← Сира

Сира · id 11394

مرويات غزوة الحديبية جمع وتخريج ودراسة

حافظ بن محمد حكمي

Полный текст (348 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مرويات غزوة الحديبية تأليف: الدكتور حافظ بن محمد بن عبد الله الحكمي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد: فإن الله قد ختم الرسالات برسالة محمد ﷺ وجعل دينه ناسخاً للأديان لا يقبل الله من أحد غيره قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. وقد بعث الله محمداً ﷺ مبلغاً ومبيناً لهذا الدين قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢. فقام صلوات الله وسلامه عليه بتلك المهمة خير قيام، حيث أوضح كل صغيرة وكبيرة في هذا الدين بقوله وفعله وتقريره - على مرأى من الناس ومسمع - ابتداء من طور السرية بمكة إلى قيام دولة الإسلام بالمدينة، وكان يسير أثناء ذلك في كل خطوة يخطوها على المستوى البشري، فقد اتخذ كافة الأسباب والوسائل التي هي من مقتضيات الطريق وما ذلك إلا ليتسنى لأمته التأسي به، وترسم خطاه لأنها قد كلفت بمهمته من بعده لا خيار لها، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. وكما أنه لا خيار لأتباع محمد ﷺ في القيام بهمته من الدعوة إلى هذا الدين وحراسته، فإنه لا ضمان لنجاحهم في تلك المهمة إلا بسلوك الطريق الذي سلكه ﷺ ، والدليل لطريقه ﷺ هو سيرته فلا بد من الوقوف عليها وترسم خطاه فيها.

стр. 2

وأهم جوانب سيرته ﷺ هي مغازيه؛ لأنها استغرقت قسطاً كبيراً من حياته في مجال الدعوة وهي التطبيق العملي لأحكام الجهاد - الذي يشكل السياج المنيع لحماية هذا الدين كما أنه من أهم وسائل الدعوة إليه، ولذلك أخبر ﷺ أنه ذروة سنام الإسلام - ١ كما حفلت المغازي بكثير من أساليب الدعوة والأحكام. وقد أدرك السلف رضوان الله عليهم أهمية مغازي رسول الله ﷺ فأولوها جانباً عظيماً من عنايتهم، يدل لذلك ما روى الخطيب عن محمد بن عبد الله قال: سمعت عمي الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا٢. وما روي عن إسماعيل بن محمد بن سعد (بن أبي وقاص) أنه قال: "كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ وسراياه ويعدها علينا ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها"٣. وما روي عن علي بن الحسين أنه كان يقول: "كنا نعلَّم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلم السورة من القرآن"٤. وتتمثل عنايتهم بها أيضاً في تدوينهم لها في زمن مبكر، فقد قام بذلك جماعة من التابعين، منهم عروة بن الزبير المتوفى سنة (٩٤هـ) ، وأبان بن عثمان بن عفان المتوفى ما بين (١٠١ - ١٠٥هـ) ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى (١٢٤هـ) ، وشرحبيل بن سعد المتوفى (١٢٤هـ) ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم (١٣٥هـ) ، وموسى بن عقبة (١٤١هـ) ، وغيرهم إلا أن كتب هؤلاء في حكم المفقود اليوم سوى نقولات عنها. ثم تلت هؤلاء طبقة أخرى دونت المغازي بنطاق أوسع أمثال: محمد بن إسحاق (١٥١هـ) ، ومحمد بن عمر الواقدي (٢٠٧هـ) ، ومحمد بن سعد (٢٣٠هـ) ، وابن جرير الطبري (٣١٠هـ) ، وغيرهم٥. ثم تتابع التأليف في ذلك إلا أن المتأخرين درجوا على الاختصار بحذف الأسانيد.

стр. 3

وبما أن سيرة رسول الله ﷺ ومغازيه على وجه الخصوص بتلك المثابة من الأهمية - بحيث لا تستقيم متابعته في طريق الدعوة إلا من خلالها - فلا بد من معرفتها، وترسم خطاها فيها لكن هناك خطوة أولى لا يأمن العثار إلا بسلوكها، وهي تمييز ما صح من سيرته ﷺ عن غيره، لأن كتب المغازي المتداولة بأيدينا لم يلتزم أصحابها الصحة فيها، بل يوردون المقبول وغيره، وعذر المتقدمين أنهم يكتفون بذكر السند، إلا أنهم لا يفعلون ذلك دائماً، أما المتأخرون فإنهم لا يذكرون سنداً للروايات فضلاً عن تمييز صحيحها من غيره. نعم قام بعض المحدثين أخيراً بتخريج المرويات في بعض كتب السيرة، وبيان درجتها إلا أن تلك الكتب لم تستوعب مرويات المغازي. وكذلك وردت كثير من مرويات المغازي في بطون كتب السنة، وقد تفردت ببعضها عن كتب المغازي، لكن أغلبها لم يشترط أصحابها الاقتصار فيها على الصحيح، وما اشترط فيه ذلك لم يرد فيه إلا القليل من مرويات المغازي بالنسبة لما فاته، إلا أن كتب السنة تمتاز بالتزام السند. وهذا كله يحتم العمل على جمع مرويات المغازي من كتب السنة بالدرجة الأولى، لأنها المصدر الثاني من مصادر السيرة النبوية١ بعد القرآن الكريم، ثم من كتب المغازي وغيرها من مصادر السيرة٢، ثم القياد بعد ذلك بدراسة أسانيدها دراسة فاحصة لبيان ما يصح العمل به من غيره لتبرز سيرة رسول الله ﷺ بعد ذلك صافية نقية لمرتاديها. وهذا ما حملني على اختيار مرويات غزوة الحديبية موضوعاً لبحثي في مرحلة الماجستير. وقد يسبق هذا السبب في اختياري للموضوع سبب آخر وهو شدة ولوعي بسيرة رسول الله ﷺ لما تفردت به من صفات عظيمة كالواقعية، والجدية، والوضوح، فهي بعيدة كل البعد عن الخيالات، والهزل، والغموض والطلاسم.

стр. 4

وقد سبقني في هذا المضمار بعض زملائي في قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية، فلهم فضل السبق، وقد أفدت كثيراً من تجاربهم، وما قمنا به من جهد متواضع في هذا المجال أحسب أنه سيسد ثغرة لا بأس بها إن شاء الله، وإن كان ينقصه شيء من الاستيعاب لمضيق الوقت من جهة، ولاشتراط البعض كتباً محدودة من جهة أخرى، علماً بأني قد جانبت هذا الشرط، وبذلت قصارى جهدي لاستيعاب مرويات الغزوة، ولا أدعي حصول ذلك، لكن أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه، وأن يمد الجميع بالعون لاستكماله حتى تبرز مغازي رسول الله ﷺ نقية من كل شائبة، وما بذل من جهد في هذا الصدد إنما هو من ثمرات جهود الجامعة الإسلامية التي بذلتها وتبذلها دائماً - في خدمة الإسلام والسنة على وجه الخصوص. ولا يفوتني أن أنوه بفضل الدكتور أكرم العمري لأن له اليد الطولى في سبب اختياري لهذا الموضوع، فجزاه الله خيراً ...

стр. 5

منهجي في البحث (١) قمت بجمع المرويات من مختلف مصادر السيرة لم أتقيد في ذلك بكتب معينة، فقد رجعت لكثير من كتب السنة من مجاميع ومسانيد وغيرها، كما رجعت لكثير من كتب المغازي والتاريخ والشمائل والدلائل، وكتب معرفة الصحابة ما بين مخطوط ومطبوع محاولاً بذلك استيعاب مرويات الغزوة. (٢) بعد أن جمعت المرويات قسمت البحث إلى أربعة أبواب، ثم حصرت المرويات في الثلاثة الأبواب الأولى، وجعلت الباب الأخير لفقه أهم جوانب المرويات. والقصد من ذلك هو الحفاظ على تسلسل أحداث الغزوة وترابطها، وتندرج تحت تلك الأبواب فصول ومباحث، وهي مفصلة في صلب الرسالة، وقد سردتها في فهرس الموضوعات. (٣) أورد تحت المبحث الروايات المتعلقة به، وأجعل لكل رواية رقماً ثم أقوم بتخريجها، وإذا ورد الحديث بأكثر من طريق أخرج كل طريق على حدة، محاولاً بذلك استيعاب جميع طرق الحديث وألفاظه دون تكرار. (٤) إذا أعدت الحديث في مبحث آخر لحاجة لا أضع له رقماً آخر، بل أشير إلى الرقم الذي تقدم به، وكذلك لا أعيد تخريجه إلا إذا اقتضت الحاجة ذكر شيء منه. (٥) أعرف برجال السند إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، وأقتصر في التعريف بهم على التقريب إن كانوا من رجاله، لكن أصرح بسنة وفاة الشخص، ولا أذكر الطبقة التي وضعها ابن حجر، إلا عند تعذر معرفة سنة الوفاة، وإذا أضفت شيئاً كسنة وفاة أو نحوها أشير إلى المصدر. (٦) إذا كان الرواي من رجال التقريب، لكنه متكلم فيه، ويتوقف الحكم على السند على معرفة حاله، فإني أذكر أقوال العلماء فيه عند الكلام على درجة الحديث، وأبين ما ترجح لي فيه، إلا إذا كان في السند أكثر من اثنين بهذه الصفة فأنقل كلام العلماء فيهم عند التعريف بهم خشية الإطالة.

стр. 6

(٧) إذا لم يكن الراوي من رجال التقريب أعرف به من كتب الرجال الأخرى باختصار. (٨) إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو أحدهما أقوم بدراسة سنده وفق القواعد التي رسمها المحدثون، ثم أذكر ما ترجح في بيان درجته، صحة أو غيرها، وإن وجدت في ذلك كلاماً لأحد نقلته، فإن وافق ما توصلت إليه فبها، وإلا بينت وجه مخالفتي له. (٩) إذا اقتضت الحاجة إيراد حديث من غير مرويات الغزوة، فلا أضع له رقماً، ولا أخرجه، ولا أعرف برجاله، بل أكتفي بنقل أقوال العلماء في بيان درجته، إلا إذا تعذر ذلك فأقوم بدراسة سنده وأبين ما ظهر لي فيه. (١٠) إذا وقع خلاف في شيء من الأحداث الواردة في الغزوة، فإني أنقل أقوال العلماء في ذلك وأناقشها ثم أرجح ما يقتضيه الدليل. (١١) ذكرت في الباب الرابع بعض الأحكام والدروس والعبر دون توسع، وقد أغفلت ذكر كثير من الأحكام الواردة في المرويات لضيق الوقت، ولأنها مبسوطة في مظانها من كتب الفقه، وأما ما ذكرته منها فقد جعلت توطئة للباب بينت فيها وجه أهميته.

стр. 7

رموز رجال السند المترجم لهم من التقريب وضع ابن حجر لرجال التقريب رموزاً تشير إلى من روى عنهم من أصحاب الكتب الستة وإلى الكتاب الذي روى لهم فيه. وقد استعملت تلك الرموز ونصها من التقريب. خ: للبخاري في صحيحه. خت: للبخاري إن كان حديثه عنه معلقاً. بخ: للبخاري في الأدب المفرد. عخ: للبخاري في خلق أفعال العباد. ز: للبخاري في جزء القراء. ى: للبخاري في رفع اليدين. م: لمسلم. مق: في مقدمة صحيحة. د: لأبي داود. مد: لأبي داود في المراسيل. صد: لأبي داود في فضائل الأنصار. خد: لأبي داود في الناسخ والمنسوخ. قد: لأبي داود في القدر. ف: لأبي داود في التفرد. ل: لأبي داود في المسائل. كد: لأبي داود في مسند مالك. ت: للترمذي. تم: للترمذي في الشمائل. س: للنسائي.

стр. 8

عس: للنسائي في مسند علي. كن: للنسائي في مسند مالك. ق: لابن ماجه. فق: لابن ماجه في التفسير. ع: للجماعة. تمييز: من ليست له رواية عند أحد من أصحاب الكتب الستة. الإحالات للكتب التي رجعت إليها من المطبوع بالنسبة لصحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذي وابن ماجه، والموطأ: أحيل إلى اسم الكتاب ورقم الحديث. والإحالة إلى كتاب الجرح والتعديل، وتهذيب الأسماء واللغات إلى الجزء، ثم القسم، ثم الصفحة. والإحالة إلى التاريخ الكبير للبخاري إلى القسم، ثم الجزء، ثم الصفحة. والإحالة إلى سائر الكتب غير هذه: إلى الجزء، والصفحة، أو إلى الصفحة.

стр. 9

الباب الأول: يشمل مقدمات الغزوة وخروج المسلمين لها وما واجههم أثناء سيرهم الفصل الأول: تحقيق لاسم الغزوة وموقعها المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية ... المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية: بعد أن تم اختياري ((لمرويات غزوة الحديبية)) موضوعاً لبحثي كانت أول قضية استوقفتني هي: اختلاف الذين كتبوا عن مغازي رسول الله ﷺ ((في عنوان هذه الحادثة)) . فنرى بعضهم عنون لها بـ ((أمر الحديبية)) ١ وبعضهم بـ ((قصة الحديبية)) ٢، ومنهم من سماها ببعض القضايا التي وقعت فيها مثل: ((عمرة الحديبية)) ٣، أو ((صلح الحديبية)) ٤، وفريق آخر سماها بـ ((غزوة الحديبية)) ٥. وكان لزاماً علي أن أختار لها عنوان مناسباً من تلك العناوين المطروحة لكن وجدت أمامي سؤالاً يطرح نفسه، وهو: لماذا اخترت هذا العنوان دون غيره؟ وللجواب على هذا السؤال وأمثاله قررت أن يكون اختياري للعنوان ناتجاً عن دراسة وتحليل لتلك العناوين المطروحة لأنه لم يوضع واحد منها إلا باعتبار ما. فأقول وبالله التوفيق: بعد دراسة وتأمل لتلك العناوين رأيت أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: ((غزوة الحديبية)) وذلك للأمور التالية:

стр. 10

أولاً: أنه موافق لاصطلاح أهل السير والمحدثين. قال الزرقاني: "وقد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحهم غالباً أن يسموا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة (غزوة) وما لم يحضره بل أرسل بعضاً من أصحابه إلى العدو (سرية) أو (بعثاً) "١. ثانياً: ما يحمله لفظ (غزوة) من إيحاءات عميقة تعطى الحادثة اعتباراً خاصاً في شعور المسلم ولا توجد في مثل لفظ (قصة) و (أمر) ذلك لأن لفظ (غزوة) أصبح ملازماً لشخص رسول الله ﷺ فلا تكاد ترى أو تسمع هذه اللفظة حتى يسرح بك الخيال من وراء تلك الأجيال المتعاقبة لترى تحركات رسول الله ﷺ وأصحابه الأبرار يزلزلون الطغاة وأتباعهم. ثالثاً: شمول هذا العنوان لجميع تحركات الرسول ﷺ في هذه الحادثة ابتداء من إحرامه بالعمرة ومروراً بالبيعة والصلح إلى رجوعه للمدينة. رابعاً: ورود عدة أحاديث تصرح بأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمونها (غزوة) ومن تلك الأحاديث ما يلي: حديث سلمة بن الأكوع ﵁: (١) قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا حماد بن مسعده عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات فذكر خيبر٢، والحديبية، ويوم حنين٣، ويوم القرد٤، قال يزيد: ونسيت بقيتهم"٥.

стр. 11

وأخرجه أحمد١ عن حماد بن مسعدة. حديث أبي قتادة ﵁: (٢) قال مسلم٢: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية هو ابن سلام أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية، قال: فأهلوا بعمرة غيري ... (الحديث) . حديث أنس بن مالك عند ابن جرير: (٣) قال: حدثنا أحمد بن المقدام٣، قال: ثنا المعتمر٤ قال: سمعت أبي٥ يحدث عن قتادة٦ عن أنس٧ بن مالك قال: "لما رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٨ أو كما شاء الله فقال النبي ﷺ : "لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعاً"٩. هذا حديث صحيح فرجاله رجال الصحيح وأحمد بن المقدام طعن فيه أبو داود بسبب مزاح كان فيه، وقد تعقبه ابن عدي١٠ بأنه لا يؤثر فيه، وبين ابن حجر١١ أيضاً وجه عدم تأثير طعن أبي داود فيه.

стр. 12

وقال عنه الذهبي١: "أحد الأثبات المسندين، واحتج به البخاري وغيره"٢. وفي السند عنعنة قتادة وهو مشهور بالتدليس٣، لكنها غير مؤثرة على صحة الحديث، لأن أصله في صحيح مسلم٤، سوى ما في أوله، ويشهد له الحديثان السابقان.

стр. 13

المبحث الثاني: تحقيق لاسم الحديبية وموقعها المطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها ... المطلب الأول: التحقيق في اسمها من حيث ضبطه وسبب إطلاقه عليها: (أ) ضبط لفظ الحديبية: الحديبية: بالتصغير - هي بضم الحاء وفتح الدال وياء ساكنة وباء موحدة مكسورة وياء مخففة أو مشددة على خلاف: فأهل العراق على تخفيفها، ونقله النووي عن الشافعي وأهل اللغة، وبعض أهل الحديث"١. وقال السهلي: "التخفيف هو الأعرف عند أهل العربية، ونقله البكري عن الأصمعي"٢. وقال أبو جعفر النحاس: "سألت كل من لقيت ممن وثقت بعمله من أهل العربية عن الحديبية فلم يختلفوا على أنها مخففة"٣. وقال أحمد بن يحيى: "لا يجوز غير التخفيف"٤.

стр. 14

وأهل المدينة يثقلونها، وكذلك أكثر الفقهاء والمحدثين١. وحكى ياقوت عن الشافعي ﵁ أنه قال: الصواب: "تشديد الحديبية، وتخفيف الجعرانة، وأخطأ من نص على تخفيفها، وقيل كل صواب"٢. قلت: الظاهر أن الكل صواب، فقد قال النووي: "وهما وجهان مشهوران" ا. هـ٣ وقال ابن حجر: "والحديبية بالتخفيف والتثقيل لغتان ا. هـ٤ (ب) سبب تسمية ذلك الموضع بالحديبية: قال ياقوت: "هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع تحتها" ا. هـ٥ وكذلك قال ابن حجر: هي بئر سمي بها المكان ا. هـ٦ وقال الخطابي: "إن الحديبية اسم لشجرة حدباء في ذلك الموضع وصُغِّرت وسُمِّي بها المكان، نقله عنه ياقوت"٧. وحكاه ابن حجر٨ بصيغة التمريض. وقال الزبيدي: "جزم المتأخرون أنها قريبة من قهوة الشميسى، ثم أطلق على الموضع"ا. هـ٩ قلت: القول الأول: يشهد له ما في حديث البراء: "كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ... "١٠. ولا يبعد أن تكون البئر سميت بالشجرة، والله أعلم.

стр. 15

المطلب الثاني: موقع الحديبية وهل من الحل أو الحرام ... المطلب الثاني: موقع الحديبية، وهل هي من الحل أو من الحرم؟ (أ) موقعها: قال ياقوت: "بين الحديبية ومكة مرحلة وبينها وبين المدينة تسع مراحل".اهـ١ وقال النووي: "إنها على نحو مرحلة من مكة"٢. وقال في المصباح: "تقع على طريق جدة دون مرحلة"٣. وقال صاحب صحيح الأخبار: "فإن جزت وادي فاطمة أتيت الموضع الذي يقال له اليوم الشميسي، وكان يقال له في الزمن القديم: الحديبية."اهـ٤ وقال صاحب نسب حرب: "تقع غرب مكة على بعد (٢٢كيلاً) على الطريق إلى جدة، وقد تغير اسمها إلى الشميسي لأنه يقال: إن رجلاً يدعى الشميسي حفر بئراً هناك فغلب اسمه عليها، وبالقرب منها من الغرب أقامت أمانة العاصمة حدائق تعرف بـ (حدائق الحديبية) وفي الحديبية اليوم مسجد الرضوان يقال: إنه بني مكان البيعة".اهـ٥ أفادت هذه النقول أن الحديبية تقع في الناحية الغربية من مكة كما صرح بذلك صاحب (نسب حرب) وهو مفهوم قول صاحب (المصباح) وصاحب (صحيح الأخبار) لأن جدة تقع في الجهة الغربية من مكة لكن الواقع أن الحديبية لا تحاذي بمكة من الجهة الغربية، بل تنحرف إلى جهة الشمال وقد أشار إلى ذلك ياقوت حيث ذكر: "أنها ليست في طول الحرم، ولا في عرضه، بل تقع في زاوية الحرم".اهـ٦ أما المسافة التي بين الحديبية وبين مكة فقد ذكر ياقوت أنها مرحلة، والمرحلة تقدر بـ (٤٠ كيلو متراً) كما قرر ذلك صاحب تيسير العلام٧.

стр. 16

لكن نرى صاحب (نسب حرب) يقول: "إن بينهما (٢٢كيلو متراً) ، وهناك فرق شاسع بين القولين. لكن الظاهر أن المتقدمين لا يريدون التحديد الدقيق، وإنما يقصدون التقدير التقريبي للمسافة. لذلك نرى النووي يقول: إنها على نحو مرحلة. وصاحب المصباح يقول: دون مرحلة. أما صاحب (نسب حرب) فإنه يريد التحديد الدقيق للمسافة، وما ذكره هو المعروف اليوم. وقد ذكر المتأخرون أنه قد غلب على مكان الحديبية اسم (الشميسي) فصار المكان يعرف بهذا الاسم، لكن ذكر صاحب (نسب حرب) أنها توجد، ثم حدائق تعرف بـ (حدائق الحديبية) وهذا يعني أن المكان لا زال يعرف أنه مكان الحديبية. (ب) هل الحديبية من الحل أو من الحرم؟ عند مالك أن الحديبية جميعها من الحرم١. وقال الشافعي: "الحديبية موضع من الأرض منه ما هو في الحل، ومنه ما هو في الحرم"٢. وقال ياقوت: "وبعض الحديبية في الحل، وبعضها في الحرم، وهو أبعد الحل من البيت"٣. وقال ابن القيم: "والحديبية في الحل باتفاق الناس". وقد قال الشافعي: "بعضها في الحل، وبعضها في الحرم، ومراده: أن أطرافها من الحرم، وإلا فهي من الحل باتفاقهم" ا. هـ٤

стр. 17

قلت: الظاهر أن ما ذهب إليه الشافعي وياقوت هو الأرجح، وأما ما حكاه ابن القيم من الاتفاق على أن الحديبية كلها من الحل، فغير مسلم، لأن مالكاً يرى أنها من الحرم كلها، والشافعي وغيره يرون أن بعضها من الحرم. وقد حمل ابن القيم قول الشافعي على أنه يقصد أن أطرافها من الحرم، لكنه لم يبين مساحة هذه الأطراف، وعلى افتراض أنه يقصد ذلك، فإن هذه الأطراف يطلق عليها بعض الحديبية، والله أعلم.

стр. 18

الفصل الثاني: سبب الغزوة وتاريخها المبحث الأول: سبب الغزوة ... المبحث الأول: سبب الغزوة: درج كثير من أهل المغازي على جعل السبب في خروج المسلمين لهذه الغزوة رؤيا رآها النبي ﷺ قبيل خروجه، وملخصها: أن رسول الله ﷺ رأى أنه دخل البيت هو وأصحابه وطافوا به، وحلق بعضهم وقصر البعض، وأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا. وأول من أثبت هذا السبب - حسب علمي - هو الواقدي١، ثم تابعه كثير ممن كتب في المغازي كاليعقوبي٢، والمقريزي٣، الزرقاني٤، وصاحب تاريخ الخميس٥، والشيخ محمد بن عبد الوهاب٦، وغيرهم. وقد تردد كثيراً في إثبات تلك الرؤيا سبباً للغزوة، لأن أول من أثبتها - كما أشرت - هو الواقدي، بينما أغفلها من هو أثبت منه كابن إسحاق وابن سعد وغيرهما. لكن بعد البحث والتتبع وجدت ما يشهد لها ويدل على أن لها أصلاً وذلك من القرآن والحديث: قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ... ﴾ ٧.

стр. 19

وقد ذكر المفسرون أن سبب نزول هذه الآية هو التساؤل الذي حصل حول الرؤيا. فقد روى ابن جرير ذلك عن مجاهد وابن زيد: (٤) قال ابن جرير: حدثنا محمد١ بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم٢ قال: ثنا عيسى٣، وحدثني الحارث٤ قال ثنا الحسن٥ قال: ثنا ورقاء٦ جميعاً عن ابن أبي نجيح٧ عن مجاهد٨ في قوله "الرؤيا بالحق" قال: أرى النبي ﷺ بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد ﷺ ؟ "٩. سند هذا الأثر حسن إلى مجاهد لكنه مرسل. (٥) وقال ابن جرير: حدثني يونس١٠، قال: أخبرنا ابن وهب١١ قال: قال

стр. 20

ابن زيد١: في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ... ﴾ ، قال لهم النبي ﷺ : "إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين" فلما نزل بالحديبية، ولم يدخل ذلك العام، طعن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رؤياه؟ فنزلت الآية٢. سند هذا الأثر صحيح إلى ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد ضعيف، ضعفه ابن معين، وابن المديني، وأحمد والنسائي، وغيرهم٣. لكن معنى الأثرين ثابت من حديث المسور ومروان ففيه من رواية معمر عند البخاري: "فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى: فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به٤. وفي حديثهما من رواية ابن إسحاق عند أحمد بسند حسن "وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهو لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا ... "٥. فالآية وما في حديث المسور ومروان تدل على أنه قد حصل للنبي ﷺ رؤيا خرج المسلمون إثرها لهذه الغزوة. لكن الأثر الذي رواه ابن جرير عن مجاهد يُعَكِّرُ على جعل هذه الرؤيا سبباً لخروج المسلمين إذ فيه: "أن الرؤيا حصلت للرسول ﷺ بالحديبية"، وذلك بعد خروج المسلمين. لكن إذا تأملنا حديث المسور ومروان نرى في رواية معمر قول عمر: "أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ ".

стр. 21

وفي رواية ابن إسحاق: "وقد كان المسلمون خرجوا وهو لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها النبي ﷺ ". فكلام عمر يدل على أن الرسول ﷺ كان يحدثهم بذلك قبل مجيئهم للحديبية، وما في رواية ابن إسحاق يفيد أن المسلمين خرجوا بعد الرؤيا. لذلك حمل بعض العلماء الرؤيا التي يشير إليها الأثر الموقوف على مجاهد أنها رؤيا ثانية. قال الزرقاني: "وأما ما رواه الفارابي وعبد بن حميد والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: "أري النبي ﷺ وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ... ﴾ فهي رؤيا رآها بالحديبية تبشيراً له من الله ثانياً فلا يصلح جعلها سبباً لخروجه من المدينة"١.

стр. 22

المبحث الثاني: تاريخ خروج المسلمين لغزوة الحديبية استعمل النبي ﷺ على المدينة قبل خروجه نميلة بن عبد الله الليثي على قول ابن هشام١، وابن٢ سيد الناس ومن تبعهما. وذكر الواقدي٣، وابن٤ سعد ومن تبعهما أنه استعمل ابن أم مكتوم، وهناك قول ثالث٥: أنه استعمل أبارهم كلثوم بن الحصين. قال الزرقاني٦: "يحتمل أنه استخلف نميلة وأبارهم على المصالح والإمام ابن أم مكتوم".

стр. 23

ثم خرج رسول الله ﷺ وأصحابه للغزوة، وذلك في يوم الاثنين مستهل ذو القعدة من السنة السادسة، وسأورد ما يثبت هذا التحديد إن شاء الله. (أ) ما ورد في التحديد بالسنة السادسة: (٦) قال البيهقي: "أخبرنا أبو الحسين بن الفضل بن القطان١ ببغداد قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه٢ النحوي، قال: حدثنا يعقوب٣ بن سفيان قال: أخبرنا ابن المنذر٤ قال: حدثنا عبد الله بن نافع٥ قال: حدثني نافع٦ بن أبي نعيم عن نافع٧ مولى ابن عمر قال: "كانت الحديبية سنة ست بعد مقدم النبي ﷺ المدينة في ذي القعدة"٨. سند هذا الأثر حسن، فابن المنذر تكلم فيه أحمد لأنه خلط في القرآن، ولكونه قدم إلى ابن أبي دؤاد، لكن وثقه ابن معين والنسائي وابن وضاح، وأبو حاتم والدارقطني، ورجح الذهبي توثيقه فقد رمز له بـ (صح) ، وقال الساجي: "له مناكير لكن تعقبه الخطيب" وقال ابن حجر: "اعتمده البخاري، وانتفى من حديثه"٩، وفي

стр. 24

السند أيضاً نافع بن أبي نعيم، قال أحمد: "ليس بشيء في الحديث، لكن وثقه ابن معين"، وقال ابن سعد: "كان ثبتاً"، وقال أبو حاتم: "صدوق صالح الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن المديني وابن عدي والدارقطني: "لا بأس به"١، فتوثيق هؤلاء مقدم على قول من جرحه، لا سيما والجرح غير مفسر السبب، وبقية رجال السند كلهم ثقات، فالأثر حسن إلى نافع، وقد أرسله نافع لكن معناه ثابت من حديثي ابن عمر التاليين: (٧) قال ابن حجر: "روى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: "كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع"٢. هذه الرواية صريحة في أن عمرة القضية كانت في السنة السابعة، وحديث البخاري الآتي يثبت أنها كانت في السنة التي تلي عام الحديبية. (٨) قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج معتمراً فحال قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحاً عليهم إلا سيوفاً ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بها ثلاثاً أمروه أن يخرج فخرج" ٣. وأخرجه من طريق٤ محمد بن الحسين بن إبراهيم عن أبيه عن فليح به مثله. فهذا الحديث يفيد تصريحاً أن النبي ﷺ اعتمر عمرة القضية في العام الذي يلي عام الحديبية مباشرة، والحديث الذي قبله صريح في أن هذا العام الذي اعتمر فيه عمرة القضية هو السنة السابعة. وإذا ثبت أن عمرة القضية كانت في السنة السابعة، وأنها في السنة التي تلي عام الحديبية، فالحديبية إذن في السنة السادسة بلا شك.

стр. 25

الإجماع على أنها كانت في السنة السادسة: قال النووي: "وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة" ا. هـ١ وقال ابن كثير: "وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" ا. هـ٢ وقال ابن حجر: "كانت الحديبية في سنة ست بلا خلاف" ا. هـ٣ وقد شذ ابن الديبع فقال: "كانت في السنة الخامسة"٤، ولكن لا مستند له في ذلك. (ب) التحديد بشهر ذي القعدة ورد فيه ما يلي: (٩) قال البخاري حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁: "اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم: لا يدخل مكة سلاحاً إلا في القرب"٥. وأخرجه في كتاب الصلح٦ والمغازي٧ بهذا الإسناد مطولاً. وأخرجه من طريق٨ شعبة، ومن طريق٩ سفيان بن سعيد، كلاهما عن أبي إسحاق عن البراء مختصراً لم يذكر العمرة. وأخرجه أحمد١٠ عن حجين وأسود بن عامر كلاهما عن إسرائيل به مطولاً. وأخرجه الدارمي١١ عن محمد بن يوسف عن إسرائيل به مطولاً.

стр. 26

وأخرجه الترمذي١ عن عباس بن محمد الدوري عن إسحاق بن منصور السلولي عن إسرائيل به مختصراً، ولفظه: قال: "اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة". وأخرج بعضه في كتاب البر والصلة٢، وفي كتاب المناقب٣ من طريق إسرائيل أيضاً، وليس في ذكر للعمرة. وأخرجه البخاري من غير طريق إسرائيل بسياق آخر مختصراً: قال: حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال: "سألت مسروقاً وعطاء ومجاهد فقالوا: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج، قال وسمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين"٤. وأخرجه بهذا السند في كتاب الجزية والموادعة٥ مطولاً، ولم تذكر فيه العمرة. حديث أنس ﵁: (١٠) قال البخاري حدثنا حسان بن حسان حدثنا همام عن قتادة: سألت أنساً ﵁: كم اعتمر النبي ﷺ . قال: "أربع عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة حيث صالحهم، وعمرة الجعرانة٦ إذ قسم غنيمة - أراه حنين - قلت كم حج؟ قال: واحدة"٧. وأخرجه٨ عن هدبة عن همام به بلفظ: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع في ذي القعدة إلا التي اعتمر مع حجته، عمرته من الحديبية" نحوه ...

стр. 27

وأخرجه بهذا الإسناد في المغازي١ بمثله، وفي الجهاد٢ مختصراًَ ذكر عمرة الجعرانة فقط. وأخرجه مسلم عن٣ هداب - هو هدبة٤ - به فذكر نحوه، وفيه: "من الحديبية أو زمن الحديبية". وأخرجه عن٥ محمد بن المثنى عن عبد الصمد عن همام به نحو لفظ هدبة. وأخرجه أبو داود٦ عن أبي الوليد الطيالسي وهدبة، كلاهما عن همام به نحوه. وأخرجه البخاري عن أبي الوليد٧ به، وليس فيه تحديد زمن الحديبية. وأخرجه الترمذي٨ عن إسحاق بن منصور عن حبان بن همام به، وليس فيه تحديد زمن الحديبية. وأخرجه أحمد٩ عن عفان عن همام به، بمثل لفظ حسان بن حسان. حكى ابن كثير والعيني الإجماع على إنها في ذي القعدة: قال ابن كثير: "كان الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف "١٠. وقال العيني: "وكان خروجه من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" ١١. قلت: قد وردت عن عروة بن الزبير رواية بأن غزوة الحديبية كانت في شوال، ونص الرواية:

стр. 28

(١١) قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة١ قال: حدثنا هشام٢ عن أبيه٣ قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية، وكانت الحديبية في شوال"٤، الحديث. أخرجه يعقوب بن سفيان من طريق آخر: قال: حدثنا إسماعيل٥ ابن الخليل عن علي٦ بن مسهر قال: أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية في رمضان، وكانت الحديبية في شوال"٧. وأخرجه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان٨ به. سند هذا الأثر صحيح إلى عروة، وهو مرسل. وقد اعتبر العلماء هذه الرواية عن عروة شاذة. فقد حكاها ابن القيم عنه ثم عقب عليها بقوله: "وهذا وهم وإنما كانت غزوة الفتح في رمضان" ٩. كما أوردها ابن كثير من طريق يعقوب بن سفيان، وعقب عليها بقوله: وهذا غريب جداً عن عروة١٠.

стр. 29

وقال ابن حجر: "جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان، واعتمر في شوال وشذ بذلك"١. قلت: وقد وردت عن عروة رواية أخرى توافق الجمهور: (١٢) قال البيهقي: قال: يعقوب٢: قال حسان٣ بن عبد الله: عن ابن لهيعة٤ عن أبي الأسود٥: "أن رسول الله ﷺ تجهز يريد العمرة، وتجهز معه ناس كثير، وذلك في ذي القعدة سنة ست"٦. هكذا ذكر البيهقي هذه الرواية موقوفة على أبي الأسود لكن ابن القيم وابن كثير صرحا بأن أبا الأسود رواها عن عروة بن الزبير. قال ابن القيم: "وقد قال أبو الأسود عن عروة: أنها كانت في ذي القعدة على الصواب"٧. وقال ابن كثير: بعد أن حكى قول الجمهور: "وهو الذي رواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة: أنها في ذي القعدة سنة ست"٨. كما جزم ابن حجر حيث قال: وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهور٩. وسند هذا الأثر ضعيف لأنه معلق فبين البيهقي ويعقوب بن سفيان واسطتان١٠.

стр. 30

وفي سنده ابن لهيعة ضعفه الحفاظ في غير رواية العبادلة عنه، أما روايتهم عنه فقد صححها١ بعضهم، وليست هذه منها، وهو مرسل أيضاً لكن معناه ثابت من الروايات السابقة. (جـ) تحديد خروجه يوم الاثنين: تحديد خروجه ﷺ بيوم الاثنين ذكره بعض أهل المغازي وغيرهم: قال الواقدي: "وخرج رسول الله ﷺ من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة ... "٢. وقال ابن سعد: "وركب راحلته القصواء وخرج وذلك يوم الاثنين لهلال ذي القعدة ... "٣. وقال القسطلاني: "خرج ﵇ يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة". ا. هـ٤ ولم أرَ في كتب المغازي أو غيرها أحداً يذكر خلاف ذلك، بل حكى العيني الإجماع على ذلك: قال العيني: "وكان خروجه ﷺ يوم الاثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف"٥.

стр. 31

الفصل الثالث: إعداد النبي ﷺ وأصحابه للخروج إلى الحديبية المبحث الأول: إعداد النبي ﷺ للخروج إلى الحديبية ... المبحث الأول: إعداد النبي ﷺ للخروج إلى الحديبية: كانت عداوة قريش للمسلمين لا تخفى على من له أدنى علم بأحداث الجزيرة في ذلك الوقت، فآخر هجوم قامت به على المدينة - كان قبل سنة فقط من خروج المسلمين لهذه الغزوة١ - حشدت فيه كل قواها المادية والمعنوية مستهدفة القضاء على المسلمين، وإبادة خضرائهم، لكن الله ردهم بغيظهم لم ينالوا خيراً، فغيظهم على المسلمين يزداد يوماً بعد يوم، ومن المستحيل أن يمكنوا المسلمين من الدخول إلى مكة عن رضى منهم وطواعية، بل لن يتوانوا في الإيقاع بهم إن وجدوا سبيلاً إلى ذلك. وكان النبي ﷺ وأصحابه على علم بعداوة قريش وحنقها لذلك فقد أخذوا أهبتهم وحيطتهم قبل خروجهم من المدينة. قال ابن إسحاق: "واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب"٢ ا. هـ

стр. 32

كذا ذكره ابن إسحاق دون سند، لكن أشارت إليه آيات سورة الفتح - ولا شك أن القرآن هو أول مصادر السيرة النبوية١ - قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا* بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ٢. فقد ورد في تفسير هذه الآية ما يلي: (١٣) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمرو وقال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ قال: أعراب المدينة جهينة ومزينة استتبعهم لخروجه إلى مكة قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوا فقتلوا أصحابه، فنقاتلهم فاعتلوا بالشغل"٣. وسند هذا الأثر صحيح إلى مجاهد، وهو مرسل، لكن يشهد له مرسل قتادة التالي. (١٤) قال ابن جرير حدثنا بشر٤ قال: ثنا يزيد٥ قال: ثنا سعيد٦ عن قتادة٧ قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ، قال: ظنوا بنبي الله ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم٨.

стр. 33

وسنده صحيح إلى قتادة لشاهدة من الحديث السابق. وقد ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق سفيان عند البخاري: أنهم كانوا على استعداد لقتال من اعترض سبيلهم، وهذا يفيد أنهم قد حملوا السلاح، يقول في الحديث: "فقال النبي ﷺ أشيروا أيها الناس عليّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عيناً من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله ... "١. وكان مع المسلمين خيل كذلك لكن لم أقف على شيء في عددها سوى ما ذكر ابن سعد قال: وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فرساً من خيل المسلمين٢. وليس فيما ذكر ابن سعد تحديد لعدد الخيل بل يفهم من كلامه أنها كانت أكثر مما ذكر، لأن (من) في قوله من خيل المسلمين تبعيضية٣. وإذن فالنبي ﷺ قد استعد بالرجال كما ذكر ابن إسحاق وبالسلاح، وهو مفهوم حديث المسور ومروان وبالخيل كما ذكر ابن سعد، وقد نص على ذلك كله حديث سلمة بن الأكوع يقول فيه: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية فنحرنا مائة بدنة ونحن بضع عشرة مائة ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل ... ٤ وهذا الحديث ضعيف لأنه من طرق موسى بن عبيدة الربذي، وقد ضعفه الحفاظ لكن يستأنس به مع ما سبق من الشواهد وأقوال أصحاب المغازي. وقد ذكر الواقدي أنهم خرجوا بغير سلاح وأورد أثرين عن عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة يفيدان أن النبي ﷺ أبى أن يحمل السلاح.

стр. 34

(١٥) قال الواقدي: فقال عمر بن الخطاب ﵁: "أتخشى يا رسول الله علينا من أبي سفيان بن حرب وأصحابه، ولم نأخذ للحرب عدتها؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما أدري ولست أحب أحمل السلاح معتمراً"١. (١٦) وقال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو حملنا السلاح معنا فإن رأينا من القوم ريباً كنا معدين لهم، فقال رسول الله ﷺ : "لست احمل السلاح، إنما خرجت معتمراً" ا. هـ٢ وهذان الأثران ضعيفان، إذ لا أسانيد لهما، وقول الواقدي مرجوح لمخالفته غيره من أهل المغازي. وقد أخرج ابن جرير بإسناده إلى ابن أبزى رواية يثبت فيها خلاف ما ذكر الواقدي من جواب الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب: (١٧) قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد٣ قال: حدثنا يعقوب القمي٤ عن جعفر٥ - يعني ابن أبي المغيرة - عن ابن أبزى٦ قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا رسول الله تدخل على قوم هم لك حرب بغير سلاح ولا كراع٧، قال: فبعث النبي ﷺ إلى المدينة فلم يدع فيها كراعاً ولا سلاحاً إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى فنزل بمنى فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال رسول الله ﷺ لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله - يا رسول الله ارم بي حيث شئت، فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله

стр. 35

حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١.٢ هذا الحديث مرسل، وسنده إلى ابن أبزى ضعيف، لأن فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعفه أبو حاتم وغيره واتهمه أبو زرعة وغيره بالكذب٣. وفي هذا الحديث - في الشطر الأخير منه - نكارة نبّه عليها بعض العلماء: فقد نقله ابن كثير عن ابن جرير ثم قال: رواه ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه، وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالداً ﵁ لم يكن أسلم بل قد كان طليعة للمشركين كما ثبت في الصحيح ولا يجوز أن يكون عمرة القضاء، لأنهم قاضوه على أن يأتي من العام القابل، فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، ولما قدم ﷺ لم يمانعوه ولا حاربوه ولا قاتلوه، فإن قيل فيكون يوم الفتح. فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح لأنه لم يسق عام الفتح هدياً، وإنما جاء محارباً مقاتلاً في جيش عرمرم، فهذا السياق فيه خلل، وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم ا. هـ٤ وقال ابن حجر: وفي صحته نظر؛ لأن خالداً لم يكن أسلم في الحديبية، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت في الحديبية، فلو كانت في عمرة القضية لأمكن، مع أن المشهور أنهم فيها لم يمانعوه ولم يقاتلوه٥ ا. هـ قلت: التحقيق أن ما ذكره ابن كثير هو الأظهر، من أنه ليس في الحديبية، ولا في عمرة القضية، ولا في الفتح، وآفته ابن حميد قال عنه الذهبي: وهو مع إمامته منكر الحديث صاحب عجائب ا. هـ٦

стр. 36

المبحث الثاني: عدد جيش السلمين في غزوة الحديبية ... المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين في غزوة الحديبية: وردت نصوص كثيرة تشير إلى عدد المسلمين في هذه الغزوة جاء في بعضها أنهم كانوا بضع عشرة مائة، وورد في بعضها تحديد عددعم لكنها اختلفت فيه اختلافاً كبيراً. وسأورد تلك النصوص ثم أذكر التوفيق بينها إن شاء الله: (أ) ما ورد بأنهم كانوا بضع عشرة مائة: (١٨) قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قائلاً: "خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ... " الحديث١. (ب) التحديد بألف وثلاثمائة: (١٩) قال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا شعبة عن عمرو - يعني ابن مره - حدثني عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين٢. وأخرجه البخاري٣ تعليقاً قال: قال عبيد الله بن معاذ به فذكره. وأخرجه ابن سعد٤ عن أبي داود الطيالسي عن شعبة به قال في أوله: "سمعت عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله ﷺ وكان قد شهد بيعة الرضوان ... " ثم ذكر نحو لفظ مسلم. وأخرجه البيهقي٥ من طريق أبي دواد الطيالسي بمثل لفظ ابن سعد. (جـ) ما ورد في التحديد بألف وأربعمائة: (٢٠) قال البخاري: حدثنا علي حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن

стр. 37

عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفاً وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة"١.٢ وأخرجه٣ عن قتيبة بن سعيد عن سفيان به مختصراً بلفظ: "كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة". وأخرجه مسلم٤، وأحمد٥، والحميدي٦، والبيهقي٧، كلهم من طريق سفيان به نحو لفظ علي بن المديني، وليس عند أحمد: "ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة". وأخرجه البخاري٨ من طريق الأعمش قال حدثني سالم بن أبي الجعد عن جابر، فذكر في الحديث قصة تفجر الماء من بين أصابع النبي ﷺ وفي آخر: قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف٩ وأربعمائة. وأخرجه مسلم١٠ والبيهقي١١ كلاهما من طريق الأعمش به مختصراً بلفظ: قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وأربعمائة، زاد البيهقي: "أصحاب الشجرة". وأخرجه البيهقي عن طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة١٢. وأخرجه من طريق أبي سفيان عن جابر، فذكر عدد البدن التي نحروها ثم قال: "فقلنا لجابر، كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وأربعمائة، بخيلنا ورجالنا"١٣.

стр. 38

(٢١) وقال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "كنا يوم الحديبية أربع١ عشر مائة، والحديبية بئر، فنزحناها حتى لن نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير٢ البئر، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت - أو صدرت - ركائبنا"٣. وأخرجه عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به بلفظ: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية: كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة ... "٤ الحديث بنحوه. وأخرجه٥ أحمد عن أبي أحمد عن إسرائيل به، فذكر نحو لفظ مالك بن إسماعيل. وأخرجه٦ عن وكيع عن إسرائيل به مختصراً. وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن رجا، وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل به، فذكره٧ بنحو لفظ عبيد الله بن موسى عند البخاري. وأخرجه البخاري من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق بسياق آخر: (٢٢) قال حدثنا فضيل بن يعقوب حدثنا الحسن بن محمد بن أعين أبو علي الحراني، حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق قال: أنبأنا البراء بن عازب ﵄ أنهم كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها، فأتوا رسول الله ﷺ فأتى البئر، وقعد على شفيرها، ثم قال: "ائتوني من مائها فأتي به فبصق فدعا ثم" قال: "دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا"٨.

стр. 39

(٢٣) وقال مسلم حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كان يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال: بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت١. وأخرجه أحمد٢، والدارمي٣، كلاهما من طريق الليث به مثله إلا عند الدارمي "تحت الشجرة وهي ثمره". وأخرجه مسلم من طريق ابن جرير بسياق آخر وصرح أبو الزبير بالسماع. (٢٤) قال حدثنا محمد بن حاتم حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابراً يسأل كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعنها وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره٤. وأخرجه ابن سعد٥ من طريق وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة ... " في حديث طويل. (٢٥) وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر٦. وأخرجه٧ من طريق يونس عن الحكم به. وأخرجه خليفة بن الخياط٨ عن عبد الوهاب عن خالد الحذاء به، بنحوه، وقال في آخره: "وهم يومئذ ألف وأربعمائة".

стр. 40

وأخرجه ابن سعد١ من طريق يزيد بن زريع عن خالد الحذاء به نحوه، وفي آخره: "قلنا لمعقل كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وأربعمائة رجل". وأخرجه٢ من طريق وهيب عن خالد الحذاء به نحوه وفي آخره قلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً وأربعمائة. (٢٦) وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم ح، وحدثنا إسحاق بن إباهيم أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار العجلي ح، وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه اخبرنا أبو علي الحنفي عبد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها ... " الحديث٣. وأخرجه أحمد٤ عن عبد الصمد عن عكرمة به مطولاً. وأخرجه ابن سعد٥ عن موسى بن مسعود النهدي عن عكرمة به مختصراً. وأخرجه البيهقي٦ من طريق عبد الله بن رجاء وموسى بن إسماعيل، وكلاهما عن عكرمة بن مختصراً. (٢٧) وقال يحيى بن معين: حدثنا شبابة٧ قال: حدثنا شعبة٨ عن قتادة٩
следующие страницы →