حول الرواية بالمعنى:
لقد اشترط بعض النقاد الرواية باللفظ الذي سمع دون تغيير باللحن أو الخطأ وهذا ما نقل عن محمد بن سيرين وسليمان بن مهران الأعمش وغيرهما، وقد انتصر لهذا الرأي القاضي عياض في "الإلماع" وأما الحسن البصري وعامر الشعبي وغيرهما فأجازوا الرواية بالمعنى (٢) ، وهو الرأي الذي ساد أخيراً بشرط أن يكون الراوي فقيهاً بصيراً بدلالات العربية وأساليبها (٣) حتى لا يحيل المعنى. وهذا هو رأي الجمهور من الفقهاء وعدد من المحدثين (٤) . وقد انتصر لهذا الرأي الخطيب البغدادي في "الكفاية" واستقر العمل عليه. ولكن الشرط في جواز الرواية بالمعنى استمر ملزماً، بل وفصَّلَتْ كتب العلم تفصيلاً يحقق المقصد منه "فإذا لم يكن الراوي عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل من معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها، لم تَجُزْ له الرواية لما سمعه بالمعنى بلا خلاف" (٥) .
стр. 37
وقال السرخسي: "الخبر إما أن يكون محكماً أو ظاهراً مشكلاً أو مشتركاً أو مجملاً أو متشابهاً، أو أن يكون من جوامع الكلم، فأما المحكم فيجوز نقله بالمعنى لكل من كان عالماً بوجوه اللغة، وأما الظاهر فلا يجوز نقله بالمعنى إلا لمن جمع إلى العلم باللغة العلم بفقه الشريعة، وأما المشكل والمشترك فلا يجوز فيهما النقل بالمعنى أصلاً، لأن المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل، والتأويل يكون بنوع من الرأي كالقياس فلا يكون حجة على غيره، وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل بالمعنى؛ لأنه لا يوقف على المعنى فيه إلا بدليل آخر، والمتشابه كذلك، لأنا ابتلينا بالكف عن طلب المعنى فيه، فكيف يتصور نقله بالمعنى؟ وأما ما يكون من جوامع الكلم كقوله ﷺ : "الخراج بالضمان" وما أشبه ذلك فقد جوز بعض مشايخنا نقله بالمعنى على الشرط الذي ذكرناه في الظاهر" (١) . ولاشك أن هذه الشروط الدقيقة قد حافظت على الرواية ومنعت تزييفها، وهو ما يسعى المنهج الغربي الحديث إلى تحقيقه بواسطة قواعد المتن.
стр. 38
النقد الباطني الإيجابي:
وأما النقد الداخلي الإيجابي المتعلق بتفسير النص، فقد وضع المسلمون له منهجاً أسموه بـ"أصول الفقه"، وأسهم المحدثون إسهاماً مناسباً في تفسير المتن وتحديد معناه الإجمالي في كتب غريب الحديث، ومعناه العام وما يستنبط به من أحكام وقيم وأفكار مما تحفل به كتب شروح الحديث، ولكن الفقهاء والأصوليين هم الذين وضعوا المنظومة العقلية الكاملة للتعامل مع النص من
стр. 39
حيث التفسير تحليلاً وتركيباً، فظهرت علوم المجمل والمفصل والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ ومختلف الحديث، وما قاموا به من تصحيح المتن وتفسيره إجمالاً وتفصيلاً والاستنباط اللغوي والفقهي منه، وهو ما يعرف في المنهج الحديث بـ"تفسير النص".
ولاشك أن الشرح اللغوي والحرفي يسبق الفهم العام للنص عند المحدِّثين والنقاد الغربيين معاً. ويتفقان أيضاً في الانتقال بعد ذلك إلى معرفة الصحيح من الزائف في المتن للتأكد من صحة نسبته للرواة بتمامه عند المسلمين، أو من صحة نسبته للمؤلف عند الغربيين (١) .
стр. 40
مرونة المنهج النقدي للمحدثين في التعامل مع الروايات التاريخية والأدبية:
لقد اتسم منهج النقد الحديثي بالمرونة في التعامل مع الروايات والأحاديث فما يتعلق منها بالعقيدة أو الشريعة تعرض لنقد شديد، في حين يخفف المنهج من شروطه أمام أحاديث الرقاق والترغيب والترهيب والروايات التاريخية والأدبية.
إن أصحاب المنهج الحديثي لم يسعوا إلى تطبيقه في نطاق المرويات الأدبية والأخبار التاريخية تطبيقاً حرفياً، فالفنون الأدبية لها ضوابطها هي الأخرى، قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد: "سألت يحيى بن معين عن محمد بن مناذر الشاعر فقال: "لم يكن بثقة ولا مأمون، رجل سوء نفي من البصرة، وذكر منه مجوناً وغير ذلك، قلت: إنما يكتب عنه شعر" وحكايات عن الخليل ابن أحمد الفراهيدي، فقال: هذا نعم. كأنه لم ير بهذا بأساً، ولم يره موضعاً للحديث" (١) .
وإذا درسنا تاريخ تطبيق المنهج باستعراض المؤلفات التي التزمت به فإن كتب الحديث ولا سيما صحيحي البخاري ومسلم والسنن الأربع وموطأ مالك، تبدو أدق التزاماً بقواعد هذا المنهج. أما الكتب التاريخية فإن ابن سعد وخليفة بن خياط والفسوي يقفون في مقدمة المؤرخين المعنيين بتطبيق قواعد منهج المحدثين في الرواية بالتزام ذكر الأسانيد مع انتخاب الروايات والمرونة في التعامل مع المنهج بالنسبة للروايات التي لا تتعلق بالدين؛ ولذلك فإن مستوى الرواة في العدالة ودرجتهم في الضبط بالجملة لا ترقى إلى مصاف رواة
стр. 41
الصحيحين والكتب الستة، وإن كان ثمة عدد كبير يشتركون في الرواية الحديثية والتاريخية والأدبية تحملاً وأداءً.
стр. 42
الحاجة إلى مراجعة المنهج النقدي عند المحدثين وشروطها
الإيجابيات
...
الحاجة إلى مراجعة المنهج النقدي عند المحدثين وشروطها:
نظرة إلى إحياء علوم السنة في النصف الثانيمن القرن العشرين
الإيجابيات:
١. أثر الجامعات الإسلامية في إحياء علوم السنة، وخاصة أقسام الدراسات العليا وتحقيقها لأمهات الكتب في الحديث وعلومه.
٢. وزارات الأوقاف ونشرها للعديد من أمهات كتب الحديث أو مساعدتها على ذلك.
٣. اتجاه طلبة العلم بقوة نحو الحديث وعلومه مما ولد حركة علمية واسعة
٤. ظهور النشر الإلكتروني والموسوعات الحديثية والتراثية الأخرى، مما يمكن من حصر الروايات والنظر إلى المعلومات بشمول، مع إمكان المقارنة الإلكترونية، وهذا كله كفيل بحل مشكلات كثيرة عالقة.
стр. 43
السلبيات:
١. عدم تطوير علم مصطلح الحديث بمراجعة مسائله، وتحسين طرق العرض، ونقد المنهج ومقارنته بمناهج البحث على المستوى العالمي.
٢. عدم الوصول إلى موسوعة شاملة للحديث التي تحصر الأحاديث وتحكم عليها؛ رغم وجود دراسات تمهيدية كثيرة يمكن أن تصب في هذا الاتجاه.
٣. قلة الدراسات التي تشرح الأحاديث على ضوء التقدم الكبير في المعرفة الإنسانية.
стр. 44
٤- عدم الوصول إلى مستوى مناسب في النشر الإلكتروني.
стр. 45
نظرة تأريخية:
لم يكن بناء منهج النقد عند المحدثين منفصلاً عن البيئة العلمية والثقافية التي تمثل معطيات الخبرة الإنسانية في بيئتهم التي تمثل مستوىً راقياً في التحضر عند كتابة المؤلفات الأولى في علم المصطلح، وذلك في القرن الرابع الهجري مع ظهور كتابي الرامهرمزي (ت٣٦٠هـ) والحاكم (ت٤٠٥هـ) . وقد استمرت عملية التطوير على يد الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) إلى أن ظهرت الكتب المدرسية على يد ابن الصلاح وأعيدت الصياغة على يد المتأخرين كما اكتمل جمع مفردات الفن من مجهود السابقين على يد السخاوي (ت٩٠٢هـ) والسيوطي (ت٩١١هـ) ثم لم تراجع هذه الجهود العظيمة التي هي ثمرة أعمال متلاحقة عبر تسعة قرون بسبب الركود الثقافي والعلمي الذي ساد العالم الإسلامي خلال القرون الأربعة منذ بداية القرن العاشر حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري، ومع بداية عصر النهضة في العالم الإسلامي ظهرت جهود لإحياء علوم الحديث وتمثلت في النشر الواسع لأمهات كتب الحديث وعلومه، ومحاولة تيسير المصطلح لطلبة الدراسات الإسلامية في المرحلة الجامعية، فظهرت مؤلفات عنيت بطرح المنهج بأسلوب سهل ونظام واضح دون الدخول في مناقشة قضاياه على ضوء تقدم مناهج العلم والمعرفة الإنسانية، كما جرت دراسات وبحوث في قضايا المصطلح تتسم بالدقة مثل تلك الجهود التي كشفت عن اصطلاحات النقاد ونسبتها؛ إذ يتفرد الناقد باصطلاحات خاصة احتاجت إلى تحديد دقيق من خلال الاستقراء لأقواله في الجرح والتعديل، وكذلك جمع روايات بعض المحدثين،
стр. 46
والنظر فيها لمعرفة مدى دقته في الرواية، وحسب المصادر التي توافرت بصورة مطردة عبر القرن العشرين، ولكن نظراً لعدم اكتمال النشر لكتب الحديث وعلومه والرجال، فإن الاستقراء لم يكتمل عند الدارسين والمحدثين، وإن كان حظ المتأخرين منهم أكبر.
وعندما يكتمل بناء الموسوعات الحديثية فإن بإمكان القائم باستقراء شامل أن يحقق مراجعة كبرى لأقوال النقاد وأحكامهم على الرجال والأحاديث، وليس المقصود هدم البناء وتفنيد النتائج بل الاستيثاق والتثبت، فالله كلف الأمة بما تطيق، وقد بذل علماؤها خلال القرون المتعاقبة جهوداً كبرى في تشييد صرح العلوم الإسلامية حسب إمكانات عصرهم، أما في الوقت الحاضر فإن الوسائل تهيأت للسيطرة على المعلومات والتثبت من قواعد مناهج البحث، وسوف يتمكن علماء المسلمين في الجيل الحالي من القيام بمراجعة شمولية للعلوم الإسلامية وضمنها الحديث وعلومه، وسوف يؤدي ذلك إلى تقليص الخلاف الفقهي، وزيادة الوضوح في العلم الإسلامي بالجملة، وإنه لمن الخير للأمة أن يُقْدِمَ على تجديد البناء علماء مخلصون لله ولرسوله ولدينه من أن يقدم المتلاعبون الجدد على تشييد بناء يشبه مسجد الضرار بالتأويلات البعيدة والتوجيهات المغرضة لزعزعة عقيدة الأمة وإفقادها الثقة بماضيها وحاضرها، وبالتالي بذاتها.
إن ثمة دراسات حديثة تتعلق بسيكولوجية الذاكرة يمكن أن تخدم المحاور المتعلقة بتحمل الرواية وأدائها (١) ، وثمة مراجعات حديثة لمناهج البحث وتحديد
стр. 47
قضايا الحقيقة والصدق يمكن أن تخدم هذا المحور في علوم الحديث (١) ، وليست هذه المراجعة بالأمر اليسير فهي بحاجة إلى عقول كبيرة تستوعب تراث الأمة في كل تخصص، وتستوعب ما وصلت إليه المعرفة الإنسانية في ذات التخصص. وتقوم بتجديد الصالح، ونقد الفكر المنهجي المعاصر، وتقديم الاقتراحات بصدد التطوير بروح علمية متفتحة على الحقيقة والصدق بعيدة عن التعصب والانغلاق. وبذلك يمكننا إعادة صياغة علم المصطلح وتغذيته بقواعد جديدة تنبثق عن الاستقراء الجديد من ناحية، وعن الإفادة من التطور العلمي والثقافي الذي حققته الإنسانية.
стр. 48
تطوير المنهج:
ويشترط فيمن يقوم بتطوير المنهج وإضافة قواعد جديدة، أو نقد القواعد القديمة، أو إعادة صياغة المنهج أو بعض جوانبه ما يلي:
١- الفهم العميق لمصطلح الحديث وأصول الفقه معاً.
٢- التمرس في تطبيقات قواعد المصطلح في كتب الحديث وشروحه.
٣- الاطلاع الواسع على علم العلل، والجرح والتعديل، وطبقات الرواة وعلم الرجال.
٤- الانشغال الكثير بتتبع مناهج النقاد في التعديل والتجريح للرواة، والتصحيح والتضعيف للأحاديث سنداً ومتناً في كتب الحديث وشروحها.
٥- الإحاطة بمصادر الحديث وعلومه وشروحه.
стр. 49
٦- الإفادة في المراجعات الأولية من النشر الألكتروني لموسوعات الحديث توفيرا ًللوقت.
٧- أن يتصف بالورع واليقظة والحيطة والصبر الطويل، مع الذكاء وحسن الفطنة والدربة على التعامل مع هذا الفن.
٨- احترام الآراء المختلفة، واحترام أصحابها، وعدم نبزهم أو التهجم عليهم أو التقليل من قيمتهم وقيمة آرائهم.
٩- طرح القضايا بوضوح ودقة وموضوعية.
стр. 50
محاولات فاشلة:
ونظراً لعدم توافر هذه الشروط مجتمعة لدى أصحاب المحاولات النقدية فإنها باءت بالفشل، فمن المحاولات التي قدمت ملحوظات سلبية حول منهج المحدثين محاولة أبي رية في كتابه: " أضواء على السنة المحمدية " وقد ردَّ عليه المحققون ردوداً بلغت أربعة عشر مؤلفاً. فلم تبق ثمة حاجة لرد جديد، لولا أن آراءه عادت إلى الظهور مجدداً عند أبي بكر صالح وإسماعيل كردي وسامر إستانبولي وغيرهم.
فقد قام أبو بكر صالح بمحاولة ثانية في كتابه "الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها" متتبعاً خطى أبي رية، ويكشف كتابه عن ضعف معلوماته في مصطلح الحديث، فهو يرى أن رواية الصحابي عن تابعي عن صحابي شبهة تدل على الدس في الحديث، كذلك رواية التابعي عن أحد أتباع التابعين، مع أن هذه الظاهرة معروفة عند علماء الحديث وقد بحثوها تحت عنوان "رواية الأكابر عن الأصاغر" حيث يقع أن الصحابي لا يلقى الصحابي الذي يحدث بحديث بعينه، وذلك بسبب تفرق
стр. 51
الصحابة في الأمصار، فيأخذه من تابعي يرويه بدوره عن الصحابي، وليس في ذلك أية شبهة تدل على الدس في الحديث.
كما يكشف كتابه عن عدم إحاطته بالمرويات، فهو يرى أن الاختلاف في رواية الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد يدل على الوضع والدس، وَمَثَّلَ لذلك بعدة أمثلة، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن علي ﵁ عندما سُئِلَ هل عنده كتاب غير القرآن، فأجاب بإجابات مختلفة في ثمان روايات ساقها البخاري في كتب مختلفة من صحيحه. وقد استدل المؤلف بذلك على التناقض والوضع الذي فات على البخاري الذي صحح الروايات الثمان دون أن يفطن صالح أبو بكر إلى أن علياً ﵁ كان يبين للسائل ما في الصحيفة التي كتبها، والتي كانت في جفن سيفه ذي الفقار فمرة يذكر أن فيها العَقْل وفكاك الأسير، ومرة يذكر أن فيها تحديد حرم المدينة وعقوبة المحدث.. وكل ذلك في الصحيفة. وإنما حدث علي ﵁ مرة بفقرة مما فيها، ومرة بفقرة أخرى غيرها. فأين التناقض في ذلك؟ وما دليل الوضع؟ فهذه الشبهة عرضت للمؤلف لعدم استقصائه أمر الصحيفة.
وقد اعتمد المؤلف كثيراً على أبي رية في كتابه "أضواء على السنة المحمدية"، واقتبس منه، واعتقد صحة ما ورد فيه متجاهلا الردود الكثيرة عليه فضلا عن الأبحاث العلمية التي أعقبته، والتي تفند ما ورد فيه.
وهكذا ذهب المؤلف متابعاً أبا رية إلى أن الحديث دُوِّن بأمر عمر بن عبد العزيز في خلافته (٩٩-١٠١هـ) ولم يكن قد دُوِّن أو جُمع قبل ذلك (١)
стр. 52
ولاشك أن الدراسات العديدة في تاريخ تدوين الحديث قد أثبتت أن التدوين تم في جيل الصحابة والتابعين من قبل أن يأمر عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث (١) .
غمطه لجهود العلماء في تنقية السنة:
وقد فصل المؤلف في أسباب وضع الحديث معتمداً على أبي رية ودائرة المعارف ليتوصل بذلك إلى التشكيك بالحديث جملة (٢) مغفلاً جهود العلماء من جهابذة المحدثين في تنقية السنة وتخليص الصحيح من الموضوع، بل إن المؤلف يسوق عبارة أبي رية على سبيل الإقرار لها في انتقاد علماء الحديث الذين اختصوا بتحقيق الأسانيد رامياً إياهم بالجهل واقتناء الكتب الغريبة ليوهموا الناس بأنهم يملكون القدرة على تحقيق السند وتقرير حالة الرجال (٣) .
وهذه الكتب غريبة على أبي رية والمؤلف، ولكنها معروفة في أوساط العلماء المحققين، فكتب علم الرجال والجرح والتعديل لا يصح أن توصف بالغريبة، وهي مفخرة للأمة الإسلامية التي عرفت للعلم قدره وللعلماء مكانتهم، مما لا يوجد في تراث أي أمة أخرى.
إن ما أورده المؤلف نقلاً عن أبي رية من أسباب الوضع وشيوعه أمر معروف في أوساط الباحثين في الحديث وتاريخه ولكن المؤلف وأبا رية يستغلان ذلك للتشكيك كما ذكرت وإلا فماذا يعني وضع عنوان كهذا:
стр. 53
"اعتراف صريح من البخاري بوضع الحديث" (١) إلا إيهام السذج والتدليس على الناس وإلا فهل أنكر أحد من العلماء وقوع الوضع ليحتج عليهم بذلك؟ بل إن كل ما استدل به على الوضع من الروايات الموضوعة مما نبه العلماء على وضعه وذكروه في كتب الموضوعات، بل وصرح باتهامه لأبي هريرة بوضع الحديث (ص٢٩٢) .
وكذلك محاولة إسماعيل الكردي نحو تفصيل قواعد نقد متن الحديث تثبت أن من يقدم على تطوير المنهج دون تأهيل علمي كافٍ يقع في أخطاء فاحشة.
ومن أمثلة ذلك أيضاً محاولة سامر إسلامبولي: "تحرير العقل من النقل وقراءة نقدية لمجموعة من أحاديث البخاري ومسلم" (٢) ، وهي أوهى بناءً، وأضعف منطقاً، وأقل علماً من محاولة إسماعيل الكردي، فهو ينتقد أحاديث الصحيحين دون أن يفهم منهج المحدثين في التصحيح والتضعيف، وكيفية الخروج من التعارض الظاهري بالجمع إذا أمكن وإلا فالترجيح، ثم القول بالنسخ عند توافر شروطه.
ويبدو أن اشتداد محاولات التطوير واستهداف البخاري في هذه الظروف يمثل عملاً منظماً تكمن خلفه قوىً معينة، فقد تتابعت المؤلفات في هذا الموضوع.
стр. 54
خلو منهجه من الصناعة الحديثية:
ومنهج المؤلف يخلو من الصناعة الحديثية، فإذا لم يعجبه الحديث أو لم يقنعه وصفه بأنه من دس اليهود دون دليل علمي، وهكذا عامل أحاديث صحيحي البخاري ومسلم (١) .
اقتصاره على الأدلة التي تخدم هدفه:
وقد تعرض المؤلف لكتابة الحديث في حياة النبي ﷺ فإذا به يأتي بأدلة النهي عن تدوينه ويغفل٢ أحاديث الإذن بالكتابة مما يدل على عدم اتباعه المنهج العلمي في استقصاء الأدلة والوصول إلى النتيجة التي تقررها. فهو يضع النتيجة ثم يختار الأدلة التي تؤيدها ويغفل سواها.
اضطرابه في الحكم على الرواة:
إن الجهل بالصناعة الحديثية جعل المؤلف يضطرب في أقواله فهو يقول: إن الإمام مسلم ترجح عنده كذب عكرمة مولى ابن عباس. ثم يقول: إن مسلماً خرج له حديثا تقوية لحديث سعيد بن جبير في الموضوع نفسه (٣) . فكيف يقوي حديث ابن جبير برواية كذاب؟؟
جهله بالحقائق التاريخية:
ومما يستغرب له أنه وضع - لعدم رواية البخاري عن الأئمة الصادق والكاظم - عنواناً هو "تأثر البخاري بحكم الأمويين للشام" (٤) ، مع أن
стр. 55
البخاري عاش في العصر العباسي الأول، وهو عصر يعادي بني أمية، ويقرب مبغضيهم.
إسقاطه لمنهج المحدثين في نقد الروايات وتحكيمه للعقل والذوق في نقدها:
إن الرأي الذي عرضه المؤلف في تمحيص الأحاديث بعرضها على القرآن الكريم واعتباره السند القاضي بقبول الحديث أو برفضه، وغض النظر عن سند الرجال حتى لا تصبح كتب الحديث المخالف نظيرة للقرآن تنافسه الحكم والقول (١) . وليس الخلاف في عرض الحديث على القرآن وعدم قبوله إذا كان مخالفاً لصريح القرآن بحيث لا يحتمل التأويل، فهذا أصل من أصول النقد عند المحدثين (٢) ، لكن الخلاف في إطلاق المؤلف العبارة وعدم تقييدها بإمكان التأويل والتوفيق، وأهل العلم مجمعون على أن السنة الصحيحة لا تخالف كتاب الله فما جاء في بعض الأحاديث من أحكام تخالفه فهي مردودة باتفاق (٣) . والأنكى من ذلك دعوته إلى غض النظر عن سند الرجال، بمعنى رفض لمجهود المحدثين عبر القرون الطويلة في تمييز الحديث وبيان الصحيح من الضعيف، وهي دعوة خطيرة فيها تشكيك بالسنة القولية جملة، وتحكيم العقل الإنساني في قبولها أو رفضها تبعاً لتقديره الموافقة أو المخالفة للقرآن الكريم، وإنما يعمد المؤلف إلى ذلك ليصل إلى مراده وهو أن القرآن الكريم والسنة
стр. 56
العملية المتواترة تكفي المسلمين ولا حاجة لهم بعد ذلك إلى الأحاديث أصلاً (١) ، وهو أمر دعا إليه أبو رية والدكتور توفيق صدقي (٢) وقلدهما في ذلك المؤلف، وهي دعوة تهدم الإسلام؛ لأن السنة هي التي تفصل مجمل القرآن وتبينه وتخصص عامه وتقيد مطلقه بالإضافة إلى استقلالها في تشريع بعض الأحكام، وبدونها لا يمكن معرفة تفاصيل الأحكام وبيان مراد الشارع لأن القرآن تضمن أصول الدين وقواعد الأحكام العامة تاركاً للسنة البيان مع أمر الله تعالى باتباعها ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ، وقال ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكة يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه". رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وأحمد (٣) .
تقليده أبا رية وعدم ابتكاره:
وهذا الكتاب يكاد يكون نسخة ثانية من كتاب "أضواء على السنة" لأبي رية حاول فيه المؤلف إحياء أفكار أبي رية وبعثها من جديد بعد أن خمد ذكرها بسبب الردود القوية عليها، يظهر هذا في كثرة الاقتباسات وطولها حتى لتبلغ الصفحات العديدة كما تظهر في المنهج الذي استخدمه المؤلف والذي لا يختلف عن منهج أبي رية، لكنه توسع في الجزء الثاني من كتابه في سرد الأحاديث التي ردها وحكم عليها بالوضع وكلها في صحيح البخاري.
стр. 57
ولم يستخدم في ردها الصناعة الحديثية لأنه لا يعترف بها، بل لجأ إلى المعايير العقلية وحكمها في الأحاديث ونظراً لنسبتها واختلافها من إنسان لآخر فإن كل ما رفضه لأسباب ذوقية أو عقلية يمكن أن يكون مقبولاً عند غيره.
تهافت نقده لأبي هريرة رضى الله عنه:
وأما كلامه في حق الصحابي الجليل أبي هريرة فلا يعدو ما سبقه إليه أبو رية، فقد أخذ عليه كثرة الأحاديث التي رواها مع تأخر إسلامه وقصر مدة صحبته للرسول ﷺ ومع ذلك بلغت أحاديثه ٥٣٧٤ حديثاً، كما أخذ عليه رفعه أحاديث هي في اعتقاد المؤلف إسرائيليات أخذها أبو هريرة عن كعب الأحبار.
والمأخذ الأول متهافت لأن بعض المحدثين من الأجيال التي تلت الصحابة بلغت محفوظاته مئات الألوف من الأحاديث فهذا البخاري يحفظ ستمائة ألف حديث بأسانيدها، وهذا مسلم يحفظ ثلاثمائة ألف حديث بأسانيدها، فلا يستغرب حفظ أبي هريرة لـ٥٣٧٤ حديث دون أسانيد مع تفرغه للحفظ حوالي السنتين.
وأما المأخذ الثاني فإن المؤلف غالط في الحديث الذي أورده البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً في خلق الأرض والسموات حيث نقل عن البخاري وابن كثير أن أبا هريرة تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار. وقد نبه البخاري وابن كثير على ذلك لبيان الوهم الذي وقع فيه الرواة في رفع الحديث، وليس لاتهام أبي هريرة بالكذب (١) ، حيث خرج له البخاري في صحيحه كثيراً.
стр. 58
عدم تحققه من صحة الأحكام التي أطلقها الأئمة الفقهاء:
لم تتح للأئمة الأربعة فرصة الإفادة من الأعمال النقدية المتأخرة عنهم والتي أثمرت جمع الأحاديث الصحيحة على يد البخاري ومسلم فأصدروا أحكاما على بعض الأحاديث بحسب طاقتهم دون استقراء شامل للطرق، فاعتمد المؤلف على أقوالهم دون التحقق منها على ضوء ما حدث بعدهم من تقدم في الجمع للأحاديث ونقدها، فمن ذلك نقله لكلام الإمام الشافعي في حديث عائشة "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه" ونصه: "وهذا ليس بثابت عن عائشة، وهم يخافون فيه غلط عمرو بن ميمون.... إنما هو رأي سليمان بن يسار، كذا حفظه عنه الحفاظ أنه قال: "غسله أحب إليَّ" وقد روي عن عائشة خلاف هذا القول. ولم يسمع سليمان من عائشة حرفاً قط، ولو رواه عنها لكان مرسلاً (١) .
وقد روى ابن سعد دخول سليمان على عائشة (٢) ، وذكر العلائي وابن حجر أنه روى عنها (٣) ، وخرج البخاري (٤) ومسلم روايته عنها.
وكذلك ما نقله الكردي من مخالفة أبي حنيفة لمائتين من أحاديث الصحيحين (٥) ورده رواية أنس بن مالك: "أن يهودياً رضخ رأس جارية بحجرين فأتى بها أهلها رسول الله وهي في آخر رمق، وقد أصمتت فقال لها
стр. 59
رسول الله: (من قتلك؟ فلان؟) لغير الذي قتلها. فأشارت أن لا. فقال: (ففلان؟) فأشارت: أن نعم. فأمر به رسول الله ﷺ فرضخ رأسه بين حجرين" (١) .
فأما مخالفة أبي حنيفة لمائتين من الأحاديث فليس طعناً منه برواية هذه الأحاديث، فهناك أسباب كثيرة لعدم الأخذ بالحديث، ولو افترضنا أنه ضعف روايتها، فيكون ذلك اجتهادا ًمنه حسب الطاقة إذ لم يكن الصحيح قد أفرد بعد. والخبر ورد في "تأريخ بغداد" (٢) ، وليس فيه ما يشير إلى أن هذه الأحاديث مما خرج في الصحيحين فيما بعد.
وأما رده حديث رضخ الجارية فعلَّة ردِّه ـ كما بينها محمد زاهد الكوثري ـ تكمن في عنعنة قتادة عن أنس، وهي توضح أن القاتل اعترف، وقد صرح قتادة بالسماع في إحدى روايات البخاري للخبر، فزال الإشكال (٣) .
ونقل قول أبي حنيفة: " أقلد جميع الصحابة، ولا أستحسن خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب. فقيل له في ذلك. فقال: "أما أنس فاختلط في آخر عمره، وكان يفتي من عقله وأنا لا أقلد عقله، وأما أبو هريرة، فكان يروي كل ما سمع، من غير أن يتأمل في المعنى، ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ" (٤) فهو يخالف منهج أبي حنيفة
стр. 60
في الالتزام بآراء الصحابة إذا اجتمعوا وعدم الخروج عنهم جميعاً إذا اختلفوا دون أن يستثني منهم أحداً. ولو كان رأي أبي حنيفة بالصحابي أنس بن مالك والصحابي أبو هريرة ليس حسنا ًلما استدلت كتب الفقه الحنفي بأحاديثهما (١) فقد استدلت بأقوال أنس بن مالك في (٨٦) مسألة (٢) .
стр. 61
مرتضى العسكري وكتابه خمسون ومائة صحابي مختلق (٣) :
تناول القسم الأول من الكتاب دراسة لثلاثة وعشرين صحابياً تميمياً يرى المؤلف أن سيف بن عمر التميمي الأخباري (ت١٧٠هـ) اختلقهم، وليس لهم وجود تاريخي حقيقي، وقد بين المؤلف أن دوافع سيف لذلك تتمثل في ثلاثة أمور:
الأول: تعصبه لقبيلة تميم التي ينتمي إليها، مما جَرَّهُ إلى اختلاق هذه الشخصيات التميمية ونسبته بطولات إليها وإيراد أراجيز الفخر والحماسة على لسانها ونسبة أمجاد الفتح الإسلامي إلى دورها، وهو بذلك يعطي قبيلة تميم دوراً ضخماًَ خيالياً، وكان سيف متأثراً بالعصبية القبلية التي اشتدت في العصر الذي عاش فيه.
الثاني: اتهام ابن حبان له بالزندقة، وبالتالي فهو يسهم مع الزنادقة في الاختلاق والكذب والدس لتشويه التاريخ الإسلامي وحجب الثقة عن جميع مروياته لما يسودها من اضطراب وتناقض.
стр. 62
الثالث: أن سيف بن عمر ضعيف عند جهابذة المحدثين النقاد وأنه متهم بالكذب عند بعضهم، وبناء على ذلك قرر المؤلف أن كل خبر انفرد به يعدُّ موضوعاً.
وقد فطن المحدثون إلى ضعف سيف ونبهوا على ذلك. قال ابن حجر عن سيف: ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه (١) ، وقال ابن عدي: ولسيف بن عمر غير ما ذكرت أحاديث، وبعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة ولم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق (٢) ، وقال الخطيب البغدادي: وليس سيف بن عمر حجة فيما يرويه إذا خالف، ذلك قول أهل العلم (٣) ، وقال عنه الذهبي: كان إخبارياً عارفاً (٤) .
مما سبق من الأقوال يلاحظ أن جهابذة النقاد المحدثين اعتبروا سيف ضعيفاً في الحديث، ولذلك لم تخرج له كتب الستة أحاديثه سوى حديث فرد أخرجه الترمذي (٥) وليس من شرطه في التخريج أن يكون الحديث صحيحاً.
إن ابن عدي نبه على تفرد سيف بن عمر بمعظم الروايات التي يرويها مشهورة وهذا يدل على أن ابن عدي ومن تقدمه من النقاد قارنوا بين روايات سيف وروايات الآخرين ونبهوا على تفرده بمعظمها، ووضعوا قاعدة لذلك وهي عدم الاحتجاج برواياته التي تخالف قول أهل العلم. ولكن ما
стр. 63
العمل مع رواياته التي انفرد بها والتي لا تخالف قول أهل العلم، إن الذهبي وابن حجر أوضحا غزارة معلومات سيف التاريخية، وقد يكون تفرده بأخبار التميميين يرجع إلى عنايته الخاصة برجال قبيلته واهتمامه بحصر أخبارهم، فاعتمد المؤرخون فيما يتعلق بهم على سيف بن عمر وفق قاعدتهم في التساهل في رواية الأخبار والتشدد في رواية الحديث، ومن ثم فإنهم لا يرون سيف بن عمر كذاباً وضاعاً كما يصوره المؤلف، ولكنه ليس بحجة إذا خالف أهل العلم. والواقع أننا لو عاملنا الروايات التاريخية بهذه الشدة فإن معظم المادة التاريخية تسقط وتقع فراغات واسعة في تاريخنا، لأن معظم الأخباريين الذين نقلوا إلينا المادة التاريخية لا يرقون إلى مستوى الثقات عند المحدثين، ولكن هذا لا يمنع من بيان فضل المؤلف في إيضاح ما أشار إليه المحدثون من تفرد سيف بمعظم مروياته.
لقد نبه المستشرقون على مبالغات سيف بن عمر في دور تميم، وجاءت دراسة المؤلف تدل على ذلك بنماذج واسعة، وأما اتهام سيف بالزندقة فلا دليل عليه سوى قول ابن حبان الذي وصفه ابن حجر بالفحش، لكن أبرز قضية اهتم بها المؤلف هي دور ابن سبأ في الفتنة، حيث يرى أن سيف بن عمر مختلق لهذه الشخصية، وقد بحث المسألة بإيجاز في هذا الكتاب لأنه أفرد لابن سبأ دراسة مستقلة تعتمد المنهج نفسه. وصحيح أن أوسع المعلومات عن ابن سبأ جاءت من طريق سيف، لكن المصادر أشارت إلى طرق أخرى تثبت وجود شخصية ابن سبأ تاريخياً، وفي هذا المجال أشير إلى الكشي فقد ذكر بأسانيده إلى الأئمة علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي (ت٩٤هـ) ومحمد بن علي الباقر (ت١١٤هـ) وجعفر بن محمد الصادق (ت١٤٨هـ) –وكلهم متقدم على سيف بن عمر – روايات تثبت وجود شخصية عبد الله
стр. 64
ابن سبأ تاريخياً وتبين غلوه وادعاءه النبوة ونسبته الألوهية للإمام علي ﵁ وكذبه عليه (١) . لذلك لا يمكن عدّ شخصية ابن سبأ أسطورية، لكن هذا لا يمنع من وجود مبالغة في دوره، وشتان بين الأمرين.
وختاماً أقول أن معاملة الروايات التاريخية كالأحاديث النبوية، واشتراط المستوى نفسه من الصحة وعدالة الرواة وضبطهم يولد فجوات واسعة في تاريخنا إن لم يؤد بنا إلى الضياع، وليست تواريخ الأمم الأخرى مروية بالأسانيد ومعرفة الرواة ومع ذلك فهي تعتمد عليها في الدراسة التاريخية، وتلجأ إلى السبر والمقارنة بين متون الروايات فقط، وبوسعنا أن نقارب بين روايات الأخباريين جميعاً للوصول إلى ما هو أقرب إلى الواقع التاريخي بدل رفض المرويات جميعاً.
إن الصورة التي يعرضها سيف بن عمر عن الأحداث مغايرة تماماً للصورة التي تعكسها روايات أبي مخنف مثلاً ... فإذا رفضنا مرويات سيف لأنه ضعيف في الحديث ولوجود المبالغة في رواياته ولتعصبه لتميم، ورفضنا مرويات أبي مخنف لتعاطفه مع العلويين ومرويات أبي معشر السندي لتضعيفه من قبل المحدثين فماذا يبقى من التاريخ؟ إن منهج السلف في التعامل المرن مع الروايات التاريخية هو الأجدى.
стр. 65
أحمد أمين وما أورده عن الحديث في كتابيه: "فجر الإسلام" (١) و"ضحى الإسلام" (٢) :
يرى أحمد أمين أن المحدثين والعلماء لم يعتنوا بمتن الحديث عنايتهم بالسند (٣) ، وأن بعض الأحاديث ـ وإن كانت صحيحة السند ـ فإن متنها يدل على الوضع إذا ما عرضت للتجربة أو على العقل أو الواقع، واستدل لذلك بأحاديث من صحيح البخاري مثل حديث "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" (٤) ، وحديث "العجوة من الجنة وهي شفاء من السم" (٥) وتساءل أحمد أمين قائلاً: "فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة؟ وهل فيها مادة تشفي العين؟، أو العجوة؟ وهل فيها ترياق؟ " (٦) .
ويبدو أن الأستاذ لم يطلع على ما كتبه شراح هذين الحديثين، حيث بين ابن حجر المحاولات المتكررة من العلماء والأطباء المسلمين منذ عصر الرسالة والعصور التي تلتها للكشف عن أثر الكمأة (٧) والعجوة (٨) في معالجة أمراض العين وتسمم الجسم، فقد ذكر تجربة أبي هريرة ﵁ للكمأة، فوجدها نافعة، كما أشار كل من ابن الجوزي وابن العربي إلى فائدتها الطبية
стр. 66
وحدها أو بخلطها بمواد أخرى، وكما جربت في زمن النووي فكانت نافعة، وذكر ابن القيم اعتراف كبار قدامى الأطباء منهم المسبحي وابن سينا بفائدتها الطبية.
أما العجوة، فقد وجه العلماء الحديث توجيهاً خاصاً، فقال الخطابي: إن ذلك ببركة دعاء النبي ﷺ لتمر المدينة، لا لخصيصة في التمر، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد نخلاً خاصاً بالمدينة لا يعرف الآن. وقال المازري: ويحتمل أن يكون ذلك خاصاً بزمن النبي ﷺ إذا لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زماننا. وذكر عياض أن هذه الصفة خاصة بعجوة المدينة لتأثير البيئة في النبات (١) ، وهكذا فإن العلماء والأطباء حاولوا عبر أجيال مختلفة اختبار الأثر الطبي للكمأة والعجوة ولم يهملوا نقد المتن وتعريضه للاختبار العلمي وفق الوسائل العلمية الميسرة لهم في عصورهم، وقد احتاطوا في توجيه الحديث بحيث لو أثبت الطب الحديث عدم فائدة الكمأة كدواء للعين أو العجوة كدواء للسم لم يتعارض ذلك مع الحديث لما قيدوا به الحديث من تأثيرات البيئة والزمن، فكيف وقد أثبت الطب القيمة الغذائية للعجوة وإبادتها للديدان التي تفرز السموم في الجسم (٢) .
إن المحدثين عنوا بتمييز الحديث ونقده عنايتهم بالسند ونقده وإن كتب شروح الحديث طافحة بالنقد لمتون الحديث وبيان ما يقع فيها من شذوذ وعلل واضطراب وإدراج، وتكفي أي نظرة في فتح الباري لابن حجر لمعرفة
стр. 67
مدى اهتمام المحدثين بنقد متن الحديث، وأما الحكم عليهم بالتقصير في ذلك فليس صحيحاً بل هو وهم وقع فيه المستشرقون وتابعهم أحمد أمين والآخرون، ولعل سبب ذلك عدم الإحاطة بدقة بالنتاج الفكري الضخم في الحديث، وهو نتاج يصعب الإحاطة به وفحصه بدقة مما أدى إلى الحكم الظاهري على منهج المحدثين من خلال ملاحظة كمية الكتب المؤلفة في علم الرجال والمتعلقة بالأسانيد، وهي ظاهرة طبيعية في تاريخ الحركة الفكرية في الإسلام، بسبب الزيادة المطردة في إعداد رواة الحديث بتتابع الأجيال، وهي نتيجة طبيعية لاعتماد الرواية وطرق التحمل المعتبرة في نقل الأحاديث حتى بعد مرحلة التدوين الواسع في القرنين الثاني والثالث الهجريين، إذ استمرت طرق التحمل معتبرة حتى فترة متأخرة، فلما لاحظ المستشرقون غزارة الإنتاج في علم الرجال حكموا على المحدثين بالاتجاه إلى نقد السند وإهمال المتن، إذ لا يمكن بعد الفحص الدقيق لكتب شروح الحديث وكتب المصطلح التي حوت عناوين في المعلل والشاذ والمدرج أن ينتهي إلى هذه النتيجة (١) ، فالضوابط التي وضعوها لنقد المتن لا تقل عن الضوابط التي وضعوها لنقد السند.
стр. 68
فؤاد سنركين وانتقاده للبخاري في كتبه (تاريخ التراث العربي)
...
فؤاد سزكين وانتقاده للبخاري في كتبه "تاريخ التراث العربي" (١) :
يُعدُّ هذا الكتاب أوسع مؤلف في تاريخ التراث العربي، وهو في الأصل تعليقات على "تاريخ الأدب العربي" للمستشرق كارل بروكلمان ثم استقل عنه، لكن مؤلفه توسع في الحكم على المؤلفات وتقديمها، ولما عرض لصحيح البخاري سجل بعض الملحوظات فذكر" أن الإسناد لم يعرف شكله الأكمل عند البخاري فالواقع أنه بدأ من البخاري يفقد مكانته" (٢) . وقد اعتمد في إبداء هذه الملحوظة على كثرة التعليقات في صحيح البخاري وكثرة المواد اللغوية والتاريخية المصدرة بـ"قال" و"ذكر" و"روى" دون إسناد، وكان ينبغي له أن يلتفت إلى أن كل ما أورده البخاري في صحيحه ليس على شرط الصحيح لا يعد منه، وقد نبه البخاري على ذلك في عنوان كتابه الذي اختاره "الجامع المسند الصحيح" ومن ثم لا يصح القول بأن الإسناد بدأ من البخاري يفقد مكانته؛ إذ إن البخاري استعمل الأسانيد بأدق وأكمل مظاهرها. ومن الجدير التنبيه عليه أن سزكين قد حذف هذه الآراء في الطبعة التي أصدرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وإنما أوردته في البحث لتنبيه من يراجع الطبعة الأولى ولا سيما أن الحذف جرى بدون توضيح أو تنبيه.
стр. 69
محاولات معاصرة:
أما المحاولات المعاصرة لتطوير منهج النقد عند المحدثين بإعمال العقل في أحاديث تتعلق بعالم الغيب، والطعن فيها بحجة أنها لا تتفق مع القواعد العقلية فإن ذلك يولد الشطط وينأى عن قواعد النظر الصحيح، فلا يمكن قياس عالم الغيب بعالمنا، ولا يمكن رد الروايات الصحيحة بحجة أنها لا توافق الحس، فالحس يعمل في دنيانا، والعقل مهيأ للتعامل مع عالمنا الأرضي، وأما بناء العقيدة فلا يمكن تحكيم العقل والحس فيه، وقد اتهم إسماعيل الكردي أبا هريرة ﵁ بالنقل عن كعب الأحبار عدداً كبيراً من الأحاديث المتعلقة بالغيبيات معتقداً أنها من الإسرائيليات التي يرويها كعب الأحبار نقلاً عن التوراة أو التراث اليهودي، مع أن أبا هريرة نفى أن يكون كعب الأحبار يحدث من التوراة أو أنه يروي عن غير رسول الله ﷺ (١) . وقد رد إسماعيل الكردي عدداً من أحاديث اتفق على إخراجها البخاري ومسلم مستنداً أحيانًا في توهينها على تفاصيل وردت في التوراة، بل أورد ما يفيد أنها منقولة من الإسرائيليات (٢) ولعل الشبهة وقعت بسبب التشابه في قصص التوراة والأحاديث، مع أن التشابه في القصص يسري على القرآن، فهل يعني ذلك أن القرآن أخذها من التوراة!!؟ أو أن التشابه يقع بسبب وحدة مصدر التلقي “ الوحي الإلهي) فيما لم يقع عليه التحريف من التوراة.
стр. 70
ويلزم أن نحاكم التوراة على ضوء ما ورد في القرآن والحديث الصحيح وليس العكس.
وأحياناً أخرى رد أحاديث تتعلق بأمور غيبية بعرضها على العقل وقوانينه وهو غير مؤهل للنفي والإثبات في هذا المجال. (١)
كما نقل إسماعيل الكردي (٢) عن أبي حنيفة قوله عن الصحابي الجليل أنس بن مالك أنه اختلط آخر عمره، ومصدره كتاب متأخر هو "مختصر المؤمل في الرد على الأمر الأول" لأبي شامة (ت٦٦٥هـ) (٣) . وليس في تراجم أنس ﵁، في كتب الرجال ما يشير إلى اختلاطه (٤) . بل ورد ما يفيد احتياطه في الرواية: "قيل له: ألا تحدثنا؟ قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي ﷺ قال: " من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٥) .
وقيل مرة لأنس: ألا تحدثنا؟ قال: يا بني من يُكثر يَهجر.
والكاتب مريب يخلط الحق بالباطل تمويهاً على القارئ وقد صرح بالثناء على محمود أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية (٦) وأبدى إعجابه بمؤلف آخر هو صالح أبو بكر وكتابه "الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث
стр. 71
الإسرائيلية وتطهير البخاري منها" (١) . ووصف أجوبة الأئمة: ابن خزيمة وعياض والمازري في تأويل مشكل حديث لطم موسى عين ملك الموت بأنها أجوبة متكلفة وسخيفة!!!
وهذه الدراسات التي قام بها أحمد أمين وأبو رية ثم أبو بكر صالح وإسماعيل كردي وسامر إسلامبولي كلها متأثرة بدراسة المستشرق المجري كولد تسيهر في كتابيه "دراسات إسلامية" و"العقيدة والشريعة". ولا يكادون يخرجون عن الإطار الذي رسمه، وتابعه فيه عدد من المستشرقين الآخرين أبرزهم جوزيف شاخت (٢) .
стр. 72
أثر منهج المحدثين في تصحيح صورة السيرة النبوية:
١- النبوة والوحي:
إسلام ورقة بن نوفل:
نقل الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة (١) حديث النبيّ ﷺ أنه لما توفي ورقة قال: "لقد رأيت القسّ – وهو رجل الدين النصراني – في الجنّة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني" رواه أبو نُعيم والبيهقي في الدلائل الصحيح: قال أبو نُعيم: فهذا منقطع. وقال ابن كثير (٢) : مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل (٣) .
علاقة ورقة بالإسلام:
يقول مونتجمري واط: "ومن الأفضل الافتراض بأن محمداً كان قد عقد صلات مستمرة مع ورقة منذ وقت مبكر، وتعلّم أشياء كثيرة، وقد تأثرت التعاليم الإسلامية اللاحقة كثيراً بأفكار ورقة، وهذا يعود بنا إلى طرح مشكلة العلاقة بين الوحي الذي نزل على محمد والوحي السابق له".
الصحيح: توضح رواية البخاري أن لقاءً واحداً تم بين الاثنين، وأنه احتاج إلى تدخل من خديجة ﵂ ابنة عم ورقة.
وقد فتر الوحي ومات ورقة بعد ثلاث سنوات من بدء الوحي ووقوع اللقاء، وبقي الرسول ﷺ يتلو ما يتنزل من قرآن ثلاثاً وعشرين سنة حتى كمل التنزيل في عصر يوم الجمعة بعرفات في ذي الحجة سنة١٠هـ.
стр. 73
علاقة الإسلام ببحيرى الراهب:
يقول المستشرقون أن النبي ﷺ تعلّم من بحيرى الراهب. وقصة بحيرى لا تثبت أمام النقد الحديثي، ولو افترضنا جدلاً أنها وقعت فإن اللقاء بينهما لا يعدو الساعة أو الساعتين، وعمر النبيّ ﷺ اثنتا عشرة سنة. ولو حدثت قصة اللقاء لأثارت جدلاً في قريش. لكننا لا نجد صدى لها مما يؤكد بطلانها. وماذا يتحمل صبي في الثانية عشرة من عمره عن بحيرى؟ وقد اجتمع به بحضور قريش ساعة من زمان؟
وأما الأخذ عن التوراة والإنجيل فإن التوراة والإنجيل لم يترجما كاملين إلى العربية إلا بعد قرنين من عصر الرسالة (١) وكان يهود المدينة في عصر الرسالة يقرؤون بالعبرانية، وإن كان ورقة قد ترجم شيئاً من إنجيل العبرانيين. ولو افترضنا جدلاً أنهما ترجما في عصر الرسالة فإن أمِّيَّته الثابتة تحول دون إفادته منهما. وكلنا يعلم أن أحداً من المشركين لم يشكك في أمِّيّة النبيّ ﷺ مع توافر الدواعي لذلك عندهم؛ تكذيباً للقرآن، وتشكيكاً بصدق النبي ﷺ . وأقوى سند في قصة بحيرى ما أخرجه الترمذي وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي قائلاً: "أظنه موضوعاً وبعضه باطل".
الرد على مونتجمري واط في تفسير تغاير أسلوب القرآن والحديث:
وأن ذلك يعود إلى أن مصدر الحديث هو العقل ومصدر القرآن هو "اللاشعور". وإذا قبلنا هذه الفكرة المستوحاة من مدرسة التحليل النفسي،
стр. 74
فإنَّ كل إنسان يمتلك مستويين؛ مستوى للوعي ومستوى للاوعي، فلماذا لم ينجم عن ذلك وجود أسلوبين متغايرين كل التغاير عند الأدباء والشعراء بحيث تسقط المعايير الأدبية النقدية التي تكشف عن الافتعال في الشعر والنثر الفني لأن الخصائص الأسلوبية الفردية متمايزة، بحيث يكتشف الناقد أن قائل البيت هو امرؤ القيس، وكان الظن عند فلاسفة غربيين كبار أن تغييب الوعي (العقل) بالمخدرات يفضي إلى التماس مع منطقة اللاوعي حيث يتجلى الإبداع الحر بعيداً عن قيود العقل وكوابحه. وقد جربوا ذلك، ووضعوا أجهزة تسجيل لكلامهم من خلال منطقة "اللاوعي"، فلم يحصلوا على إبداع!! مع العلم أن منطقة "اللاوعي" افتراضية وليست حقيقية علمية. وفي الإسلام اعتبرت النفس واحدة وإن كانت تتحول من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة إلى النفس المطمئنة تبعاً لما تتلقاه من مؤثرات تربوية تقوى أحد جانبيها من الخير أو الشر.
стр. 75
٢- التشكيك بالرسالة:
الرد على مقولة أن الإسلام تعبير عن "اللاوعي" الجمعي العربي:
Arabic Collective Unconsciousness
مما يعني أنه انعكاس لثقافة مكتنزة في ضمير الأمة العربي، وتعبير عن آمالها وتطلعاتها في الوحدة والنهضة وتحقيق الذات.. وثمة من يذهب إلى أن الإسلام لم يأت بجديد، بل تبنى نظم الجاهلية في العبادة من حج وصوم وصدقة، وفي المعاملات من ديات وخُمس (أصله الربع من الغنائم يحوزه شيخ القبيلة) وشورى (تعود إلى ممارسات القبيلة في خيمة الشيخ) (١) ويتناسى