مرويات السيرة النبوية بين قواعد المحدثين وروايات الأخباريين
الأستاذ الدكتور: أكرم ضياء العمري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ال مقدمة:
يقصد بالمحدِّثين الرواة الذين نقلوا الأحاديث النبوية بمتونها وأسانيدها خلال القرون الإسلامية الأولى حيث كانت الرواية والحفظ تحتل المقام الأول رغم ظهور الكتابة منذ عصر السيرة النبوية وتوسع التدوين خلال القرنين الأولين وظهور المصنفات الحديثية المرتبة على الأسانيد والموضوعات خلال القرن الثاني والثالث للهجرة..
وقد صاغ المحدثون قواعد نقدية دقيقة ضمن منهج واسع عرف بمصطلح الحديث، وبذلك سبقوا الآخرين في التنظير والتقعيد لكيفية التفاعل مع الروايات بفحصها وتطبيق قواعدهم عليها لغرض الحكم عليها قبولاً ورداً، مما أدى إلى اكتمال معلوماتهم عن الرواة والتدقيق في أحوالهم من حيث الصدق والورع والالتزام الديني، وظهرت مكتبة ضخمة في علم الرجال، أثرت في فن الترجمة للأعلام في سائر العلوم التي ظهرت في الإسلام. وأهم المحدثين الذين عنوا بأخبار السيرة النبوية هم أبان بن عثمان، وعروة بن الزبير بن العوام، وعاصم بن عمر بن قتادة، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وموسى بن عقبة، ومعمر بن راشد، ومحمد بن إسحاق، وسليمان بن طرخان التيمي، والوليد بن مسلم الدمشقي، ومحمد بن عائذ الدمشقي، وأبو معشر السندي، وهؤلاء جميعاً إما ثقات أو صدوقون عند أئمة النقاد – ماعدا أبا معشر السندي فإنه بصير بالمغازي ضعيف بالحديث – وقد قبلت مروياتهم إما بإطلاق وإما بقيود كما في مراسيل الزهري التي عدت ضعيفة، وكما في عنعنة محمد بن إسحاق والوليد بن مسلم، فإنهما مدلسان، وبذلك يمكن القول بأن السيرة النبوية حظيت بنخبة من أهل العلم دونت أخبارها
стр. 2
وصنفتها؛ وبذلك تم حفظها وأمكن الثقة بمعلوماتها، وهذا مما هيأه الله تعالى لسيرة نبيه ﷺ .
أما الأخباريون فهم رواة الأخبار التأريخية الذين ظهروا في القرن الثاني الهجري ومن أبرزهم:
محمد بن السائب الكلبي (ت ١٤٦هـ) ، وعوانة بن الحكم (ت ١٤٧هـ) ، وأبو مخنف لوط بن يحيى (ت١٥٧هـ) ، وسيف بن عمر التميمي (ت١٨٠هـ) ، وأبو اليقظان النسابة (ت١٩٠هـ) ، والهيثم بن عدي (ت٢٠٦هـ) ، وأبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢٠٩هـ) ، ونصر بن مزاحم (ت٢١٢هـ) ، وكان علي بن محمد المدائني شيخ الأخباريين (ت٢١٢هـ) وخاتمتهم.
وقد جمع الأخباريون معلومات واسعة عن حركة الردة والفتوحات وأوضاع الحياة في عصر الخلافة الراشدة والدولة الأموية والعصر العباسي الأول، وبذلك مهدوا لظهور المؤرخين الكبار، أمثال خليفة بن خياط وابن قتيبة والبلاذري وأبي حنيفة الدينوري واليعقوبي والمسعودي، وإمام أهل هذه الصنعة محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) .
ثم تتابع الاهتمام بالتدوين والتصنيف في التأريخ بما في ذلك فترة السيرة النبوية. وكان الاعتماد في نقل أخبارها على روادها الأوائل من المحدثين.
مكانة الأخباريين من الجرح والتعديل:
تناولت كتب الجرح والتعديل عدداً من مشاهير الأخباريين؛ ترجمت لهم وبينت صفاتهم وأحوالهم ومكانتهم عند المحدثين النقاد، وذلك ضمن تراجم الرواة ولم يفردوا بكتاب.
стр. 3
وأهم الأخباريين الذين تناولهم النقاد هم:
١. محمد بن السائب الكلبي (ت١٤٦هـ) :
خلاصة ما قيل فيه أنه رأس في الأنساب، شيعي، متروك الحديث، ليس بثقة (١) .
٢. عوانة بن الحكم الكلبي (ت١٤٧هـ) أو (ت١٥٨هـ) :
قال الذهبي: العلاّمة الأخباري، الكوفي الضرير أحد الفصحاء له كتاب التأريخ وكتاب سير معاوية وبني أمية وغير ذلك، وكان صدوقاً في نقله.
وقال ابن حجر: "أخباري مشهور كوفي، كثير الرواية عن التابعين، قلّ أن روى حديثاً مسنداً، وأورد عن عبد الله بن المعتز عن الحسن بن عليل العنزي - وهو من تلاميذ ابن معين - أنه كان عثمانياً. فكان يضع الأخبار لبني أمية (٢) .
٣. أبو مخنف لوط بن يحيى (ت ١٥٧هـ) :
قال يحيى بن معين فيه: "ليس بشيء". وقال في موضع آخر "ليس بثقة" (٣) ،
وقال ابن عدي: "هو شيعي محترق، صاحب أخبارهم، وإنما له من
стр. 4
الأخبار المكروهة الذي لا أستحب ذكره" (١) ،
وقال ابن حجر العسقلاني: "أخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره" (٢) .
٤. سيف بن عمر التميمي (ت١٧٠هـ) :
أخباري اتهمه أئمة النقد بالوضع في الأخبار، ومن ثم تركوا مروياته (٣) ، ومع ذلك فإن النقول عنه في أخبار الردة والفتوح كثيرة، ولم يتعرض لأخبار السيرة النبوية إلا نادراً، ولم يرو أحاديث نبوية إلا نادراً. وله حديث منكر وخبر يتعلق بالسيرة النبوية (٤) ،وقد استقرأ ابن عدي مروياته وقال: "بعض أحاديثه مشهورة، وعامتها منكرة (٥) لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق".
ويمكن أن يصار إلى نقدها من خلال ضوابط نقد المتن عند المحدثين، ومن خلال منهج النقد التأريخي الحديث.
٥. أبو اليقظان النسابة لقبه سحيم واسمه عامر بن حفص (ت١٩٠هـ) :
من موالي تميم عاش بالبصرة، ميوله أموية، يكره الشعوبية، ويخالف غلاة الشيعة (٦) ، ولم تترجم له كتب الجرح والتعديل مما يدل على عدم عنايته
стр. 5
بالأحاديث، رغم وجود عدد من كبار المحدثين بين شيوخه الذين ذكرهم ضمن مصادره..
٦. الهيثم بن عدي الطائي (ت٢٠٧هـ) :
قال عنه ابن المديني – وهو ناقد كبير (ت٢٣٤هـ) -: "الهيثم بن عدي أوثق عندي من الواقدي، ولا أرضاه في الحديث، ولا في الأنساب، ولا في شيء" (١) .
وكذبه يحيى بن معين (٢) ، وأبو داود السجستاني (٣) ، وقال البخاري: سكتوا عنه (٤) .، وهذه أدنى المراتب عنده، وتركه النسائي وغيره (٥) .
٧. أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت٢٠٩هـ) :
قال الذهبي: "لم يكن صاحب حديث، وإنما أوردته لتوسعه في علم اللسان وأيام الناس ". وقال ابن قتيبة: "كان الغريب وأيام العرب أغلب عليه " وكان شعوبياً يبغض العرب، ويذهب مذهب الخوارج فيما يقال،
والله أعلم (٦) .
٨. نصر بن مزاحم الكوفي (ت٢١٢هـ) :
قال الذهبي: رافضيٌ جلد، تركوه وقال العقيلي: شيعي في حديثه اضطراب وخطأ كثير. وقال أبو خيثمة: كان كذاباً. وقال أبو حاتم: واهي
стр. 6
الحديث، متروك. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال العجلي: ليس بثقة ولا مأمون. وقال الخليلي: ضعفه الحفاظ جداً وذكر له ابن عدي أحاديث وقال: هذه وغيرها من أحاديثه غالبها غير محفوظ (١) .
٩. أبو الحسن علي بن محمد المدائني (ت٢٢٥هـ) :
"كان عالماً بالفتوح والمغازي والشعر، صدوقاً في ذلك " وثقه ابن معين، وقال ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث" (٢) .
١٠. أبو زيد عمر بن شبة النميري (ت٢٦٢هـ) :
محدث ثقة، كان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بالناس، وثقه الدارقطني (٣) . ولم يبق من مؤلفاته الكثيرة سوى أخبار المدينة، ورواياته تعدّل جوانب من الصورة التأريخية التي تقدمها روايات الأخباريين، ويظهر من الاقتباسات عن كتابه أخبار البصرة أنه تعرّض فيه لأخبار الجمل بتفصيل.
وإذا تأملنا في تراجم الأخباريين، وأحوالهم من الجرح والتعديل، وتحزباتهم القبلية والفكرية والمذهبية، فإن الصورة التأريخية التي قدموها عن القرون الهجرية الأولى الثلاثة سوف تهتز أمامنا، ولا سيما أن بعض الأحداث انفرد أحدهم بتقديم الأخبار عنها، مما يجعل إمكان المقارنة معدوماً حيناً ومحدودا حيناً آخر، وعلى أية حال فإنه ليس أمامنا سوى النقدين الباطني الإيجابي والسلبي للوصول إلى مقاربة للحقيقة التأريخية.
стр. 7
إن الطبري اعتمد في أخبار صفين على أبي مخنف لوط بن يحيى، إذ انفرد برواياته عنها، فقد ألف أبو مخنف كتاباً في صفين، واعتمد الطبري كثيراً في أخبار الردة والفتوح على سيف بن عمر التميمي الذي ألف كتاب الردة والفتوح.
ولا يمكن الوثوق بما رواه الاثنان (أبو مخنف وسيف) من أخبار الصحابة في الفتن التي جرت في ذلك التأريخ المبكر، وينبغي تلمُّس الأخبار المفردة التي وردت في كتب الحديث، وتأريخ خليفة بن خياط، وأخبار المدينة، وأخبار البصرة لعمر بن شبة؛ للمقارنة مع أخبار أبي مخنف وسيف.
وقد ُبنيت الدراسات التأريخية الحديثة على تأريخ الطبري والبلاذري وعزت الأخبار إليهما دون التحقق من أثر الرواة الذين اعتمدهم الاثنان في سرد الأحداث، وإمكان تأثير الرواة المنحازين على الأخبار المنقولة عنهم، مع تشبع معظمهم بروح متحزبة لا يمكن الوثوق بنزاهتها في شهادتها على الأحداث.
ومن هنا يظهر أن كتابة حقب التأريخ الإسلامي المبكر في العصر الحديث تحتاج إلى عمل نقدي كبير لتقويمها علمياً، وللوصول إلى مقاربة أكبر للصدق والحقيقة.
ومن الطبيعي أن يشترك جمع من المحدثين والأخباريين في حيازة الوصفين: المحدث والأخباري، حيث يتوسع المحدث في جمع الأخبار خارج نطاق الأحاديث النبوية وأحداث السيرة، كما فعل محمد بن إسحاق (ت١٥١هـ) ، ومحمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٤هـ) ، وخليفة بن خياط (ت ٢٤٠ هـ) .
стр. 8
وقد ألحق المصنفون في علم الرجال تراجم الأخباريين ودرسوهم ضمن تراجم المحدِّثين، وبذلك قدموا معلومات مهمة عنهم، ولا سيما أن الأخباريين لم تفرد تراجمهم في مصنفات مستقلة. وبعضهم نأى بنفسه عن رواية الحديث النبوي إلا عرضاً، في حين غلبت الأخبار التأريخية على ثقافتهم. بل إن اهتمامهم بموضوعات السيرة النبوية قليل، حيث نجد لسيف ابن عمر في تاريخ الطبري (٧) روايات تتعلق بردة الأسود العنسي وطليحة ومسيلمة (١) ، ومن الراجح أنها من كتابه (الردة والفتوح) وبوفاة النبي ﷺ ، ولأبي مخنف لوط بن يحيى (روايتان) تتناول حادثة الوفاة، ولم ينقل الطبري عن معمر بن المثنى ولا أبي عبيدة ولا الهيثم بن عدي ولا أبي اليقظان النسابة أية رواية في السيرة النبوية، وإذا فحصنا أثر الأخباريين في قسم السيرة النبوية، من كتاب "البداية والنهاية" لابن كثير (ت٧٧٤هـ) فإن ضآلة الأخبار تؤكد أن الأخباريين لم يهتموا بالسيرة النبوية إذ نقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أخباراً قليلة تتعلق بالسيرة، حيث صنَّف أبو عبيدة كراريس في بعض موضوعاتها (٢) تتعلق بأزواج النبي ﷺ ، فصنَّف كراسة في ذلك، ونقل عن سيف بن عمر التميمي (٣) خبراً يتعلق بقاتل مسيلمة وآخر (٤) يتعلق بوفاة النبي ﷺ ، وأخباراً (٥)
стр. 9
تتعلق بأزواجه ﷺ ، ونقل عن الهيثم بن عدي (١) ومحمد السائب الكلبي (٢) حول طهارة أمهاته ﷺ ، وعن هواتف الجن (٣) ولم ينقل عن لوط بن يحيى ونصر بن مزاحم وأبي اليقظان النسّابة شيئاً يتعلق بالسيرة النبوية، وكذلك فإن كتب شروح الأحاديث لا تنقل عن الأخباريين إلا نادراً، ويتضح ذلك من مراجعة شرح غني بالنقول والآثار، هو فتح الباري لابن حجر؛ فإنه نقل عن الأخباريين في حادثة وفاة النبي ﷺ وأحداث الخلافة الراشدة، ولم ينقل أخبار السيرة إلا عن المحدثين. ومعظم الأخباريين لا يوثقهم النقاد المحدثون، ولا ينفع التفتيش في أسانيد رواياتهم، بل تمت محاكمة رواياتهم، فإذا وافقوا الرواة العدول قبلت، وإذا خالفوهم رفضت، ثم إن مقارنة رواياتهم ببعضها تخدم النقد التأريخي، ومما يعين في هذا المجال معرفة ميولهم واتجاهاتهم العقدية والمذهبية، فإن كانت الرواية تخدم مذاهبهم لزم التوقف في قبولها.
وخلاصة القول: أنه ليس أمام الناقد في كثير من الأخبار سوى المحاكمات العقلية لقبول مروياتهم أو رفضها.
وهذا يوضح ضعف مشاركة معظم الأخباريين في تقييد أخبار السيرة النبوية والتصنيف فيها، باستثناء معمر بن المثنى (ت٢٠٩هـ) وعلي بن محمد المدائني (ت٢١٢هـ) اللَّذين صنفا كراريس في موضوعات مختلفة من السيرة النبوية. وثمة موضوع يحتاج إلى دراسة واسعة يتعلق بإعادة فحص مرويات
стр. 10
الواقدي بمقارنتها مع روايات الآخرين للكشف بتفصيل عن الأسباب التي أدت إلى تضعيفه من قبل المحدثين.
ونظراً لظهور المحدثين المبكر على ظهور الأخباريين، فإنهم تقدموهم في وضع قوانين الرواية، وقلّدهم الأخباريون في طرائق العرض، فكلاهما يهتم بالسند من حيث الظاهر، لكن أسانيد المحدثين حَوَتْ رواة تعرف سيرهم وتتميز أشخاصهم، أما أسانيد الأخباريين فيرد فيها رواة لا نجد لهم في كتب التراجم ذكراً. وقد انتبه السبكي (ت ٧٧١هـ) لضرورة وضع قواعد للمؤرخين، لكن محاولته كانت متأخرة وناقصة (١) .
إن المحدثين قدموا للإنسانية منهجاً متكاملاً، واسعاً وشاملاً، للتعامل مع الرواية قبل ثلاثة عشر قرناً، في حين ظهر منهج النقد التأريخي عند الغربيين في أواخر القرن الثامن عشر. وهذا يوضح مدى السبق الذي حققه المحدثون، وقد انعكس ذلك على الحياة الأدبية والثقافية والدينية في المجتمع الإسلامي، حيث تكوَّنت العقلية النقدية في أوساط النخبة، مما كان له أثر كبير في دفع الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها.
لقد تطور منهج النقد عند المحدِّثين منذ القرن الثاني الهجري لغاية القرن التاسع الهجري حيث لم تَجْرِ تعديلات مهمة عليه بعد السخاوي (ت٩٠٢هـ) ، ورغم أن المتخصصين في القرن العشرين أعادوا صياغة المنهج بصورة شاملة أو جوانب منه، فإنهم لم يقوموا باستقراء تام؛ لإعادة النظر في مسائله وقواعده بإضافة أو تعديل على ضوء ما انتهى إليه البشر في العلوم المختلفة.
стр. 11
لقد انتبه المحدِّثون منذ القرن الثامن الهجري لأهمية دراسة السيرة وفق مناهجهم بنقد أسانيدها ومتونها مثل الذهبي وابن كثير، لكنهم غلَّبوا إكمال نقد الأحاديث النبوية على أخبار السيرة، لما يترتب على الأحاديث من أحكام شرعية.
ومع اتساع نطاق التعليم في العصر الحاضر، وازدياد الاهتمام بالسيرة النبوية على نطاق واسع، ولما لها من أثر قوي في تربية الأجيال الإسلامية وتحديد قيمها، صار من اللازم التأكد من صحة المعلومات قبل تحليلها تربوياً وقيمياًً.
وقد هيأ العصر الحديث من الوسائل الحديثة والتقنيات المطورة ما يُيسر مهمة إنجاز الموسوعات الحديثية وموسوعات السيرة النبوية وبقية العلوم الإسلامية وربطها ببعضها ليخدم بعضها بعضاً، ويكمل معلوماته ولتتم المقارنة بين الروايات وتفسيرها بنطاق واسع، وقد أثبتت التجارب الأولية جدوى الإفادة من الكمبيوتر وبرامجه، وإن لم تحقق الهدف على الوجه المطلوب لقصور في البرمجة والخبرة العلمية معاً.
وتفيد الدراسات الحديثة ذات المنهج النقدي الحديثي بأن الروايات التي أوردها الرواة الضعفاء تعطي صورة مشوهة لبعض أحداث السيرة النبوية، أما أثر الأخباريين في هذا التشويه فهو محدود؛ لعدم عنايتهم بالسيرة التي عني بها المحدثون، فجاءت مروياتها تتسم بالجدية بعيداً عن المبالغة والخيال، وكثير منها ينقلها شهود عيان معروفون بالصدق والمروءة.
ولكن دخول مرويات الرواة الضعفاء إلى كتب السيرة يظهر في الكتابات المتأخرة مثل السيرة الحلبية، ويقلُّ أثرهم في كتب السيرة المبكرة، ويبدو أن
стр. 12
الضعف في أسانيد الكتب المبكرة يرجع إلى الإرسال والتدليس والتعليق والبلاغات، وهي مظاهر لا توحي بالثقة وتقتضي إعمال المنهج الحديثي فيها أسانيد ومتوناً.
стр. 13
معالم منهج المحدثين في النقد
أولاً: المقارنة
...
معالم منهج المحدثين في النقد أساليب النقد عند المحدثين
أولا: المقارنة:
يُعَدُّ جمع طرق الخبر أو الحديث والمقارنة بينها من أميز أساليب المحدثين في نقد الرواية، قال الإمام مسلم: "فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض يتميز صحيحها من سقيمها، ويتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ" (١) .
وقال عبد الله بن المبارك: "إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض" (٢) ، وقال يحيى بن معين: "إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش" (٣) .
وقد عمد المحدثون منذ وقت مبكر إلى طريقة المقارنة بين الروايات التي وردت عن حادث معين أو تنقل كلاماً نبوياً، وتتم المقارنة عادة بين سلاسل الأسانيد، ثم بين المتون للخبر الواحد. فمن أنواع المقارنات التي قاموا بها: "المقارنة بين روايات عدد من الصحابة، والمقارنة بين روايات المحدث الواحد في أزمنة مختلفة، والمقارنة بين مرويات عدد من التلاميذ لشيخ واحد، وبين رواية المحدث ورواية أقرانه، والمقارنة بين الكتاب والمذاكرة، وبين الكتاب والكتاب" (٤) . فميزوا الكلام المدرج فنسبوه إلى قائله (٥) . وبذلك تميزت ألفاظ
стр. 14
الرسول ﷺ عن ألفاظ الشراح والمجتهدين التي تمثل فهمهم واستنباطهم من النص. والحق أن التدقيق في المقارنة بلغ غايته عند المحدثين، حيث ظهرت مؤلفات مستقلة تعني ببيان ما أقحم في النص الأصلي من عبارات ألحقها الرواة على سبيل الشرح والإيضاح، وأية قراءة في كتاب "الفصل لوصل المدرج في النقل" للخطيب البغدادي ستكشف عن مدى الدقة في اتباع هذا المنهج، فقد حصر روايات الخبر، وقارن بينها، وانتهى إلى تحديد الخبر الأصلي وما ألحق به فيما بعد.
وبفضل هذه المقارنات عرف وقوع التعارض بين حديثين أحياناً يتساويان في القوة، ويتناقضان في المعنى، ويتعذر الجمع بينهما، وتسمى هذه الصورة "بالاضطراب". وكذلك عرف وقوع التقديم والتأخير في ألفاظ الحديث مما يغير المعنى المراد وهو ما يسمى "بالمقلوب" وهو يدل على عدم ضبط الراوي.
وكذلك فإن النقاد حددوا ما وقع من تصحيف وتحريف، حتى إنهم حددوا أحياناً سبب وقوع التصحيف كالأخذ من كتاب بغير سماع (١) . ومن التصحيف ما يسهل تصحيحه، ومنه ما يتعذر إلا بالمقارنة بين الروايات.
كذلك فإن النقاد حددوا ما وقع من زيادات في ألفاظ بعض الروايات، فوضعوا ضوابط لقبول زيادة الثقة: كأن لا تخالف ما رواه الثقات، وكاشتراط تعدد المجلس وغير ذلك من الضوابط. لقد نجم عن هذه المقارنة ظهور فروع عديدة عرفت بعلوم الحديث، فكانت ثمرة مقارنة الأسانيد معرفة
стр. 15
المرسل والمنقطع والموقوف والمقلوب وغيرها. وثمرة مقارنة المتون معرفة الشاذ والمضطرب والمنكر والمدرج وغيرها.
стр. 16
ثانياً: إتقان أسلوب المحدث واستخدامه في النقد
لقد عمد بعض النقاد إلى دراسة مجموعة من مرويات المحدث وتمرس فيها بحيث يتمكن من معرفة ما ينسب إليه من مرويات بسبب مشابهتها لها أو مخالفتها، وربما يصل الأمر عند المقارنة إلى تمييز ألفاظ بعض الرواة عن المحدث ومدى تشابهها مع المعروف عنه.
قال علي بن المديني – الناقد المعروف – وقد سُئل: مَنْ أثبت الناس في محمد بن سيرين؟ فقال: أيوب، ثم ابن عون، ثم سلمة بن علقمة، ثم حبيب ابن الشهيد، ثم يحيى بن عتيق، ثم هشام بن حسان. وما قال يزيد بن إبراهيم التستري سمعت محمد بن سيرين أثبت عندي من خالد الحذاء. ألفاظ عاصم الأحول وخالد الحذاء في محمد واحدة لا تشبه ألفاظهما ألفاظ أصحابهم (١) .
إن هذا الحس الدقيق لم يتكون إلا عبر معايشة طويلة لألفاظ المحدث ومعرفة دقيقة بإتقان رواته لها وتباينهم في هذا الإتقان.
قال الحافظ ابن رجب: "حذاق النقاد من الحفاظ- لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال، وأحاديث كل منهم- لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان" (٢) .
لقد تراكمت الخبرة عند النقاد المسلمين لطول ممارستهم ومناظراتهم
стр. 17
وتأملهم في النصوص.
قال الأوزاعي: "كنا نسمع الحديث ونعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف، فما عرفوا منه أخذناه، وما أنكروا منه تركناه" (١) .
وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: "إنك تقول للشيء هذا صحيح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد، فأريته دراهمك، فقال هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأل عمن ذاك أو تسلم له الأمر؟ قال: أسلم له الأمر. فقال: كذلك بطول المجالسة والمناظرة والخبرة" (٢) .
إن معرفة أسلوب المحدث والمقارنة به تطور عند نقاد الأدب العربي، وصارت إحدى وسائل النقد الرئيسة عند نقاد الشعراء والكتاب. وكذلك فإن المنهج الغربي يعني بدراسة أسلوب المؤلف والإفادة من ذلك في التعرف على صحة نسبة كتاب ما إليه من خلال ملاحظة وحدة الأسلوب. وقد جاء منهج النقد الغربي ليركز على دراسة الوثيقة والكتاب من حيث التحليل الباطني لاستخراج كل الدلائل التي تعرفنا بالمؤلف وعصره (٣) . بل قد دعت الدراسات اللغوية الملتزمة بالمنهج البنيوي والتشريحي إلى عزل النص عن مؤلفه وبيئته ثم القيام بدراسته واستلهامه.
وبناء على تركيز المنهج الأوروبي على الوثيقة المدونة، فإنه قد يضطر إلى الفرض والتخمين لمعرفة أصولها ومصادرها القديمة، في حين أن ذكر الأسانيد في الرواية الإسلامية يسّر الكشف عن مصدر الخبر (٤) ، مع تدقيق المنهج
стр. 18
الإسلامي في التأكد من الاتصال بين الرواة الناقلين للخبر عبر العصور خوفاً من وقوع الانقطاع الزمني مما يولد الشك في صحة الرواية.
стр. 19
ثالثاً: الاهتمام بشهود العيان وكثرتهم
لقد وجّه المحدثون نقدهم إلى الإسناد أولاً ثم إلى المتن، وبذلك اختصروا الجهد عندما لا يصمد السند أمام النقد فلا حاجة عندئذ للاستمرار في نقد المتن. والحق أن النقد للمتن وفق المعايير العقلية خاصةً لا يعد سبيلاً قويماً ووحيداً لنقد الأحاديث التي لا يستحيل عادةً صدورها عن النبي ﷺ ومع ذلك فإن السند يسقطها. على أن وضع الضوابط العقلية لنقد المتن كان يواكب ضوابط نقد السند، لأن صحة السند وحدها لا يعدّها النقاد كافية لتصحيح الحديث.
إن العناية بالإسناد تهدف إلى الوصول إلى شاهد عيان صادق بواسطة سلسلة من الشهود الصادقين الضابطين. ومن هنا كان تعريف الحديث الصحيح: هو ما وصل إلينا بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط من أوله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة. وانتقد الخبر إذا سقط منه شاهد العيان وصار مرسلاً ضعيفاً يحتاج إلى تعدد طرقه "مخارجه" إذا أريد الأخذ به. وموضوع تعدد المخارج يتسم بالدقة، وليس المقصود أن تنتهي سلاسل الأسانيد إلى سلسلة واحدة، بل لابد أن يستقل بعضها عن بعض حتى نهاية السند أو أعلاه (الصحابي أو التابعي أو تابع التابعي) .
إن تعدد المخارج وحده هو الذي يمنع من إهمال الخبر وعدم الاعتداد به عند سقوط اسم شاهد العيان منه.
وهكذا فإن الأخبار التي تضمها وثيقة أو كتاب متأخر لا تُعدُّ بعيدة عن
стр. 20
الأحداث والأشخاص المباشرين للفعل التاريخي ما دامت الأسانيد ترقى إلى شهود العيان. فكان شاهد العيان هو المؤرخ الحقيقي، وعندئذ يبني شهادته على الملاحظة المباشرة إذ ليس بينه وبين الوقائع أية وسائط. ولكن تبقى مهمة الباحث في أن يتأكد من صدق شاهد العيان وصدق المخبرين عنه، وصدق صاحب الكتاب أو مدون الوثيقة. وهذا ينطبق على المؤلفات المتأخرة التي اعتمدت على مصادر أقدم مفقودة، فإن المؤلفات المتأخرة هي مصادر بديلة عن المتقدمة، ولا تعدُّ بعيدة عن الأحداث، لأن الاعتماد على المصادر المتقدمة في تناول الحدث أو الخبر.
وهكذا فإن (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي عندما يتناول خبراً يتعلق بالخليفة العباسي الراضي بواسطة إسناده إلى أبي بكر الصولي لا يعدُّ متأخراً، لأن الصولي عاصر وعاشر الخليفة الراضي فهو شاهد عيان ولكن يبقى التفتيش عن صحة سند الخطيب إلى الصولي، وهو سند نسخة كتاب "الأوراق" للصولي، التي تملّك الخطيب حق روايتها.
وفي الكتب المشهورة المتداولة يتساهل النقّاد في السؤال عن طرق تحمل الكتاب أو سنده، لصعوبة تزييف نسخة محرّفة من الكتاب المشهور المتداول بين أهل العلم، إذ سرعان ما يكشف الزيف وتسقط النسخة.
والحق أن التأكيد في منهج التأليف الإسلامي ليس على اسم الكتاب الذي يتم النقل منه بل على مؤلفه، لذلك كثيراً ما يهمل المصنّف ذكر اسم الكتاب ويقتصر على ذكر اسم المؤلف ضمن سلسلة الإسناد دون أن يشير إلى أنه مؤلف كتاب. وهكذا تتولّد صعوبة معرفة اسم المؤلف عندما يرد في سلسلة السند ذكر عدد من المؤلفين، كما يكون من الصعب تحديد اسم
стр. 21
الكتاب للمؤلف الذي ألّف عدة كتب في موضوع واحد أو موضوعات متداخلة، بحيث يمكن تكرار روايات نفسها في كل منها. وهنا يلحظ المعني بأساليب التأليف في القرون الأولى أن النظرة إلى الكتاب حتى في عصر التدوين (القرن الثالث الهجري) لم تحظ بالقدر الكافي من الاهتمام، وظلّت النظرة إلى المؤلف بوصفه "راوية" هي الأساس، رغم طغيان الكتابة على الذاكرة وشيوع التأليف في تلك الفترة.
стр. 22
رابعاً: وضع شروط للراوي والمروي
لقد استخدم المحدثون مبدأ التثبت في التعامل مع العلم النقلي "الرواية".
إن مبدأ "التثبت" استخدمه المحدثون في القرون الأولى للهجرة، يقول عبد الرحمن بن مهدي (ت١٩٨هـ) أحد كبار النقاد: "خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث" (١) .
ونظراً لنشأة شروط صحة الرواية في ظلال الدين، فإن شروط الراوي تأثرت بذلك، فلابد أن يكون مسلماً ليقبل أداؤه، وإن لم يعدُّ الإسلام شرطاً عند تحمله. وقد اختلف المحدثون والأصوليون حول سن التحمل "السماع" فذهب بعضهم إلى اشتراط البلوغ، وأطلق آخرون السن بشرط القدرة على ضبط ما يرى ويسمع ولو لم يبلغ، ولكنهم لم يختلفوا في ضرورة أن يكون بالغاً عاقلاً مميزاً وقت الأداء (الرواية) (٢) ، وكذلك اشترطوا في الراوي العدالة بأن يكون صادقاً سليماً من كل صفة تخل بمروءته ودينه حتى تحصل الثقة
стр. 23
بروايته، والشرط الرابع في الراوي: هو الضبط، سواء أكان ضبط صدر أم كتاب: بأن يكون سليم الذاكرة والفهم إذا حفظ، صحيح الكتابة والنقل إذا دوّن. فإذا اختلط أو كثرت غفلته في فترة ما فإنه يسقط توثيقه مهما بلغ ورعه أو سلامة نيته، بل إن سلامة النية قد تؤدي إلى السذاجة والغفلة مما يؤثر في دقة الراوية، لذلك قال ابن سيرين: "لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث" (١) ، فلا بد للراوي من التمتع بعقل سليم، وتصوُّر مستنير، وقدرة جيدة على التمييز، فإذا اختلت قواه النفسية والعقلية فإن روايته مرفوضة. وهذا ما انتهى إليه المنهج النقدي الحديث إذ اشترط في الباحث "أن يكون فطناً حتى يقف دون عناء كبير على التفاصيل الهامة أو الظروف الأساسية التي تؤثر تأثيراً فعالاً في الظاهرة التي يلاحظها ويجري التجارب عليها" (٢) .
وأما المروي فقد اشترط أن يكون مسموعاً على العلماء وليس مأخوذاً من الكتب والنسخ دون تملك حق روايتها، وهذا الشرط لحماية الرواية من التحريف والتصحيف والخطأ في الفهم، فالعالم هو الذي سيبين النطق الصحيح والفهم الصحيح للرواية.
стр. 24
خامساً: اشتراط الملاحظة العلمية
من الصفات التي اشترطت في شاهد العيان لقبول شهادته، فالملاحظة العابرة ليست موضع ثقة، وإنما الملاحظة الدقيقة مع سلامة الحواس وقوة
стр. 25
الذاكرة من أجل "الضبط". إن الملاحظة العلمية تكون مقصودة وشرطها "ألاَّ يكون لدى الباحث شاغل آخر سوى اتخاذ الحيطة تجاه أخطاء الملاحظة التي قد تحول دون رؤية الظاهرة بتمامها، أو قد تؤدي إلى تحديدها تحديداً سيّئاً" (١) . والمحدثون أرادوا أن تكون ملاحظة الراوي مباشرة ومقصودة، وألاَّ يغيب ذهنه حال التلقي، فلا ينشغل بسوى الرواية وإلا سقطت روايته سواء كان تحمله سماعاً أو قراءة. بل إنهم أقاموا المفاضلة بين السماع والقراءة على مدى توافر الحضور الذهني، وإمكان تصحيح وضبط الرواية في الحالتين.
стр. 26
سادساً: الانتخاب عمل نقدي
إن المنهج النقدي الإسلامي كما أشرت من قبل استخدم مع الأحاديث والآثار المرفوعة والموقوفة على الصحابة، ولم يستعمل إلا نادراً في نطاق الرواية التأريخية والأدبية، حيث لم يكن المؤرخون في القرون الأولى الإسلامية ينقدون "الخبر التأريخي"بل كانوا يقومون بالجمع الشامل والانتقاء، ولا ريب أن الانتقاء (الانتخاب) يدخل ضمن الأعمال النقدية بالجملة، ولكن ذلك يتوقف على مدى دقة مقاييس المنتخب وشروطه في كتابه. ومن هنا فلا يمكن القول أن (تاريخ الطبري) خال من أي عمل نقدي ما دام الطبري قد انتخب مادته من المكتبة التأريخية التي وقف عليها في عصره. ولكن من جهة ثانية لا يمكن عدُّ الطبري قد قام بعمل نقدي للأسانيد والمتون مثل عمل البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ لأنه لم يشترط الصحة في كتابه، بل لم يشأ أن يتحمل مسؤولية الأخبار التي صرح بأن العهدة فيها على "الراوي" وليس عليه.
стр. 27
المحدثون والنقد الباطني السلبي
اشتراط تملك حق الرواية:
...
المحدثون والنقد الباطني السلبي:
اهتم النقاد المحدثون بالكشف عن اتجاهات الراوي وميوله العقدية والسياسية، ونظروا إلى مروياته بحذر، إذا وافقت هواه، ورفضوا مروياته إذا كان من الدعاة إلى البدعة والهوى، وهو رأي أحمد بن حنبل؛ وذهب الشافعي إلى قبول شهادة (أخبار) أهل الأهواء، إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، ويرى الإمام مالك رفض مرويات أهل الأهواء (١) .
والرأي المعتدل هو ترك الدعاة إلى بدعهم، لأن حماستهم ودعوتهم تؤثر في روايتهم، وأما غير الدعاة فتركهم بالجملة يسقط كثيراً من الروايات دون مسوِّغ ومن هنا قال ناقد كبير هو علي بن المديني: "لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي – يعني التشيع – خربت الكتب". قوله: "خربت الكتب" يعني لذهب الحديث (٢) . بل إن بعض الدعاة إلى البدع كالخوارج لم تردّ مروياتهم، لأن بدعتهم تجرهم إلى تغليظ جريرة الكذب، فهم يكفِّرون مرتكب الكبيرة والكذب كبيرة (٣) ، والمقصود معرفة الدوافع النفسية للراوي ومدى تأثيرها في دقة الرواية.
إن تحليل شخصية الرواة ودوافعهم سبق إليه المنهج الإسلامي، وجاء المنهج النقدي الحديث يفتش عن مدى حياد أو موضوعية الراوي أو
стр. 28
المؤلف (١) ، حيث اشترط ألا ينساق لعواطفه الخلقية والعقدية والفلسفية (٢) ، "وأن تجيء روايته مستقلة قدر المستطاع عن قائلها، فلا يمازجها شيء من ميوله وأهوائه ونزعاته الذاتية، وليس للباحث العلمي أن يختار من الشواهد لبحثه ما يخدم رغبة في نفسه، أو أن يحقق مثلاً أعلى يتمناه" (٣) .
إن تحليل نفسية الراوي، ومعرفة أثر الغرور وحب الشهرة في دقة مروياته، من الجوانب التي أولاها المنهج الإسلامي اهتمامه، يقول شعبة بن الحجاج (ت١٦٠هـ) : "لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ" (٤) ، والحديث الشاذ هو أن يروي الثقات حديثاً فيشذ عنهم واحد فيخالفهم، وهذا إما لاختلال الضبط أو للرغبة في الشهرة بمعرفة أحاديث غريبة نادرة. وقد وصف الخطيب أكثر طلبة الحديث في عصره بغلبة كتب الغريب عليهم دون المشهورة، وسماع المنكر دون المعروف (٥) ، وكان أبو يوسف القاضي قد نبه من قبل على خطورة ذلك: "من اتبع غريب الحديث كذب" (٦) .
إن منهج النقد الحديث يرفض التعلق برواية شاذة، ويطالب بجمع سائر الروايات المتعلقة بحادث معين؛ لتكتمل الصورة، ويُعرف الاتجاه العام في المصادر، وتُكتشف محاولة التزوير، وتزييف الخبر. وعند شذوذ مصدر معين تبرز ثمة دواعٍ لاتهامه، وهي من أبرز مزايا الجمع الكامل والتقميش التام.
стр. 29
إن دراسة الحالة الصحية والعقلية للراوي وما يطرأ عليه من تغيير اهتم بها المنهج النقدي الإسلامي وحاول تحديد وقت المرض، كالاختلاط الذي يؤدي إلى رفض الرواية منذ تاريخ وقوعه دون أن يتعدى أثره تاريخ الراوي السابق، ولا شك أن ضعف الذاكرة وكثرة الغلط تؤدي إلى التوقف في قبول الرواية.
وجاء المنهج النقدي الحديث يؤكد على أهمية الفحص عن دقة الراوي وحالته العقلية والنفسية عند التحمل والأداء (١) ، فهو يحذر "أن يكون المؤلف قد أساء الملاحظة نتيجة لدوافع باطنية أو شعورية (هلوسة أو وهم) " (٢) .
وقد قرر المحدثون أن صحة السند لا تقتضي صحة المتن، لذلك فإنهم نقدوا المتن أيضاً، وذلك عن طريق تصحيحه قبل تفسيره وتحليله، وقد كشفوا عن أخطاء وتحريفات وتصحيفات المتن في مؤلفات مستقلة رائدة من أشهرها مؤلَّف العسكري (تصحيفات المحدثين) .
إن جهابذة نقاد السند هم جهابذة نقاد المتن في آن واحد، مثل الإمام البخاري والإمام مسلم في "التمييز" حيث ساق الأخير الأحاديث المنقولة على الوهم في متونها دون أسانيدها، وبين وجه الوهم بذكر ما اشتهر من الأحاديث المخالفة لها في المتن (٣) . وتتابعت الجهود لصياغة منهج نقد المتن، وظهرت ضوابط دقيقة ذكر بعضها ابن القيم مثل اشتمال المتون على المجازفات ومخالفتها للحس وسماجة المعنى وركاكة الأسلوب والمناقضة للسنة الصريحة أو لصريح القرآن أو لأنها لا تشبه كلام الرسول ﷺ
стр. 30
أو ادعاؤها على النبي فعلاً ظاهراً بمحضر الصحابة وأنهم اتفقوا على كتمانه (١) .
وما ذكره ابن القيم يدل الاستقراء على صحته، كما تدل الدراسات على أن بعض هذه الضوابط استخدمها الصحابة رضوان الله عليهم، كما فعل علي ﵁ وعائشة ﵂ وابن عمر ﵁ وابن عباس ﵄ من عرض الحديث على القرآن، فإذا ظهرت مخالفته للقرآن ردُّوه، ما لم تكن تلك المخالفة ظاهرية وليست حقيقية، كأن يخصص الحديث العام في القرآن أو يقيد المطلق فلا يكون ثمة تعارض حقيقي بين الاثنين ما دام الجمع ممكناً (٢) ، وأما معارضة الحديث لصريح السنة فقد عمل الصحابة على ترجيح أحد الحديثين المختلفين بكون صاحبه أعلم بذلك الحكم وأخص به من الآخر، أو لأنه صاحب القصة، وكذلك عملوا على ترجيح أحد الحديثين لأنه عضدته رواية أو روايات أخرى والمخالف لا مؤيد له (٣) ، وكتاب الدكتور الدميني بجملته شرح وتفصيل وتمثيل لكلام الحافظ ابن القيم في (المنار المنيف) قائم على الاستقراء، وقد يجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض بتعدد الواقعة.
لقد أخذ النقاد من التابعين ومن بعدهم بهذا المنهج في نقد المتون وتوسعوا في ذلك، وكلما اتسع نطاق النقد ظهرت قواعد جديدة ضابطة، وتنوعت
стр. 31
فروع النقد وعلوم الحديث وعلم أصول الفقه، وبالجملة فإن النقاد سعوا منذ وقت مبكر إلى التوفيق بين النصوص التي ظاهرها الاختلاف والتعارض فالجمع بين الروايات الصحيحة والعمل بها أولى من إسقاط بعضها.
وهكذا ظهرت المؤلفات في معرفة مختلف الحديث، وهي تلجأ للتوفيق إما بإثبات أن التعارض في الظاهر فقط وأن بينها عموماً وخصوصاً أو الحمل على النسخ أو الترجيح بينهما بمرجح.
وربما كان كتاب تأويل مختلف الحديث للشافعي هو أقدم المصنفات في هذا الفن ثم أعقبه ابن قتيبة والآخرون. وقد تتم محاكمة المتن ونقده بالعرض على الوقائع التاريخية الثابتة فإذا عارضها رفض المتن (١) ، أو بالعرض على قواعد الشريعة العامة وأصولها الثابتة المحكمة، فإذا خالفها بانت نكارته لأن كلام الله ورسوله لا يُناقض بعضه بعضاً، كما أن كلام الرسول ﷺ يخلو من المجازفات والمبالغات في قياس الأقوال والأعمال، وقواعد الشريعة تقبلها العقول السليمة وترتاح لها النفوس المستقيمة والأمزجة المعتدلة؛ لأنها قواعد عادلة ومعتدلة، أو إن كانت المتون مخالفة لسنن الطبيعة ولقوانين الاجتماع مما يستحيل وقوعه أو ينكر العقل الصحيح وقوعه للناس العاديين فإنهم رفضوها. أما الأنبياء فيجب خرق العادة لهم في المعجزات التي نقلت بالتواتر، وكذلك بالنسبة لكرامات الأولياء. وهذا الجانب لا يتقبله منهج البحث الغربي الحديث؛ لأنه يرتكز إلى فلسفة مادية لا تؤمن إلا بالمحسوس فهي ترفض عالم الغيب برمّته. وهذا فرق أساسي بين المنهجين، ولعل هذا
стр. 32
الاختلاف يفسر بعض معاني مقولة جولدتسيهر عن المحدثين وهي: "ومن السهل أن يفهم أن وجهات نظرهم النقدية ليست كوجهات النظر عندنا، التي تجد لها مجالاً كبيراً في النظر في تلك الأحاديث التي عدَّها النقد الإسلامي صحيحة غير مشكوك فيها، ووقف حيالها لا يحرك ساكناً" (١) ، وإن كان مقصود جولدتسيهر أوسع من هذا؛ فهو يقرر ضعف منهج نقد المتن عند المحدثين، وانصرافهم إلى نقد الأسانيد، وهي تهمة وجهها الدارسون من المستشرقين للحديث النبوي؛ لأنهم لم ينظروا إلى المنهج الإسلامي كاملاً، بل نظروا إليه من خلال منهج المحدثين وحده، وهو قصور كبير؛ لأن المحدثين يشبه عملهم عمل جامعي الوثائق وموثقيها، ويكمل عملهم الأصوليون والفقهاء، كما يكمل المؤرخون عمل الموثقين. ولكن يبقى أن الجهد الأكبر في تصحيح النص من قبل المحدثين انصبّ على الإسناد، وبدرجة أقل على المتون، وفي ذلك اختصار للجهد؛ لأن ما لا تثبت نسبته للرسول ﷺ لا يستحق دراسة متأنية لمتنه تفسيراً واستنباطاً أو كشفاً عن النكارة والشذوذ، وعيوب المعنى الأخرى. ولكن المحدثين ـ والحق يقال ـ ميزوا بين النقد الشامل للسند والمتن، وبين نقد السند وحده، ففي الحالة الأخيرة قيدوا الحكم بالسند فقالوا: صحيح الإسناد. أما النقد الشامل فقالوا: حديث صحيح. كما أنهم ردوا أحاديث كثيرة ظاهر أسانيدها الصحة (٢) ، ولكن معظم ما ردوه وَرَدَ بأسانيد واهية أو ضعيفة.
стр. 33
أما تلك الروايات التي صيغت بأسلوب ركيك واستعملت ألفاظاً غريبة على ألفاظ النبوة، فقد اهتم المحدثون بنقدها بناءً على معايشتهم لأسلوب الحديث النبوي، وهو أسلوب جامع مانع متميز، ولكن النقاد راعوا في هذه الحالة جواز الرواية بالمعنى بشروطها المحددة، فاحتاطوا كثيراً؛ خوفاً من رد حديث صحيح بسبب وقوع الإدراج في الحديث، وفي الحالتين ينبغي تمييز كلام النبي ﷺ وعدم رد الحديث برمته.
اشتراط تملك حق الرواية:
لم يجز المحدثون الرواية لأحد إلا إذا تملك حق الرواية، وهو حق لا يناله إلا من تحمل العلم بطريقة معترف بها وهي السماع على الشيخ أو القراءة عليه أو الإجازة أو المناولة أو الوجادة. ومراتب التحمل هذه تتفاوت في قوتها حسب تسلسل ذكرها. ولا شك أن الضرورة هي التي اقتضت الاعتراف بـ"الوجادة" وهي الأخذ من نسخة أو كتاب صحيح موثق بالسماعات أو مشهور بين أهل العلم. فكثرة الكتب المؤلفة وتعدد النسخ وصعوبة تلقيها بالسماع والقراءة "العرض". ولولا هذه المرونة في التعامل مع المنهج لتعطلت المؤلفات. وقد اعترف ابن الصلاح بأن الوجادة هي الطريقة الغالبة على تلقِّي العلم في عصره لتعذر الرواية الشفهية (١) .
ولقد عدَّ منهج البحث الحديث النص المكتوب أساساً لتلقي العلم وشكك في المصادر الشفهية، وعدَّ الملاحظة هي البداية الصحيحة لكل بحث علمي وعرَّفها بأنها: "مشاهدة دقيقة لظاهرة ما"، مع الاستعانة بأساليب
стр. 34
البحث والدراسة التي تتلاءم مع طبيعة هذه الظاهرة (١) ، ومن البديهي أن يحقق المنهج الإسلامي في التعامل مع النص تفوقاً على منهج البحث الغربي في نطاق الدراسات التاريخية، حيث لا يتمكن منهج البحث التاريخي الغربي من الحصول على شهود عيان في معظم الحالات، فيلجأ إلى التخيل في استعادة الصورة التاريخية بالاعتماد على شهود غير مباشرين. "فالوقائع التاريخية والأفعال الإنسانية الفردية والجماعية والوقائع النفسية تلك هي موضوعات المعرفة التاريخية، وهي لا تشاهد مباشرة بل كلها تتخيل، والمؤرخون كلهم تقريباً، دون أن يشعروا، معتقدين أنهم يشاهدون حقائق واقعية، لا يعملون إلا في صور" (٢) .
لقد اشترط المحدثون عند التحمل من نسخة أو الأخذ من كتاب أن يكون مقابلاً مع الأصل مصححاً عليه. وذهب حماد بن سلمة والأوزاعي والشافعي إلى تحسين تصحيح الكتاب وما يقع فيه من سقط، فقال حماد لأصحاب الحديث: "ويحكم غيروا وقيدوا واضبطوا"، وقال الأوزاعي: "لا بأس بإصلاح الخطأ واللحن والتحريف في الحديث"، وقال الشافعي: "إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح، فاشهد له بالصحة" (٣) .
أما منهج البحث الحديث فهو يرى أن أول خطوات نقد النص تتمثل في تصحيحه من التحريفات التي تطرأ على الأصل في نسخة منقولة وهي التي تمس اختلافات النقل سببها إما التزييف أو الغلط، وكل النساخ تقريباً
стр. 35
ارتكبوا أغلاطاً في النقل مرجعها إلى الإدراك، أو قد تحدث عرضاً، فالأغلاط الراجعة إلى الإدراك تقع حينما يكونون أنصاف متعلمين، أو أنصاف أذكياء، والأغلاط العرضية تحدث حينما يسعون في قراءة الأصل، أو لا يعرفون أن يقرؤوا أو حينما يسيئون السماع وهم يكتبون، أو حينما يرتكبون عن غير قصد سقطات قلمية" (١) .
стр. 36
حول الرواية بالمعنى:
لقد اشترط بعض النقاد الرواية باللفظ الذي سمع دون تغيير باللحن أو الخطأ وهذا ما نقل عن محمد بن سيرين وسليمان بن مهران الأعمش وغيرهما، وقد انتصر لهذا الرأي القاضي عياض في "الإلماع" وأما الحسن البصري وعامر الشعبي وغيرهما فأجازوا الرواية بالمعنى (٢) ، وهو الرأي الذي ساد أخيراً بشرط أن يكون الراوي فقيهاً بصيراً بدلالات العربية وأساليبها (٣) حتى لا يحيل المعنى. وهذا هو رأي الجمهور من الفقهاء وعدد من المحدثين (٤) . وقد انتصر لهذا الرأي الخطيب البغدادي في "الكفاية" واستقر العمل عليه. ولكن الشرط في جواز الرواية بالمعنى استمر ملزماً، بل وفصَّلَتْ كتب العلم تفصيلاً يحقق المقصد منه "فإذا لم يكن الراوي عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل من معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها، لم تَجُزْ له الرواية لما سمعه بالمعنى بلا خلاف" (٥) .
стр. 37
وقال السرخسي: "الخبر إما أن يكون محكماً أو ظاهراً مشكلاً أو مشتركاً أو مجملاً أو متشابهاً، أو أن يكون من جوامع الكلم، فأما المحكم فيجوز نقله بالمعنى لكل من كان عالماً بوجوه اللغة، وأما الظاهر فلا يجوز نقله بالمعنى إلا لمن جمع إلى العلم باللغة العلم بفقه الشريعة، وأما المشكل والمشترك فلا يجوز فيهما النقل بالمعنى أصلاً، لأن المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل، والتأويل يكون بنوع من الرأي كالقياس فلا يكون حجة على غيره، وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل بالمعنى؛ لأنه لا يوقف على المعنى فيه إلا بدليل آخر، والمتشابه كذلك، لأنا ابتلينا بالكف عن طلب المعنى فيه، فكيف يتصور نقله بالمعنى؟ وأما ما يكون من جوامع الكلم كقوله ﷺ : "الخراج بالضمان" وما أشبه ذلك فقد جوز بعض مشايخنا نقله بالمعنى على الشرط الذي ذكرناه في الظاهر" (١) . ولاشك أن هذه الشروط الدقيقة قد حافظت على الرواية ومنعت تزييفها، وهو ما يسعى المنهج الغربي الحديث إلى تحقيقه بواسطة قواعد المتن.
стр. 38
النقد الباطني الإيجابي:
وأما النقد الداخلي الإيجابي المتعلق بتفسير النص، فقد وضع المسلمون له منهجاً أسموه بـ"أصول الفقه"، وأسهم المحدثون إسهاماً مناسباً في تفسير المتن وتحديد معناه الإجمالي في كتب غريب الحديث، ومعناه العام وما يستنبط به من أحكام وقيم وأفكار مما تحفل به كتب شروح الحديث، ولكن الفقهاء والأصوليين هم الذين وضعوا المنظومة العقلية الكاملة للتعامل مع النص من
стр. 39
حيث التفسير تحليلاً وتركيباً، فظهرت علوم المجمل والمفصل والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ ومختلف الحديث، وما قاموا به من تصحيح المتن وتفسيره إجمالاً وتفصيلاً والاستنباط اللغوي والفقهي منه، وهو ما يعرف في المنهج الحديث بـ"تفسير النص".
ولاشك أن الشرح اللغوي والحرفي يسبق الفهم العام للنص عند المحدِّثين والنقاد الغربيين معاً. ويتفقان أيضاً في الانتقال بعد ذلك إلى معرفة الصحيح من الزائف في المتن للتأكد من صحة نسبته للرواة بتمامه عند المسلمين، أو من صحة نسبته للمؤلف عند الغربيين (١) .
стр. 40
مرونة المنهج النقدي للمحدثين في التعامل مع الروايات التاريخية والأدبية:
لقد اتسم منهج النقد الحديثي بالمرونة في التعامل مع الروايات والأحاديث فما يتعلق منها بالعقيدة أو الشريعة تعرض لنقد شديد، في حين يخفف المنهج من شروطه أمام أحاديث الرقاق والترغيب والترهيب والروايات التاريخية والأدبية.
إن أصحاب المنهج الحديثي لم يسعوا إلى تطبيقه في نطاق المرويات الأدبية والأخبار التاريخية تطبيقاً حرفياً، فالفنون الأدبية لها ضوابطها هي الأخرى، قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: "سألت يحيى بن معين عن محمد بن مناذر الشاعر فقال: "لم يكن بثقة ولا مأمون، رجل سوء نفي من البصرة، وذكر منه مجوناً وغير ذلك، قلت: إنما يكتب عنه شعر" وحكايات عن الخليل ابن أحمد الفراهيدي، فقال: هذا نعم. كأنه لم ير بهذا بأساً، ولم يره موضعاً للحديث" (١) .
وإذا درسنا تاريخ تطبيق المنهج باستعراض المؤلفات التي التزمت به فإن كتب الحديث ولا سيما صحيحي البخاري ومسلم والسنن الأربع وموطأ مالك، تبدو أدق التزاماً بقواعد هذا المنهج. أما الكتب التاريخية فإن ابن سعد وخليفة بن خياط والفسوي يقفون في مقدمة المؤرخين المعنيين بتطبيق قواعد منهج المحدثين في الرواية بالتزام ذكر الأسانيد مع انتخاب الروايات والمرونة في التعامل مع المنهج بالنسبة للروايات التي لا تتعلق بالدين؛ ولذلك فإن مستوى الرواة في العدالة ودرجتهم في الضبط بالجملة لا ترقى إلى مصاف رواة