← Сира

Сира · id 11394

مرويات غزوة الحديبية جمع وتخريج ودراسة

حافظ بن محمد حكمي

Полный текст (348 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(١٤٥) قال ابن ماجه: حدثنا القاسم١ بن محمد بن عباد المهلبي، ثنا عبد الله٢ بن داود ثنا سفيان قال: "حج رسول الله ﷺ ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر من المدينة وقرن مع حجته عمرة، واجتمع ما جاء به النبي ﷺ وما جاء به عليٌّ مائة بدنة، منها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فنحر النبي ﷺ بيده ثلاثاً وستين، ونحر علي ما غبر. قيل له: من ذكره؟ قال: جعفر عن أبيه عن جابر، وابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس٣. وهذا الحديث ضعيف وإن كان قد تابع ابن أبي ليلى فيه محمد بن جعفر عن أبيه عن جابر. فقد أخرجه الترمذي٤ من طريق سفيان عن جعفر به، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب، ثم قال: وسألت محمداً عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ ورأيته لم يعد هذا محفوظاً، وقال إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلاً٥.

стр. 247

المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدى في الحل أو الحرم ... المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدي في الحل أو في الحرم؟ صرحت بعض الروايات بأن رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا الهدي بالحديبية، لكن الحديبية منها ما هو في الحل، ومنها ما هو من الحرم، وقد ورد في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ كان نازلاً في الحل، وأفادت بعض الروايات أيضاً أنه ﷺ نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه، وقد جاء في حديث ناجية ﵁ أن رسول الله ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم، وسوف أسرد النصوص مرتبة على هذا النحو، مع مناقشتها وبيان ما ترجح لي في ذلك إن شاء الله٠

стр. 248

قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ... "١. وقال مسلم: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ، مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً"٢. وأخرجه البيهقي من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس ثم ذكر الحديث وفيه: "وأصحاب محمد ﷺ قد خالطوا الحزن والكآبة، حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم ... "٣. وقد جاء في حديث المسور أن رسول الله ﷺ كان نازلاً في الحل: (١٤٦) قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود٤، حدثنا سفيان٥ بن بشر الكوفي، قال: حدثنا يحيى٦ بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور: "أن رسول الله ﷺ كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم"٧. وهذا الحديث حسن رجال سنده ثقات غير سفيان بن بشر ترجم له العيني ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، لكن صحح له ابن الجوزي حديثاً تفرد بوصله وقال: ما علمنا أحداً طعن في سفيان بن بشر٨، وفي السند أيضاً ابن إسحاق لم يصرح بالسماع،

стр. 249

ولكن ورد هذا اللفظ في حديث المسور ومروان الطويل عند الإمام أحمد١ والبيهقي، وصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ونصه: "وكان مضطربه في الحل، وكان يصلي في الحرم" ٢. وقد ورد عن عطاء أن رسول الله ﷺ كان نازلاً في الحرم: (١٤٧) ففي مصنف ابن أبي شيبة ثنا أبو أسامة٣ عن عطاء: "أن منزل النبي ﷺ يوم الحديبية في الحرم"٤. لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يقوى على معارضة الحديث السابق. وإذا تقرر أن النبي ﷺ كان نازلاً في الحل، فقد ورد في بعض النصوص أنه نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه: جاء في حديث أنس السابق من طريق الحكم بن عبد الملك عند البيهقي "أن أصحاب رسول الله ﷺ ذبحوا هديهم في أمكنتهم". وهذا يقيد ما أطلق من طريق ابن أبي عروبة، فيكون المقصود بالحديبية منزل النبي ﷺ منها وهو في الحل، والله أعلم. ويدل لذلك أيضاً أثر مجاهد عند البيهقي: (١٤٨) قال: حدثنا أبو عبد الله٥ الحافظ وأبو بكر أحمد٦ بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد٧ بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن عمر٨ بن ذر عن مجاهد قال: "اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلها في ذي القعدة منها العمرة التي صد فيها الهدي، فراسل رسول الله ﷺ أهل مكة فصالحوه على

стр. 250

أن يرجع عنهم في عامه ذلك، قال: فنحر رسول الله ﷺ الهدي بالحديبية، حيث حلّ عند الشجرة وانصرف١. وهذا الأثر مرسل، لكن يشهد له الحديث السابق. وقد أشار إلى أن رسول الله ﷺ نحر الهدي في الحل، أثر مجمع بن يعقوب عن أبيه عن ابن سعد: (١٤٩) قال: حدثنا إسماعيل٢ بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع ابن يعقوب عن أبيه٣ أنه قال: لما صدر٤ رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث الله ريحاً عاصفاً٥ فاحتملت أشعارهم فألفتها في الحرم٦. هذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف، لأنه مرسل، فوالد مجمع بن يعقوب يحكي قصة في زمن النبي ﷺ لم يشهدها ولم يذكر من حدثه بها، لكن تشهد لهذا الأثر في المعنى الروايات السابقة، فمضمونها أن النبي ﷺ نحر هديه في المكان الذي نزل فيه، وكان منزله في الحل على الصحيح، والله أعلم. وذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم ثم قال: وإنما ذهبنا إلى أن النبي ﷺ نحر في الحل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ ، والحرم كله محله عند أهل العلم٧. وقد أخرج النسائي حديثاً لناجية بن جندب يفيد أن النبي ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم. (١٥٠) قال: أخبرنا أحمد٨ بن سليمان قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال:

стр. 251

أنا إسرائيل١ عن مجزأة٢ قال: حدثني ناجية بن جندب الأسلمي أنه أتى النبي ﷺ حين صد الهدي فقال: يا رسول الله ابعث به معي فأنا أنحره في الحرم، قال: وكيف؟ قال: آخذ به في أودية لا يقدر عليه، قال: فدفعه رسول الله ﷺ إليه فانطلق به حتى نحره في الحرم٣. وأخرجه أبو نعيم٤ من طريق عمرو بن محمد العنقري عن إسرائيل به نحوه. وأخرجه الطحاوي من طريق مخول٥ بن راشد به قال: أتيت النبي ﷺ حين صد الهدي فقلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي فلأنحره في الحرم، قال: وكيف تأخذ به؟ قلت: آخذ به في أودية لا يقدرون علي فيها، فبعثه معي حتى نحرته في الحرم٦. سند هذا الحديث صحيح فرجاله رجال الصحيحين، ما عدا شيخ النسائي أحمد بن سليمان وقال عنه ابن حجر: ثقة حافظ. وهذا الحديث يشهد للروايات السابقة من وجه ويخالفها من وجه: فمفهوم الحديث يفيد أن رسول الله ﷺ كان نازلاً في الحل، وهذا يؤيد الروايات السابقة، ومنطوق الحديث يفيد أنهم نحروا الهدي في الحرم، وهذا يخالف الروايات السابقة ظاهراً، لكن يجمع بينها بأن الرسول ﷺ بعث مع ناجية بعض الهدي لا كله، وظاهر كلام٧ ابن حجر على هذا الجمع ويؤيده أيضاً ما روي عن جابر أن النبي ﷺ بعث من هديه بعشرين بدنة، عند المروة مع رجل من أسلم٨.

стр. 252

الفصل الثالث: أحداث وقعت للمسلمين في طريقهم للمدينة المبحث الأول: انصراف المسلمين من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح ... المبحث الأول: انصراف المسلمين من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح: كانت مدة إقامة المسلمين بالحديبية بضعة عشر يوماً، ويقال عشرين ليلة على قول الواقدي١ وابن سعد٢. وعن ابن عائذ: "أن رسول الله ﷺ أقام في غزوته هذه شهراً ونصفاً"٣. والذي يبدو: أن الواقدي وابن سعد أرادا تحديد مدة إقامته ﷺ في الحديبية، أما ابن عائذ فقصد الزمن الذي استغرقته غيبة النبي ﷺ منذ خروجه من المدينة إلى عودته إليها، والله أعلم. وبعد أن تحلل المسلمون من عمرتهم تلك، قفلوا راجعين إلى المدينة، فلما كان من الليل عدلوا عن الطريق للنوم ووكلوا بلالاً بحراستهم، فنام بلال ولم يوقظهم إلا حر الشمس، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁:

стр. 253

(١٥١) قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن جامع١ بن شداد سمعت عبد الرحمن٢ بن أبي علقمة سمعت عبد الله٣ بن مسعود قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فقال رسول الله ﷺ : "من يكلؤنا"٤؟ فقال بلال: أنا، فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "افعلوا كما كنتم تفعلون"، قال: ففعلنا، قال: "فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي"٥. وبنحو هذا اللفظ أخرجه أحمد٦ عن يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي شيبة٧ عن غندر، وابن جرير٨ من طريق أبي بحر٩ عبد الرحمن بن عثمان، وابن عبد البر١٠ من طريق محمد بن جعفر غندر، كلهم عن شعبة به. وأخرجه النسائي بأطول من هذا: قال: أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار عن محمد١١ قال: ثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: أقبلنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فذكر أنهم نزلوا دهاساً من الأرض - يعني بالدهاس الرمل - فقال رسول الله ﷺ : "من يكلؤنا"، فقال بلال: أنا يا رسول الله، قال: "إذاً ننام" فناموا حتى طلعت الشمس، فاستيقظ ناس فيهم فلان وفلان

стр. 254

وفيهم عمر، واستيقظ النبي ﷺ فقال: "افعلوا ما كنتم تفعلون" ففعلنا قال: "كذلك فافعلوا لمن نام أو نسي": قال: فضلت ناقة رسول الله ﷺ فطلبتها فوجدت حبلها قد تعلق بشجرة فجئت بها فركب فسرنا. وكان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي اشتد ذلك عليه، وعرفنا ذلك فيه فتنحى منتبذاً١ خلفنا فجعل يغطي رأسه ويشتد عليه حتى عرفنا أنه قد أنزل عليه، فأتانا وأخبرنا أنه إنما أنزل عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٢. وأخرجه أحمد٣، وابن أبي شيبة٤ كلاهما عن محمد بن جعفر عن شعبة به. وأخرجه البزار٥ عن محمد بن المثنى عن محمد بن جعفر به، كلهم لنحو لفظ النسائي. سند هذا الحديث صحيح، رجاله رجال الصحيحين ما عدا عبد الرحمن بن أبي علقمة، ولم يطعن فيه أحد٦، وقد ذكره ابن حبان٧ في ثقات التابعين، وقال الهيثمي٨ عن الحديث: رجاله موثقون، وابن أبي علقمة من جملتهم، وقال الألباني٩ عن الحديث: إسناده صحيح. وقد أخرج النسائي وغيره الحديث من طريق المسعودي عن جامع ابن شداد بسياق آخر: (١٥٢) قال النسائي: أخبرنا سويد١٠ بن نصر قال: أنا عبد الله١١ عن

стр. 255

المسعودي١ عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال عبد الله: لما رجع النبي ﷺ زمان الحديبية قال: "من يحرسنا الليلة" قال عبد الله: أنا، قال: "إنك تنام" ثم قال رسول الله ﷺ "من يحرسنا الليلة"؟ قال: وسكت القوم، فقلت: أنا، قال: "فأنت إذاً" قال: فحرستهم حتى إذا كان في وجه الصبح أدركني ما قال رسول الله ﷺ فنمت، فما استيقظت إلا بحرِّ الشمس على أكتافنا، فقام رسول الله فصنع كما كان يصنع، فقال رسول الله ﷺ : "لو شاء الله ألا تناموا عنها لم تناموا عنها، ولكن أراد أن تكون سنة لمن بعدكم لمن نام أو نسي"٢. وأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن المسعودي به، فذكر نحو هذا اللفظ وزاد: "قال: ثم إن ناقة رسول الله ﷺ وإبل القوم تفرقت، فخرج الناس في طلبها، فجاؤوا بإبلهم إلا ناقة رسول الله ﷺ ، فقال عبد الله: قال لي رسول الله ﷺ : "خذها هنا"، فأخذت حيث قال لي فوجدت زمامها قد التوى على شجرة ما كانت لتحلها إلاّ يد، قال: فجئت بها النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبياً لقد وجدت زمامها ملتوياً على شجرة ما كانت لتحلها إلا يد، قال: ونزلت على رسول الله ﷺ سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣. وساق أبو داود الطيالسي حديث شعبة والمسعودي معاً. قال: حدثنا شعبة والمسعودي عن جامع بن شداد به، قال: وحديث المسعودي أحسن، قال: كنا مع رسول الله ﷺ مرجعه من الحديبية فعرسنا٤ فقال: "من يحرسنا لصلاتنا"، وقال شبعة: "من يكلؤنا" قال بلال: أنا، قال المسعودي في حديثه: "إنك تنام"، ثم قال: "من يحرسنا لصلاتنا"، فقال ابن مسعود قلت: أنا، فقال رسول الله ﷺ : "إنك تنام"، قال: فحرستهم ... "٥ الحديث بسياق المسعودي.

стр. 256

وأخرجه البيهقي١ من طريق أبي داود به مثله. وأخرجه من طريق يونس بن بكير عن المسعودي به، قال فيه: لما أقبل رسول الله ﷺ من الحديبية جعلت ناقته تثقل فتقدمنا فأنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ، فأدركنا رسول الله ﷺ وبه من السرور ما شاء الله فأخبرنا أنها أنزلت عليه فبينما نحن ذات ليلة إذ عرسنا، فقال رسول الله ﷺ : "من يحرسنا"؟ فقلت: أنا يا رسول الله ... "٢ الحديث. وأورد الهيثمي رواية المسعودي هذه ثم قال: وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط في آخر عمره٣. قلت: وقد قال عنه الذهبي سيء الحفظ٤، وقد خالف في روايته فذكر أن الذي قام بحراسة المسلمين تلك الليلة عبد الله بن مسعود، والمحفوظ عن جامع بن شداد ما رواه شعبة أن الذي قام بحراسة المسلمين تلك الليلة إنما هو بلال، أما ما في رواية المسعودي فهو شاذ؛ لأنه خالف من هو أوثق منه، والله أعلم. وقد أخرج البيهقي الحديث من طريق زافر بن سليمان٥ عن شعبة به، وذكر أن القصة كانت في غزوة تبوك٦. وقد شذ زافر بن سليمان بذلك، والمحفوظ عن شعبة ما سبق من رواية الثقات مثل يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر وغيرهم أن ذلك كان في غزوة الحديبية، أما زافر بن سليمان فقد قال عنه ابن حبان: كثير الغلط واسع الوهم، على صدق فيه٧، وقال ابن حجر: صدوق كثير الأوهام ا. هـ فلعل هذا من أوهامه، والله أعلم. وقد وردت أحاديث أخرى تفيد أن قصة نومهم عن صلاة الصبح وقعت في غير

стр. 257

الحديبية أيضاً: منها حديث أبي هريرة عند مسلم١ أنها وقعت للمسلمين عند رجوعهم من خيبر، ومنها مرسل زيد بن أسلم عند مالك٢ أنها وقعت لهم بطريق مكة. ومنها مرسل عطاء بن يسار٣ أنها كانت في غزوة تبوك. وقد حاول بعض العلماء التوفيق بين هذه النصوص: فذهب ابن عبد البر إلى أن القصة واحدة، وأن الصحيح وقوعها في غزوة خيبر. ثم حمل بعض النصوص عليها وضعف البعض الآخر، فبعد أن ذكر مرسل زيد بن أسلم قال: وقد جاء معناه متصلاً مسنداً من وجوه صحاح ثابتة في نومه ﷺ عن صلاة الصبح في سفره، روى ذلك جماعة من الصحابة وأظنها قصة لم تعرض له إلا مرة واحدة فيما تدل عليه الآثار، والله أعلم. إلا أن بعضها فيه: مرجعه من خيبر، كذا قال ابن شهاب عن سعيد بن المسيب في حديثه هذا، وهو أقوى ما يروى في ذلك، وهو الصحيح إن شاء الله، وقول زيد بن أسلم في حديثه هذا بطريق مكة ليس بمخالف لأن طريق خيبر وطريق مكة من المدينة يشبه أن يكون واحداً، وربما جعلته القوافل واحداً، وحديث زيد بن أسلم هذا مرسل، وليس مما يعارض ابن شهاب، وفي حديث ابن مسعود "من يوقظنا، فقلت: أنا أوقظكم" وليس في ذلك دليل على أنها غير قصة بلال لأنه لم يقل له: أيقظنا، ويحتمل أنه لا يجيبه إلى ذلك، ويأمر بلالاً، وقال ابن مسعود في هذا الحديث: زمن الحديبية - وهو زمن واحد في عام واحد لأنه منصرفه من الحديبية مضى إلى خيبر في عامه ففتحها الله عليه" ٤ اهـ. هكذا قال ابن عبد البر ﵀ وقد نقل ابن حجر ﵀ بعض كلامه هذا - في محاولة الجمع - ثم قال: ولا يخفى ما فيه من تكلف ورواية عد الرزاق بتعيين غزوة تبوك ترد عليه٥ ا. هـ

стр. 258

قلت: يعني ابن حجر برواية عبد الرزاق مرسل عطاء بن يسار١، لكنه لا يرد على ابن عبد البر؛ لأنه قد ضعفه حيث قال: وقد قال عطاء بن يسار أنها كانت في غزوة تبوك، وهذا لا يصح والآثار الصحاح على خلاف قوله مسندة ثابتة، وقوله مرسل٢. لكن محاولة ابن عبد البر لتوحيد القصة، غير مجدية فإن كان قد أعل حديث زيد بن أسلم وحديث عطاء بن يسار بالإرسال، فإن حديث ابن مسعود صحيح لا يمكن رده بحال، وقد صرح فيه بأن الحادثة وقعت أثناء رجوعه من غزوة الحديبية، والحديبية تقع جنوب المدينة قريب من مكة، فالقادم منها إلى المدينة يتجه شمالاً، بينما تقع خيبر شمال المدينة فالقادم منها إلى المدينة يتجه جنوباً فلا يمكن أن يكون طريقهما من المدينة أو إلى المدينة واحداً، وما ذكره ابن عبد البر ﵀ بعيدٌ جداً وعذره في ذلك أنه لا يعرف تلك الأماكن، لأنه لم يخرج عن الأندلس كما قال الحميدي٣. وقد جنح ابن القيم - فيما يفهم من صنيعه - إلى كون الحادثة وقعت مرة واحدة، وترجيح كونها في خيبر: فبعد أن ذكر قصة نومهم عن الصلاة في غزوة خيبر قال: وروي أن هذه القصة كانت مرجعهم من الحديبية، وروي أنها كانت مرجعهم من غزوة تبوك ... " اهـ٤. هكذا حكى قصة الحديبية وتبوك بصيغة التمريض، ثم عاد مرة أخرى فذكر حديث ابن مسعود في قصة نومهم عن الصلاة في الحديبية ثم أعله بالاضطراب، فبعد أن ذكره من طريق شعبة قال: لكن اضطربت الرواة في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن جامع: إن الحارس فيها كان ابن مسعود، وقال غندر عنه: إن الحارس كان بلالاً، واضطربت الرواية في تاريخها، فقال المعتمر بن سليمان عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيره عنه: إنها كانت في مرجعهم من الحديبية، فدل على وهم وقع فيها، ورواية الزهري عن سعيد سالمة من ذلك، وبالله التوفيق٥.

стр. 259

قلت: ما حكاه ابن القيم عن ابن مهدي والمعتمر بن سليمان وجعله سبباً في اضطراب الحديث لم يسنده ابن القيم ولم يعزه لأحد ممن سبقه، ولم أرَ أحداً - بعد بحث طويل - سوى ابن القيم يذكر أن ابن مهدي أو المعتمر بن سليمان قد روى هذا الحديث عن شعبة، وكذلك لم يذكر أحد ممن رواه عن شعبة أن ابن مسعود حرسهم تلك الليلة، ولم يرد أيضاً عن شعبة أن القصة وقعت في غزوة تبوك إلا من رواية زافر بن سليمان عنه، وقد بينا شذوذه في ذلك. والمحفوظ عن شعبة هو ما رواه الثقات وهم محمد بن جعفر غندر، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسي، فهؤلاء كلهم رووا عنه أن الحادثة وقعت عند رجوع المسلمين من غزوة الحديبية، وأن الذي حرسهم تلك الليلة هو بلال، وعلى هذا فإن ثبت ما ذكره ابن القيم عن ابن مهدي والمعتمر يكون من قبيل الشاذ، ولا يعل به الحديث، والله أعلم. والتحقيق: أن ما ورد من اختلاف بين حديث ابن مسعود في قصة الحديبية، وغيره محمول على تعدد القصة، كما رجح ذلك النووي١ وجنح إليه ابن كثير٢ والزرقاني٣، وابن حجر٤، بل قال السيوطي: "ولا يجمع إلا بتعدد القصة"٥.

стр. 260

المبحث الثاني: نزول سورة الفتح: انصرف المسلمون من الحديبية وفي نفوسهم ما فيها بسبب صد قريش لهم عن البيت، وقد علم الله ذلك منهم - وهو العليم بالسر وأخفى - فأنزل على رسوله ﷺ سورة الفتح يبشرهم فيها بأنهم لم يخسروا سفرتهم تلك، وأن ذلك الصلح كان فتحاً، وأنهم قد انقلبوا بمغفرة من الله ورضوان، وذلك أسمى ما تصبو إليه نفوسهم، فيالها من بشارة! (١٥٣) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه "أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره - وعمر بن الخطاب يسير

стр. 261

معه ليلاً - فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله ﷺ ، ثم سأله فلم يجبه، وقال عمر بن الخطاب: "ثكلتك أمك يا عمر، نزرت١ رسول الله ﷺ ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك"، قال عمر: "فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت٢ أن سمعت صارخاً يصرخ بي" قال: "فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، وجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه" فقال: "لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣.٤ وأخرجه من طريق محمد٥ بن مسلمة القعنبي وإسماعيل٦ بن أبي أويس كلاهما عن مالك به مثله وتكرر عندهما لفظ: "ثم سأله فلم يجبه" مرتين. هذا الحديث ظاهره الإرسال، وهو مما انتقده الدارقطني على البخاري، وقد أجاب عنه ابن حجر فقال: "بل ظاهر رواية البخاري الوصل، فإن أوله وإن كان صورته صورة المرسل فإن بعده ما يصرح بأن الحديث لأسلم عن عمر ففيه بعد" قوله: "فسأله عمر عن شيء فلم يجبه"، فقال عمر: "نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك"، قال عمر: "فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، وساق الحديث على هذه الصورة حاكياً لمعظم القصة عن عمر فكيف يكون مرسلاً، هذا من العجب٧، والله أعلم. قلت: وقد جاء الحديث من طرق أخرى لغير البخاري يصرح فيها أسلم بأخذه هذا الحديث عن عمر: فأخرجه الترمذي من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن مالك به، وفيه: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "كنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره ... " ٨.

стр. 262

وأخرجه البزار١ من طريق ابن عثمة به، قال فيه: "سمعت عمر"، وذكره. وأخرجه٢ من طريق عبد الرحمن بن غزوان به، وقال فيه: "عن عمر" وذكر الحديث. ثم قال البزار: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالك ولا رواه عن مالك إلا محمد بن خالد بن عثمة، وعبد الرحمن بن غزوان"٣ اهـ. وابن غزوان هذا يكنى بأبي نوح وقد روى عنه أحمد هذا الحديث متصلاً. قال: ثنا أبو نوح عن مالك به قال فيه٤: عن عمر بن الخطاب ﵁ وذكر نحوه. وأخرجه ابن عبد البر من طريق محمد بن حرب عن مالك به قال فيه عن عمر أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره ... "٥ الحديث بنحوه. ثم قال ابن عبد البر: "وهكذا رواه مسنداً روح بن عبادة ومحمد بن خالد بن عثمة جميعاً أيضاً عن مالك كرواية محمد بن حرب سواء ذكره النسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك"٦ اهـ. وذكر ابن حجر أن الدارقطني أورد في غرائب مالك من طريق ابن غزوان وابن عثمة ويزيد بن أبي حكيم ومحمد بن حرب وإسحاق الحنيني، ثم قال ابن حجر: "فهؤلاء خمسة رووه عن مالك بصريح الاتصال"٧ اهـ قلت: وقد أشار ابن عبد البر - كما سبق - إلى أن روح بن عبادة رواه متصلاً عن مالك، فيصبح الذين رووه عن مالك بصريح الاتصال ستة، والله أعلم. (١٥٤) قال البخاري: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئاً مريئاً فما لنا؟ فأنزل الله ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ

стр. 263

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ١، قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثت بهذا كله عن قتادة ثم رجعت فذكرت له فقال: أما ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ فعن أنس، وأما "هنيئاً مريئاًَ" فعن عكرمة٢. وأخرجه أبو عوانة من طريق عثمان بن عمر عن شعبة به، فذكر نحوه وفيه، قال شعبة: فأتيت الكوفة فحدثتهم بهذا الحديث عن قتادة عن أنس فلما رجعنا إلى البصرة سألت عنه قتادة فقال: أما الأول: فتح الحديبية، فهو عن أنس، وأما هذا قول أصحابه: "هنيئاً لك" هذا عن عكرمة٣. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي٤ أيضاً بنحو لفظ أبي عوانة. وأخرجه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة به، فذكره بمعنى ما سبق وفيه: قال: فظننت أنه كله عن أنس فأتيت الكوفة فحدثت عن قتادة عن أنس ثم رجعت فلقيت قتادة بواسط فإذا هو يقول: أوله عن أنس، وآخره عن عكرمة، قال: فأتيتهم بالكوفة فأخبرتهم بذلك٥. وأخرجه الخطيب٦ من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي عن حجاج به مثله. وفي هذا الحديث أدرج قتادة رواية عكرمة في رواية أنس وساقهما مساقاً واحداً، لكن شعبة بين أخيراً ما رواه عن أنس وما رواه عن عكرمة من الحديث. وذكر الخطيب أن أحمد - في روايته عن حجاج - لم يبين رواية قتادة عن أنس من روايته عن عكرمة٧، والواقع أنه قد بين كما سبق، فلعله لم يقف عليها. وأخرجه الخطيب من طريق أبي معشر الرؤاسي عن شعبة به، وفصل قتادة رواية كل منهما على حدة، ولفظه: "قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية نزلت عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ، قال قتادة: عن عكرمة: فقال أصحاب النبي ﷺ :

стр. 264

هنيئاً لك يا رسول الله ما أعطاك الله فما لنا؟ فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ١. وقد روى الحديث عن قتادة غير شعبة، وأدرج رواية عكرمة في رواية أنس دون تمييز بينهما. فأخرجه الترمذي من طريق معمر بن راشد عن قتادة عن أنس ﵁ قال: نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ٢، مرجعه من الحديبية، فقال النبي ﷺ : "لقد نزلت علي آية أحب إلى مما على الأرض، ثم قرأها النبي ﷺ عليهم"، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وأخرجه أحمد٤ وابن حبان٥ وابن جرير٦ والخطيب٧ كلهم من طريق معمر به نحوه. وأخرجه أحمد من طريق همام٨ عن قتادة عن أنس قال: "لما انصرف رسول الله ﷺ من الحديبية نزلت عليه هذه الآية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ... الحديث. وأخرجه أبو عوانة من طريق٩ همام به فذكر نحوه. وأخرجه أبو عوانة أيضاًَ من طريق١٠ شيبان عن قتادة عن أنس بنحوه. وأخرجه ابن جرير١١ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس فذكر نحوه.

стр. 265

وأخرجه الخطيب١ من طريق همام وسعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عن أنس فذكره. وأخرجه من طريق حجاج عن شعبة عن قتادة عن عكرمة وأنس بن مالك فذكره بنحوه٢. ثم قال الخطيب: "قصة نزول أول هذه السورة حسب عن قتادة عن أنس". وأما قصة نزول قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ، إلى آخر الآية فهي عن قتادة عن عكرمة لا عن أنس٣ ا. هـ وقد روى شعبة وغيره عن قتادة حديث أنس بانفراده فأخرجه البخاري من طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة به. (١٥٥) قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: "سمعت قتادة عن أنس ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال الحديبية"٤. وأخرجه أبو عوانة من طريق غندر٥ وعبد الرحمن٦ بن زياد الرصاصي وأبي النضر٧ هاشم بن القاسم كلهم عن شعبة به نحوه. وأخرجه الخطيب٨ من طريق الثلاثة المتقدمين ومن طريق عبد الله ابن خيران ويحيى بن سعيد القطان ومعاذ بن معاذ كلهم عن شعبة به نحوه. وأخرجه مسلم٩ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . مرجعه من الحديبية فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً"، وساق سنده إلى سليمان التيمي وهمام وشيبان، وقال: جميعاً عن قتادة عن أنس نحو حديث ابن أبي عروبة.

стр. 266

وأخرجه أبو عوانة١ وابن جرير٢ والخطيب٣ كلهم من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس نحو حديث سعيد بن أبي عروبة عند مسلم. وقد أفرد محمد بن جعفر غندر وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة حديث عكرمة: (١٥٦) فأخرجه ابن جرير٤ والخطيب٥ كلاهما من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال أصحاب رسول الله ﷺ : هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله هذا لك فما لنا؟ قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ . وأخرجه الخطيب من طريق عبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة عن قتادة عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله هنيئاً لك ما أعطاك ربك، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ٦ الآية. وقد أشار إلى نزول سورة الفتح حديث المسور ومروان: (١٥٧) قال الحاكم: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي٧ ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل٨ حدثني أبي٩ ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن

стр. 267

عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: "أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية، من أولها إلى آخرها"١. وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق ابن إسحاق، وصرح فيه بالسماع من الزهري، قال: أخبرنا أبو عبد الله٢ الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة في قصة الحديبية وفيها مدرجاً: "ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعاً، فلما كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح، من أولها إلى آخرها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٣. قال الحاكم بعد أن ساق الحديث: "وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". قلت: الحديث صحيح لشواهده؛ لأن مداره على ابن إسحاق وحديثه حسن على الراجح من أقوال أهل العلم٤، والقصة يحكيها المسور ومروان ولم يشهد أحد منهما الحديبية، فالحديث مرسل لكن المسور صحابي ومرسل الصحابي حجة، والله أعلم. وقد أشار إلى قصة نزول سورة الفتح أيضاً حديث مجمع بن جارية الأنصاري: (١٥٨) قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى٥ حدثنا مجمع بن يعقوب بن يزيد الأنصاري قال: سمعت أبي يعقوب بن مجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن٦ بن

стр. 268

يزيد الأنصاري عن عمه مجمع١ بن جارية الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون٢ الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ ، فخرجنا مع الناس نوجف، فوجدنا النبي ﷺ واقفاً على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ، فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح"، فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً٣. وأخرجه أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مجمع بن يعقوب به فذكره وفيه: "فإذا الناس ينفرون الأباعر"٤. وأخرجه ابن أبي شيبة٥ وابن سعد٦ كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن مجمع بن يعقوب به، وفيه: "فإذا الناس يوجفون٧ الأباعر". وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مجمع به، وفيه: "فإذا الناس يرسمون٨ نحو رسول الله ﷺ ... "٩. وأخرجه الحاكم أيضاً١٠ وابن جرير١١ والبيهقي١٢ كلهم من طريق محمد بن عيسى عن مجمع به مثله. قال الحاكم: بعد أن أورده من طريق محمد بن عيسى: هذا حديث كبير

стр. 269

صحيح الإسناد، ولم يخرجاه١، ووافقه الذهبي٢. وأخرجه من طريق ابن أبي أويس وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه٣، وتعقبه الذهبي فقال: "لم يرو مسلم لمجمع شيئاً ولا لأبيه، وهما ثقتان"٤. قلت: مجمع بن يعقوب وأبوه تُكِلم فيهما: فمجمع قال عنه الشافعي: شيخ لا يعرف٥، وأبو يعقوب جهّله القطان، نقل ذلك عنه الزيلعي ونص عبارته: "وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف روى عنه غير ابنه مجمع وابنه مجمع ثقة"٦. قلت: أما مجمع فقول الشافعي فيه غير مُسلَّم، فقد قال المزي في ترجمته: روى عنه إسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن سويد الأنصاري القبائي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد العزيز بن يحيى المدني، وقتيبة بن سعيد ومحمد بن عيسى ومحمد بن معن الغفاري، ويونس بن محمد المؤدب وغيرهم. وقال يحيى بن معين: ليس به بأس وكذلك قال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة٧ ا. هـ وقد وثقه القطان كما سبق في معرض كلامه عن أبيه حيث قال: وابنه مجمع ثقة، وقول ابن معين ليس به بأس، يعني ثقة٨، وكذلك وثقه الذهبي كما مر معنا قريباً، فمن هذه حاله كيف لا يكون معروفاً؟ وأما أبوه يعقوب بن مجمع فسبق أن جهله القطان لكن قال المزي: روى عنه ابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وعبد العزيز بن عبيد الله ابن حمزة بن صهيب وابنه مجمع بن يعقوب٩.

стр. 270

وذكره ابن حبان١ في ثقات أتباع التابعين ووثقه الذهبي، وترجم له في الكاشف وقال وثق٢، ومثل هذا ليس بمجهول، وأيضاً فالحديث له شواهد من الأحاديث السابقة فهو صحيح، كما قال الحاكم، والله أعلم.

стр. 271

المبحث الثالث: معجزة النبي صللى الله عليه وسلم في نبع الماء من أصابعه وفي تكثير الطعام ... المبحث الثالث: معجزة النبي ﷺ في نبع الماء من أصابعه وفي تكثير الطعام: تكررت معجزة النبي ﷺ بتكثير الماء في غزوة الحديبية فقد سبق ذكر المعجزة بتكاثر ماء البئر حين وضع فيها سهم النبي ﷺ ، والنصوص التالية تفيد أنها قد حصلت للنبي ﷺ معجزة أخرى من هذا النوع، وذلك حيت وضع يده ﷺ في الإناء. قال البخاري: حدثنا يوسف بن عيسى عن ابن فضيل حدثنا حصين عن سالم عن جابر ﵁ قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة١ فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله ﷺ : ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما في ركوتك، قال: "فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون"، قال: "فشربنا وتوضأنا"، فقلت لجابر: "كم كنتم يومئذ؟ " قال: "لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة"٢. وأخرجه عن موسى بن إسماعيل عن عبد العزيز بن مسلم عن حصين به فذكر نحوه وفيه: "فجعل الماء يثور من بين أصابعه"٣. وأخرجه من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: "قد رأيتني مع رسول الله ﷺ وقد حضرتْ صلاة العصر وليس معنا ماء غير فضلة فجعل في إناء فأُتي النبي ﷺ به فأدخل يده فيه، وفرّج بين أصابعه ثم قال: "حي على أهل الوضوء البركة من الله"، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه فتوضأ الناس وشربوا فجعلت لا آلوا ما جعلت في بطني منه فعلمت أنه بركة".

стр. 272

قلت لجابر: "كم كنتم يومئذ؟ " قال: "ألف١ وأربعمائة" تابعه عمرو بن دينار عن جابر"٢. وأخرجه أحمد عن طريق عمرو بن مرة وحصين بن عبد الرحمن، كلاهما عن سالم عن جابر قال: "أصابنا عطش بالحديبية، فجهشنا٣ إلى رسول الله ﷺ وبين يديه تور٤ فيه ماء فقال بأصابعه هكذا فيها وقال: "خذوا بسم الله، قال: فجعل الماء يتخلل من بين أصابعه كأنها عيون، فوسعنا وكفانا"، وقال حصين في حديثه: "فشربنا وتوضأنا". وهذه القصة مغايرة للقصة الأولى كما ذكر ذلك ابن القيم٥ وابن حجر٦ ووجه مغايرتها ظاهر: فالمعجزة في هذه وقعت في ماء كان في إناء، وسببها أن النبي ﷺ وضع يده في الإناء بينما المعجزة في تلك وقعت في البئر عندما وضع فيها سهم النبي ﷺ وصب فيه الماء الذي مج فيه رسول الله ﷺ . وقد جمع بينهما ابن حجر فقال: "وكأنّ ذلك (أي ما في حديث جابر) كان قبل قصة البئر"٧ اهـ. والذي يظهر لي: أن هذه القصة وقعت بعد قصة البئر أثناء رجوع المسلمين للمدينة لما يلي: ورد في حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم أن قصة تكثير الماء الذي في الإناء وقعت عقب معجزة النبي ﷺ في تكثير الطعام: (١٥٩) قال حدثني أحمد بن يوسف الأزدي، حدثنا النضر (يعني ابن محمد اليمامي) حدثنا عكرمة (هو ابن عمار) حدثنا إياس بن سلمة عن أبيه قال: خرجنا

стр. 273

مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا١، فأمر النبي ﷺ فجمعنا مزاودنا٢ فبسطنا له نطعاً٣ فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره٤ كم هو؟ فحزرته كربضة العنز، ونحن أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً ثم حشونا جربنا٥ فقال نبي الله ﷺ "فهل من وضوء؟ " قال: "فجاء رجل بإداوة٦ له فيها نطفة فأفرغها في قدح، فتوضأنا كلنا ندغفقه٧ دغفقة أربع عشرة مائة". قال: "ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: "هل من طهور؟ " فقال رسول الله ﷺ : "فرغ الوضوء" ٨. فهذا الحديث قد أفاد أن قصة تكثير الماء الذي في الإناء وقعت عقب معجزته ﷺ في تكثير الطعام. وقد صرح حديث ابن عباس بأن حادثة تكثير الطعام كانت عند رجوع المسلمين من الحديبية: (١٦٠) قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين٩ بن الفضل قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب١٠ قال: حدثنا القاسم١١ بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس١٢ قال حدثنا إسماعيل١٣ بن إبراهيم بن عقبة ح.

стр. 274

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل١ بن محمد بن الفضل الشعراني قال: حدثنا جدي٢ قال: ثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: قال ابن عباس لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية، كلمه بعض أصحابه فقالوا: "جهدنا وفي الناس ظهر، فانحره لنا فنأكل من لحومه ولندهن من شحومه، ولنحتذي من جلوده"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل"، فقال رسول الله ﷺ : "ابسطوا أنطاعكم وعباءكم ففعلوا ثم قال: من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره ودعا لهم، ثم قال: قربوا أوعيتكم فأخذوا ما شاء الله"، حدثه نافع بن جبير٣: "هذا لفظ إسماعيل وفي رواية ابن فليح قال موسى بن عقبة وحدثنيه نافع بن جبير" ٤. وأخرجه البيهقي من طريق أبي الطفيل عن ابن عباس: (١٦١) قال: حدثنا أبو محمد عبد الله٥ بن يوسف الأصبهاني قال: أخبرنا أبو سعيد٦ بن الأعرابي حدثنا الحسن٧ بن محمد الزعفراني قال: حدثنا

стр. 275

يحيى بن سليم١ الطايفي عن عبد الله٢ بن عثمان عن خيثم عن أبي الطفيل٣ عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ لما نزل مر٤ في صلح قريش - قال أصحاب رسول الله ﷺ : "يا رسول الله لو انتحرنا من ظهورنا فأكلنا لحومها وشحومها وحسونا من المرق، أصبحنا غداً إذا غدونا عليهم وبنا جمام"، قال: "لا، ولكن إيتوني بما فضل من أزوادكم فبسطوا أنطاعاً، ثم صبوا عليها فضول ما فضل من أزوادهم فدعا عليهم رسول الله ﷺ بالبركة"، فأكلوا حتى تضلعوا شبعاً ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم" ٥. هذا الحديث صحيح بمجموع طرقه. وقد أفاد هذا الحديث أن معجزة تكثير الطعام إنما حصلت للنبي ﷺ أثناء رجوعهم من غزوة الحديبية ومعجزة تكثير الماء في الإناء وقعت بعد هذه المعجزة، كما هو صريح حديث سلمة السابق عند مسلم، ولا يتوهم أن العدو المشار إليه في رواية أبي الطفيل هم قريش، بل هو عدو آخر عرض للمسلين أثناء رجوعهم كما بين ذلك حديث سلمة عند مسلم فقد جاء فيه ما نصه: "قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلاً بيننا وبين بني لحيان جبل وهم٦ المشركون فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقى هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي ﷺ وأصحابه، قال سلمة، فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثاً ثم قدمنا المدينة ... "٧.

стр. 276

المبحث الرابع: نزول المسلمين بالأثايه: (١٦٢) قال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أبو خالد١ الأحمر عن يحيى٢ بن سعيد عن شرحبيل٣ - هو ابن سعد - عن جابر قال: أقبلنا مع رسلو الله ﷺ حتى إذا كنا بالسقيا٤ قال معاذ: "من يسقينا في أسقيتنا؟ " قال: فخرجت في فتيان معي حتى أتينا الأثايه٥، فأسقينا واستقينا قال: فلما كان بعد عتمة٦ من الليل إذا رجل ينازعه بعيره الماء، فإذا رسول الله ﷺ فأخذت راحلته فأنختها فتقدم فصلى العشاء وأنا عن يمينه ثم صلى ثلاث عشرة ركعة٧. وأخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد به فذكره وفيه: "فخرجت في فتية من الأنصار حتى أتينا الماء الذي بالأثاية وبينهم قريباً من ثلاثة وعشرين ميلاً ... "، وفيه: فصلى العتمة وجابر فيما ذكر إلى جنبه ثم صلى بعدها ثلاث عشرة سجدة٨. وأخرجه عبد الرزاق٩ عن ابن جريج١٠ عن يحيى بن سعيد عن مولى الأنصار عن جابر نحوه.

стр. 277

وأخرجه البزار من طريق يحيى بن سعيد١ الأموي عن يحيى بن سعيد به مختصراً ولفظه: "أن رسول الله ﷺ صلى بعد العتمة ثلاث عشرة ركعة"، وقال البزار تفرد به يحيى الأموي٢. وذكر الهيثمي هذا الحديث ثم قال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار باختصار وفيه شرحبيل بن سعد وثقه ابن حبان وضعفه جماعة٣. وذكره البوصيري بسند ابن أبي شيبة ثم قال: وإسناده حسن٤ وكذلك حسنه ابن حجر٥. وقال الساعاتي: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده صحيح ورجاله ثقات وهو من ثلاثيات أحمد رحمه الله٦. قلت: كلام الساعاتي ﵀ فيه وهم، وسيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله. وسند الحديث مداره على شرحبيل بن سعد، وقد ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، ولكن وثقه ابن حبان وحكى مضر بن محمد عن يحيى ابن معين أنه وثقه وقد خرج حديثه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما وقال ابن عيينة: "لم يكن أحمد أعلم بالمغازي والبدريين منه"٧. قلت: وهذا الحديث من أحاديث المغازي ولذلك حسنه البوصيري وابن حجر فهو كما قالا، والله أعلم. تنبيه: قول الساعاتي ﵀: "إن هذا الحديث من ثلاثيات أحمد، وهم منه ﵀، وسببه أنه وقع سقط في سند أحمد فهو في المطبوع من المسند هكذا:

стр. 278

"حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيى بن سعيد أن شرحبيل بن سعد أخبره عن جابر ... الحديث"١. والناظر في هذا السند لأول وهله يظنه متصلاً؛ لأنه لم يوصف أحد من رواته بالتدليس، ولذلك قال الساعاتي ﵀ إنه من ثلاثيات أحمد، لكن بالتأمل في تواريخ وفيات رجال السند يتبين السقط، وقد رجعت إلى ثلاثيات المسند فلم أجده في مسند جابر ثم رجعت إلى غاية المقصد فتبين أن الساقط من السند شيخ أحمد وهو يزيد بن هارون وقد أثبته في تخريج الحديث، ويبدو أنه سقط على أحد النساخ"٢، والله أعلم.

стр. 279

الفصل الرابع: فضل غزوة الحديبية ونتائجها المبحث الأول: فضل غزوة الحديبية ... المبحث الأول: فضل غزوة الحديبية: لقد استحقت هذه الغزوة أن تقرن بغزوة بدر في الفضيلة، لما ترتب عليها من عز وانتصار للإسلام وذل وانكسار للكفر والنفاق. قال ابن عبد البر: ليس في غزوات الرسول ﷺ ما يعدل بدراً أو يقرب منها إلا غزوة الحديبية، هذا هو الراجح عندنا، وأما متكلموا الأشاعرة فقدموا أحداً في الفضيلة والأول أولى١، والله أعلم. ويكفيها فضلاً أنها كانت فتحاًَ مبيناً كما أخبر الله بذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ . فقد بينت الأحاديث أن الفتح المشار إليه هو غزوة الحديبية: ومن تلك الأحاديث حديث أنس بن مالك ﵁: قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: "سمعت قتادة عن أنس ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال: الحديبية"٢. ومنها حديث البراء بن عازب ﵄: قال البخاري: حدثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن

стр. 280

البراء ﵁ قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية"١ الحديث. وأخرجه ابن سعد من طريق أبي إسحاق عنه بلفظ: "أما نحن فنسمي الذي يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان"٢. ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄: (١٦٣) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثني يحيى بن حماد٣: قال ثنا أبو عوانة٤ عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: "ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية"٥. وأخرجه من طريق أبي عبيدة٦ المسعودي عن الأعمش به بلفظ: "ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية" ٧. سند هذا الحديث فيه تدليس الأعمش وأبي سفيان، لكنه منجبر بشاهده من الحديثين السابقين في الصحيح. ومنها ما أخرجه البيهقي من مرسل عروة بن الزبير والزهري: (١٦٤) قال: أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان قال: أخبرنا أبو بكر٨ بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثنا ابن أبي أويس٩ قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة، ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي١٠

стр. 281

قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو جعفر١ البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود عن عروة قالوا: "وأقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعاً قال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ : "ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا، وعكف رسول الله ﷺ بالحديبية، ورد رسول الله ﷺ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه إن هذا ليس بفتح، فقال رسول الله ﷺ : "بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين، مأجورين، فهذا أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ "أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"؟ قال المسلمون: "صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا، وأنزل الله سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ٢. هذا الحديث مرسل، لكنه يرتفع إلى درجه الحسن لغيره لتعدد طرقه واختلاف مخرجه، لا سيما ولبعضه شاهد من الأحاديث السابقة.

стр. 282

المبحث الثاني: نتائج غزوة الحديبية: لقد تمخضت هذه الغزوة عن نتائج عظيمة لم تتوافر في غزوة قبلها أو بعدها فيما أعلم، وأهمها ما يلي: أولاً: ترتبت على الصلح آثار إيجابية ضخمة منها ما يلي: أ - اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان المسلمين، فالمعاهدة دائماً لا تكون إلا بين ندين، وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحودي، حيث كانوا يرون أنها الإمام والقدوة.

стр. 283

ب - دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين وتيقن الكثير منهم بغلبة الإسلام، وقد تجلت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص١، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم بعد أن خابت ظنونهم إذ كانوا يتوقعون أنها القاضية على المسلمين، كما أخبر الله بذلك عنهم٢. جـ - أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام، وتعريف الناس به، مما أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه. يقول الزهري: "فما فتح في الإسلام فتح قبله، كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك"٣ اهـ. وعقب عليه ابن هشام٤ بقوله: "والدليل على قول الزهري: أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف"٥ اهـ. د - أمن المسلمون جانب قريش فحولوا ثقلهم على اليهود ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى٦. ثانياً: كسب المسلمون الذين شهدوا هذه الغزوة بسببها فوائد كثيرة - أخروية ودنيوية - وأهمها ما يلي:

стр. 284

أ - فازوا برضى الله عنهم. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... ﴾ الآية١. ب - أخبرهم النبي ﷺ : "أن الله قد غفر لهم". ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ "فقال رسول الله ﷺ : "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر" ٢. جـ - شهد لهم النبي ﷺ أنهم خير أهل الأرض. ففي صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض ... " ٣. د - بشرهم النبي ﷺ : بالنجاة من النار. ففي صحيح مسلم من حديث أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ... " ٤. هـ - قسمت عليهم غنائم خيبر، ففي حديث مجمع بن جارية الأنصاري: "فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها النبي ﷺ على ثمانية عشر سهماًَ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً" ٥. ثالثاً: شرعت في هذه الغزوة كثير من الأحكام والرخص التي كان لها أثر كبير في حياة المسلمين ومن أهمها ما يلي: أ - شرعت فيها صلاة الخوف على الصحيح٦.

стр. 285

ب - شرعت فيها الفدية لمن ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام١. جـ - شرع فيها الصلح مدة معلومة عند حاجة المسلمين إليه٢. د - شرع فيها التحلل للمحصر، وأنه لا يلزمه القضاء. هـ - شرعت فيها رخصة الصلاة في الرحال في حال المطر٣. و شرع فيها قضاء الصلاة الفائتة بالنوم أو النسيان عند ذكرها٤. ز - نزل في هذه الغزوة تحريم نكاح الكفار من المسلمات، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٥. قال ابن كثير: "هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة ... " ٦. ح - نزل فيها أيضاً الأمر بفسخ نكاح المشركات وعدم الاستمرار عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلاَتُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ... ﴾ ٧ الآية. وقد اشتملت مرويات هذه الغزوة على أحكام كثيرة غير هذه وسوف يأتي ذكر بعضها مع شيء من التفصيل في الباب الأخير إن شاء الله.
следующие страницы →