← Общие книги

Общие книги · id 1138

اليسر والسماحة في الإسلام

فالح بن محمد الصغير

Полный текст (59 стр.). Показаны 36–59 · переход к 41.

стр. 36

أ - ففي البيع أجاز الإسلام للمتبايعين الخيار في عدد من المواضع كما إذا كانا في مجلس البيع، رفعا للحرج الذي قد يقع فيه أحدهما، لأنه ربما يحصل ضرر كبير إذا تم هذا العقد، يقول ﵊: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع» (١) . ب - ثم إن هذا الدِّين حرم الربا الذي فيه ظلم للناس واستغلال لظروفهم، وسبب في إفشاء الفقر والغنى الفاحشين، وسبب لزرع الأحقاد والضغائن بين أبناء المجتمع الواحد، فحرم الله الربا وأباح القرض الحسن، يقول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) . ويقول جل ثناؤه: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣) . ج - كما حرم هذا الدين احتكار الطعام والسلع واحتجازها في وقت تشتد حاجة الناس إليها، يقول ﵊: «لا يحتكر إلا خاطئ» (٤) . ويقول ﵊: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا على الله ﵎ أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة» (٥) .

стр. 37

د - التيسير على المدين المعسر: وهو مبدأ عظيم جاء به الإسلام، رحمة بحاله وتقديرًا لظروفه القاسية، وهو عنصر قوي من عناصر التكافل الاجتماعي بين أبناء الأمة، حيث يجعل من المجتمع وحدة متينة، قائمة على الحب والوئام، والتعاون والتراحم، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) . إن هذا المبدأ المبارك في التيسير على المدين المعسر يفتقده العالم المعاصر في ظل هذا التطور الحضاري الهائل، ومع وجود الجمعيات العالمية الكبرى التي تعنى بشؤون الإنسان وحرياته وحقوقه، وهو وصية الرسول ﵊ منذ أربعة عشر قرنًا لأصحابه وللأمة من بعدهم في قوله: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (٢) . ويقول ﵊ في قصة رجل من الأمم السابقة كان يتجاوز عن المعسرين: «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه» (٣) .

стр. 38

٥ - في العقوبات لقد تميزت الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع والقوانين في التشريع الجنائي ووضع العقوبات المناسبة لأفعال الناس التي تضر بالأنفس والأموال والأعراض وغيرها، حيث أضفت الشريعة على هذه العقوبات ألوانًا من السماحة واليسر، بحيث تتقبلها النفس الإنسانية في كل أحوالها بل تطالب بها إذا وقعت مثل تلك الأفعال، ويمكن أن نبين هذه السماحة والسعة من خلال بيان عقوبتين فقط، وهما: أ - عقوبة قتل النفس: إن قتل النفس بغير حق يعد من أكبر الجرائم وأعظمها عند الله تعالى، يقول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) . وقد جعل الله - تعالى - قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعًا، وإحياء نفس بمثابة إحياء لجميع الناس، يقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) . ويقول ﵊: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» (٣) .

стр. 39

فقتل النفس فعل شنيع وجريمة عظيمة، لا بد أن يكون له عقاب يتناسب مع هذا الجرم والفعل، فكان حكم الله القتل مقابل القتل، لقوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) . ويظهر يسر الإسلام وسماحته في تطبيق العقوبة على القاتل من خلال النقاط الآتية: - لا يؤخذ أحد بجريرة أحد، أي أنه لا يعاقب إلا القاتل نفسه، وليس لأهله وذويه وقبيلته شأن في فعله وتطبيق العقوبة عليه، بدون تعسف أو تعد، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية، حيث كانت تشب حروب وتنتهك أعراض، ويقتل بالرجل أكثر من الواحد، كلها بسبب جريمة قتل وقعت لأحد أفرادهم، لقوله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (٢) .

стр. 40

- إن من يسر الإسلام وسماحته أن جعل المجال مفتوحًا أمام ولي أمر المقتول وخيره بين إحدى ثلاث: القصاص أو الدية أو العفو، لقوله ﷺ : «من أصيب بدم أو خبل (الخبل الجراح) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه فإن فعل شيئا من ذلك ثم عدا بعد فقتل فله النار خالدا فيها مخلدا» (١) . - ومن يسر الإسلام أيضًا وسماحته قبل تطبيق هذه العقوبة أنه يغري أهل المقتول بما عند الله تعالى، إذا تجاوزوا عن القاتل وعفوا عنه، لقوله ﷺ : «ما عفا رجل إلا زاده الله به عزا ولا نقصت صدقة من مال ولا عفا رجل قط إلا زاده الله عزا» (٢) .

стр. 41

وكان هذا شأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، فقد روي أن رجلا من قريش كسر سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية فقال القرشي: إن هذا دق سني. قال معاوية: كلا إنا سنرضيه. قال فلما ألح عليه الأنصاري قال معاوية شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه بها خطيئة قال فقال الأنصاري: أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ . قال: نعم سمعته أذناي ووعاه قلبي يعني فعفا عنه (١) . - من سماحة الإسلام ويسره أنه اشترط في جواز تطبيق القصاص اتفاق أولياء الدم جميعا على هذا القصاص، فإذا وُجد من بينهم من عفا عن القاتل وإن كانت امرأة فإن الحكم يسقط، ويمنع القصاص. وكذلك إذا كان من بين أولياء الدم من لم يبلغ سن التمييز أو كان غائبًا، فإنه ينتظر بلوغه أو عودته من غيبته لأخذ رأيه، فإن عفا عن الجاني فإن الحكم يسقط، وقد يأخذ ذلك سنينًا وأعوامًا، وفي ذلك حكمة ربما ينسى هؤلاء الأولياء حنقهم على دمهم وتتخفف الوطأة عليهم، فيكون العفو حينها أقرب إلى القصاص.

стр. 42

ب - عقوبة الزنا: وجريمة الزنا من الجرائم الأخلاقية التي تفسد الأسر والمجتمعات وتضيع الأنساب وتفشي الضغائن والأحقاد، لذلك كانت هذه الجريمة من الكبائر التي توعد الله فاعلها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، لقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) . وعقوبة الزاني الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، وفي هذا يسر وسماحة، وذلك بتناسب العقوبة مع طبيعة الزاني نفسه، فالزاني الثيب أعظم جرمًا من الزاني غير المحصن، لذلك جاءت عقوبته أقسى وأشد وهي الرجم.

стр. 43

ومن يسر الإسلام وسماحته في إنفاذ العقوبة على الزاني أنه طلب شهادة أربعة أشخاص على الفاحشة، وهذا من باب التحري الزائد، وتجنبًا لتطبيق العقوبة، وحتى لا يقع الناس في أعراض غيرهم، ليس هذا فحسب وإنما حدد عقوبة للذي يقذف الآخرين ويتهمهم بالزنا من غير أن يحضروا أربعة أشخاص فحينها ينال عقوبة القذف، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) .

стр. 44

ومن أجل إقرار هذا المبدأ لدى الأمة كان الرسول ﷺ يحاول تجنب تطبيق حد الزاني، أو يوجد للمعترف بالزنا أعذارًا لعله يتراجع عن اعترافه، فقد «أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي ﷺ فقال: أبك جنون؟ . قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم فقال النبي ﷺ : اذهبوا به فارجموه. قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله. قال: فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه» (١) . وقد عمل الإسلام على تخفيف وقوع الزنا ومحاولة الستر على مرتكبها، وأن تتم التوبة بينه وبين الله تعالى، فالأمر يرجع إلى الله تعالى يوم القيامة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه.

стр. 45

رابعًا - القواعد الشرعية المستنبطة من النصوص الواردة في اليسر استنبط علماء الأصول من النصوص الواردة في سماحة الإسلام ويسره، بعض القواعد وجعلوها معالم لعلم الأصول، ونذكر منها قاعدتين أساسيتين، هما: ١ - "المشقة تجلب التيسير" (١) : ومعنى هذه القاعدة الأصولية أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله، فإن الشرع قد أجاز له عدم القيام بها. وتعتمد هذه القاعدة الشرعية على الأدلة الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﵊ التي سبقت الإشارة إليها خلال البحث (٢) ، من خلال بيان يسر الإسلام وسعته ورحمته بالعباد في العبادات والمعاملات وإتيان الرخص وغيرها. والمشقة التي تجيز فعل المحظور وتجلب التيسير تلك التي فوق طاقة البشر، فلا تتحملها النفس البشرية، وإذا أخذ بها الإنسان تعرض للأذى والضرر في أساسيات حياته من النفس والمال والعقل والعرض. وانبثقت عن هذه القاعدة الأصولية قواعد فرعية أخرى مثل: "إذا ضاق الأمر اتسع"، أو "إذا اتسع الأمر ضاق" (٣) وغيرهما. ٢ - "الضرورات تبيح المحظورات" (٤) :

стр. 46

والأصل الذي اعتمدت عليه هذه القاعدة الأصولية قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١) . ويلحق بهذه القاعدة قاعدة أخرى هي بمثابة ضابط وقيد لها، وهي: " الضرورات تقدر بقدرها " (٢) أي أن المباح من فعل المحظورات يكون قدر حاجة الإنسان بحيث ينتفي الضرر الذي يهدده، فلا يتجاوز هذا القدر، وإلا وقع في المعصية، كالمقبل على الهلاك من العطش فلا يجوز له أن يشرب الخمر فوق ما يكسر عطشه ويخلصه من الموت، فإن فعل ذلك فإنه آثم ويتحمل وزر شرب الخمر.

стр. 47

خامسًا - آثار الابتعاد عن منهج التيسير للابتعاد عن منهج التيسير آثار خطيرة على الفرد والمجتمع، ومنها: ١ - التكليف بما لا يطاق: إن أي تشدد زائد في تطبيق أحكام هذا الدين وتكاليفه، وأي تجاوز للخط الذي رسمه الله - تعالى - لعباده، سيعرض صاحبه للوقوع في الحرج والمعصية، وقد بيّن ذلك رسول الله ﵊ لأولئك النفر الذين حاولوا أن يكلفوا أنفسهم ما لا تطيق، يقول أنس بن مالك ﵁: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) .

стр. 48

إن طبيعة الإنسان وفطرته لا تتحمل المداومة على القيام بأعمال تناقض هذه الطبيعة والفطرة، فالنوم فطرة وغريزة لا بد للإنسان أن يشبعها، فالذي يقل نومه لا يستطيع القيام بأعماله العلمية والدعوية والمعيشية في النهار، وقد ذكر الله - تعالى - أنه راحة وسبات للإنسان في أكثر من موضع في كتابه العزيز: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (١) . وكذلك الزواج الذي به تدوم الحياة ويزداد النسل البشري، وهي سنة لا ينفك عنها الإنسان، والذي يريد أن يمتنع عن الزواج يناقض فطرته، ويسهم في تدمير الحياة، ويخالف شرع الله - تعالى - الذي أوجب مبدأ الزواج وحث عليه في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة النبوية. والأمر الثالث الذي أشار إليه الحديث الامتناع عن الأكل والصيام المستمر، فهذا أيضًا ثقل على النفس وعبء لا يتوافق مع فطرة الإنسان وغريزته التي تميل إلى الاستمتاع بطيبات الله التي أخرجها لعباده من هذه الأرض.

стр. 49

فمن أجل ترسيخ مبدأ اليسر والسماحة في تطبيق هذا الدين أسرع النبي ﷺ لإحضار هؤلاء النفر وبيان الخطأ الكبير الذي حاولوا أن يقعوا فيه، وأخبرهم بعد ذلك أنه ﵊ أخشاهم لله وأتقاهم له، ولكنه لا يفرط في شيء على حساب آخر، فينام ويصلي، ويتزوج النساء، ويصوم ويفطر، وهذا هو الاعتدال والسماحة والسعة التي جاء بها هذا الدين العظيم. ٢ - الفهم الخاطئ لهذا الدين: إن الذي يتجاهل منهج التيسير والمسامحة في الإسلام يولد لديه قصور في فهم هذا الدين، لأنه لم يفهم هذا الدين كما أراده الله - تعالى - لعباده، وكما بيّنه لهم رسوله ﷺ ، وهذا الفهم الخاطئ مع مرور الزمن يمتد ليغوص في مجمل أمور الدين ومجالاته، فلا يتوقف عند بعض العبادات أو أحكام معينة وإنما يتغلغل إلى الداخل حتى يتولد لدى صاحبه تصورات وأفكار بعيدة عن روح هذا الدين، ويدعو الناس إليها، ويحسب أنه يحسن صنعًا.

стр. 50

وهذه كانت حال الكثيرين ممن زهدوا في الدنيا فهجروا الطيبات، وامتنعوا عن الزواج وتركوا الأموال والأولاد، بقصد التفرغ للعبادة والدعوة، فأدخلهم ذلك في ضلالات الشرك وترهات التصوف، وأدخلوا في الدين ما ليس منه من الطقوس والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان. وما ذلك كله إلا بسبب تشددهم وتنطعهم الذي أدى إلى فهم خاطئ لهذا الدين وعدم إدراك منهج اليسر والسماحة فيه. ٣ - الأثر السلبي على الدعوة إلى الله: تميل النفس البشرية دائمًا إلى السماحة والسعة في كل شيء، وتضيق ذرعًا بالمشقة والعنت في كل شيء أيضًا، كما تميل هذه النفس إلى أولئك الناس الذين ينتهجون السماحة في حياتهم وتتعلق بهم أكثر من الذين ينتهجون خلاف ذلك.

стр. 51

ومعلوم أن من أهم عوامل نجاح الدعوة إلى الله - تعالى - أن يألف الناس الداعية ويحبوه، وذلك من خلال فهمه لدين الله - تعالى - وطريقته لنقل هذا الدين بالصورة التي أرادها الله - تعالى - ورسوله ﵊، وهو أمر ضروري في الدعوة، فإن كان الداعية ممن ينتهجون السماحة والسعة في تبليغ الإسلام ومبادئه، ولا يحمل الناس فوق طاقاتهم كما كان يفعل الرسول ﵊، فإنه على خير ودعوته تسير نحو النجاح والتوفيق، وأما إذا شدد على الناس وكلفهم بما لا يطيقون، كأن ينكر عليهم كل شيء ولو كان مباحًا، ويحرم عليهم ما لم يحرمه الله ورسوله ﷺ ، فإن هذا الداعية إنما ينفخ في الهواء ويسير نحو الفشل المؤكد، لأنه بذلك خالف الشرع وطبائع البشر، وتجاهل فطرهم ورغباتهم وحاجاتهم، وتقول أم المؤمنين عائشة ﵂ بكل وضوح: «ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه» (١) .

стр. 52

فالتشدد الذي في غير موضع التشدد ينفّر الناس من الدين، ويجعلهم يسلكون مناهج أخرى في الحياة غير منهج الله، وهذه هي طبيعة البشر، تريد اليسر والسعة والسماحة ولا تطيق غيرها. يقول أبو هريرة ﵁: «بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال النبي ﷺ : دعوه وهريقوا على بوله سَجْلا من ماء أو ذَنوبًا من ماء، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين» (١) .

стр. 53

فلينظر الدعاة الذين يخالطون الناس ويعلمونهم أمور دينهم إلى هذا الموقف العظيم للنبي ﷺ ، وهو القدوة والأسوة لنا إلى يوم الدين، ليعلموا مدى الفسحة والسعة التي جعلها الله في دينه، والحكمة في دعوة الناس إليه، فهذا الأعرابي قادم من البادية لا يعرف للمسجد حرمة ولا قداسة ويظنه كسائر الأمكنة، فأراد أن يقضي حاجته فيه، فقام عليه الصحابة ليضربوه وينهروه على هذه الفعلة، فأوقفهم رسول الرحمة ﵊ وجعله يكمل تبوله، ثم أمرهم أن يريقوا على بوله دلوًا من الماء لتطهير المكان، ثم أخذ الأعرابي برفق ولين، وعلّمه أن هذه الأماكن بيوت الله أقيمت للذكر والصلاة ولا يجوز إحداث النجاسات فيها، فحينها أحس الأعرابي بخطئه وندم على فعلته، وأحب رسول الله ﷺ لحكمته ولطفه معه، مقابل سلوك الصحابة معه ومحاولتهم ضربه وتأديبه، فلم يسعه إلا أن يقول: «اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله» (١) .

стр. 54

ومن أجل ذلك أوصى النبي ﷺ معاذًا وأبا موسى ﵄ باليسر عندما بعثهما إلى اليمن فقال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا» (١) . وهو القائل ﵊: «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٢) . ٤ - ومن الآثار الخطيرة: القول على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ ما لم يقل، وتحميل الشرع ما لا يحتمل وفي هذا جناية أيما جناية، جعلت النبي ﷺ يقول: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٣) ، ومن ثمَّ يوصف الدين بما ليس فيه.

стр. 55

خلاصة البحث من خلال هذا السرد الموجز عن سماحة الإسلام ويسره في تطبيق الأحكام والقيام بالعبادات وغيرها، نخلص إلى بعض النتائج والوصايا التي نجملها فيما يأتي: ١ - أن مبدأ اليسر والسماحة ثابت في هذا الدين، وهو مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية، لا ينكره إلا الجاهلون بأحكام الإسلام وحقيقة رسالته، وهو مبدأ مأخوذ من النصوص الكثيرة الواردة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وآثار الصحابة والتابعين ﵃. ٢ - وسطية هذا الدين في كل جوانبه، في العقيدة والعبادة والمعاملة والسلوك وغيرها، وهو امتثال لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) .

стр. 56

٣ - الابتعاد عن هذا المنهج يورث آثارًا سلبية وأضرارًا خطيرة على عمل الإنسان وسلوكه في دينه ودنياه، وربما يخرجه عن الصراط السوي إلى السبل المتفرقة، والأفكار المنحرفة، فتفتح أبواب البدع والمحدثات على هذا الدين، ثم إن هذا الابتعاد عن منهج اليسر يؤثر تأثيرًا خطيرًا في حركة الدعوة إلى الله تعالى، ولا سيما بين أولئك الناس الذين يكونون حديثي عهد بهذا الدين. ٤ - وأخيرًا إن تقرير مبدأ المسامحة والتيسير في الدين لا يعني: - الإخلال بمقاصد الشريعة والدين، فلا يفهم من مبدأ التيسير أنه تفريط أو تسيب في تطبيق أحكام هذا الدين وتنفيذ أوامره، لأن هذا اليسر لا يكون في إثم أو معصية كما روت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث سابق: «ما خُيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه» (١) . فيجب ملاحظة ذلك والحذر منه.

стр. 57

- ولا يعني هذا المبدأ تجاوز الحلال والحرام أو الإخلال بالمفاهيم الإسلامية والآداب العامة، لأنه مبني أصلا على النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الواضحة، فليس في تقرير هذا المبدأ ابتداع أو إدخال أمر جديد في الدين، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) . - ولا يعني إقرار هذا المبدأ تحكيم الأهواء والرغبات، وتحقيق المصالح الشخصية من وراء ذلك، فقد يستغله ضعاف الإيمان لتحكيم أهوائهم ورغباتهم ويجعلون هذا يسرًا أو سماحة، بل اليسر والسماحة يجب أن تكون مبنية على مصادر التشريع الأصلية وهي القرآن الكريم والسنة والنبوية والإجماع. وأخيرًا أسأل الله - تعالى - أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يرزقنا الفقه في الدين على بصيرة، وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا إنه سميع قريب مجيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتبه فالح بن محمد بن فالح الصغير الرياض ١٤٢٤هـ ص. ب ٤١٩٦١ الرياض ١١٥٣١ falehmalsgair@yahoo. com

стр. 58

ثبت المراجع * القرآن الكريم. * الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، للإمام جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان ١٤٠٣هـ، ١٩٨٣م. * جامع الترمذي، إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. ط١، دار السلام، الرياض ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م. * سنن ابن ماجه، إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. ط١، دار السلام، الرياض ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م. * سنن أبي داود، إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. ط١، دار السلام، الرياض ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م. * سنن النسائي، إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. ط١، دار السلام، الرياض ١٤٢٠هـ، ١٩٩٩م. * شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقا؛ قدّم له نجله مصطفى الزرقا، وعبد الفتاح أبو غدة، ط١، دار الغرب الإسلامي، ١٤٠٣، ١٩٨٣م. * صحيح البخاري. ط٢، دار السلام، الرياض ١٤١٩هـ، ١٩٩٩م. * صحيح مسلم. ط١، دار السلام، الرياض ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م. * المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، طبعة دار الفكر. * مسند الإمام أحمد، بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع، ١٤١٩هـ، ١٩٩٨م.

стр. 59

* المعجم الوسيط، إخراج إبراهيم مصطفى، أحمد حسن الزيات، حامد عبد القادر، محمد علي الجار؛ إشراف عبد السلام هارون.