وأنا صاحب منصب، في قريتي مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء، لكونه خالف عادات نشأوا عليها، وألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر، وأنواع المسكرات؛ فلم يمكن الرؤساء، القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسناً عند العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما أمرت به من التوحيد، ونهيت عن الشرك، ولبّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، ونسبوا إلينا أنواع المفتريات، فكبرت الفتنة، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله.
فمنها: إشاعة البهت، كما ذكرتم أني أكفّر جميع الناس، إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة.
فيا عجباً، كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟، وهل يقول هذا مسلم؟!، إني أبرأُ إلى الله من هذا القول الذي ما يصدر إلا عن مختل العقل.
والحاصل، أن ما ذكر عني غير دعوة الناس إلى التوحيد، والنهي عن الشرك فكله من البهتان" اهـ باختصار.
ومن رسالته إلى أهل المغرب:
بعد أن ساق آيات وأحاديث على وجوب اتباع السنة وترك البدع والمحدثات، وإخبار النبي ﷺ أن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها "شبراً بشبر وذراعاً بذراع"، ولا بد أن تفترق كالأمم السالفة، وأن الناجية من كان على مثل ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه. قال:
"إذا عرف هذا، فمعلوم ما عمّت به البلوي من حوادث الأمور التي أعظمها: الإشراك بالله، والتوجّه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب السماوات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد، وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، التي لا تصلح إلا لله.
стр. 37
وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كصرف جميعها، لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، كما قال الله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ .
فأخبر الله سبحانه أنه لا يرضي من الدين إلا ما كان خالصاً لوجهه.
وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم.
وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفّار، فكذبهم في هذه الدعوى، وكفرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ " اهـ.
ومن رسالته في الأسماء والصفات:
بعد البسملة والحمد لله:
"الذي نعتقد وندين الله به: هو مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين، والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة وأصحابهم ﵃.
وهو: الإيمان بآيات الصفات وأحاديثها، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت؛ من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ .
وقدر الله لأصحاب نبيه ومن تبعهم بإحسان، الإيمان، فعلم قطعاً أنهم المرادون بالآية الكريمة.
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ .
стр. 38
وقال الله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية.
فثبت بالكتاب أن من اتبع سبيلهم فهو علىالحق، ومن خالفهم فهو على الباطل.
فمن سبيلهم في الاعتقاد: الإيمان بصفات الله وأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنزيله، أو على لسان رسوله ﷺ ، من غير زيادة عليها ولا نقصان منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير، ولا تأويل لها، بما يخالف ظاهرها، ولا تشبه بصفات المخلوقين، بل أقروها كما جاءت. وردوا علمها إلى قائلها، ومعناها، إلى المتكلم بها١، وأخذ ذلك الآخر عن الأول، ووصّى بعضهم بعضاً بحسن الاتباع، وحذرونا من اتباع طريق أهل البدع والاختلاف، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا: أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار رسول الله ﷺ ، نقل مصدقٍّ لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها، ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها.
стр. 39
ولم يشبّهوه بصفات المخلوقين، إذ لو فعلوا شيئاً من ذلك لنقل عنهم، بل زجروا من سأل عن المتشابه، وبالغوا في كفه تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب.
ولما سئل مالك ﵀ عن الاستواء: أجاب بمقالته المشهورة، وأمر بإخراج الرجل.
وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف، في جميع الصفات، مثل: النزول والمجئ، واليد، والوجه، وغيرها.
فيقال في النزول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصفات، إذ هي بمثابة الاستواء، الوارد به الكتاب والسنة.
وثبت عن الربيع بن سليمان قالك سألت الشافعي ﵁ عن صفات الله، فقال: "حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تتعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل، إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه ﷺ ".
وثبت عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال: "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يصفون ربهم بصفاته التي نطق بها كتابه وتنزيله، وشهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقلته العدول الثقات، ولا يعتقدون بها تشبيهاً بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكَلِم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية.
وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واكتفوا في نفي النقائص بقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
стр. 40
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وبقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
وثبت عن الحميدي شيخ البخاري وغيره، من أئمة الحديث أنه قال: "أصول السنة" فذكر أشياء وقال: "ما نطق به القرآن والحديث، مثل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ، ومثل: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ، وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا نرده، ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ومن زعم غير هذا فهو جهمي".
فمذهب السلف رحمة الله عليهم: إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، كما أن إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، ولا تشبيه، فكذلك الصفات، وعلى هذا مضى السلف كلهم.
ولو ذهبنا نذكر ما أطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لطال الكلام جداً، فمن كان قصده الحق، وإظهار الصواب، اكتفى بما قدمناه.
ومن كان قصد الجدال والقيل والقال، لم يزده التطويل إلا الخروج عن سواء السبيل، والله الموفق" اهـ.
المسائل التي دعا إليها الشيخ ووقع فيها الخلاف بينه وبين الأكثرين
١- توحيد العبودية:
ويقال له: توحيد الألوهية، وهو الذي بعث الله من أجله الرسل، من نوح إلى سيدنا محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
وحيث رأى الشيخ أهل نجد وغيرها، كما سبق، قد ألّهوا قبور الأنبياء والصالحين، وبعض الغيران والأشجار، وصرفوا بعض العبادات إليها، كالنذر والحلف والنحر والاستعانة والاستغاثة، إلى غير ذلك، مما لا ينبغي
стр. 41
صرف إلا الله١؛ أنكر عليهم، وبَيّن لهم أن العبادة هي طاعة الله، بامتثال ما أمر، وأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال.
وأفراد العبادة كثيرة، منها: الصلاة، والصيام، والصدقة، والنذر، والذبح، والطواف، والاستعانة، والاستغاثة.
فمن صرف منها شيئاً لغير الله يكون مشركاً، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، فاتبعه بعضهم واعتنق مبدأه رغبة واختياراً، وأبى الأكثرون متمسكين بتقليد الآباء والخضوع للعادات، وبفشو هذه الأعمال في سائر الأمصار والقرى، وسكوت الأكثرين من العلماء.
٢- التوسل:
التوسل قسمان: قسم مطلوب ومرغوب فيه، وهو التوسل بالإيمان، وبأسماء الله الحسنى وبالأعمال الصالحة، كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم٢.
والثاني: التوسل المبتدع، وهو: التوسل بالذوات الصالحة، مثل: أن يقول الشخص: "اللهم إني أسألك بجاه الرسول، أو بحرمة فلان الصالح، أو بحق الأنبياء والمرسلين، أو بحق الأولياء والصالحين".
فنهاهم الشيخ عن القسم الثاني، إذ لم يرد عن الرسول ولا أصحابه ﵃، وهو دعاء، والدعاء عبادة، ومبناها على التوقيف، ويعبد الله بما شرع، لا بالأهواء والبدع.
стр. 42
وتمسّك المجوزون بآيات لا تمت إلى دعواهم بصلة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ .
إذ التفسير الوارد عن السلف وأَجِلاّء المفسرين: أن ابتغاء الوسيلة يكون بالأعمال الصالحة.
كما تمسكوا ببعض أحاديث موضوعة، كحديث: توسل آدم بالنبي لَمَّا اقترف الخطيئة. وضعيفة كحديث الأعمى، وحديث فاطمة بنت أسد، ولا حجة في موضوع ولا ضعيف.
٣- منعه شد الرحال:
منع من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، كما جاء في الحديث الصحيح: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".
ولم يلتفت الشيخ إلى تأويل المؤولين والمخالفين.
كما أن شَدّ الرحال لطلب العلم، أو لزيارة الأرحام، أو للسعي وراء الكسب؛ خارج عن دائرة النزاع، لأن هذه الأشياء وردت بها أوامر شرعية.
وقد سبق الشيخ إلى منع شد الرحال: شيخ الإسلام، أحمد بن تيمية، وابن القيم، والجويني والد إمام الحرمين من الشافعية، والقاضي عياض من المالكية.
وليس للمجوزين أية حجة يصح الاعتماد عليها.
٤- البناء على القبور وكسوتها وإسراجها، وما إلى ذلك:
حرّم الشيخ: البناء على القبور، وكسوتها، وتعليق الستور عليها، وإسراجها، والكتابة عليها، وإقامة السدنة حولها وزيارتتها الزيارة الشركية التي تنجم منها مفاسد عديدة، كالتمسح بالقبر، والطواف حوله، والصلاة إليه، ودعاء المقبور في جلب نفع أو دفع ضر.
واستند الشيخ في منعه وتحريمه إلى أدلة صحيحة من الأحاديث الصحيحة،
стр. 43
كحديث: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" وحديث: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد" إلخ.
وأمر الشيخ بهدم تلك القبب المشيدة اتباعاً للأحاديث الصحيحة، كحديث أبي الهياج الأسدي لَمَّا قال له علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله؟، أن لا تدع تمثالاً إلى طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
وفقهاء المذاهب الأربعة وغيرها قد سبقوا الشيخ بمنع هذه الأمور وتحريمها، وإن عَبّر بعضهم بالكراهة في بعض منها، فإنما القصد كراهة التحريم لا التنزيه، والكراهة في القرآن والسنة وعلى لسان السلف تُطلق على التحريم.
والكراهة بمعنى: "لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها" اصطلاح حادث لا عبرة به، كما لا عبرة بقول بعض الفقهاء بتحريم البناء على القبر إن كان في أرض مسبلة لئلا تضيق الأرض على الموتى، وإن كان في ملكه فلا، بل يكره.
وإنما قلنا: لا عبرة به، لأن الأحاديث المانعة من البناء، والآمرة بهدمه، عامة، وما أتى عن الرسول ﷺ ما يخصصها.
وليست عِلَّة التحريم تضييق الأرض كما زعم أولئك، بل العلة أن البناء يفضي إلى تعظيم المقبور ودعائه من دون الله، وهذا أمر مشاهد ملموس، لا يقبل الجدل والنزاع.
٥- توحيد الأسماء والصفات:
قد سبق ما جاء في رسائل الشيخ، أنه في المعتقد على ما كان عليه السلف الصالح، من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إثبات الأسماء والصفات، من غير تمثيل ولا تكييف.
ولم يرق للمخالفين هذا الاعتقاد، حيث كانوا مؤولين ومقلدين للجهم
стр. 44
ابن صفوان، والجعد بن درهم، مستمسكين بشبه فلسفية، لا تتفق مع آي القرآن والأحاديث الصحيحة، ومعتقد الصحابة والتابعين، والأئمة المهتدين، رضوان الله عليهم أجمعين.
٦- إنكاره للبدع:
أنكر الشيخ البدع والمحدثات في الفروع، كالاحتفال بالمولد، والتذكير قبل الأذان، والصلاة على الرسول بعد الأذان جهراً، والتلفظ بالنية، وقراءة حديث أبي هريرة، عند صعود الخطيب على المنبر.
كما أنكر طرائق الصوفية المبتدعة، وما إلى ذلك من المبتدعات التي لم يرد في استحبابها عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه.
وقد ألَّف العلماء قبل الشيخ في إنكار البدع والمحدثات، كابن وضاح، والطرطوشي، والشاطبي.
افتراء أعداء الشيخ عليه بما هو برئ، وتلقيب أتباعه بالوهابية:
لَمَّا دعاهم الشيخ إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك ووسائله، والبدع والخرافات والأوهام.
وكان الأكثرون من أهل نجد وسائر الأقطار قد انغمسوا في حمأة تلك الرذائل، وورثوها عن آبائهم السالفين، تربى عليها الصغير، وهرم عليها الكبير؛ رأوا بفاسد فكرهم أن فيما يدعو إليه الشيخ تهجيناً بهم، ونسبتهم إلى الجهل والإشراك، وإزراءاً بآبائهم، ولا سيما أدعياء العلم، رأوا أنهم إن اتبعوه انحط مقامهم، وصغر شأنهم عند العامة، حيث إن العوام سيقولون: إن هؤلاء كانوا يزعمون بأنهم علماء، هادون إلى الخير، وكانوا يتصدرون للفتوى وللتعليم، وقد أتى هذا الشيخ وأبان جهلهم وفساد عقائدهم، وأنهم ليسوا على شيء، إلى غير ذلك مما أملاه عليهم الشيطان، وقادهم إليها الهوى، وحب الرياسة، إلى أن يستكبروا عن قبول الحق، وتسلحوا بسلاح الجدل والمكابرة.
стр. 45
فأوحوا إلى العوام أن الشيخ عقيدته غير صحيحة، ومخالف لما عليه المسلمون، ويتنقّص مقام الصالحين، فلا ينبغي أن يُتّبع، بل ينبغي أن يُزجر ويُقمع، وجادلوا الشيخ بالباطل، وبالآراء السخيفة والشبه الواهية، ونصر الله الشيخ، فأقام عليهم الحجج القويمة، المدعمة بآي القرآن وصحاح الأحاديث، كما تراها في مؤلفاته، ومؤلفات أبنائه وأحفاده، وأئمة الدعوة، وفَنَّد شبههم، وأزهق باطلهم، واشتد نكيره عليهم.
وعند ما عجز فضلاؤهم في ميادين الحجج والبراهين، وآبوا بالفضل؛ لجأوا إلى وضع العقبات في سبيل الدعوة، وإلى الاعتداء؛ الأمر الذي ألجأ الشيخ وحزبه برئاسة الأمير محمد بن سعود أن يقاوموهم بالسنان، فجرت الحروب الشديدة بين حزب الشيخ وبين أولئك.
فكما فشلوا في ميادين الحجج العلمية، وخرجوا صفر اليدين، فشلوا أيضاً في ميادين المقارعة والحروب، وكان النصر في الأغلب حليف الشيخ وحزبه.
فلما لم يبق لديهم من سلاح يحاربون الدعوة؛ شرع بعض المدّعين للعلم والأمراء يزيدون في اختلافهم الأكاذيب والافتراءات، وينسبونها إلى الشيخ، وأخذوا في استعمال الدعايات الكاذبة، والإشاعات الباطلة، وطفق بعضهم يكتب إلى الأتراك، وإلى الأشراف في الحجاز: أن هذا الشيخ مبتدع، ومذهبه خامس المذاهب، ولا يحب الرسول ﷺ ، ولا الأولياء، ومنع من زيارة الرسول ﷺ ، وكفّر جميع الناس، إلا من كان من أتباعه، ولا يعتبر المذاهب الأربعة، بل أمر بإتلاف كتب المذاهب، وينهي عن الصلاة على الرسول ﷺ ، حتى أحرق دلائل الخيرات، وأن أولئك السعوديين يفسدون قلوب الناس، ويغيرون عقائدهم، ويريدون تحويلهم عن الطريق الموروثة، والسبيل التي وجدوا عليها الآباء والأجداد، ويحقرون شعائر الدين بهدم قباب المشايخ والأولياء الكبار، التي أطبقت الأجيال على تعظيمها والتبريك بها، وأن قعود الدولة عن رد هؤلاء المعتدين يذهب بهيبتها من
стр. 46
نفوس المسلمين، ويحقر من شأنها عندهم، فلا تبقى صاحبة الحق في دعوى الخلافة عليهم.
وما زالوا بالدولة العثمانية يستنصرون بقوتها وجيشها، ويستفزون ملوكها وقضاتها بأساليب الخداع، وأنواع الإغراء؛ بأنها حامية الحرمين الشريفين، وحامية الإسلام، وأوغروا صدر الدولة على دعوة الشيخ، وشوهوا وجهها الجميل مما كذبوا عليها وألصقوه بها من الفرى والبهتان، حتى بلغت بهم الوقاحة، وقِلَّة الحياء والإيمان إلى حد أن زعموا: أن السعوديين النجديين لا يقولون في الأذان: أشهد أن محمداً رسولالله، بل يقولون: محمد رسول الله.
قال في::جزيرة العرب في القرن العشرين" ما نصه
"سمعت في نجد: أن حكام نجد الشمالية أثناء خصومتهم مع آل سعود، كانوا يكتبون إلى الأتراك: أن آل سعود اتخذوا راية شعارها: لا إله إلا الله محمد رسول الله "بحذف ميم محمد" تنفيراً للأتراك من خصومهم، وأنهم يعلمون حق العلم أن هذا كذب"اهـ.
وما زالوا بالعثمانيين يتوسلون إليهم، وإلى شيوخ إسلامهم، وقواد جيشهم؛ حتى انخدعت الدولة بأولئك المفترين، وزاد الطين بلة ما رأت الدولة من قوة انتشار دعوة الشيخ، وتأسيس دولة آل سعود، ورأت أن الدولة السعودية قد بسطت نفوذها على نجد، وامتد إلى عمّان، وأخذت تغزو العراق وأطراف الشام، وخافت أن يزول استعمارها من البلدان العربية، لا سيما بعدما فتح آل سعود مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ.
قام العثمانيون عنئذ بدورهم السياسي، واستعملوا القلم والسنان ضد الشيخ وأتباعه النجديين.
أما القلم فأخذوا يوعزون إلى بعض العلماء ممن قَلَّ نصيبه من الدين والعقل والحياء، بأن يؤلِّفوا ضد الشيخ وأتباعه، وينشروا بين الناس تلك الأكاذيب.
وأما السنان فقد أمرت الدولة "محمد علي باشا" واليها بمصر، أن يجهز الجيوش الجرارة لحرب النجديين وإبادتهم.
стр. 47
فرّحب بالأمر، وجهّز الوالي جيشاً عرمرماً بقيادة ابنه "طوسون"، ثم ابنه إبراهيم سنة ١٢٢٦ هجرية١، وحارب النجديين، وانكسر الجيش التركي عدة مرات، ولكنه أخيراً تم له النصر على السعوديين سنة ١٢٣٣هـ.
وقامت أشراف الحجاز بدورهم السياسي قبل الترك، وحاربوا السعوديين والدعوة السلفية.
ولكنهم باءوا بالفشل الذريع واندحروا، وتَمَّ للسعوديين فتح مكة كما سبق، كما حاربوا السعوديين قبل استيلائهم على مكة المكرمة، وبعد خروجهم منها؛ بنشر الدعايات الكاذبة، والافتراءات الصريحة، وإيعازهم إلى بعض علمائهم بتأليف كتب ضد دعوة الشيخ وأتباعه.
فألّف مأجورو الترك والأشراف كتباً، شحنوها بالأكاذيب والترهات، وحشوها بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، والحكايات السمجة ضد الدعوة السلفية، وزعموا أن الشيخ مبتدع خارجي.
حتى إن "زيني دحلان" نزّل الأحاديث الواردة في الخوارج على الشيخ وأتباعه، في كتابه "الدرر السنية"، وفي "الفتوحات الإسلامية".
فعلوا كل ذلك تنفيراً للناس، كيلا يتّبعوا الشيخ الجليل، ويعتنقوا مبدأه الصحيح.
ومن دعايات الأتراك والأشراف المنفّرة للناس: نبزهم لأتباع الشيخ بالوهابية٢، وجعلهم هذا اللهب على هذه الفرقة السلفية كعنوان لخروج هذه الفرقة عن المذاهب، وعدم محبة النبي والصالحين، وكذبوا والله في ذلك.
стр. 48
والقصد الوحيد من تلك الدعايات والإشاعات الباطلة: صد الناس عن اعتناق الدعوة.
وأمرٌ آخر وهو: أن لا تقوى شوكة السعوديين، ويتسع نفوذهم، كي تبقى سيطرة الأتراك، وإمارة الأشراف.
ولكن الله ردّ كيدهم في نحرهم، وعاملهم بنقيض قصدهم؛ فانتشرت دعوة الشيخ في سائر الأقطار، وعرف كثير من الناس صحتها وحقيقتها، وأنها لا تخرج عن نطاق الكتاب والسنة، فاعتنقها كثيرون، وألّف جمع من المعتنقين لها كتباً في تأييدها والدفاع عنها١.
ولا زالت الدعوة تزداد نفوذاً وقوة وانتشاراً، ما كرّت الليالي والأيام، وأزال الله دولة الأتراك والأشراف، ومكّن الله الدولة السعودية مرّة أخرى بقيادة مليكها الراحل "عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل السعود" ﵀، وبسطت سيطرتها ونفوذها على نجد والحجاز وعسير، وعرف الجمهور كذب أولئك المفترين.
ومن معاملة الله لهم بنقيض قصدهم، هو: أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول كما زعموا، صار الآن لقباً لكل من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإلى الأخذ بالدليل، وإلى الأمر بالمعروف الونهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات، والتمسك بمذهب السلف.
فترى كل من تنكر عليه أو ينكر غيرك عليه، بدعة أو منكراً صار يقابلك بقوله: "أنت وهابي"، فصار هذا اللقب والحمد لله مدحاً وعَلَماً على الفرقة التابعة للكتاب والسنة، وعلى كل من يعتنق مذهب السلف الصالح، وعلى كل من يدعو إلى توحيد الألوهية والعبادة، وكفاهم فخراً وشرفاً، وما أحسن قول الشيخ عمران ﵀:
стр. 49
إن كان تابع أحمد متوهباً
فأنا المقر بأنني وهابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي
رب سوى المتفرد الوهابي
لا قبة تُرجى ولا وثن ولا
قبر له سبب من الأسباب
أيضاً ولست معلقاً لتميمة أو
حلقة أو ودعة أو ناب
لرجاء نفع أو لدفع بلية
الله ينفعني ويدفع ما بي
كتب أدعياء العلم تلك الكتب التي مَرَّ وصفها، متظاهرين بمظاهر العلماء الراسخين، الغيورين على دين الإسلام، المخلصين في محبة الرسول ﷺ والأولياء والصالحين، والذابين عنهم، ولكن في الحقيقة أخلصوا لمطامعهم وأهوائهم، وأحبوا الرئاسة والزعامة على العوام، والتقرب من ملوك الأتراك وأمراء الأشراف، ونيل الأصفر الرنّان، وخابوا وخسروا، وباءوا بالفشل والحرمان، وأصبحت تلك الكتب لا قيمة لها، وليس لها ذكر إلا عند بعض الجهلة من القبوريين، وانتشر العلم، وتنوّرت الأذهان، وعرف المعلمون في سائر الأقطار أن أولئك الكاتبين ضد الشيخ وأتباعه كانوا دجاجلة، لا نصيب لهم من العلم والتحقيق.
وإن أردت أيها القارئ أن تعرف وتتأكد من صحة قولي، فاقرأ "الدرر السنية" لزيني دحلان، وقارنها ب"صيانة الإنسان".
واقرأ "شواهد الحق" للنبهاني، و"غاية الأماني" في الرد عليه، للشيخ: محمود شكري الألوسي.
واقرأ الكتب التي أُلِّفت في تاريخ نجد من السالفين والمعاصرين؛ من المسلمين والغربيين الكافرين.
الأسباب التي أدت لنفرة الكثيرين عن الشيخ وأتباعه:
١- كانت العامة في سائر الأقطار الإسلامية تنظر إلى دولة الأتراك إذ ذاك أنها دولة الخلافة، وأنها هي القائمة بنصر الدين ومحاربة الكافرين، وحماية شريعة سيد المرسلين.
стр. 50
رأوها تحارب هذه الدعوة السلفية النجدية، حتى إنها أرسلت الجيوش لمحاربة آل سعود وقمعهم.
٢- كانت تسمع من علمائهم ذم الدعوة والشيخ والعلماء الصغار، كانوا يقتدون بعلمائهم الكبار، الذين أخذوا على عاتقهم محاربة الدعوة، والدعاية بضدها.
٣- سمع الحجاج الوافدون إلى مكة من أشراف الحجاز وبعض علماء مكة والمدينة التقديس التام من العوام، والانقياد الكامل لأقوالهم١ ضد الشيخ وأتباعه الشئ الكثير، من كون أتباع الشيخ لا يحترمون الأولياء والصالحين، ويهدمون قبابهم، ويمنعون من زيارة القبور، ويقولون: "عصا أحدنا خير من محمد"، ولا يحبون الرسول، ويمنعون من زيارته.
فلهذه الأسباب التي ذكرناها، أخذ جمهور الناس في سائر الأقطار فكرة سيئة عن الشيخ وأتباعه، واعتقدوا أنه وأتباعه على غير حق. وهذا بالنسبة لما سلف.
أما اليوم فقد هان الأمر، واستبان الحق، وانتشر الوعي، وعرف الكثيرون بطلان تلك الدعايات.
فلو كان عند خصوم الدعوة والمنخدعين بهم أدنى علم وعقل؛ لعلموا من سيرة الشيخ وأتباعه، ومن كتبهم؛ أنهم هم المحبون للرسول ﷺ ، المعظمون له.
والدليل على ذلك: أنهم حكموا القرآن وسنة الرسول في جميع الأمور، ولم يسمحوا لأحد أن يخرج عن منهج الرسول وأصحابه.
ومن ابتدع ولو بدعة صغيرة، نهوه عنها، ومنعوه من ارتكابها وقالوا: "من عمل عملاً ليس عليه أمر الرسول ﷺ وأصحابه فهو مرودود عليه، كائناً من كان"، طبقاً لقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
стр. 51
فهل هؤلاء محبون للرسول حقاً وصدقاً؟، أم الذين يتظاهرون بحب الرسول بألسنتهم وبالقصائد في مدحه ﷺ ، وبلفظ: "اللهم صل على سيدنا محمد" عند ذكره؟.
والحال أنهم يأتون أفانين البدع وأنواع المحدثات، وينبذون السنة المطهرة خلف ظهورهم، ويحكّمون القوانين والآراء بدلاً عن القرآن والسنة.
فيا أيها القارئ؛ وازن بين الطرفين بميزان العدالة، واحكم بالعدل والإنصاف. والله يتولى الهداية والتوفيق.
من رسالة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب في بيان ماهم عليه، وكذب ما نسب إليه١
ننقل أيها القارئ من هذه الرسالة التي كتبها الشيخ عبد الله بعد دخول الإمام سعود ﵀ مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، جواباً لمن سأله عما يعتقدونه ويدينون الله به، فأجاب بما ستقف عليه:
قال ﵀ بعد البسملة والحمدلة:
"أما بعد:
فإننا معاشر غزو الموحدين لَمَّا مَنَّ الله علينا وله الحمد بدخول مكة المشرّفة نصف النهار، يوم السبت، ٩ شهر محرم الحرام، سنة ١٢١٨هـ، بعد أن طلب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود حماه الله؛ الأمان، وقد كانوا تواطأوا مع أمراء الحجيج وأمير مكة على قتاله، أو الإقامة في الحرم ليصدوه عن البيت، فلما زحفت أجناده الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم، فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة، وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف، ودخلنا وشعارنا التلبية، آمنين، محلقين رؤوسنا ومقصّرين، غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم
стр. 52
الدين، ومن حين دخل الجند الحرم، وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون، لم يعضدوا به شجراً، ولم ينفروا صيداً، ولم يريقوا دماً، إلا دم الهدي، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع.
ولَمَّا تَمَّت عمرتنا، جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير على العلماء ما نطلب من الناس، ونقاتلهم عليه، وهو إخلاص التوحيد لله وحده، وعرّفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع، إلا في أمرين:
أحدهما: إخلاص التوحيد لله، ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ ، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد وترك الإشراك، قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
والثاني: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه، فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلاً، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم، وعفا عنهم جميعاً، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة.
ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق لا سيما العلماء، ويقرر لهم حال اجتماعهم، وحال انفرادهم لدينا، أدلة ما نحن عليه، ويطلب منهم المناصحة والمذاكرة، وبين الحق، وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم بأنا قابلون ما وضحوا برهانه من كتاب، أو سنة، أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين، المأمورين باتباعهم بقوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وعن١ الأئمة الأربعة المجتهدين، ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث، لقوله ﷺ : "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
وعرّفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح، ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقم العلماء علينا أمراً".
стр. 53
ثم ذكر الشيخ كلاماً طويلاً، إلى أن قال:
"ونحن أيضاً في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلّد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، لا نقرّهم ظاهراً على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد، ولا أحد منا يدعيه إلا أنا؛ في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة؛ أخذنا به، وتركنا المذهب١ كإمام الصلاة.
فنأمر الحنفي والمالكي٢ مثلاً بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين؛ لوضوح ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين.
فإذا قوي الدليل؛ أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادراً جداً.
ولا مانع من الاجتهاد، في بعض المسائل دون بعض. ولا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد المطلق.
وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل؛ مخالفة للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه.
ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة، ومن أجلها لدينا
стр. 54
تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذلك البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم.
وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين، كالعسقلاني، والقسطلاني على البخاري، والنووي على "مسلم"، والمناوي على "الجامع الصغير".
ونحرص على كتب الحديث، خصوصاً الأمهات الست وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون، أصولاً وفروعاً وقواعدَ وسيراً، ونحواً وصرفاً، وجميع علوم الأئمة، ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلاً؛ إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، كروض الرياحين، وما يحصل بسببه خلل في العقائد، كعلم المنطق، فإنه قد حرمه جمع من العلماء، على أنا لا نفحص عن مثل ذلك، وكالدلائل إلا أن تظهر به صاحبه معاندا؛ أتلف عليه.
وما اتفق لبعض البدو من إتلاف بعض كتب أهل الطائف، إنما صدر من بعض الجهلة، وقد زجروا غيرهم عن مثل ذلك.
ومما نحن عليه: أنا لا نرى سبي العرب، ولن نفعله، ولم نقاتل غيرهم، ولا نرى قتل النساء والصبيان.
وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق، بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق أفهامنا، من دون مراجعة شرح، ولا معوّل على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: "النبي رمة في القبر، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى: لا إله إلا الله، حتى نزل عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ﴾ "، مع كون الآية مدنية.
وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء، فنتلف مؤلفات أهل المذاهب، لكون فيها الحق والباطل. وأنا مجسمة. وأنا نكفّر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن عليه.
ومن فروع ذلك: أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله، وأنا ننهي عن الصلاة على النبي ﷺ ، ونحرّم زيارة القبور المشروعة مطلقاً.
وأن من دان بما نحن عليه،
стр. 55
سقطت عنه جميع التبعات حتى الديون. وأنا لا نرى حق أهل البيت رضوان الله عليهم.
وأنا لا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم. وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شاباً، إذا ترافعوا إلينا. فلا وجه لذلك.
فجميع هذه الخرافات وأشباهها، لما استفهمنا عنها من ذكر أولاً كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .
فمن روى عنا شيئاً من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى.
ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا؛ علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بأن الله لا يغفره ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
فإنا نعتقد: أن من فعل أنواعاً من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحداً، بجميع أنواع العبادة.
والذي نعتقده: أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حَيٌّ في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء، المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس.
ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه ﵊ الواردة عنه؛ فقد فاز بسعادة الدارين، وكفى همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه.
ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدي من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئاً من أنواع
стр. 56
العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء، بل ومن كل مسلم، فقد جاء في الحديث: "دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه" الحديث. وأمر ﷺ عمر وعلياً بسؤال الاستغفار من "أويس" ففعلا.
ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسبما ورد، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد أيضاً، ونسألها أيضاً من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد، بأن يقول أحدنا متضرعاً إلى الله تعالى: "اللهم شفّع نبينا محمداً ﷺ فينا يوم القيامة" أو: "اللهم شفّع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك"، أو نحو ذلك مما يُطلب من الله، لا منهم.
فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله؛ أسالك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو اشفني، أو انصرني على عدوي، أو نحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
فإذا طلبت ذلك مما ذكر في أيام البرزخ، كان من أقسام الشرك؛ إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح على ذلك.
بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه رسول الله ﷺ " اهـ ما أردنا نقله من تلك الرسالة.
وقد اتضح لك أيها القارئ أن الشيخ وأتباعه في الأصول على مذهب السلف الصالح، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد، وقد يخالفون المذهب للدليل، كما هو إجماع أهل العلم.
وأنه لم يبتدع ولم يقل إلا وحّدوا ربكم، وتمسكوا بسنة نبيكم، ودعوا المحدثات، ولا يغرّنكم كثرة السالكين المسلك المخالف لمسلك الرسول وأصحابه.
كما اتضح لك كذب ما نُسِبَ إليهم من تلك المفتريات التي ذكرناها فيما سلف، وذكر كثيراً منها الشيخ: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.
стр. 57
فيقال للمخالفين وللمفترين: أرونا هذه المفتريات أو بعضها في شيء من مؤلفات الشيخ، أو من مؤلفات أبنائه، أو مؤلفات أئمة الدعوة؟.
ولا شك أنهم لا يستطيعون أن يثبتوا حرفاً واحداً في كتاب الشيخ وأتباعه.
وأما نحن، فنقول: هذه كتبهم، تُطبع وتُنشر، وقد بيّنا لكم معتقد الشيخ وما دعا إليه.
فإن كنتم في شك، فاقرأوا شيئاً من كتبه أو كتب أبنائه وأحفاده؛ لتطلعوا على الحقيقة، وتعرفوا كذب أولئك الأفّاكين، الذين اغتر بهم الأكثرون، وحسبوهم علماء محققين، ولا يقولون إلا الحق والصواب، والحال قد بان أنهم: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ الآية.
وأزيدك بياناً وإيضاحاً بأن أنقل لك من "تاريخ نجد" لمحمود شكري الألوسي ﵀ مناظرة ذكرها في تاريخه، جرت بين عراقي وهو "داود بن جرجيس البغدادي" وعالم نجدي، وهو الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، مؤلف "منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس".
وإنما أنقل بعضها لك، لما تضمنت هذه المناظرة من الفوائد النافعة، والمسائل القيمة، والجواب عن بعض ما اشتبه على بعض الناس، وكشف ما أشكل. وها أنا ألخص منها ما يمسّ بموضوعنا.
قال العراقي:
لِمَ تكفّرون يا أهل نجد المسلمين وعباد الله الصالحين، وتعتقدون ضلالهم، وتبيحون قتالهم، واستبحتم الحرمين الشريفين، وجعلتموهما دار حرب، واستحللتم دماء أهلهما وأموالهم، وجعلتم دار مسيلمة الكذاب هي دار الهجرة، ودار الإيمان، مع ما ورد فيها من الحديث أنها مواضع الزلازل
стр. 58
والفتن، لما طلب أهل نجد الدعاء لأرضهم.
والتكفير أمر خطير، حتى إن أهل العلم ذكروا أنه لو أفتى مائة عالم إلا واحداً بكلمة كفر صريحة مجمع عليها، وقال عالم واحد بخلاف أولئك؛ يُحكم بقول الواحد، ويُترك قول غيره، حقناً للدماء.
فلم لا تتبصرون في أمور دينكم، ولا تراقبون وقوفكم بين يدي بارئكم، وتركتم الناس سالمين من ألسنتكم وأيديكم؟.
قال العالم النجدي المجيب:
"أيها العراقي: ليس الأمر كما علمت أنت وأمثالك، بل أنتم في لبس مما نحن عليه، وعسى أن يزول ذلك عنكم إذا صادف ما أكتبه لكم قلوباً سالمة من داء الغباوة، فأقول:
أركان الإسلام خمسة: أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة.
فالأربعة، إذا أقر بها أحد وتركها تهاوناً فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفّره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود. ولا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان.
وأيضاً نكفّره بعد التعريف إذا عرف وأنكر، فنقول:
أعداؤنا معنا على أنواع:
النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله ﷺ ، أظهره للناس، وأقر أيضاً أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر الذي هو دين غالب الناس أنه الشرك بالله، الذي بعث الله رسوله ﷺ ينهي عنه، ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك؛ فهذا كافر، نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف دين الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.
стр. 59
النوع الثاني: من عرف ذلك كله، ولكنه تبين في سب دين الرسول مع إدعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد غير الله وغالى في أوليائه، ففضلهم على من وحّد الله وترك الشرك؛ فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، وهو ممن قال الله فيه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ .
النوع الثالث: من عرف التوحيد واتّبعه، وعرف الشرك وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضاً كافر. وفيه قول الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ .
النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده مصرحون بعداوة التوحيد واتباع أهل الشرك، وساعون في قتالهم، ويتعذر عليه ترك وطنه، ويشق عليه، فيقاتلهم أهل التوحيد، ويجاهدهم بماله ونفسه. فهذا أيضاً كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان، ولا يمكنه ترك الصيام إلا بفراقهم؛ فعل. ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ترك ذلك، إلا بمخالفتهم؛ فعل. وموافقته على الجهاد معهم بنفسه زماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله؛ أكبر من ذلك بكثير، فهذا أيضاً كافر، وهو ممن قال الله فيه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ . هؤلاء الذين نكفّرهم، لا غير.
وأما القول: بأنا نكفّر الناس عموماً، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفّر من لم يكفر ولم يقاتل. ومثل هذا وأضعاف أضعافه؛ فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا لا نكفّر من عبد القبور من العوام لأجل جهلهم، وعدم من
стр. 60
ينبههم١، فكيف نكفر من لم يشرك بالله، إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل؟، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ .
فقد ذكرنا لك - أيها السائل - ما يكشف عنك غطاءك، لو كان لك بصر ثاقب وفكر سديد، وفطنة كافية، تأخذ بيدك من أوهام الحيرة، وظلمات الوساوس، والله ولي التوفيق.
وأما ما ذكره السائل من استباحة الحرمين الشريفين: فاعلم أيها السائل الفاضل، أن هذا من الكذب والبهت البين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ، لم يقع فيهما قتال بحمد الله، فضلاً عن الاستباحة.
وإنما دخلهما المسلمون في حالة أمن، وصلح، وانقياد من شريف مكة، ورؤساء المدينة.
وجلس المشايخ منا في الحرمين الشريفين للتعليم والتدريس، وكتبت الرسائل في بيان التوحيد والتنزيه والتقديس، حتى جاءت العساكر: ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ .
وأما الأموال التي أخذت من الحجرة الشريفة، فلم تؤخذ ولم تصرف، إلا بفتاوى أهل العلم من سكان المدينة، ووضع خطوطهم بذلك.
وحاصل ما كتب: أن هذه الأموال وضعت توسعة لأهل المدينة، وصدقة على جيران رسول الله، وأُرصِدَت لحاجتهم، وأُعِدَّت لفاقتهم، ولا حاجة لرسول الله إليها، وإلى اكتنازها وادخارها في حال حياته، فضلاً عن حال مماته. وقد تقطعت أسباب أهل المدينة ومرتباتهم بمنع الحاج في تلك السنة، وأخرجت تلك الأموال لما وصفنا من الحال، باطلاع وكيل الحرم وغيره من أعيان المدينة وغيرها.
стр. 61
وما وقع من خيانة وغلول، لا تجوز نسبته إلى أهل العلم والدين، أو أنهم راضون، أو غير منكرين له.
ولا يجوز أن يسمي ما وقع، استباحة للحرمين، كما ذكرت أيها السائل.
وقد وقع من تعظيم الحرمين وكسوة الكعبة الشريفة، وتأمين السبل، والحج إلى بيت الله، وزيارة الحرم الشريف النبوي، مالا يخفى على منصف عرف الحال، ولم يقصد البهت والضلال.
وأما الاستدلال على صلاح أهلها بشرف تلك البقعة، فهو استدلال من عزبت عنه أدلة الشرع وقواعده، وغابت عنه عهود الكتاب العزيز ومواعده، وصار من جملة الغوغاء والعامة.
ولا حاجة لنا إلى تعداد من كفر بآيات الله، وصادم رسله، ورد حججه من أهل الحرمين، ولا إلى تعداد من في بلاد الحبشة والهند، وبلاد الفراعنة كمصر، وبلاد الصابئة كـ"حران"، وبلاد الفرس المجوسية من أهل العلم والفقه والأمامة والدين.
وفضل الحرمين لا يشك فيه من له أدنى إلمام بما جاءت به الرسل الكرام، ولكن ليس فيه حجة على تحسين حال أهلها مطلقاً، وقد قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء لما دعاه إلى الأرض المقدسة، ورغبّه فيها: "إن الأرض لا تقدّس أحداً"، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وهي: مصر والشام.
فإن كان في شرف البقاع حجة ودليل على صلاح أهلها، فليكن هنا، وبنو إسرائيل في الأرض المقدسة، وسكان (إيليا) والمسجد الأقصى، وقد جرى منهم من الكفر والتكذيب، وقتل الأنبياء ما لا يخفى على من آنس شيئاً من أنوار النبوة والرسالة.
ثم استدلال أهل اليمن على حسن حالهم مطلقاً، بحديث: "الإيمان يمان، والحكمة يمانية"، وحديث: "أتاكم أهل اليمن، أرق قلوباً، وألين أفئدة" أظهر
стр. 62
من الاستدلال بشرف البقاع على عدم ضلال أهلها، لأن حديث: "الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" يصدق ولو على البعض، والأول أدل١ على العموم، ولو احتج الأسود العنسي وأمثاله على حسن حالهم بما تقدم لكان جوابه جواباً لنا، فقد قال الله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ .
إيضاح المراد بمواضع الزلازل والفتن:
أيها السائل، إنك لمحت إلى أن المراد من مواضع الزلازل والفتن هي أرض نجد، وبلادها واتخذت ذلك سهماً رميت به من سكن هذه الخطة، ونحن نعذرك في ذلك، حيث لم تقف على معنى الحديث، وبعد بيانه، نرجو من لطف الله تعالى أن تذعن أنت وأضرابك للحق، إن كنت من أهل الفهم والإنصاف.
أما الحديث فهو قوله ﷺ في الدعاء: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله؟، فكرر ثلاث مرات يدعو للشام واليمن، وهم يقولون: وفي نجدنا؟، فقال في الرابعة: "تلك مواضع الزلازل والفتن"، وقد استجيبت دعوته ﷺ ، وحصل من البركات بسبب هذه الدعوات في الشام واليمن، ما هو معروف ومشهور، وهل دوّنت الدواوين، ووضع العطاء، وجندت الجنود، وارتفعت الرايات والبنود، إلا بعد إسلام أهل اليمن وأهل الشام، وصرف أموالهما في سبيل الله.
ولكن لا يحتج به على صلاح دين أهلهما، إلا من غربت عنه الحقائق، وعدم الفهم لأصول الدين، فضلاً عن الفروع والدقائق.
وقد تقدم قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ ، وجمهور أهل نجد، كـ"تميم" و"أسد" و"طي" و"هوزان" و"غطفان" و"بني ذهل" و"بني شيبان"؛ صار لهم في الجهاد
стр. 63
في سبيل الله، والمقام بالثغور، والمناقب والمآثر، لاسيما في جهاد الفرس والروم؛ ما لا يخفى على من له أدنى إلمام بشيء من العلوم، ولا ينكر فضائلهم، إلا من لم يعرف جهادهم وبلاءهم في تلك المواطن، ولا يشك عاقل أنهم أفضل من أهل الأمصار، قبل استيطان الصحابة، وأهل العلم والإيمان.
وأما بعد ذلك، فالفضل والتفضيل، باعتبار الساكن، يختلف وينتقل مع العلم والدين.
فأفضل البلاد والقرى في كل وقت وزمان: أكثرها علماً، وأعرفها بالسنن والآثار النبوية.
وشر البلاد: أقلها علماً، وأكثرها جهلاً وبدعة وشركاً، وأقلها تمسكاً بآثار النبوة، وما كان عليه السلف الصالح.
فالفضل والتفضيل، يعتبر بهذا في الأشخاص والسكان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ، وكما أن الحسنات تضاعف في البلد الحرام، فكذلك السيئات تضاعف، لعظم حرمته وفضيلته١.
وقد جاء في فضل بعض أهل نجد كـ"تميم" ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: أحب تميماً لثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ : قوله لما جاءت صدقاتهم: "هذه صدقات قومي "، وقوله في الجارية التميمية: "أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل"، وقوله: "هم أشد أمتي على الدجال". هذا في المناقب الخاصة. أما العامة للعرب، فلا شك في عمومها لأهل نجد، لأنهم من صميم العرب.
стр. 64
وما ورد في تفضيل القبائل والشعوب أدل وأصرح في الفضيلة مما ورد في البقاع والأماكن للدلالة على فضل الساكن والقاطن.
ومعلوم أن رؤساء عباد القبور والداعين إلى دعائها وعبادتها لهم حظوا فيما يأتي به الدجال.
وقد تصدّى رجال من تميم وأهل نجد للرد على دجاجلة عباد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله تعالى، وهذا من أعلام نبوته إن قلنا (أل) في الدجال للجنس لا لعهد، وإن قلنا: إنها للعهد كما هو الظاهر، فالرد على جنس الدجال توطئة وتمهيد لجهاده، ورد باطله. فتأمّله فإنه نفيس جداً.
وليت غيرك أيها السائل تكلم بهذا الكلام فإن بلادك أعني العراق معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية:
فأهل "حروراء" وما جرى منهم على أهل الإسلام، لا يخفى.
وفتنة "الجهمية" الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق.
و"المعتزلة" وما قالوه في الحسن البصري، وتواتر النقل به، واشتهر من أصولهم الخمسة، التي خالفوا بها أهل السنة.
ومبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية، غاية يسقط بها الأمر والنهي، إنما نبغوا وظهروا بالبصرة١.
ثم "الرافضة" و"الشيعة" وما حصل منهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في علي والأئمة، ومسبّة أكابر أصحاب الرسول ﷺ ، كل هذا معروف مستفيض عن أهل بلادك، أفلا يستحي أهل هذه العظائم من عيب أهل الإسلام ولمزهم بوجود مسيلمة في بلادهم.
стр. 65
أما سمعت ما رواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "دخل إبليس العراق، فقضى فيها حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرّخ وبسط عبقريته". والعراق قبل الإسلام، هي محل المجوس، وعباد النيران والبقر.
فإن قيل: طهرت بالفتح والإسلام.
قلنا: فما بال اليمامة لا تظهر بما أظهر الله فيها من الإسلام، وشعائره العظام، وجهاد أعداء الله ورسوله ﵊.
هذا كله أيها السائل لو سلّمنا أن المراد بنجد في الحديث هي القطعة الشهيرة، مع أن الأمر ليس كما فهمت أنت وأضرابك، بل المراد بنجد في هذا الحديث وأمثاله هو "العراق"، لأنه يحاذي المدينة جهة الشرق. يوضحه أن في بعض طرق هذا الحديث وأشار إلى "العراق".
قال الخطابي: " (نجد) من جهة الشرق ومن كان بالمدينة، كان نجده بادية العراق ونواحيها، فهي مشرق أهل المدينة. وأصل "نجد" ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها".
وقال الداوودي: "إن نجداً من ناحية العراق، ذكر هذا الحافظ ابن حجر".
ويشهد له ما في مسلم عن ابن غزوان: سمعت سالم بن عبد الله، سمعت ابن عمر يقول: "يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة!، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة من ههنا" وأومأ بيده إلى المشرق".
فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق، لأن النبي ﷺ فسّر المراد بالإشارة الحسية. وقد جاء صرياً في الكبير للطبراني، النص على أنها "العراق".
стр. 66
وقول ابن عمر وأهل اللغة، وشهادة الحال، كل هذا يعيّن المراد١.
وأما قولك أيها السائل: لو أفتى مائة عالم إلا واحداً بكلمة كفر صريحة مجمع عليها، وقال عالم بخلاف أولئك يحكم بقول الواحد ... إلخ.
فمما يستوجب الأسف عليك، حيث كنت بهذه المنزلة من معرفة دينك، أما علمت أن المحتج به في العقائد والأعمال إنما هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فهذا الدليل من أي واحد من الأربعة.
ومن عرف ما في الدعوى من العموم والإجماع، على خرق الإجماع، حمد الله على السلامة من داء الجهل. ثم هذا العدد المخصوص أهو غاية وحد، لا يجوز أن يتجاوزه أحد؟، أو هو مبالغة وتهور لا يبالي به عند التحقيق والتصور. قوم٢ هذا حاصل بحثهم ونهاية إقدامهم.
وأما قوله ﷺ : "ادرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" فهو ليس مما نحن فيه، فإن الخلاف ليس من الشبهة، ولا يلتفت إليه إذا خالف الكتاب والسنة والإجماع.
هذا باتفاق المسلمين، لا يشكل إلا على الأغبياء.
وإطلاق القول بأن الخلاف شبهة، يعود على الإسلام بالهد والهدم، والتسجيل على عامة العلماء بالعيب والذم، فقل حكم من الأحكام الاجتهادية، إلا وفيه خلاف.
ومن المعلوم أنه جاء الخبر النبوي: أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وتختلف في دينها. والعلماء مجمعون على القول بهذا، وأنه لا يلتفت إلى
стр. 67
كل خلاف، لا سيما ما خالف النصوص والإجماع، وأفتوا بهذا في مسائل لا تحصى في أصول الدين وفروعه.
فلو كان وجود الخلاف من الشبه، لحكما بضلالتهم في ذلك كله، وهم مجمعون على عكس ما قال السائل. ولو أفتى ألوف بما يخالف النصوص فهم في جانب النص والحجة، ولو مع واحد من الألوف.
قال الفضيل بن عياض: "لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين".
وأحسن منه وأدلّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، فبطل الاحتجاج بالكثرة في الأصول والفروع، وما أحسن ما قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له من حظ من النظر
قال السائل:
يا أهل نجد، ألم تعلموا أن من كفر المسلمين، هو في جملة المارقين؟، فما بالكم، اقتديتم بالخوارج، وسلكتم تلك المسالك والمناهج، ووافقتم مذهبهم الباطل، واعتقادهم العاطل، حيث قال أولئك: "لا حكم إلا لله"، وقلتم: "لا يعبد إلا الله"، وكل من الكلمتين معنى أريد بهما باطل، وتضليل الأمة المحمدية.
قال المجيب:
أيها السائل، لو عرفت حقيقة الحال؛ لما صدر منك هذا المقال، فأين أهل الإسلام والتوحيد الذين يكفّرون من عبد الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله، من الخوارج الذين يكفرون أهل القبلة والإيمان؟. وكأن عبدة القبور عندك هل سنة وجماعة!. ليس الأمر كما ظننت. ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ . ما أردنا نقله انتهى"
ثم ذكر الشيخ حقيقة مذهب الخوارج، ومبدأ أمرهم، وبيان ما عليه عباد القبور، وبيان حال الشيخ محمد ﵀ ومذهبه ومعتقده، إلى آخر ما ذكره.
стр. 68
المشابهة بين عصر الرسول ﷺ ودعوته وبين عصر الشيخ محمد ودعوته:
ليس القصد أن نجعل الشيخ محمد بن عبد الوهاب كالرسول ﷺ ، لأن الرسول قد فضّله الله على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعله خاتمهم، وليست درجته كدرجة غيره.
وأما الشيخ محمد، فعالم مصلح، مجدد لما اندرس من دين الرسول ﷺ .
وإلى القارئ وجه الشبه بين العصرين في بعض الأمور التي جرت للرسول الأكرم وللشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
١- عصر الرسول كان عصراً قد بلغ من فساد العقائد والعادات والأخلاق مبلغاً عظيماً.
فالأصنام كانت تُعبد من دون الله في المسجد الحرام عند الكعبة وغيرها.
وكانت العرب قد انحطّت إلى أسفل الدركات من الوثنية الممقوتة والعادات السافلة الرذيلة، من: شرب الخمور، والبغاء، ووأد البنات، وتحكم الأقوياء في الضعفاء.
وقصارى ما يقال في هذا العصر: أنه عصر انتحار الفضائل الإنسانية الكبرى، والمعاني السامية العليا.
وكان عصر الشيخ ابن عبد الوهاب شبيهاً بذلك العصر، بما كانوا فيه من جاهلية مطلقة، كما كانوا غارقين في أودية الجهالة والرذيلة والوثنية المسبوكة في قالب حب الصالحين.
وأوجز ما يقال فيه: أنه عصر انتحار الفضائل الإنسانية والمعاني الرفيعة، يضاف إليه محو الدين، والخضوع لسلطان الخرافات والبدع.
٢- بعث الله محمداً ﷺ بعد فترة من الرسل، وكانت الإنسانية بما أصابها في مقاتلها تنتظر وتتعطش إلى هذه البعثة الكريمة، لعلها تهتدي بعد الضلال البعيد، وتنتقل من فوضى الأخلاق والطباع إلى نظام وطمأنينة وراحة.
стр. 69
وجاء الشيخ في وقت كانت جزيرة العرب في أمسّ الحاجة إلى مصلح بعالجها من أمراضها القاتلة، ويرجع بها إلى تعاليم الرسول ﷺ ، وينقذها مما وقعت فيه، ويأخذ بيدها من تلك الهوة السحيقة التي ارتطمت فيها، لكي تسير في سبيل مستقيم، حيث تصفو العقائد، وتشفى العقول، حيث النور المنبثق من القرآن والسنة يملآن الرحاب والبقاع.
٣- كما وفق نبينا في الدعوة إلى الله وتوحيده، ونبذ الشرك وتهجينه.
وفّق محمد بن عبد الوهاب في تجديد دعوة الرسول ﷺ ، والسير على منهاجه، ونشر ما أتى عنه، نقياً خالصاً من كل شائبة وباطل.
٤- لم يطلب المقام للرسول ﷺ بمكة التي ولد فيها بإيذاء قريش له، وتسلطهم عليه بالسوء والأذى، حتى أجمعوا أخيراً على قتله، فهاجر إلى المدينة مع صديقه، ووجد من الأنصار عوناً وحباً، ثم تبعه صحابته فانتقلوا إليها مستخفين، خشية من الأذى والفتك، وفراراً بالدين والعقيدة.
وكذلك الشيخ، قد تآمر عليه مماليك بلده الذي ولد فيه على قتله١، وتسوروا عليه الجدار، ولقي من أهله الأذى والتنكيل، مما جعل الإقامة به أمراً مستحيلاً، ففر بدينه وعقيدته إلى الدرعية، ولقي فيها محببين كانوا عوناً له.
هنالك استطاع أن يهنأ بالعبادة والدين، وانتقل مريدوه وأتباعه إليها هرباً بمعتقداتهم وأرواحهم.
٥- كما حدث للرسول ﷺ في طريقه للمدينة وهو مهاجر، أن تبعه سراقة بن مالك، طمعاً في جعل قريش.
стр. 70
ولما أدرك النبي وأبا بكر، ساخت قوائم فرسه في الأرض، فإذا هو في وثاق، لا يستطيع منه فكاكاً، حتى يستنجد بالرسول فينطلق.
كذلك قد جرى للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقد وكل به أمير العيينة عثمان بن معمر عندما أمر بمغادرة الشيخ البلاد فارساً والشيخ كان راجلاً، كافي القدم، حاسر الرأس، إلا من مروحة يتقي بها لظى القفر. حتى إذا رام أن يقتله، واستل سيفه، إذا بيده القوية تتهالك، فيسقط منها.
٦- وكان ابن عبد الوهاب يعرض نفسه على القبائل والبطون، فمن ناصرة ومجيرة، إلى خاذلة وصادفة عنه، إلى قبائل لا تتورع عن إيذائه والكيد له، كما كان يكيد له الكراء والزعماء، فلا تلين له قناة.
كما كان الرسول ﷺ يعرض نفسه على القبائل، ويستقبلها في المواسم والأسواق، فينصره بعضها، ويخذله بعضها، ويهزأ به بعضها، ويناله بعضها بما يكره، ولكنه صابر يقول في ابتسامته الحلوة الرائعة: "اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون".
٧- ومثل ما اعترض حياة الرسول الكريم الخطر والهلاك، اعترضت حياة تابعه المخلص، الويلات والكوارث.
فكان يستدبر كارثة ليستقبل أخرى بنفس مطمئنة، وقلب مفعم بالإيمان.
٨- وكما كان الرسول يغزو بنفسه، ويزج بها في المعارك والميدان، وإذا احتدم القتال يقوي قلوب صحابته الكرام، ويعززهم ويذكرهم، ويدعو الله لهم.
كان التابع المتبوع الإمام محمد بن عبد الوهاب، يغزو بنفسه مع محمد بن سعود، ولا يبخل بالرأي السديد، وكان من أبرز رجال القيادة العليا، حتى إذا اختلف في الرأي بينه وبين غيره؛ قدم رأيه، لأنه يسير بهدي الله ونوره.
стр. 71
٩- وكان محمد ﵊ يرسل الرسل للملوك، يدعوهم إلى الهدى ودين التوحيد، ويرسل السرايا للغزو، إن أعلنوا الحرب على الدعوة.
وكان ابن عبد الوهاب يفعل ذلك أيضاً، متبعاً سنة رسولنا ﵊.
١٠- وكما ابتلى الرسول بأعداء أقوياء، لدد في الخصومة، ينفسون عليه، ويتهمونه بالسحر والكذب، حتى إن أقرب ذوي قرباه كانوا في حيرة من أمره، وحتى إن عمه أبا لهب كان لا يرضى عنه، وخاصمه وسفه حلمه، ولم يأل جهداً في تأليب الناس عليه.
ابتلى ابن عبد الوهاب أيضاً بخصوم أشداء، نصبوا له الحبائل، ورشقوه بالسهام، ولكنها كانت تطيش وكان ينجو، بفضل الله، حتى أخوه سليمان، ونقد آرائه ودعوته وطريقته نقداً لاذعاً١.
١١- وكما انتصر الرسول على أعدائه، وخضعوا له، وأصبحوا من خيرة أنصاره، كعمر، وخالد، وعمرو بن العاص.
فكذلك انتصر تابعه المخلص الأواه على مناوئيه، وأتوا إليه معتذرين، فإذا به يعفو كرماً، ويرتاح إليهم، ويصفح عنهم. وإذا بهم يعودون إخوة وأنصاراً مخلصين٢.
стр. 72
أثر الدعوة في البلاد النجدية:
١- قضت هذه الدعوة المباركة قضاءً تاماً على ما كان شائعاً في "نجد" من الخرافات، وما كان شائعاً من تعظيم القبور والنذر لها، والاعتقاد في بعض الأشجار، وأحيت معالم الشريعة بعد اندثارها.
٢- إن أهل نجد قد رجعوا إلى التوحيد الخالص من شوائب الشرك والوثنية، كما رجعوا إلى الكتاب والسنة المطهرة، وحكموها في جليل الأمور وحقيرها.
٣- كانوا متفرقين، لا تجمعهم رابطة، ولا يجمعهم حكم شرعي، ولا قانوني، بل كانوا مختلفين ومتفرقين، في المشارب والنهزعات.
فوحّدت هذه الدعوة كلمتهم، وجمعت شملهم، وجعلتهم تحت راية واحدة وأخضعتهم لسلطان واحد، يسوسهم بكتاب الله المجيد، وسنة رسوله.
٤- كانوا في نهاية من الجهل والغباوة، إلى حد أن اعتقدوا في الأشجار والغيرام.
فنشرت الدعوة فيهم علوم الشريعة المطهرة، وآلاتها من: التفسير، والحديث، والتوحيد، والفقه، والسير، والتواريخ، والنحو، وما إلى ذلك من العلوم.
وأصبحت الدرعية كعبة العلوم والمعارف، يفد إليها طلاب العلوم من سائر النواحي من أرجاء نجد، واليمن، والحجاز، والخليج العربي، وانتشر العلم في جميع الطبقات، حتى قال المؤرخون: أصبح الراعي يرعى المواشي في الفيافي، ولوح التعليم في عنقه.
حتى من قوة انتشار العلم وسريانه ظهر العلماء الراسخون، وألّفوا الكتب القيمة في مختلف العلوم، بعد ذلك الجهل العظيم الذي خيّم على أرجاء نجد، وتركها تتخبط في دياجير الظلمات والأوهام.
стр. 73
٥- انتشر الأمن في جميع أرجاء نجد، حتى كان الماشي والراكب يمشي المسافات الطويلة، ذات اليالي والأيام، لا يخاف إلا الله، ولو كان عنده من الأموال ما تنوء بحملها عصبة من الرجال.
٦- لم تكن نجد معروفة لدى الأمم، وكانت حقيرة، وليس لها حساب، ولا ميزان، ولا قيمة، ولم يكن لها ملِك ولا حاكم معروف، ما عدا بعض الأمراء الصغار الذين كانوا يحكمون قرية أو قريتين؛ فأصبحت نجد ببركة هذه الدعوة مملكة موحّدة، طار صيتها في الآفاق، ووضعت في صف الأمم.
وكانت الدولة إذ ذاك الدولة العثمانية، حسبت لها ألف حساب وحساب، وخافت على سلطتها وسيطرتها من هذه الدولة السعودية المباركة، حتى جرت الجيوش الجرارة لمحاربتها وإماتتها.
٧- إنه بقي من آثارها: هذه الدولة السعودية الحاضرة، الممتد سلطانها من الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، دولة الكتاب والسنة والتوحيد النقي.
دولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دولة نشرت العدل والأمن والسلام.
دولة عززت من مركز العلم، وقامت بنشره بين جميع أفراد الرعية، وكل من يفد إليها، فأسست المعاهد العلمية والكليات، والمدارس وأنفقت الأموال الطائلة للمدرسين والدارسين، سواء كانوا من الوطنيين، أو من غيرهم. دولة تمثل الصدر الأول والسلف الصالح في أحكامها، وهيمنتها على الأخلاق، وتحكيمها للكتاب والسنة.
دولة تسهر على مصالح الرعية، وتعمل لرفاهية الشعب، ومحاربة الفقر، ورفع مستوى المعيشة، كما تسهر على راحة الحجاج، وبذل جميع الوسائل لرفاهية الحجاج، وتذليل جميع العقبات أمامهم، وترغيبهم في العودة المرّة بعد المرة إلى حج بيت الله الحرام، وزيارة المسجد النبوي، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.
стр. 74
وبالجملة؛ فهي أحسن الدول العربية في تحكيم الشرع، ونشر الأمن والعدل والعلم، ومحاربة أهل البدع والضلال، والأخذ على أيدي السفهاء والعابثين بالأخلاق، والمنتهكين الحرمات.
أيدها الله، ووفقها للخير والنفع العام.
انتشارها في الخارج:
انتشرت دعوة الشيخ في خارج نجد من أجل استيلاء الدولة السعودية على مكة المكرمة سنة ١٢١٨هـ، وأصبح حجاج البلاد الإسلامية يفدون إلى مكة المكرمة، ويشاهدون علماء هذه الدعوة الحقة، ويستمعون خطبهم ومواعظهم، وإرشاداتهم السديدة، وتوجيهاتهم القيمة، كما شاهدوا سيرة الدولة السعودية إذ ذاك، وما هي عليه من الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر الأمن والعدل والإنصاف.
فتأثر بعض الحجاج بدعوة الشيخ، فأخذ ينشر في بلاده التوحيد، ويحارب الخرافات الشائعات في بلاده، كما قام بضد القبوريين والداعين إلى تقديس القبور وبناء القباب عليها.
فانتقلت هذه المبادئ الإصلاحية إلى السودان في إفريقيا، وسومطرة في آسيا والهند.
كما انتشرت في العراق والشام ومصر والجزائر وجاوة، وعمان، وفارس، وكان هدف رعاتها في كل مكان تحل به هو: محاربة الفساد، والقضاء على البدع والخرافات، وتصحيح العقيدة الدينية.
فقامت الثورات على يد دعاة الوهابيين ضد الوضاع السائدة في البلاد.
أما في السودان فقد كان الداعية هو الشيخ عثمان بن فودي، أحد أفراد قبيلة الفولا، وهي من قبائل رعاة السودانيين، فإنه بعد التقائه بعلماء الدعوة في موسم الحج، وبعد اعتناقه المبادئ التي دعا إليها الشيخ؛ عاد إلى بلاده، وأخذ يحارب البدع الشائعة بين عشيرته وقومه، ويعمل للقضاء على بقايا الوثنية وعبادة الأموات، التي كانت لا تزال مختلطة بالعقيدة الإسلامية في
стр. 75
نفوس السودانيين، وأخذ ينشر تعاليم الدين الإسلامي الصحيحة، ويذيع مبادئ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فاستطاع أن يجمع حوله قبيلته في وحدة متماسكة، مرتبطة برباط الدين المتين، بعد أن كانت منقسمة إلى عدة وحدات ضعيفة متخاذلة.
وبعد ذلك ابتدأ حروبه سنة ١٨٠٢م ضد قبائل الهوسا الوثنية، وقضى على مملكة غبر، التي كانت تقع على مجرى نهر النيجر.
وما مضت سنتان، حتى أقام عثمان مملكة (سوكوتو) في السودان على أساس من الدعوة الدينية الوهابية، ومدت رواقها على جميع الأقطار الواقعة بين (تمبكتو) وبحيرة (تشاد) ، وبقيت محافظة على استقلالها ووحدتها نحو قرن، حتى استطاع الاستعمار الأوربي، أن يقضي على ما كان لها من استقلال ووحدة. وكما غزت الدعوة الوهابية السودان، كذلك غزت الدعوة بعض المقاطعات الهندية بواسطة أحد الحجاج الهنود، وهو السيد أحمد.
وقد كان هذا الرجل من أمراء الهند، وذهب إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، بعد أن اعتنق الإسلام سنة ١٨١٦ م.
فلما التقى بالوهابيين في مكة اقتنع بصحة ما يدعون إليه، وأصبح من دعاة المذهب، الذين تملكهم الإيمان، وسيطرت عليهم العقيدة.
ولما عاد سنة ١٨٢٠م إلى وطنه في الهند بجهة البنغال، وجد ميداناً صالحاً للدعوة بين سكان المنطقة من الهنود المسلمين، الذين اختلطت عقائدهم وتقاليدهم الدينية بالكثير من عقائد الهندوس وعوائدهم.
فابتدأ الدعوة في مدينة (بتين) ، ودعا إخوانه المسلمين ليؤمنوا بمبادئ الإسلام الصحيحة، ويتركوا البدع والعقائد الهندوسية، التي كانت شائعة بنيهم.
وبعد مرحلة من الجهاد استطاع هؤلاء المسلمون الوهابيون أن يقيموا الدولة الإسلامية على أساس من المبادئ الوهابية، بجهة البنجاب، تحت حكم الداعية السيد أحمد.