اليسر والسماحة في الإسلام إعداد
أد. فالح بن محمد الصغير
كلية أصول الدين - جامعة الإمام
بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين، وبعد:
إن الإسلام هو الدين الذي اختاره الله - تعالى - لعباده، منذ أن خلق الخليقة الأولى آدم ﵇، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١) . ويقول أيضًا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢) . وجعل لهذا الدين محورًا واحدًا إلى يوم القيامة، هو توحيده جل وعلا، وهو المحور الذي كان يدعو إليه الأنبياء والرسل أقوامهم وأتباعهم، يقول جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) .
стр. 2
ولكن أحكام هذا الدين كانت تختلف من رسالة إلى أخرى، وكانت تلك الأحكام مقتصرة على أقوام وأفراد في زمان ومكان محددين، ولا تدوم أحكام أية رسالة بعد وفاة نبيها لأمد طويل، فسرعان ما يعتريها التحريف والتبديل، فيفسد التوحيد عند الناس، وتعم المعاصي والمظالم، حتى يرسل الله تعالى نبيًّا آخر يجدد للناس دينهم، ويردهم إلى توحيد الله وهديه، هكذا كانت سنة الله - تعالى - في الأمم السابقة.
حتى بعث الله - تعالى - آخر رسله ﷺ ومعه آخر رسالة، فجاءت هذه الرسالة عامة للإنس والجن، والأبيض والأسود، والعرب والعجم، وهي الرسالة التي حملت مضمونين جديدين، هما الرحمة والعالمية، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) .
стр. 3
إن هذا الدين العالمي الذي يخاطب الناس كافة، بجميع أعراقهم وأطيافهم، في كل أرجاء الأرض، لا بد أن يتميز بصفات وخصائص تتناسب مع أحوال الناس وظروفهم في البلاد المتفرقة من العالم، فجاء يحمل في أحكامه وتشريعاته التيسير والسعة، فلا تخلو فريضة من الفرائض ولا شعيرة من الشعائر إلا وقد أضفى عليها الله - تعالى - من اليسر ما يجعل الإنسان قادرًا على تطبيقها والقيام بها على الصورة التي أرادها الله - تعالى - ورسوله ﷺ ، لأنه لا يكلف النفس فوق طاقتها أبدًا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١) .
стр. 4
وتتوضح لنا هذه الحقيقة في رسالة الإسلام بشكل أكثر عندما تتم المقارنة بين ما كانت عليها الأمم السابقة من المشقة والعنت، وما صارت عليه أمة الإسلام من يسر وسهولة، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
стр. 5
فقد خفف الله - تعالى - عن عباده الأغلال والأثقال التي كانت ترافق شرائعهم فتثقل بها كواهلهم، وتصعب معها حياتهم، وهذا فضل كبير من الله - تعالى - لهذه الأمة، ولم يكن ذلك أمرًا عارضًا وإنما لحكمة يعلمها الله، أرادها لعباده تمشيًا مع فطرهم وإعانتهم في أداء طاعاتهم وعباداتهم، ومن ثم تحقيق مصالحهم في شؤونهم كلها، فكل حكم أو تشريع يحمل معه مصلحة للناس في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وغيرها.
وإذا أردنا أن نخوض في أعماق مبدأ التيسير والسماحة في دين الله - تعالى - فإننا سنجد أنفسنا أمام بحر زاخر من الشواهد والنصوص والأحداث التي تقر هذا المبدأ وتحث المسلمين على انتهاجه واتباعه، لذا سنتحدث عن هذا المبدأ الإسلامي العظيم من خلال بعض المعالم التي برز فيها واضحا وجليًّا بشيء من الإيجاز، وذلك حسب ما يتطلبه المقام؛ إذ إن هذا البحث كتب بناء على طلب: (المؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب) الذي ترعاه جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
وقد جاءت عناصر البحث في:
- مفهوم اليسر.
- الدين الإسلامي قائم على اليسر والسماحة.
- مرتكزات منهج اليسر في الشريعة الإسلامية.
стр. 6
- مجالات التيسير والسماحة في الإسلام.
- القواعد الشرعية المستنبطة من النصوص الواردة في التيسير.
- آثار الابتعاد عن منهج التيسير.
- خلاصة البحث.
وأسأل الله - تعالى - أن ينفع بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
فالح بن محمد بن فالح الصغير
الرياض ١٤٢٤هـ
ص. ب ٤١٩٦١ الرياض ١١٥٣١
falehmalsgair@yahoo. com
стр. 7
مفهوم اليسر اليُسْرُ لغة: ضد العُسْرِ. ومنه " الدِّين يُسْرٌ " أي سهلٌ سَمْحٌ قليل التشديد (١) .
أما في الاصطلاح: فهو تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، من غير تشدُّد يُحرِّم الحلال، ولا تميُّع يُحلِّل الحرام.
ويدخل تحت هذا المسمى السماحة والسعة ورفع الحرج وغيرها من المصطلحات التي تحمل المدلول نفسه.
وسنتحدث عن اليسر والسماحة في ضوء العناصر الآتية:
стр. 8
أولاً - الدين الإسلامي قائم على اليسر والسماحة إن الدين الإسلامي بمجمله قائم على اليسر ورفع الحرج ابتداء من العقيدة وانتهاء بأصغر أمور الأحكام والعبادات بشكل يتوافق مع الفطرة الإنسانية وتتقبله النفس البشرية من غير تكلف أو تعنت، وهذا ما أشار إليه الله تعالى في مواطن كثيرة من كتابه العزيز منها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) ، وقوله أيضًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) ، وقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) .
وتلت هذه الآيات الكريمات السنة النبوية بأحاديث كثيرة تحمل معاني اليسر في أمور الدين وعدم التنطع والتشدد في العبادات والطاعات، فقد أشار ﵊ إلى أن من أهم ما تميزت به رسالة الإسلام عن غيرها من الرسالات السماوية السابقة هي السماحة واليسر كما في قوله ﷺ : «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (٤) .
стр. 9
والمتمعن في السيرة النبوية يجد أن سلوك النبي ﷺ وتعامله مع صحابته مبني على منهج التيسير والسماحة، والشواهد أكثر من أن تعد أو تحصى، ولكن نكتفي بسرد حادثة وقعت لأحد الصحابة وجاء إلى الرسول ﷺ ، يريد مخرجًا لها وهو صحابي فقير لا يملك قوت يومه، وهي تغني عن جميع ما كان يقع للصحابة من إحراجات.
يقول أبو هريرة ﵁: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر - والعرق: المكتل - قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذها فتصدَّق بها فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك» (١) .
стр. 10
١ - الرخصة
الرخصة في اللغة: التيسير والتسهيل، أو اليسر والسهولة، والرخص ضد الغلاء، وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص، ويتعدى بالهمزة والتضعيف (١) .
أما في الاصطلاح فقد عرفها البيضاوي بأنها: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر" (٢) .
والرخصة قاعدة عظيمة من قواعد هذا الدين حيث تشمل جميع أمور الدين وجوانبه في العقيدة والعبادة والمعاملة والعقوبات وغيرها. وهي منحة وصدقة من الله - تعالى - لعباده، كما قال ﵊: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (٣) .
ويمكن وصف الرخصة بأنها من أهم معالم اليسر في هذا الدين، وأن الله - تعالى - إنما أجازها ليخفف عن عباده وطأة بعض التكاليف، ويعذرهم عما لا يطيقونه، لذلك يستحب إتيان هذه المنحة والعمل بها في مواضع الجواز، يقول ﵊: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٤) .
ويمكن الإشارة إلى بعض هذه الرخص التي بيّنها الله ورسوله ﵊ للأمة من خلال الأمثلة الآتية:
стр. 11
أ - الرخصة في السفر: وذلك بقصر الصلاة الرباعية المفروضة، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر وكذا المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير. وكذلك الإفطار فيه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) .
وقوله ﷺ : «ليس من البر الصوم في السفر» (٢) .
ب - التيمم بالتراب عند عدم وجود الماء أو عند تعذر استعماله , لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) .
ج - الرخصة في الحيض والنفاس، وهما عذران للصلاة والصيام ومسّ المصحف والطواف بالنسبة للمرأة.
стр. 12
٢ - الأصل في الأشياء الإباحة
ومن أهم المرتكزات التي قام عليها منهج التيسير في الإسلام أن الأصل في الأشياء حلها وإباحتها، وليس منعها وحرمتها، فكل ما خلق في هذا الكون مسخرٌ للإنسان ومهيأ للاستمتاع به، ما لم يكن فيه نهي صريح، يقول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (١) .
وبما أن الشارع قد بيّن ذلك فلا يحق لأحد أن يحرم هذا المباح، فإنه بذلك يدخل في نطاق التنطع والتعنت المنهي عنه، ومن أجل ذلك جاء التحذير الرباني بالنهي عن تحريم الأمور المباحة أو تحليل المحرم، فقد كان هذا السؤال سببًا لإخراج الناس من الدين الحق، وإحلال غضب الله عليهم، كما حدث لبعض الأمم السابقة، يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (٢) .
стр. 13
ويقول ﵊: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» (١) .
стр. 14
٣ - الخطأ والنسيان والإكراه
تظهر سماحة الإسلام في توافقه مع الفطرة الإنسانية السليمة التي خلقها في نفس الإنسان، ومن هذه الفطرة الخطأ الذي يقع فيه الإنسان في معظم أحواله من غير قصد، وكذلك ما يعتريه من النسيان، وهو ما ذكره الله - تعالى - على لسان المؤمنين الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: " قد فعلت " (١) .
وأما الاستكراه فهو أمر خارج عن إرادة الإنسان، لا يستطيع كل إنسان أن يتحمل ما قد يتعرض له من أذى أو ضرر أو تهديد بالقتل أو قطع عضو وغيره، فحينها رخص له الشارع أن يتنازل عن بعض مفاهيمه الدينية تخلصًا من الحال التي يعانيها، والعذاب الواقع عليه كما حصل لعمار بن ياسر ﵄، حينما ذكر آلهة قريش بخير ونال من رسول الله ﷺ تحت وطأة التعذيب، وقتل أبواه أمام عينيه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال له الرسول ﵊: « (كيف تجد قلبك؟) ، قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النبي ﷺ : (إن عادوا فعد) » (٢) .
стр. 15
وما ذلك إلا رحمة بالعباد وتيسيرًا عليهم، لأن الخطأ والنسيان من الأمور الفطرية التي لا يسلم منها أحد، وأما الإكراه فلأن قوة التحمل تختلف من إنسان لآخر، من أجل ذلك جاء هذا التشريع الرباني بهذه الصورة الميسرة التي تناسب أطباع الناس وفطرهم.
стр. 16
٤ - النهي عن الغلو في الدين
إن دين الله - تعالى - يحمل في تطبيقه السعادة والعدالة للناس، ولا يحمل الشقاء والعذاب، فالإنسان الذي يأخذ هذا الدين كما أراده الله - تعالى - باعتدال وفهم ووعي ينال السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة، وأما الذي يشادّ فيه ويتشدد في غير موضع التشدد، ويحرم الحلال والمباح، فإنه ينال الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة، يشير إلى هذا المعنى ربنا في أول سورة طه قائلا: ﴿طه﴾ ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (١) .
ويقول ﵊: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا (٢) .
والمتنطعون كما فسره النووي ﵀: المتعمقون المشدِّدون في غير موضع التشديد (٣) .
стр. 17
فقبول الطاعة غير مرتبط بمدى التعب والنصب، لأن الله - تعالى - لا يحب أن يطاع بغير ما أنزله على عباده، فالذي يعبد الله ليلًا ونهارًا بشكل يخالف منهج الله - تعالى - لا تقبل عبادته مهما أتعب نفسه وأرهقها، والله في غنى عن أعمال العباد، ولكنه - جل شأنه - يفرح عندما يرى عباده على دينه القويم، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: «إن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: فلانة، تذكر من صلاتها قال: (مهْ عليكم بما تطيقون فوالله لا يَمَلُّ الله حتى تَملوا) وكان أحب الدِّين إليه ما داوم صاحبه عليه» (١) .
ويقول أنس بن مالك ﵁: «دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت، فقال النبي ﷺ : لا حُلُّوه ليُصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد» (٢) .
стр. 18
٥ - التوبة
والتوبة من الأسس المتينة التي يرتكز عليها منهج التيسير في الإسلام، وهي سبب من أسباب ثبات المؤمن وبقائه على دين الله تعالى، حيث تزيل عن كاهله هموم المعاصي وأثقال المخالفات، وتدفعه للعمل دومًا نحو الأفضل، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يا عبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) .
والتوبة سبب لمحبة الله - تعالى - للإنسان عندما ينيب إليه بعد أن عصاه، ويندم على فعله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢) .
ويؤيد هذا المعنى قوله ﵊: «لله أشد فرحا بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها» (٣) .
стр. 19
وينبغي ألا يستكثر الإنسان على ربه بالتوبة إذا عصى، أو يصارع نفسه ويدخلها في مستنقعات الوسواس الخناس إذا اقترفت يداه ذنبًا أو وقعت عينه على معصية، بأن يقول: إن الله - تعالى - لن يغفر لي بعد هذا، فهذه معصية كبرى، وعقيدة فاسدة، وسوء ظن بالله جل شأنه، وهو باب من أبواب الشيطان لئلا يعود إلى ربه مرة أخرى ويعمل الأعمال الصالحة، يقول ﵊: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» (١) .
ويقول ﵊: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» (٢) .
ومن يسر هذا الدين وسعته ورحمته أن الله - تعالى - جعل الأعمال الصالحة مكفرات لخطايا بني آدم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) .
وقوله ﵊ لأبي ذر ﵁: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (٤) .
стр. 20
وقد وردت أحاديث كثيرة تبين الأعمال التي تكفر السيئات وتحط منها، وترفع الدرجات وتزيد منها عند الله تعالى، نذكر بعضها:
أ - الوضوء، فإنه يكفر عن المسلم ذنوبه وخطاياه ما اجتنبت الكبائر، لقوله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» (١) .
ب - الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، وكذلك صوم رمضان، فإنها جميعا تكفر خطايا ابن آدم وترفع من درجاته وشأنه عند الله تعالى، يقول ﵊: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (٢) .
وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ «أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والباقية) ، وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: "يكفر السنة الماضية» (٣) .
ج - أن كل ابتلاء ومصيبة يبتلى بها المسلم فهي كفارة له، لقوله ﵊: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (٤)
стр. 21
١ - في العقيدة
تميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان والعقائد بوضوح العقيدة وسهولة الإيمان بالله تعالى، حيث أمر الناس بعبادة الله وحده، وأنه الإله الواحد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، بيده ملكوت السموات والأرض، لا معبود سواه، وأنه لا وساطة بين العباد وخالقهم، ولا شركاء معه، فليس في العقيدة الإسلامية ألغاز لا يعرفها إلا فئة من الأحبار والرهبان، وليس فيها غموض وغبش كما في العقائد الأخرى من تجزئة الواحد إلى ثلاثة، وليس فيها استهانة بالعقل الإنساني ليعبد أحجارًا وأشخاصًا وحيوانات كما في البوذية وغيرها، وإنما هي عقيدة في غاية من اليسر والسماحة، فَهِمَها الأعرابي الذي يعيش في الصحراء حينما قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فليل داج، وسماء ذات أبراج، ألا يدل على الواحد القهار، أو كما قال.
стр. 22
ومعلوم أن الغموض وعدم الفهم في العقيدة يوقع الإنسان في الحرج والضيق، ويهوي به إلى الضلالات والشركيات، فلا يعرف ربه المعرفة السليمة، ولا يعرف سبيل الوصول إليه إلا من خلال الوسائط، بشرًا كانوا أم حجرًا أم خشبًا، فيأخذ تصورًا فاسدًا عن الله تعالى، فتتلوث أعماله بهذا التصور، وتتطاير في الهواء هباء منثورًا كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (١) .
هذا في جملة التصور العقدي وهو كذلك في جزئيات العقيدة كأركان الإيمان الستة.
стр. 23
٢ - في العبادات
يظهر مبدأ اليسر والمسامحة جليًّا في العبادات أكثر من غيرها من أمور الدين، حيث إنها سلوك ظاهر، فجميع العبادات قائمة على هذا المبدأ الذي خصّ الله تعالى به هذه الأمة من غيرها من الأمم، المفروضة منها والنوافل، يقول ﵊: «عليكم بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا» (١) .
ويمكن أن نشير إلى بعض هذه المظاهر في العبادات الآتية:
أ - في الطهارة:
стр. 24
يظهر مبدأ اليسر والمسامحة في الطهارة واضحًا لأنه المدخل إلى العبادات، واليسر فيها أمر ضروري، لأن المسلم يتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات، ويغتسل من الجنابة كذلك، ويتعرض لبعض النجاسات هنا وهناك، فإن الشدة في الطهارة توقعه في الضيق والحرج ويجعل نفسه تمل من العبادة نفسها فضلا عن الطهارة، كما هي حال كثير من المصابين بالوسوسة أثناء الوضوء أو الطهارة أو وقوع بعض النجاسات على الثوب وغيرها، وهذا ما نهى عنه الرسول ﷺ ، وهو جزء من سماحة هذا الدين ويسره، وفضل من الله - تعالى - على عباده ليندفعوا نحو الطاعة وأداء العبادات بالصورة المطلوبة، حيث يقول ﵊ في طهارة الماء: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (١) .
ويقول ﵊ عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٢) .
ويتبين يسر هذا الدين في الطهارة من قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فقام الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ : «دعوه وهريقوا على بوله سَجْلا من ماء أو ذَنوبًا من ماء، فإنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين» (٣) .
стр. 25
ومن اليسر في الطهارة أيضًا إذا تعلقت قذارة بالنعلين فإن مسحهما بالأرض يطهرهما لقوله ﵊: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» (١) .
ومن يسر هذا الدين في الطهارة أن النجاسة الواقعة على الثوب تزال بالماء وهذا فيه يسر كبير إذا قورن بما كانت عليه بنو إسرائيل من قبل حيث كانوا يكلفون بقص ما أصيب بالنجاسة من الثوب.
وصور اليسر والسماحة في التطهير، لا نستطيع حصرها في هذا المقام.
ب - في التيمم:
ومن اليسر في هذا الدين أن المسلم إذا لم يجد ماء ليتوضأ به أو كان به مرض أو جرح لا يستطيع أن يتوضأ بالماء، فله أن يتيمم بالتراب، فضلا من الله تعالى وتسهيلا عليه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) .
стр. 26
بخلاف ما كانت عليه الشرائع السابقة، حيث لا تقبل صلاة من غير تطهر بالماء.
وجاء تأكيد هذا الأمر في السنة النبوية في قوله ﵊: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (١) .
ج - في الصلاة:
ويمكن بيان بعض صور التيسير في الصلاة من خلال النقاط الآتية:
- أن فرضيتها خمس مرات في اليوم والليلة، فلا تأخذ وقتًا طويلًا، ولا تشغل الإنسان عن أداء أعماله اليومية، وإنما هي لقاءات مع الله تعالى يجدد فيها المؤمن العهد مع ربه على الطاعة والاستقامة والصلاح، وقد فرضت في البداية خمسين صلاة عند المعراج بالنبي ﷺ ، ثم صارت خمس صلوات بأجر خمسين صلاة، وفي ذلك سماحة ورحمة.
стр. 27
- مشروعية الجمع والقصر في الصلاة أثناء السفر أو المطر أو المرض، وذلك للظروف التي يمر بها الإنسان في هذه الحالات من قلة في الماء أو البرد أو خوف من الطريق أو زيادة في المرض، لذلك جعل الإسلام فيه الصلاة بشكل آخر يتناسب مع هذه الظروف فأجاز له الجمع والقصر، حيث قصرت الصلوات الرباعية إلى ركعتين فقط.
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة» (١) .
ويتغير وضع الصلاة وكيفيتها كذلك في حالة الخوف في الحرب أو هجوم سبع أو سيل أو نحوه، ويسهل أمرها وتقصر، لما في ذلك من مصلحة على المسلمين وحماية لهم من عدوهم الذين قد يغدرون بهم أثناء الصلاة، وتسمى هذه الصلاة بصلاة الخوف، قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (٢) . ثم ذكرت في الآية الآتية كيفية أداء هذه الصلاة على دفعتين.
стр. 28
وهناك أحاديث وشواهد كثيرة بشأن قصر الصلاة، وذلك لوجود ظروف يصعب معها القيام بأداء هذه الصلوات كما هي في الأحوال الطبيعية.
- جواز الصلاة في أي مكان من الأرض، حيث لم تكن جائزة عند الأمم السابقة إلا في المعابد والصوامع، يقول ﵊: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (١) .
стр. 29
- تخفيف الصلاة وعدم الإطالة فيها، لأن صلاة الجماعة تجمع بين الصغير والكبير والمريض، فينبغي مراعاة ذلك، وهذا ما كان الرسول ﵊ يحذر أصحابه منه، يقول جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: «أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه فأتى النبي ﷺ فشكا إليه معاذا فقال النبي ﷺ : يا معاذ، أفتان أنت أو أفاتن ثلاث مرار فلولا صليت بسبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» (١) .
ويقول ﵊: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز في صلاتي، كراهية أن أشق على أمه» (٢) .
- رفعت الصلاة عن الحائض والنفساء، ولا تقضى بعد الطهر، وهذا يسر ولطف على المرأة، حيث تعاني في فترة الحيض والنفاس آلامًا ودماء، يصعب معها الصلاة، وقد تطول هذه المدة فيشق القضاء، فجاءت الرحمة الربانية على المرأة بهذا التيسير، ولم يطلب منها قضاء تلك الصلوات الفائتة عنها بعد ذلك.
стр. 30
- مشروعية سجود السهو لجبر الخلل الذي يحصل في الصلاة، ولم تطلب إعادتها.
كل هذا اليسر وهذه السماحة جاءت في الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو الصلاة التي هي أعظم الأعمال العملية، وفي هذا شاهد كبير ودليل ناصع على يسر هذا الدين وسماحته في العبادات.
د - في الزكاة:
وتتبين مظاهر اليسر والتسهيل في أداء فريضة الزكاة من خلال الأمور الآتية:
- أنها لم تأت على جميع الممتلكات والعقارات والأموال، وإنما اقتصرت على بعض الأصناف مثل: بهيمة الأنعام، والأثمان، والزروع، وعروض التجارة.
- ثم أنه يشترط في الأصناف التي تجب فيها الزكاة أن تبلغ النصاب، وهي في الفضة مائتي درهم، وفي الذهب عشرين مثقالا، وسائمة الإبل عن خمس، والبقر عن ثلاثين، والغنم عن أربعين، والحبوب والزروع والثمار عن خمسة أوسق. وقد أوضحت ذلك الأحاديث الكثيرة.
- ومن يسر الإسلام أيضًا في أداء هذه الفريضة أنه لم يجعل دفع الزكاة إلا مرة واحدة في السنة، وذلك بعد أن يحول عليه الحول.
- ومن ذلك أن مقدار المال الواجب دفعه للزكاة قليل جدًّا بالنسبة للمال الذي يوجب فيه الزكاة، بحيث لا يؤثر فيه كثيرا، ولا يتأثر بذلك صاحبه.
стр. 31
هذا فضلا عن كيفية تعامل الإسلام مع زكاة الزروع، حيث أوجب العشر في التي تسقى بماء المطر، ونصف العشر بالتي تسقى بالنضح والآبار، لقوله ﷺ «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر» (١) .
إن مثل هذه الشروط والأوصاف للزكاة يجعل صاحب المال يسارع إلى إخراج زكاة ماله عن طيب نفس، دون ضجر أو ملل أو تثاقل.
هـ - في الصيام:
ويمكن سرد بعض صور التيسير في فرضية الصيام من خلال بيان النقاط الآتية:
- أن الصيام لم يفرض إلا في شهر واحد من السنة وهو شهر رمضان، لقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢) . وهذا تيسير وسعة في زمن هذا الفرض، يستطيع المؤمن أداءه بصورة مقبولة من غير عنت ولا مشقة.
- أن وقت الصيام من الفجر إلى غروب الشمس، ولا يجوز الزيادة في هذا الوقت، من أجل ذلك نهي عن صوم الوصال وهو وصل صيام يومين أو ثلاثة متتاليات، لما في ذلك من مشقة وعنت على النفس، وخطورة على الإنسان، يقول ﵊: «لا وصال» (٣) يعني في الصوم.
стр. 32
- من أفطر خطأً أو ناسيًا فإنه يكمل صومه، ولا حرج عليه، فإنما أطعمه الله وسقاه، يقول ﵊: «من أكل ناسيا وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (١) .
- جواز الإفطار عند السفر أو المرض، لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) .
- أن من لم يستطع الصوم يقضي أو يطعم إن لم يستطع القضاء.
و في الحج:
تتضح صور السماحة في الحج من خلال النقاط الآتية:
- الاستطاعة في الزاد والراحلة، وأن لا يكون عليه دين أو التزام مالي آخر من حقوق الآخرين، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣) .
стр. 33
- وجوبه في العمر مرة واحدة، لأن فيه المشقة والعناء، فيصعب على المؤمن أن يؤديه كل عام، يقول أبو هريرة ﵁: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (١) .
- التخيير بين المناسك الثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد.
- التخيير في الترتيب بين الأعمال الثلاثة يوم العيد، الرمي والحلق والطواف، وهذا فيه تيسير على الحاج الذي يعاني من زحمة الناس والمواصلات والأسفار، يقول ابن عباس ﵄: «قال رجل للنبي ﷺ زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج. قال آخر: حلقت قبل أن أذبح قال: لا حرج. قال آخر: ذبحت قبل أن أرمي، قال: لا حرج» (٢) .
стр. 34
ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في رواية مسلم: «فما رأيته ﷺ سئل يومئذ عن شيء إلا قال افعلوا ولا حرج» (١) .
- كل خلل في واجبات الحج من غير قصد يجبر بفدية، وحجه صحيح إذا كان القصور من هذا الوجه فقط.
- ومن اليسر والسماحة في هذا الركن المبارك، أن الله - تعالى - جعله سببًا لمغفرة الذنوب والخطايا، وقد وعد الرسول ﷺ الحاج بالجنة وأنه يرجع كيوم ولدته أمه، وصفحته بيضاء ناصعة خالية من السيئات والذنوب: «من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (٢) . ويقول أيضًا: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٣) .
وقد جعله الله - تعالى - من الأعمال الفاضلة التي تلي الإيمان بالله والجهاد في سبيله، فقد «سئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله) . قيل: ثم ماذا؟ . قال: (ثم جهاد في سبيل الله) . قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور» (٤) .
стр. 35
٤ - في المعاملات
لم يقتصر التيسير في الإسلام على العقيدة والعبادة بل تعداه إلى المعاملات التي تأخذ مساحة واسعة من حياة الإنسان العملية، فالتجارة والصناعة والزراعة والتعليم وغيرها، يدخل جميعها تحت مظلة المعاملات، والناس في المعاملات أكثر عرضة للمعاصي والآثام، لأن المحرك لها هو المال، ومعلوم مدى تأثير المال في نفس الإنسان وطباعه وسلوكه، لذلك كانت النصوص القرآنية والنبوية تترى في اتباع التيسير والمسامحة في المعاملات، يقول ﵊: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (١) .
ويقول أيضًا: «من أقال مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة» (٢) .
ويمكن بيان بعض صور التيسير في المعاملات من خلال المحاور الآتية:
стр. 36
أ - ففي البيع أجاز الإسلام للمتبايعين الخيار في عدد من المواضع كما إذا كانا في مجلس البيع، رفعا للحرج الذي قد يقع فيه أحدهما، لأنه ربما يحصل ضرر كبير إذا تم هذا العقد، يقول ﵊: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع» (١) .
ب - ثم إن هذا الدِّين حرم الربا الذي فيه ظلم للناس واستغلال لظروفهم، وسبب في إفشاء الفقر والغنى الفاحشين، وسبب لزرع الأحقاد والضغائن بين أبناء المجتمع الواحد، فحرم الله الربا وأباح القرض الحسن، يقول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٢) . ويقول جل ثناؤه: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣) .
ج - كما حرم هذا الدين احتكار الطعام والسلع واحتجازها في وقت تشتد حاجة الناس إليها، يقول ﵊: «لا يحتكر إلا خاطئ» (٤) .
ويقول ﵊: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا على الله ﵎ أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة» (٥) .
стр. 37
د - التيسير على المدين المعسر: وهو مبدأ عظيم جاء به الإسلام، رحمة بحاله وتقديرًا لظروفه القاسية، وهو عنصر قوي من عناصر التكافل الاجتماعي بين أبناء الأمة، حيث يجعل من المجتمع وحدة متينة، قائمة على الحب والوئام، والتعاون والتراحم، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) .
إن هذا المبدأ المبارك في التيسير على المدين المعسر يفتقده العالم المعاصر في ظل هذا التطور الحضاري الهائل، ومع وجود الجمعيات العالمية الكبرى التي تعنى بشؤون الإنسان وحرياته وحقوقه، وهو وصية الرسول ﵊ منذ أربعة عشر قرنًا لأصحابه وللأمة من بعدهم في قوله: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (٢) .
ويقول ﵊ في قصة رجل من الأمم السابقة كان يتجاوز عن المعسرين: «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه» (٣) .
стр. 38
٥ - في العقوبات
لقد تميزت الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع والقوانين في التشريع الجنائي ووضع العقوبات المناسبة لأفعال الناس التي تضر بالأنفس والأموال والأعراض وغيرها، حيث أضفت الشريعة على هذه العقوبات ألوانًا من السماحة واليسر، بحيث تتقبلها النفس الإنسانية في كل أحوالها بل تطالب بها إذا وقعت مثل تلك الأفعال، ويمكن أن نبين هذه السماحة والسعة من خلال بيان عقوبتين فقط، وهما:
أ - عقوبة قتل النفس:
إن قتل النفس بغير حق يعد من أكبر الجرائم وأعظمها عند الله تعالى، يقول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١) .
وقد جعل الله - تعالى - قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعًا، وإحياء نفس بمثابة إحياء لجميع الناس، يقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) .
ويقول ﵊: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم» (٣) .
стр. 39
فقتل النفس فعل شنيع وجريمة عظيمة، لا بد أن يكون له عقاب يتناسب مع هذا الجرم والفعل، فكان حكم الله القتل مقابل القتل، لقوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) .
ويظهر يسر الإسلام وسماحته في تطبيق العقوبة على القاتل من خلال النقاط الآتية:
- لا يؤخذ أحد بجريرة أحد، أي أنه لا يعاقب إلا القاتل نفسه، وليس لأهله وذويه وقبيلته شأن في فعله وتطبيق العقوبة عليه، بدون تعسف أو تعد، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية، حيث كانت تشب حروب وتنتهك أعراض، ويقتل بالرجل أكثر من الواحد، كلها بسبب جريمة قتل وقعت لأحد أفرادهم، لقوله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (٢) .
стр. 40
- إن من يسر الإسلام وسماحته أن جعل المجال مفتوحًا أمام ولي أمر المقتول وخيره بين إحدى ثلاث: القصاص أو الدية أو العفو، لقوله ﷺ : «من أصيب بدم أو خبل (الخبل الجراح) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه فإن فعل شيئا من ذلك ثم عدا بعد فقتل فله النار خالدا فيها مخلدا» (١) .
- ومن يسر الإسلام أيضًا وسماحته قبل تطبيق هذه العقوبة أنه يغري أهل المقتول بما عند الله تعالى، إذا تجاوزوا عن القاتل وعفوا عنه، لقوله ﷺ : «ما عفا رجل إلا زاده الله به عزا ولا نقصت صدقة من مال ولا عفا رجل قط إلا زاده الله عزا» (٢) .