ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين" ١.
وأخرجه من طريقه أبو داود٢ وأحمد٣ بمثله.
وأخرجه أحمد٤ من طريقه في موضع آخر وأسقط فيه الواسطة بينه وبين كعب بن عجرة، قال ابن حجر: الصواب أن بينهما واسطة وهو ابن أبي ليلى على الصحيح٥.
وأخرجه أبو داود٦ من طريق الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أصابني هوام في رأسي ... "فذكر الحديث وفي آخره: "أو أطعم فرقاً من زبيب"٧.
وأخرجه٨ من طريق عبد الكريم الجزري عن عبد الرحمن به، في هذه القصة زاد: أي ذلك فعلت أجزأك". وأخرجه النسائي٩ وأحمد١٠ من طريق عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن به وفيه: "أو أطعم ستة مساكين مدين١١ لكل مسكين أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأك".
стр. 212
وقد أخرجه أحمد١ من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى به، ومرة من طريق الشعبي عن كعب، لكن قال ابن حجر٢: الصواب أن بينهما ابن أبي ليلى.
رواية عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة:
قال البخاري: حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عبد الله بن معقل قال: "جلست إلى كعب بن عجرة ﵁ فسألته عن الفدية فقال: نزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة، حملت٣ إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى ... " أو "ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى تجد شاة؟ فقلت: لا، فقال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع"٤.
وأخرجه عن آدم عن شعبة به فذكر نحوه وزاد فيه: "قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة ... "٥ الحديث.
وأخرجه مسلم٦ وابن ماجه٧ وأحمد٨ من طريق شعبة به نحوه، زاد في رواية أحمد: "نصف صاع من طعام".
وأخرجه مسلم من طريق زكريا بن أبي زائدة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني به: "أنه خرج مع النبي ﷺ فقمل رأسه ولحيته فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليه فدعا
стр. 213
الحلاق، فحلق رأسه ثم قال: هل عندك نسك؟ قال: ما أقدر عليه، فأمره أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكينين صاع، فأنزل الله فيه خاصة: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ ... ﴾ . ثم كانت للمسلمين عامة١.
وأخرجه أحمد٢ من طريق سليمان بن قرم عن عبد الرحمن بن الأصبهاني به، فذكر نحو رواية ابن أبي زائدة وزاد: "فوقع القمل في رأسي ولحيتي، وحاجبي وشاربي"، وفي آخره: "لكل مسكين نصف صاع من تمر".
وأخرجه أحمد٣ من طريق الشعبي عن عبد الله بن معقل عنه.
رواية أبي وائل عن كعب بن عجرة:
قال النسائي: أخبرني أحمد٤ بن سعيد هو الرباطي قال: أنبأنا عبد الرحمن٥ بن عبد الله الدشتكي، قال: أنبأنا عمرو٦ - هو ابن أبي قيس - عن الزبير٧ - وهو ابن عدي - عن أبي وائل٨ عن كعب٩ بن عجرة قال: أحرمت فكثر قمل رأسي، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاني وأنا أطبخ قدراً لأصحابي، فمس رأسي بإصبعه فقال: "انطلق فاحلقه وتصدق على ستة مساكين" ١٠، هذا السند لا بأس به.
стр. 214
رواية محمد بن كعب عن كعب بن عجرة:
قال ابن ماجه: حدثنا عبد الرحمن١ بن إبراهيم ثنا عبد الله٢ بن نافع عن أسامة٣ بن زيد عن محمد٤ بن كعب عن كعب بن عجرة قال: "أمرني النبي ﷺ حين آذاني القمل أن أحلق رأسي وأصوم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين وقد علم أن ليس عندي ما أنسك"٥.
هذا الإسناد حسن، وأسامة بن زيد أخرج له مسلم.
رواية رجل من الأنصار عن كعب بن عجرة:
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث٦ عن نافع٧ أن رجلاً من الأنصار أخبره عن كعب بن عجرة - وكان قد أصابه في رأسه أذى فحلق - فأمره النبي ﷺ أن يهدي بقرة"٨.
هذا الإسناد فيه رجل مجهول، قاله المنذري٩.
رواية يحيى بن جعدة عن كعب بن عجرة:
قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن بكر١٠ أنا ابن جريج١١، أخبرني عمرو١٢ بن
стр. 215
دينار عن يحيى١ بن جعدة عن كعب بن عجرة: "أن النبي ﷺ أمر كعباً أن يحلق رأسه من القمل، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين مدين أو اذبح"٢.
هذا الإسناد رجاله رجال الصحيح، إلا يحيى بن جعدة، وهو ثقة.
رواية عطاء لقصة كعب بن عجرة:
قال ابن جرير ابن المثنى٣ قال: ثنا سويد٤ قال: أخبرنا ابن المبارك عن يعقوب٥ قال: سألت عطاء٦ عن قوله: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فقال: إن كعب بن عجرة مر به النبي ﷺ ... "٧ الحديث معنى ما سبق.
وأخرجه من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء ان النبي ﷺ كان بالحديبية عام حبسوا بها وقمل رأس رجل من أصحابه يقال له: كعب بن عجرة فقال النبي ﷺ : أيؤذيك هوامك ... "٨ الحديث.
وأخرجه من طريق مالك٩ بن أنس عن عطاء١٠ بن عبد الله الخراساني أنه
стр. 216
قال: أخبرني شيخ بسوق الكوفة عن كعب بن عجرة جاءني رسول الله ﷺ وأنا أنضج تحت قدر لأصحابي ... "١.
هذه الأسانيد ضعيفة، فطريق يعقوب وطريق ابن جرير مرسلة.
وطريق مالك بن أنس فيها راو مبهم.
قال الشيخ أحمد شاكر٢: هذا الإسناد ضعيف لإرساله لأن عطاء يحكي قصة في عهد رسول الله ﷺ لم يدركها، ولم يذكر من حدثه بها.
стр. 217
المبحث الثاني: بيان كفر من قال مطرنا بنؤ كذا
...
المبحث الثاني: بيان كفر من قال مطرنا بنوء كذا:
(١٢٦) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية - على أثر سماء كانت من الليلة - فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء١ كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب"٢.
وأخرجه٣ عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك به مثله.
وأخرجه مسلم٤ عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك به مثله.
وأخرجه أبو داود٥ عن القعنبي عن مالك به فذكره بمثله.
وأخرجه مالك٦ بهذا اللفظ
стр. 218
وأخرجه أحمد١ عن إسحاق عن مالك به فذكره بمثله.
وفي روايتهم جميعاً "إثر سماء كانت من الليل".
وأخرجه البخاري عن خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثني صالح بن كيسان به قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى لنا رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل علينا فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ ثم ذكر الحديث"، وفيه: "وأما من قال مطرنا بنجم كذا ... "٢ وسائره مثله.
وأخرجه النسائي٣ عن قتيبة عن سفيان عن صالح به، فذكره بمعناه وليس فيه ذكر للحديبية.
وأخرج الواقدي حديثاً لأبي قتادة ﵁ يفيد أن سبب هذا الحديث هو كلام صدر من ابن أبي بن سلول قال:
(١٢٧) حدثنا ابن أبي سبرة٤ عن إسحاق٥ بن عبد الله عن أبي سلمة الحضرمي قال: سمعت أبا قتادة يقول: سمعت ابن أُبَيْ يقول - ونحن بالحديبية ومطرنا بها - فقال ابن أُبَيْ: هذا نوء الخريف مطرنا بالشَّعْرَى٦.
هذا الحديث ضعيف جداً فيه الواقدي، وفيه شيخه سبرة يقول ابن حجر: رموه بالوضع.
стр. 219
المبحث الثالث: مشروعية الصلاة في الرحال:
(١٢٨) قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر١ بن أبي شيبة ثنا إسماعيل٢ بن
стр. 220
إبراهيم عن خالد١ الحذاء عن أبي المليح٢ بن أسامة قال: خرجت إلى المسجد في ليلة مطيرة فلما رجعت استفتحت فقال أبي٣: من هذا؟ قال: أبو المليح، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية وأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ : "صلوا في رحالكم"٤.
وأخرجه أحمد٥ عن إسماعيل وسفيان ووكيع كلهم عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المليح فذكرا الحديث بنحوه.
وفي رواية وكيع قال عن أبي المليح عن أبيه ولم يذكر قصة خروجه للمسجد.
وأخرجه٦ ابن سعد عن عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن خالد به فذكر الحديث بنحوه.
وهذا الحديث صحيح، فسنده متصل برواية الثقات، وقد صححه ابن حجر٧.
وأخرجه أبو داود وزاد فيه: "في يوم الجمعة"، لكن في سنده انقطاع:
(١٢٩) قال: حدثنا نصر بن علي٨ قال سفيان٩ بن حبيب: خُبّرنا عن
стр. 221
خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المليح عن أبيه أنه شهد النبي ﷺ زمن الحديبية في يوم الجمعة وأصابهم مطر لم يبل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم١.
وأخرجه الحاكم٢ بهذا السياق من طريق نصر بن علي عن سفيان عن خالد الحذاء به.
وسند أبي داود فيه انقطاع بين سفيان بن حبيب وخالد الحذاء قال سفيان خُبّرنا عن خالد بالبناء للمفعول.
قال صاحب عون المعبود: "المخبر لسفيان بن حبيب لم يعرف"٣.
لكن جاء في سند الحاكم عن سفيان عن خالد الحذاء، ولم أرَ أحداً وصف سفيان بالتدليس.
وقد ذكر المزي٤ أن سفيان بن حبيب روى عن خالد الحذاء.
وصحح هذه الزيادة الحاكم٥ ووافقه الذهبي٦ والألباني٧.
وقد جاء عند أبي داود٨ وأحمد٩ من طريق قتادة عن أبي المليح أن ذلك كان يوم حنين، فلعلها وقعت مرة أخرى بحنين والله أعلم.
стр. 222
المبحث الثالث: نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية
...
المبحث الرابع: نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية:
(١٣٠) قال الحارث بن محمد بن أبي أسامة ثنا العباس١ بن الفضل ثنا حرب٢ بن شداد ثنا يحيى بن أبي كثير عن النحاز٣ بن جُدَىْ الحنفي عن سنان٤ بن سلمة بن المحبق الهذلي عن أبي٥ قال: مر بنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية وأمر بالقدور أن تكفأ من لحوم الحمر الأهلية٦.
هذا الحديث منكر: تفرد به العباس بن الفضل عن حرب بن شداد، والعباس قد ضعفه غير واحد، وكذبه ابن معين، وقد خالف فيه، فقد رواه الثقات عن حرب بن شداد وذكروا أن ذلك كان يوم خيبر:
قال الإمام أحمد: ثنا أبو داود٧ الطيالسي قال: ثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن النحاز الحنفي أن سنان بن سلمة أخبره عن أبيه أن رسول الله ﷺ أمر بلحوم حمر الناس يوم خيبر وهي في القدور فأكفئت٨.
وأخرجه أيضاً عن عبد الصمد٩ بن عبد الوارث عن حرب بن شداد به بنحو حديث أبي داود١٠.
стр. 223
وأخرجه الطبراني من طريق عمرو١ بن مرزوق عن حرب بن شداد به بنحو لفظ أبي داود٢.
والحديث صحيح له شواهد كثيرة في الصحيحين.
ففي البخاري من حديث ابن عمر:
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله حدثنا عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : "نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية" ٣.
وأخرجه من طريق سالم عن ابن عمر بلفظ: "أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل الثوم وعن لحوم الحمر الأهلية"٤.
وأخرجه مسلم٥.
وفي الصحيحين أيضاً من حديث علي٦ بن أبي طالب، وجابر٧ ابن عبد الله، وعبد الله٨ بن أبي أوفى، والبراء٩ بن عازب، وابن عباس١٠، وسلمة١١ بن الأكوع، وأبو ثعلبة١٢ الخشني، وأنس١٣ بن مالك.
فهؤلاء كلهم رووا حديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية وصرحوا بأن ذلك النهي كان في غزوة خيبر، وقد روى الحديث غيرهم أيضاً من الصحابة١٤.
стр. 224
الفصل الثاني: تحلل النبي ﷺ وأصحابة من الإحرام
المبحث الأول: أمر النبي ﷺ لأصحابه بالنحر والحلق وذكر مادار بينهم
...
المبحث الأول: أمر النبي ﷺ لأصحابه بالنحر والحلق، وذكر ما دار بينهم:
كان من جملة الشروط التي أملتها قريش وأصرت عليها، أن يرجع المسلمون عامهم ذلك ولا يصلوا إلى البيت.
وبعد أن وقع الاتفاق على الصلح، ومن ضمنه هذا الشرط قام رسول الله ﷺ وأصحابه فنحروا هديهم، وكانوا قد ساقوه معهم من المدينة وحلقوا وقصر بعضهم فدعا رسول الله ﷺ لمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرة:
(١٣١) قال البخاري: حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك"١.
وأخرجه البغوي٢ من طريق محمود به بهذا اللفظ.
وأخرجه أحمد من حديث المسور ومروان ونص على أنه كان في الحديبية:
قال حدثنا عبد الرزاق به عن المسور ومروان قالا: قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره من ذي الحليفة وأحرم منها بالعمرة، وحلق بالحديبية في عمرته، وأمر أصحابه بذلك، ونحر بالحديبية قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك٣.
стр. 225
وقد أشار إلى أمر النبي ﷺ لأصحابه بذلك وما دار بينهم حديث المسور ومروان الطويل: فقد جاء فيه من طريق معمر ما نصه:
"فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج لا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعى حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً"١.
وأخرجه من طريق ابن إسحاق٢ بنحوه.
وأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق بنحوه وزاد فيه: "فلما رأى الناس أنه قد فعل ذلك قاموا ففعلوا فنحروا وحلق بعضهم وقصر بعض، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر للمحلقين، فقيل: يا رسول الله والمقصرين، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً، قيل: يا رسول الله وللمقصرين، فقال: وللمقصرين "٣.
هذه الزيادة عند البيهقي، قد رواها عدد من الصحابة رضوان الله عليهم:
١ - فقد وردت من حديث ابن عمر ﵄ عند أحمد:
(١٣٢) قال: حدثنا عبد الرزاق٤ أنا معمر٥ عن أيوب٦ عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال يوم الحديبية: "اللهم اغفر للمحلقين، فقال رجل: والمقصرين، فقال: اللهم اغفر للمحلقين، فقال: وللمقصرين، حتى قالها ثلاثاً أو أربعاً ثم قال: وللمقصرين"٧.
стр. 226
سند هذا الحديث صحيح فرجاله رجال الصحيح.
٢ - ومن حديث ابن عباس ﵄ عند الإمام أحمد وغيره:
(١٣٣) قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يزيد١ قال: قال محمد - يعني ابن إسحاق -: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : "يرحم الله المحلقين"، قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "يرحم الله المحلقين"، قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "يرحم الله المحلقين" قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "والمقصرين"، قالوا: فما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم؟ قال: "لم يشكوا"، قال: فانصرف رسول الله ﷺ "٢.
وأخرجه أبو يعلى٣ من طريق يزيد بن هارون به فذكره بمثله إلا أن عنده: "ظاهرت لهم بالترحم" ولم يقل في آخره "فانصرف ... ".
وأخرجه الطحاوي٤ من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن إدريس كلاهما عن ابن إسحاق به مثله.
وأخرجه من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن ابن جريج عن مجاهد قال: قلت لابن عباس لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة، قال: لأنهم لم يشكوا".
هذا الإسناد حسن؛ لأن مداره على ابن إسحاق وقد صرح بالسماع لكن الحديث صحيح لشواهده، من حديث ابن عمر السابق وحديث جابر الآتي وغيرهما:
٣- وقد أخرجه الطحاوي من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
стр. 227
(١٣٤) قال: حدثنا عبيد١ بن رجال ثنا محمد٢ بن يوسف ثنا أبو قرة٣ موسى بن طارق عن زمعة٤ بن صالح عن زياد٥ بن سعد عن أبي الزبير٦ أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "حلق رسول الله ﷺ يوم الحديبية وحلق ناس كثير من أصحابه حين رأوه حلق، وأمسك آخرون، فقالوا: والله ما طفنا بالبيت فقصروا، فقال رسول الله ﷺ : يرحم الله المحلقين، فقال رجال: والمقصرين يا رسول الله، فقال ﷺ : يرحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: والمقصرين"٧.
وأخرجه الطبراني٨ عن مفضل٩ ثنا علي بن زياد اللحجي، قال ذكر زمعة به نحوه وفيه اختصارٌ من آخره.
هذا الحديث حسن لشواهده من حديث ابن عمر وابن عباس السابقين لأن في سنده زمعة بن صالح ضعفه أحمد وابن معين وأبو داود وغيرهم، لكن قال ابن معين مرة:
стр. 228
صويلح الحديث، وقال عمر بن علي: هو جائز الحديث مع الضعف الذي فيه، وقال ابن عدي: ربما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح لا بأس به١.
وأخرجه أبو داود الطيالسي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بسياق آخر:
(١٣٥) قال: حدثنا هشام٢ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم٣ الأنصاري عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية، إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة٤.
وأخرجه٥ ابن سعد من طريق هشام الدستوائي به فذكره بمثله.
وأخرجه الطحاوي من طريق علي٦ بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به، ولفظه: أن رسول الله ﷺ عام الحديبية حلق، وحلق أصحابه غير رجلين من الأنصار ورجل من قريش٧.
وأخرجه من طريق الأوزاعي٨ عن يحيى بن أبي كثير به ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يستغفر يوم الحديبية للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة٩.
وأخرجه البيهقي من طريق هشام الدستوائي عن يحيى به، ولفظه: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية غير رجلين قصرا ولم يحلقا١٠.
стр. 229
هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، لأن مدراه على أبي إبراهيم، وقال عنه أبو حاتم: لا يدرى من هو؟ ١.
ورمز له ابن حجر بـ "مقبول" ويعني بعد المتابعة لأنه من المرتبة السادسة، التي يقول فيها: "من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله وإليه الإشارة لفظ "مقبول" حيث يتابع وإلا فلين الحديث٢، قلت: ولم يتابع على هذا الحديث إلا رواية الأوزاعي عند الطحاوي، وعجز رواية هشام عند أبي داود، فهي ثابتة من حديث ابن عمر وابن عباس السابقين، والله أعلم.
وهناك أحاديث أخرى أشارت أيضاً إلى تحلل النبي ﷺ وأصحابه - في الحديبية - بالنحر والحلق، فقد أشار إلى ذلك حديث ابن عباس ﵄:
(١٣٦) قال البخاري: حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام حدثنا يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄: "قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق رأسه وجامع نساءه، ونحر هديه حتى اعتمر عاماً قابلاً"٣.
ذكر ابن حجر أنه رأى الحديث في جميع النسخ بلفظ: "فقال ابن عباس". قال: وهو يقتضي سبق كلام يعقبه قوله: "فقال ابن عباس" ثم ذكر أنه وجده في "كتاب الصحابة" لابن السكن كاملاً ولفظه: "قال حدثني هارون بن عيسى حدثنا الصنعاني هو محمد بن إسحاق أحد شيوخ مسلم حدثنا يحيى بن صالح حدثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت عكرمة فقال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة أنها سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم، فقال: قال رسول الله
ﷺ من عرج أو كسر أو حبس، فليجزئ مثله وهو في حل. "قال فحدثت أبا هريرة، فقال: صدق، وحدثته ابن عباس فقال: "قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق ونحر هديه وجامع نساءه حتى اعتمر عاماً قابلاً"، قال ابن حجر: "فعرف بهذا السياق القدر الذي حذفه البخاري من هذا الحديث، والسبب في حذفه أن الزائد ليس على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن عكرمة مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري ... إلى أن
стр. 230
قال: فاقتصر البخاري على ما هو من شرط كتابه مع أن الذي حذفه ليس بعيداً من الصحة، فإن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك، وإلا فالواسطة بينهم وهو - عبد الله بن رافع - ثقة وإن كان البخاري لم يخرج له١ ا. هـ
وقد أشار إلى ذلك أيضاً حديث ابن عمر ﵄:
(١٣٧) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر ﵄ ليالي نزل الجيش بابن الزبير فقالا: لا يضرك أن لا تحج العام، وإنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت، فقال: خرجنا مع النبي ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هديه وحلق رأسه وأشهدكم أني أوجبت العمرة إن شاء الله، فأنطلِقُ فإن خلي بيني وبين البيت طفت، وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي ﷺ ، وأنا معه فأهل بالعمرة من ذي الحليفة ثم سار ساعة، ثم قال: إنما شأنهما واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي، فلم يحل منهما حتى دخل يوم النحر وأهدى، وكان يقول: لا يحل حتى يطوف طوافاً واحداً يوم يدخل مكة٢.
ومن هذا الوجه أخرجه النسائي٣ والبيهقي٤ بنحوه.
وهذه الرواية تفيد أن نافعاً لم يشهد القصة، وإنما أخبره بذلك عبد الله وسالم ابنا عبد الله بن عمر، لكن رواية موسى بن إسماعيل عن جويرية أفادت أنّ نافعاً قد شهد القصة ونصها:
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع أن بعض بني عبد الله قال: لو أقمت العام فإني أخاف ألا تصل إلى البيت، قال: "خرجنا مع النبي ﷺ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هداياه وحلق وقصر أصحابه، وقال أشهدكم أني قد أوجبت عمرة ... "٥.
стр. 231
وقد أخرجه البخاري أيضاً من طرق أخرى غير طريق جويرية وكلها تفيد شهود نافع للقصة.
فأخرجه من طريق١ أيوب عن نافع أن ابن عمر ﵄ دخل ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال، فيصدوك عن البيت فلو أقمت فقال: خرج رسول الله ﷺ فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبين البيت، أفعل كما فعل رسول الله ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
وأخرجه من طريقه٢ أيضاً بلفظ: قال عبد الله بن عبد الله بن عمر لأبيه: "أقم فإني لا آمن أن تصد عن البيت ... " الحديث بنحوه.
ومن طريق أيوب أخرجه مسلم٣ وأحمد٤ بنحوه.
وأخرجه البخاري من طريق٥ الليث عن نافع أن ابن عمر ﵄ أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف أن يصدوك فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إذاً أصنع كما صنع رسول الله ﷺ .
وأخرجه من طريق الليث مسلم٦ والنسائي٧ بنحوه.
وأخرجه البخاري من طريق٨ موسى بن عقبة عن نافع قال: "أراد ابن عمر ﵄ الحج عام حجة الحَروريَّة٩ في عهد ابن الزبير ﵄ فقيل
стр. 232
له: إن الناس كائن بينهم قتال ... ".
وأخرجه من طريق١ مالك عن نافع: "أن عبد الله بن عمر ﵄ حين خرج إلى مكة معتمراً في الفتنة قال: "إن صُددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ... ".
وأخرجه مالك٢ ومسلم٣ بنحوه، وأحمد٤ مختصراً.
وأخرجه البخاري من طريق٥ عمر بن محمد العمري قال: وحدث نافع أن عبد الله٦ وسالماً كلما عبد الله بن عمر ﵄ فقال: "خرجنا مع النبي ﷺ معتمرين فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ بدنه وحلق رأسه".
وأخرجه البيهقي٧ من هذا الطريق بنحوه وزاد "ثم رجع".
وأخرجه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر العمري عن نافع أنه أهلّ وقال: "إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي ﷺ حين حالت كفار قريش بينه، وتلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٨.
وأخرجه مسلم٩ من هذا الطريق بأطول من هذا اللفظ.
وأخرجه أحمد١٠ من طريق عبيد الله بن عمر وعبد العزيز بن أبي رَوّاد كلاهما عن نافع بأطول منه.
стр. 233
سبق أن رأينا أن أول رواية عن نافع لهذا الحديث - وهي رواية عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية - تفيد أن نافعاً لم يشهد القصة، وإنما سمعها من ابني عبد الله بن عمر. وبقية الروايات عن نافع تفيد أنه شهد القصة وقد وجه ذلك ابن حجر فقال: والذي يترجح في نقدي أن ابني عبد الله أخبرا نافعاً بما كلما به أباهما وأشارا عليه به من التأخير ذلك العام، وأما بقية القصة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر؛ لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول وعلى تقدير أن يكون نافعاً لم يسمع شيئاً فقد عرف الواسطة بينهما وهي ولدا عبد الله بن عمر: سالم وعبد الله، وهما ثقتان لا مطعن فيهما" ١.
ثم ذكر أنه لم ينبه على ذلك أحد من شرّاح البخاري قبله.
стр. 234
المبحث الثاني: عدد الهدي الذي نحره المسلمون في عمرة الحديبية:
نحر النبي ﷺ وأصحابه في هذه العمرة سبعين بدنة، فقد ورد التصريح بذلك في حديث جابر، وحديث أنس بن مالك، وحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم التالية:
(١٣٨) قال الدارمي: أخبرنا يعلى١ ثنا سفيان٢ عن أبي الزبير٣ عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة، فقال رسول الله ﷺ : "اشتركوا في الهدي"٤.
وأخرجه ابن حبان٥ من طريق عبد الرحمن٦ بن مهدي عن سفيان به، فذكر نحوه
стр. 235
خرجه الدارقطني من طريق عبد الرحمن بن مهدي ويعلى بن عبيد ويحيى بن آدم كلهم عن سفيان به١.
وأخرجه ابن سعد٢ عن محمد٣ بن عبد الله الأسدي عن سفيان به، فذكره بنحوه.
وأخرجه أحمد من طريق أبي الزبير بسياق آخر:
(١٣٩) قال: حدثنا سليمان٤ بن داود ثنا عبد الرحمن٥ بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر: فذكر قصة بيعة العقبة ثم قصة بيعة الحديبية، وقال: نحرنا يومئذ سبعين من البدن لكل سبعة جزور"٦.
وأخرجه من طريق أبي سفيان عن جابر ﵁:
قال: حدثنا أبو معاوية٧، ثنا الأعمش٨ عن أبي سفيان٩ عن جابر قال: ساق رسول الله ﷺ عام الحديبية سبعين بدنة، قال فنحر البدنة عن سبعة١٠.
وأخرجه ابن سعد١١ عن أبي معاوية الضرير ومحمد١٢ بن عبيد، كلاهما عن الأعمش به فذكر نحوه، وزاد محمد بن عبيد في حديثه: "وكنا يومئذ ألفاً وأربعمائة ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى".
стр. 236
وأخرجه أحمد أيضاً من طريق سليمان بن قيس اليشكري عن جابر ﵁:
قال: حدثنا عفان١ حدثنا أبو عوانة٢ حدثنا أبو بشر٣ عن سلميان٤ بن قيس عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة"٥.
وأخرجه ابن سعد٦ عن عفان به فذكره بمثله.
وأخرجه٧ عبد بن حميد عن أبي الوليد٨ عن أبي عوانة به فذكره بمثله.
حديث جابر هذا حسن بمجموع طرقه.
فطريق أبي الزبير عند الدارمي فيه يعلى بن عبيد قال ابن حجر: حديثه عن سفيان الثوري فيه لين، وتابعه محمد بن عبد الله الأسدي عند ابن سعد، ويقول ابن حجر فيه أيضاً: قد يخطئ في حديثه عن سفيان لكن تابعهما عبد الرحمن بن مهدي عند ابن حبان وهو ثقة ثبت.
وفي هذا السند أيضاً لم يصرح أبو الزبير بالسماع من جابر، وهو مدلس٩، ولكن تابعه في الطريق الثاني عند أحمد وابن سعد وأبو سفيان عن جابر. وأبو سفيان أيضاً لم يصرح بالسماع وهو مدلس١٠، لكن روايته تجبر رواية أبي الزبير، وتدل على أن للحديث أصلاً.
стр. 237
قال ابن حجر: "ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر وكذا المستور والمرسل والمدلس، صار حديثهما حسناً لا لذاته، بل بالمجموع"١.
أما طريق سليمان بن قيس اليشكري عند أحمد، فهو منقطع، لأن أبا بشر لم يسمع من سليمان، قاله البخاري٢.
ويشهد لحديث جابر أيضاً حديث أنس بن مالك عند ابن سعد:
(١٤٠) قال ابن سعد: أخبرنا محمد٣ بن عبد الله الأنصاري أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أنهم نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة عن كل سبعة بدنة٤.
هذا الحديث في سنده ابن أبي عروبة٥ وقتادة٦ لم يصرح واحد منهما بالسماع، وهما مدلسان لكن كل منهما في هذا الإسناد ثبت فيمن يروي عنه.
فابن أبي عروبة يروي عن قتادة وهو من أثبت أصحاب قتادة فيه، قاله٧ ابن أبي خيثمة، وأبو حاتم، وأبو رزعة، وكذلك قتادة قال: أبو حاتم٨ أثبت أصحاب أنس الزهري ثم قتادة.
ويشهد له حديث جابر السابق، فالحديث حسن إن شاء الله.
وتحديد الهدي بسبعمائة جاء أيضاً في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق عند أحمد وغيره:
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق عن الزهري محمد
стр. 238
بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور١ بن مخرمة ومروان٢ بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة ... "٣.
وأخرجه الدارقطني من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به مختصراً ولفظه: "أن النبي ﷺ ساق يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبعمائة رجل"٤.
وأخرجه البيهقي٥ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني الزهري به، فذكره بمثل لفظ أحمد.
سند هذا الحديث حسن فقد صرح ابن إسحاق بالسماع من الزهري في رواية البيهقي، وتقدم الكلام على الحديث.
ويلاحظ أن ابن إسحاق قال: "وكان الناس سبعمائة رجل" وهذا مخالف لما ثبت في الصحيح عن عدد أصحاب الحديبية، وتقدم الكلام٦ عنه فليراجع.
وقال ابن إسحاق أيضاً: "فكانت كل بدنة عن عشرة"، وهذا مغاير لما تقدم "في حديث جابر وأنس من أنهم نحروا في الحديبية البدنة عن سبعة، ويؤيد ما في حديث جابر وأنس ما ورد عند مسلم عن جابر:
(١٤١) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مالك ح وحدثنا يحيى بن يحيى (واللفظ له) قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" ٧.
стр. 239
وهو في الموطأ١ بهذا اللفظ.
وأخرجه أبو داود٢ عن القعنبي عن مالك به مثله.
وأخرجه الترمذي٣ عن قتيبة عن مالك به مثله.
وأخرجه ابن ماجه٤ من طريق عبد الرزاق عن مالك به مثله.
وأخرجه أحمد٥ عن عبد الرزاق وروح كلاهما عن مالك به مثله.
وأخرجه ابن سعد٦ عن إسحاق بن عيسى عن مالك به مثله.
وأخرجه البيهقي٧ من طريق قتيبة عن مالك به مثله.
فهذا الحديث في مسلم وغيره وقد نص على أن الصحابة رضوان الله عليهم في الحديبية نحروا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، وكذلك حديث جابر وأنس السابقان ورد فيهما أنهم نحروا البدنة عن سبعة والتعارض بين هذه الأحاديث وما في حديث ابن إسحاق ظاهر، وابن إسحاق قد تفرد بذكر البدنة عن عشرة.
قال البيهقي٨: "وأما ما في حديث الزهري عن عروة فإن محمد بن إسحاق بن يسار تفرد بذكر البدنة عن عشرة فيه".
وقد ذكر البيهقي رواية معلقة عن سفيان تفيد أنهم نحروا في الحديبية البدنة عن عشرة، أوردها بصيغة التمريض: قال: "وقد روي عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: "نحرنا يوم الحديبية البدنة عن عشرة"٩.
ثم تعقبها بقوله: "ولا أحسبه إلا وهماً، فقد رواه الفريابي عن الثوري وقال: البدنة عن سبعة"١٠.
стр. 240
قلت: نعم، المحفوظ من رواية سفيان "البدنة عن سبعة" فقد أخرجها الدارمي١ عن يعلى بن عبيد وابن حبان٢ من طريق ابن مهدي، وابن سعد٣ عن محمد بن عبد الأسدي، كلهم عن سفيان، وفيها "البدنة عن سبعة"٤.
وقد حاول ابن خزيمة التوفيق بين حديث جابر ورواية ابن إسحاق من حديث المسور ومروان حيث قال: فقول جابر: "اشتركنا في الجزور سبعة وفي البقرة سبعة" يريد بعض أهل الحديبية، وخبر المسور ومروان: "اشترك عشرة في بدنة" أي سبعمائة وهم نصف أهل الحديبية لا كلهم"٥.
قلت: هذا الجمع يتجه لو كان الهدي الذي ساقوه في غزوة الحديبية أكثر من سبعين بدنة، لكن نصت رواية ابن إسحاق هذه وحديث جابر وحديث أنس السابقان على أن النبي ﷺ إنما ساق سبعين بدنة فقط، وأما ما ورد في حديث سلمة بن الأكوع: "أن النبي ﷺ نحر في الحديبية مائة بدنة"٦ فهو ضعيف.
والتحقيق: أن الصحابة رضوان الله عليهم نحروا بالحديبية البدنة عن سبعة، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره، أما رواية ابن إسحاق فهي شاذة، والله أعلم.
стр. 241
المبحث الثالث: قصة جمل أبي جهل:
وكان في جملة ما نحر النبي ﷺ في هديه - يوم الحديبية - جمل لأبي جهل كان من غنائم بدر:
(١٤٢) قال أبو داود: حدثنا النفيلي١ حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا محمد
стр. 242
بن إسحاق ح، وحدثنا محمد١ بن المنهال، حدثنا يزيد٢ بن زريع عن ابن إسحاق - المَعْنى - قال: عبد الله - يعني ابن أبي نجيح - حدثني مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﷺ أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله٣ ﷺ جملاً كان لأبي جهل في رأسه برة٤ من فضة، قال ابن المنهال: بُرة من ذهب، زاد النفيلي: يغيض بذلك المشركين٥.
وأخرجه ابن خزيمة عن ابن إسحاق من طريقين صرح في أحدهما بالسماع من ابن أبي نجيح:
قال ابن خزيمة: ثنا الفضل٦ بن يعقوب الجزري ثنا عبد الأعلى٧ عن محمد بن عبد الله بن أبي نجيح به، ولفظه: أهدى رسول الله ﷺ جمل أبي جهل في هديه عام الحديبية وفي رأسه برة من فضة، كان أبو جهل أسلمه يوم بدر٨.
وقال: حدثنا محمد٩ بن عيسى نا سلمة١٠ قال محمد: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح به فذكر نحوه، إلا أنه لم يذكر أنه أسلمه يوم بدر، وزاد "ليغيظ المشركين بذلك"١١.
وأخرجه الحاكم١٢ من طريق عياش بن الوليد الرقام ثنا عبد الأعلى ابن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح به فذكر نحوه.
стр. 243
وأخرجه أحمد١ من طريق ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح فذكر نحوه.
وأخرجه ابن جرير٢ من طريق سلمة عن ابن إسحاق به نحوه.
وأخرجه البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به، فذكر نحوه وزاد: وعليه خشاش من ذهب، وهي الزمام، قال: وذلك أن الزمام يكون في اللحم، والخشاش يكون في العظم، وما فعل ذلك إلا ليغيظ به قريشاً٣.
وأخرجه أحمد من طريق جرير بن حازم عن ابن أبي نجيح:
قال: حدثنا حسين٤ ثنا جرير٥ بن حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أهدى في بدنه بعيراً كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة"٦.
قال الحاكم بعد أن ساقه من طريق ابن إسحاق: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه٧.
قلت: نعم هذا الحديث صحيح دون قوله: "برة من ذهب" فقد صرح ابن إسحاق بالسماع في سند ابن خزيمة والحاكم، وقد تابع ابن إسحاق في ابن أبي نجيح جرير بن حازم عند أحمد في سند رجاله ثقات.
وأخرج أحمد هذا الحديث من طريق مقسم عن ابن عباس:
стр. 244
(١٤٣) قال حدثنا وكيع ثنا سفيان١ عن ابن أبي ليلى٢ عن الحكم٣ عن مقسم٤ عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ أهدى في بدنه جملاً كان لأبي جهل برته من فضة"٥.
وأخرجه ابن ماجه٦ من طريق وكيع به مثله.
وأخرجه أحمد عن مؤمل عن سفيان به بلفظ: "أهدى رسول الله ﷺ مائة بدنة فيها جمل أحمر لأبي جهل، في أنفه برة من فضة"٧.
وأخرجه الطبراني من طريق أبي نعيم٨ وأبي عاصم٩، كلاهما عن سفيان به فذكره بمثله١٠ دون قوله: "أحمر".
وأخرجه أحمد من طريق زهير بن محمد عن ابن أبي ليلى بسياق آخر في حديث:
(١٤٤) قال: حدثنا يحيى١١ بن آدم ثنا زهير١٢ عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: نحر رسول الله ﷺ في الحج
стр. 245
مائة بدنة، نحر بيده منها ستين، وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر، فأكل منها وحسا من مرقها، ونحر يوم الحديبية سبعين فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها١.
وأخرجه البيهقي٢ من طريق زهير بن محمد به فذكره مختصراً ابتدأ من قوله: " نحر يوم الحديبية ... " الخ.
هذا السند ضعيف فمداره على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال عنه الإمام أحمد: "مضطرب الحديث"، وقال يحيى القطان: "سيئ الحفظ جداً"، وقال شعبة: "ما رأيت أسوأ من حفظه"، وقال يحيى بن معين: "ليس بذاك"، وقال الدارقطني: "رديء الحفظ كثير الوهم"٣، وقال الذهبي٤: "صدوق سيئ الحفظ"، والإسناد مع ذلك منقطع فالحكم بن عتيبة لم يسمع الحديث من مقسم، قال يحيى القطان وشعبة وأحمد وغيرهم: "أحاديث الحكم عن مقسم كتاب إلا خمسة أحاديث"، قال يحيى القطان هي: "حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزيمة الطلاق، وجزاء الصيد، وإتيان الحائض"٥.
قلت: فالحديث الذي نحن بصدده ليس من الخمسة التي سمعها الحكم من مقسم، وأيضاً فالمتن الوارد بهذا الإسناد فيه اضطراب يشعر بسوء حفظ ابن أبي ليلى، كما قال الأئمة: "فقد جاء في إحدى روايات سفيان عنه: "أن رسول الله ﷺ أهدى مائة بدنة" بينما في رواية زهير بن محمد عنه: "أن رسول الله ﷺ نحر يوم الحديبية سبعين بدنة".
وعند ابن ماجه من رواية أخرى لسفيان عن ابن أبي ليلى فيها أن جمل أبي جهل كان مع الهدي الذي ساقه النبي ﷺ في حجته:
стр. 246
(١٤٥) قال ابن ماجه: حدثنا القاسم١ بن محمد بن عباد المهلبي، ثنا عبد الله٢ بن داود ثنا سفيان قال: "حج رسول الله ﷺ ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر من المدينة وقرن مع حجته عمرة، واجتمع ما جاء به النبي ﷺ وما جاء به عليٌّ مائة بدنة، منها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فنحر النبي ﷺ بيده ثلاثاً وستين، ونحر علي ما غبر.
قيل له: من ذكره؟ قال: جعفر عن أبيه عن جابر، وابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس٣.
وهذا الحديث ضعيف وإن كان قد تابع ابن أبي ليلى فيه محمد بن جعفر عن أبيه عن جابر.
فقد أخرجه الترمذي٤ من طريق سفيان عن جعفر به، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب، ثم قال: وسألت محمداً عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ ورأيته لم يعد هذا محفوظاً، وقال إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلاً٥.
стр. 247
المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدى في الحل أو الحرم
...
المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدي في الحل أو في الحرم؟
صرحت بعض الروايات بأن رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا الهدي بالحديبية، لكن الحديبية منها ما هو في الحل، ومنها ما هو من الحرم، وقد ورد في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ كان نازلاً في الحل، وأفادت بعض الروايات أيضاً أنه ﷺ نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه، وقد جاء في حديث ناجية ﵁ أن رسول الله ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم، وسوف أسرد النصوص مرتبة على هذا النحو، مع مناقشتها وبيان ما ترجح لي في ذلك إن شاء الله٠
стр. 248
قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ... "١.
وقال مسلم: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ، مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً"٢.
وأخرجه البيهقي من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس ثم ذكر الحديث وفيه: "وأصحاب محمد ﷺ قد خالطوا الحزن والكآبة، حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم ... "٣.
وقد جاء في حديث المسور أن رسول الله ﷺ كان نازلاً في الحل:
(١٤٦) قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود٤، حدثنا سفيان٥ بن بشر الكوفي، قال: حدثنا يحيى٦ بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور: "أن رسول الله ﷺ كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم"٧.
وهذا الحديث حسن رجال سنده ثقات غير سفيان بن بشر ترجم له العيني ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، لكن صحح له ابن الجوزي حديثاً تفرد بوصله وقال: ما علمنا أحداً طعن في سفيان بن بشر٨، وفي السند أيضاً ابن إسحاق لم يصرح بالسماع،
стр. 249
ولكن ورد هذا اللفظ في حديث المسور ومروان الطويل عند الإمام أحمد١ والبيهقي، وصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ونصه: "وكان مضطربه في الحل، وكان يصلي في الحرم" ٢.
وقد ورد عن عطاء أن رسول الله ﷺ كان نازلاً في الحرم:
(١٤٧) ففي مصنف ابن أبي شيبة ثنا أبو أسامة٣ عن عطاء: "أن منزل النبي ﷺ يوم الحديبية في الحرم"٤.
لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يقوى على معارضة الحديث السابق.
وإذا تقرر أن النبي ﷺ كان نازلاً في الحل، فقد ورد في بعض النصوص أنه نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه:
جاء في حديث أنس السابق من طريق الحكم بن عبد الملك عند البيهقي "أن أصحاب رسول الله ﷺ ذبحوا هديهم في أمكنتهم".
وهذا يقيد ما أطلق من طريق ابن أبي عروبة، فيكون المقصود بالحديبية منزل النبي ﷺ منها وهو في الحل، والله أعلم.
ويدل لذلك أيضاً أثر مجاهد عند البيهقي:
(١٤٨) قال: حدثنا أبو عبد الله٥ الحافظ وأبو بكر أحمد٦ بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد٧ بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن عمر٨ بن ذر عن مجاهد قال: "اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلها في ذي القعدة منها العمرة التي صد فيها الهدي، فراسل رسول الله ﷺ أهل مكة فصالحوه على
стр. 250
أن يرجع عنهم في عامه ذلك، قال: فنحر رسول الله ﷺ الهدي بالحديبية، حيث حلّ عند الشجرة وانصرف١.
وهذا الأثر مرسل، لكن يشهد له الحديث السابق.
وقد أشار إلى أن رسول الله ﷺ نحر الهدي في الحل، أثر مجمع بن يعقوب عن أبيه عن ابن سعد:
(١٤٩) قال: حدثنا إسماعيل٢ بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع ابن يعقوب عن أبيه٣ أنه قال: لما صدر٤ رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث الله ريحاً عاصفاً٥ فاحتملت أشعارهم فألفتها في الحرم٦.
هذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف، لأنه مرسل، فوالد مجمع بن يعقوب يحكي قصة في زمن النبي ﷺ لم يشهدها ولم يذكر من حدثه بها، لكن تشهد لهذا الأثر في المعنى الروايات السابقة، فمضمونها أن النبي ﷺ نحر هديه في المكان الذي نزل فيه، وكان منزله في الحل على الصحيح، والله أعلم.
وذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم ثم قال: وإنما ذهبنا إلى أن النبي ﷺ نحر في الحل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ ، والحرم كله محله عند أهل العلم٧.
وقد أخرج النسائي حديثاً لناجية بن جندب يفيد أن النبي ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم.
(١٥٠) قال: أخبرنا أحمد٨ بن سليمان قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال: