أثناء كلامه على ثورات العرب لتحرر من سيطرة الترك وسيطرة البرتغال في عمان بعد كلام: "ومن ثم نرى أن جزيرة العرب استردت استقلالها التام تقريباً، منذ أوائل القرن الثامن عشر بفضل جدها، وضعف أعدائها، ولم يبق لها إلا أن تؤيد نصرها بمركز يلتف حوله جميع النفوس. وهذا ما حاولت صنعه قبيلة ظهرت في نجد حوالي سنة ١٧٤٩م. وهذا ما حوله الوهابيون النافذون حتى الآن، والذي سيكون لهم تأثير دائم في مصير جزيرة العرب لا ريب. واسم واضع هذه السيطرة هو: عبد الوهاب التميمي، الذي أكب على دراسة آداب العرب وعلومهم منذ صباه، والفقه أكثر ما عنى به. واطلع على آراء رجال المذهب، وقصد بغداد، والبصرة، وفارس سائحاً، فنمت مداركه، فأنعم النظر في حال بني قومه وميولهم وغرائزهم، وطبيعة قواهم، فرأى أنه إذا ما حمل المسلمين على مراعاة أحكام القرآن، رجعت إليهم تلك الحماسة التي تعودتها عظمة الماضين.

стр. 108

ولم يكن للإصلاح الذي بدا زعيماً له هدف، سوى إعادة شريعة الرسول الخالصة إلى سابق عهدها. وحارب ابن عبد الوهاب فعالات١ المسلمين في إحاطة محمد ﷺ بتعظيم حرمه الله في كتير من كلامه. وحارب تقديس قبور الأولياء، فحمل أنصاره على هدمها. وحارب ابن عبد الوهاب ما كان يعيبه على الترك من فساد الأخلاق. وحارب تعاطي المسكرات. ومما ذكر الناس به، هو أن الشريعة تأمر المسلمين بأن يؤتوا الزكاة٢، وتحرم عليهم الزينة٣، وتلزم القضاة بالنزاهة التامة. ومما عني به على الخصوص إبقاء روح الجهاد في قومه لما أدى إليه الجهاد من نصر عجيب منذ قرون. ولا يمكن أن تنعت أقواله بالإلحاد على العموم لما بدع تكراراً لسور القرآن، وهو لموافقته تعاليم الإسلام الصحيحة كان بالغ الأثر لمبادئه، فصار صناديد قبائل نجد ينضمون إلى لوائه، أفراداً وأرسالاً، فيؤلفون جيشاً صغيراً بقيادة محمد بن سعود من عشيرة المساليخ، وكان محمد قد اعتنق المذهب الجديد في الدرعية، فأبصر ابن عبد الوهاب فيه من المواهب الحربية ما لم يجده في الغير، فزوجه بابنته، مفوضاً إليه أمر حكومة الوهابيين السياسية". واستمر الكاتب في كتابته حتى قال:

стр. 109

"فخلع على دين محمد رونقاً جديداً، وبدد الخرافات التي١ زالت مع الزمن، فأظهر القرآن خالياً من جميع ما عزى إليه من الشوائب٢. وما لبثت النفوس التي أرهقتها شروح أئمة المسلمين المطولة الغامضة أن رجعت إلى بضعة مبادئ عامة بسيطة واضحة، فتقبلت خطط ابن عبد الوهاب الإصلاحية بقبول حسن. ودعا الوهابيون إلى الفضيلة، خلافاً للقرامطة الذين تذرعوا بسيء المناخي، فلم يبالوا بغير قضاء المآرب"اهـ. علي الطنطاوي، في كتابه: "محمد بن عبد الوهاب". ذكر: فشو البدع قبل ولادة الشيخ "محمد" كما قال، واعتقد الناس النفع والضرر بالرسول والصالحين، وبالقبور والأشجار، والقباب والمزارات، فيطلبون منهم الحاجات، ويرجعون في الشدائد إليهم، وينذرون لهم، ويذبحون لهم، واشتد تعظيم الأموات. وكان حظ نجد في هذه الجاهلية الجديدة أكبر الحظوظ. فقد اجتمع على أهله الجهل والبداوة، والفقر، والانقصام في كل ناحية من نواحي نجد، من الأمراء، بمقدار ما كان فيها من القرى، ففي كل قرية أمير، وفي كل ناحية جمعية أمم، وكان في كل إمارة قبر، عليه بناء، أو شجرة لها أسطورة، يقوم عليها سادن من شياطين الإنسن، يزين للناس الكفر، ويدعوهم إلى الاعتقاد بالقبر، والذبح له، والتبرك به، والدعاء عنده.

стр. 110

ثم ذكر شجرة تسمى شجرة الذئب، وقبر "زيد بن الخطاب" وذلك على سبيل المثال. قال: "وكان العلماء قلة، والحكام عتاه ظلمة، والناس فوضى يغزو بعضهم بعضاً، ويعدو قويهم على ضعيفهم. في تلك البيئة نشأ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فرأى شمس الإسلام إلى أفول، ورأى ظلمة الكفر إلى امتداد وشمول. وأراد الله له الخير، فقدر له أن يكون أحد الذين أخبر الرسول أنهم يبعثون ليجددوا لهذه الأمة دينها، بل لقد كان أحق بهذا الوصف من كل من وصف به في تاريخنا. فقد حقق الله على يديه عودة نجد إلى التوحيد الصحيح، والدين الحق والألفة بعد الاختلاف، والوحدة بعد الانقسام. ولا أقول: إن الرجل كامل، فالكمال لله، ولا أقول إنه معصوم فالعصمة للأنبياء، ولا أقول: إنه عار عن العيوب والأخطاء. ولكن أقول: إن هذه اليقظة التي عمت نجداً، ثم امتدت حتى جاوزته إلى أطراف الجزيرة، ثم إلى ما حولها، ثم امتدت حتى وصلت إلى آخر بلاد الإسلام؛ ليست إلا حسنة من حسناته عند الله إن شاء الله"اهـ. أبو السمح عبد الظاهر المصري، الذي كان إماماً بالمسجد الحرام ﵀، قال في "نونيته" التي تأسف فيها على الإسلام وأهله، مما عراهم: ابتدأها ﵀ بقوله: أسفي على الإسلام ومضى فيها حتى ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائلاً: أسفي على الإسلام والإيمان أسفي علي نور الهدى القرآن أسفي علي الدين القديم وأهله أسفا يذيب القلب بالأحزان
следующие страницы →