← Сира

Сира · id 11394

مرويات غزوة الحديبية جمع وتخريج ودراسة

حافظ بن محمد حكمي

Полный текст (348 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الثاني: عدد جيش السلمين في غزوة الحديبية ... المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين في غزوة الحديبية: وردت نصوص كثيرة تشير إلى عدد المسلمين في هذه الغزوة جاء في بعضها أنهم كانوا بضع عشرة مائة، وورد في بعضها تحديد عددعم لكنها اختلفت فيه اختلافاً كبيراً. وسأورد تلك النصوص ثم أذكر التوفيق بينها إن شاء الله: (أ) ما ورد بأنهم كانوا بضع عشرة مائة: (١٨) قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قائلاً: "خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ... " الحديث١. (ب) التحديد بألف وثلاثمائة: (١٩) قال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا شعبة عن عمرو - يعني ابن مره - حدثني عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين٢. وأخرجه البخاري٣ تعليقاً قال: قال عبيد الله بن معاذ به فذكره. وأخرجه ابن سعد٤ عن أبي داود الطيالسي عن شعبة به قال في أوله: "سمعت عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله ﷺ وكان قد شهد بيعة الرضوان ... " ثم ذكر نحو لفظ مسلم. وأخرجه البيهقي٥ من طريق أبي دواد الطيالسي بمثل لفظ ابن سعد. (جـ) ما ورد في التحديد بألف وأربعمائة: (٢٠) قال البخاري: حدثنا علي حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن

стр. 37

عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض، وكنا ألفاً وأربعمائة، ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة"١.٢ وأخرجه٣ عن قتيبة بن سعيد عن سفيان به مختصراً بلفظ: "كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة". وأخرجه مسلم٤، وأحمد٥، والحميدي٦، والبيهقي٧، كلهم من طريق سفيان به نحو لفظ علي بن المديني، وليس عند أحمد: "ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة". وأخرجه البخاري٨ من طريق الأعمش قال حدثني سالم بن أبي الجعد عن جابر، فذكر في الحديث قصة تفجر الماء من بين أصابع النبي ﷺ وفي آخر: قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: ألف٩ وأربعمائة. وأخرجه مسلم١٠ والبيهقي١١ كلاهما من طريق الأعمش به مختصراً بلفظ: قلت لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وأربعمائة، زاد البيهقي: "أصحاب الشجرة". وأخرجه البيهقي عن طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة١٢. وأخرجه من طريق أبي سفيان عن جابر، فذكر عدد البدن التي نحروها ثم قال: "فقلنا لجابر، كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وأربعمائة، بخيلنا ورجالنا"١٣.

стр. 38

(٢١) وقال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "كنا يوم الحديبية أربع١ عشر مائة، والحديبية بئر، فنزحناها حتى لن نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير٢ البئر، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت - أو صدرت - ركائبنا"٣. وأخرجه عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به بلفظ: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية: كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة ... "٤ الحديث بنحوه. وأخرجه٥ أحمد عن أبي أحمد عن إسرائيل به، فذكر نحو لفظ مالك بن إسماعيل. وأخرجه٦ عن وكيع عن إسرائيل به مختصراً. وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن رجا، وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل به، فذكره٧ بنحو لفظ عبيد الله بن موسى عند البخاري. وأخرجه البخاري من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق بسياق آخر: (٢٢) قال حدثنا فضيل بن يعقوب حدثنا الحسن بن محمد بن أعين أبو علي الحراني، حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق قال: أنبأنا البراء بن عازب ﵄ أنهم كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها، فأتوا رسول الله ﷺ فأتى البئر، وقعد على شفيرها، ثم قال: "ائتوني من مائها فأتي به فبصق فدعا ثم" قال: "دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا"٨.

стр. 39

(٢٣) وقال مسلم حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: كان يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال: بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على الموت١. وأخرجه أحمد٢، والدارمي٣، كلاهما من طريق الليث به مثله إلا عند الدارمي "تحت الشجرة وهي ثمره". وأخرجه مسلم من طريق ابن جرير بسياق آخر وصرح أبو الزبير بالسماع. (٢٤) قال حدثنا محمد بن حاتم حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابراً يسأل كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، فبايعنها وعمر أخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره٤. وأخرجه ابن سعد٥ من طريق وهب بن منبه قال: سألت جابر بن عبد الله كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة ... " في حديث طويل. (٢٥) وقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر٦. وأخرجه٧ من طريق يونس عن الحكم به. وأخرجه خليفة بن الخياط٨ عن عبد الوهاب عن خالد الحذاء به، بنحوه، وقال في آخره: "وهم يومئذ ألف وأربعمائة".

стр. 40

وأخرجه ابن سعد١ من طريق يزيد بن زريع عن خالد الحذاء به نحوه، وفي آخره: "قلنا لمعقل كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وأربعمائة رجل". وأخرجه٢ من طريق وهيب عن خالد الحذاء به نحوه وفي آخره قلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً وأربعمائة. (٢٦) وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم ح، وحدثنا إسحاق بن إباهيم أخبرنا أبو عامر العقدي كلاهما عن عكرمة بن عمار العجلي ح، وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه اخبرنا أبو علي الحنفي عبد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها ... " الحديث٣. وأخرجه أحمد٤ عن عبد الصمد عن عكرمة به مطولاً. وأخرجه ابن سعد٥ عن موسى بن مسعود النهدي عن عكرمة به مختصراً. وأخرجه البيهقي٦ من طريق عبد الله بن رجاء وموسى بن إسماعيل، وكلاهما عن عكرمة بن مختصراً. (٢٧) وقال يحيى بن معين: حدثنا شبابة٧ قال: حدثنا شعبة٨ عن قتادة٩

стр. 41

عن سعيد١ بن المسيب عن أبيه٢ قال: بايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة٣. والحديث أخرجه البيهقي٤ من طريق يحيى بن معين به نحوه. رجال هذا الإسناد رجال الصحيحين، ولا تضره عنعنة قتادة؛ لأن أصله في الصحيح من حديث البراء وجابر ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع السابق. (د) ما ورد في التحديد بألف وخمسمائة: (٢٨) قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز ابن مسلم حدثنا حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "عطش الناس يوم الحديبية، والنبي ﷺ بين يديه ركوة٥ فتوضأ فجهش٦ الناس نحوه، فقال: مالكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور٧ بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كان خمس عشرة مائة"٨. وأخرجه٩ من طريق محمد بن فضيل عن حصين عن سالم به نحوه، وعنده "فجعل الماء يفور ... ".

стр. 42

وأخرجه مسلم من طريق١ عبد الله بن إدريس وخالد الطحان، كلاهما عن حصين به مختصراً بلفظ: قال: لو كان مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. وأخرجه مختصراً أيضاً من طريق٢ عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة؟ فقال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا ألفاً وخمسمائة. وأخرجه أحمد من طريق٣ عبد العزيز بن مسلم عن حصين به نحوه. وأخرجه من طريق٤ شعبة عن حصين وعمرو بن مرة، كلاهما عن سالم عن جابر بألفاظ متقاربة وفيه اختصار. وأخرجه ابن سعد٥ من طريق عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال: "سألت جابر بن عبد الله كم كنتم يوم الشجرة. قال: كنا ألفاً وخمسمائة ... وذكره بنحو رواية حصين عند البخاري. وأخرجه البيهقي٦ من طريق حصين به مختصراً ولفظه: قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، لنا خمس عشرة مائة. وفيه من حديث جابر أيضاً: (٢٩) قال البخاري حدثنا الصلت قال: حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة: "قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول: كانوا أربع عشرة مائة، فقال لي سعيد: حدثني جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي ﷺ يوم الحديبية٧.

стр. 43

وأخرجه خليفة١ عن يزيد بن زريع به بلفظ: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني أن جابر بن عبد الله يقول: كانوا أربع عشرة مائة، قال: نسي جابر كانوا ألفاً وخمسمائة. وأخرجه٢ من طريق قرة عن قتادة عن سعيد قال: وَهَمَ جابر ﵀، هو حدثني أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة. وأخرجه البيهقي٣ من طريق قرة عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كانوا الذين شهدوا بيعة الرضوان قال: خمس عشرة مائة قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وَهَمَ هو حدثني أنهما كانوا خمس عشرة مائة. (هـ) التحديد بسبعمائة: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد٤ بن هارون قال: أنا محمد بن إسحاق عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج النبي ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة ... الحديث٥. سند هذا الحديث حسن، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله. (و) التحديد بألف وخمسمائة وخمسة وعشرين: (٣٠) قال ابن جرير: حدثني محمد٦ بن سعد قال: حدثني أبي٧ قال:

стр. 44

حدثني عمي١ قال: حدثني أبي٢ عن أبيه٣ عن ابن عباس٤ قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين٥. وقد عزا ابن حجر٦ هذا الحديث لابن مردويه وذكر أنه موقوف على ابن عباس. وسند هذا الحديث مسلسل بالضعفاء، فأولهم محمد بن سعد شيخ ابن جرير، قال عنه الخطيب: كان ليناً في الحديث، وقال الدارقطني: لا بأس به٧، وعطية العوفي الراوي عن ابن عباس قال عنه يحيى بن معين: صالح، وضعفه أحمد والنسائي وجماعة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ضعيف، ورجح الذهبي تضعيفه٨. أما الثلاثة الآخرون فهم ضعاف بالمرة٩. وقد عدهم (أي عطية وأولاده) ابن رجب في البيوت التي اشتهرت بالضعف١٠.

стр. 45

تنبيه: أورد ابن القيم هذا السند وقال عنه: "وهذا إسناد معروف يروي به ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وغيرهم التفسير وغيره عن ابن عباس، وهو إسناد معروف متداول بين أهل العلم وهم ثقات١. قلت: قول ابن القيم ﵀ "وهم ثقات" وهمٌ منه، فلم يوثق أحد من رجال هذا الإسناد، وقد رأينا أقوال أئمة الجرح والتعديل فيهم. (ز) التحديد بألف وخمسمائة وأربعين: (٣١) قال البلاذري: "حدثني الحسين٢ بن الأسود قال: حدثني أبو بكر٣ بن عياش عن الكلبي٤ عن أبي صالح٥ عن ابن عباس قال: قسمت خيبر على ألف وخمسمائة سهم، وثمانين سهماً، وكانوا ألفاً وخمسمائة وثمانين رجلاً الذين شهدوا الحديبية، فيهم ألف وخمسمائة وأربعون، والذين كانوا مع جعفر بن أبي طالب بأرض الحبشة أربعون رجلاً"٦. سند هذا الحديث ضعيف جداً، وربما كان موضوعاً، ففيه الكلبي وهو متهم بالكذب، وفيه أبو صالح باذام ضعْف لا سيما في رواية الكلبي عنه، قال ابن معين: "ليس به بأس، وإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء"٧.

стр. 46

(حـ) التحديد بألف وسبعمائة: (٣٢) قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبيد الله١ بن موسى عن موسى٢ ابن عبيدة عن إياس٣ بن سلمة عن أبيه٤ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية، فنحرنا مائة بدنة، ونحن سبع عشرة مائة، ومعهم عدة السلاح والرجال والخيل، وكان في بدنة جمل، فنزل بالحديبية فصالحته قريش على أن هذا الهدي محله حيث حبسناه٥. وأخرجه ابن سعد٦ بسند ابن أبي شيبة مثله، وفيه: "ونحن بضع عشرة مائة". سند هذا الحديث ضعيف جداً لضعف موسى بن عبيدة، قال عنه أحمد: لا يكتب حديثه، وضعفه النسائي٧، وابن عدي وغيرهم. (ط) التحديد بألف وثمانمائة: (٣٣) قال ابن أبي شيبة: حدثنا خالد٨ بن مخلد قال: حدثنا عبد الرحمن٩ بن عبد العزيز الأنصاري قال: حدثني ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير:

стр. 47

أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة ... "١ الحديث. هذا طرف من حديث طويل في قصة الحديبية وهو مرسل: وسنده إلى عروة ضعيف أيضاً: حيث تفرد به خالد بن مخلد القطواني، وقد قال عنه أحمد: له مناكير٢، وقال ابن حجر صدوق يتشيع، وله أفراد٣. قلت: وهذا من إفراده، وفيه عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري: قال عنه أبو حاتم مضطرب الحديث٤، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ٥، وقد خالف هذا الأثر الروايات الصحيحة. التوفيق بين النصوص عندما يستعرض القارئ النصوص الواردة بتحديد عدد الذين شهدوا غزوة الحديبية من المسلمين، يجد الفرق بينها واسعاً، والبون شاسعاً، فمن تلك النصوص ما يحدهم بسبع مائة، ومنها ما يحدهم بألف وثمانمائة، وهناك نصوص تذكر تحديدات أخرى بين هذين العددين، فلذلك لا بد من وقفة مع تلك النصوص حتى يتبين العدد الحقيقي لجيش المسلمين في هذه الغزوة. عند اختلاف النصوص يصار التوفيق بينها إما بالجمع إن أمكن، وإلا بالترجيح عند تعذر الجمع. لكن هناك خطوة أولى يجب البدء بها، وهي معرفة درجة كل من تلك النصوص، هل كلها في درجة المقبول الذي يعمل به، أو بينها ما هو مردود فيطرح. ومن خلال الدراسة السابقة لأسانيد تلك النصوص، رأيت أن بعضها لا يعول عليه لضعفه الشديد وهي الروايات التالية: رواية ألف وخمسمائة وخمسة وعشرين، ورواية ألف وخمسمائة وأربعين ورواية

стр. 48

ألف وسبعمائة، ورواية ألف وثمانمائة. وكذلك التحديد بسبعمائة مردود أيضاً وإن ورد في رواية سندها حسن، إلا أنه من كلام ابن إسحاق أحد رواة الحديث، لذلك استبعد العلماء هذا التحديد: قال ابن حزم: وقد قال بعضهم كانوا سبعمائة، وهذا وهم شديد البتة١. وقال ابن القيم: "وغلط غلطاً بيناً من قال: كانوا سبعمائة وعذرهم أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعمائة وتسعين رجلاً، وقد قال في تمام الحديث بعينه: إنهم كانوا ألفاً وأربعمائة" ا. هـ٢ وقال ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق أنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطاً من قول جابر: "فنحرنا البدنة عن عشرة "وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلاً" ا. هـ٣ قلت: الثابت عن جابر: "أنهم نحروا البدنة عن سبعة" وذكر البيهقي رواية عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عنه "أنهم نحروا البدنة عن عشرة" لكن اعتبرها البيهقي وهماً٤. فالتحقيق أن هذا التحديد من كلام ابن إسحاق كما قال ابن حجر، والدليل على ذلك أن كلاً من معمر وسفيان بن عيينة قد تابع ابن إسحاق في شيخه الزهري ولم يذكر واحد منهما هذا التحديد، بل ورد عنهما أن المسلمين كانوا بضع عشرة مائة، وإذا ثبت أنه من كلام ابن إسحاق فلا يعول عليه لمخالفته النصوص الصحيحة. بقي أمامنا التحديد بألف وثلاثمائة، وألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة، وهذا التحديد قد وردت به نصوص صحيحة، لا يمكن ردها، لذلك حاول العلماء التوفيق بينها، وسلكوا في ذلك طريقين:

стр. 49

(أ) طريق الترجيح: وقد سلك هذا الطريق البيهقي، حيث رجح رواية ألف وأربعمائة. فقد أخرج رواية ألف وأربعمائة عن جابر ثم عقب عليها بقوله: وهذه الرواية أصح، فلذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه ا. هـ١ ونقل ذلك عنه ابن حجر قال: "وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية ألف وأربعمائة أصح".اهـ٢ ومال إلى الترجيح أيضاً ابن القيم: فقد ذكر رواية ألف وأربعمائة عن جابر ثم قال عقبها: "والقلب إلى هذا أميل"٣. (ب) طريق الجمع: وقد جنح بعض العلماء إلى الجمع بين تلك النصوص، فقد ذكر النووي الرواية الثلاث: ألف وثلاثمائة، وألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة، ثم قال: ويمكن أن يجمع بينها بأنهم كانوا أربعمائة وكسر، فمن قال أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال خمسمائة اعتبره، ومن قال ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتقن العد، أو لغير ذلك ا. هـ٤ وممن ذهب إلى الجمع أيضاً ابن حجر، فقد ذكر نحو كلام النووي وزاد عليه، فبعد أن ذكر الروايات الثلاث قال: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفاً وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفاً وأربعمائة ألغاه. ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث براء "ألفاً وأربعمائة أو أكثر أما قول عبد الله بن أبي أوفى: ألفاً وثلاثمائة، فيمكن حمله على ما اطلع عليه هو، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة

стр. 50

والزيادة عليه من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ا. هـ١ قلت: الظاهر أن مسلك التوفيق بين النصوص إن أمكن أولى من الترجيح، لا سيما والنصوص الواردة في العدد المذكور صحيحة كلها، وتوجيه ابن حجر ممكن وظاهر، فيجب الأخذ به، وقد تضمن ما ذكر النووي. وأما رواية "بضع عشرة مائة" فيمكن حملها على أحد الأعداد الثلاثة، لأن البضع يصدق على العدد من ثلاثة إلى عشرة، والله أعلم. وهناك قول لموسى بن عقبة٢ والواقدي٣ وابن سعد٤: أن المسلمين كانوا ألفاً وستمائة، وهو اجتهاد منهم في مقابل النص، ولم يذكروا مستنداً لذلك، فلا يلتفت إليه، ولم أذكره مع ما سبق لأنه لم يرد مسنداً.

стр. 51

الفصل الرابع: نزول المسلمين بذي الحليفة وما عملوه بها المبحث الأول: صلاة المسلمين بذي الحليفة وإحرامهم بالعمرة ... المبحث الأول: صلاة المسلمين بذي الحليفة وإحرامهم بالعمرة: خرج رسول الله ﷺ ومن معه من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من الأعراب١، فلما انتهى إلى ذي الحليفة نزل بها وصلى بها الظهر: (٣٤) قال مسلم: "حدثنا إبراهيم بن دينار حدثنا حجاج بن محمد الأعور مولى سليمان بن مجالد قال: قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: هل بايع النبي ﷺ بذي الحليفة؟ فقال: لا، ولكن صلى بها، ولم يبايع عند شجرة إلا الشجرة التي بالحديبية٢. وأخرجه٣ أحمد بن طريق ابن جريج به مثله. لم يعين في حديث جابر هذا الصلاة التي صلوها بذي الحليفة، لكن ذكر الواقدي٤ وابن سعد٥ أنهم صلوا بها صلاة الظهر. ثم أحرم النبي ﷺ وأصحابه بالعمرة، وساقوا الهدي:

стр. 52

(٣٥) قال البخاري: حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: "خرج النبي ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كان بذي الحليفة قلد الهدي، وأشعره١ وأحرم بالعمرة"٢. هذا طرف من حديث المسور ومروان الطويل في قصة الحديبية، أورده البخاري هنا مختصراً من طريق معمر، وقد أخرجه٣ من طريقه بطوله في كتاب الشروط إلا أنه حذف من أوله الإهلال بالعمرة ومن طريقه أيضاً٤ أخرج جزءاً منه في كتاب المحصر. ومن طريق معمر أيضاً أخرجه٥ أبو داود بطوله إلا أنه وقع فيه اختصار نبه عليه الخطابي بسنده من طريق معمر هذه فذكره بتمامه٦. ومن طريق معمر أيضاً أخرجه أحمد٧ بتمامه. وأخرج النسائي٨ طرفاً من أوله. وأخرجه البخاري من طريق٩ سفيان بن عيينة عن الزهري به فذكر أوله فقط. ومن طريقه أخرج أبو داود١٠ وأحمد١١ طرفاً من أوله. وأخرجه البخاري من طريق١٢ عقيل عن الزهري به قال فيه: "يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ " ثم ذكر جزءاً من آخره.

стр. 53

وأخرجه من طريق١ ابن أخي الزهري عن عمه به، فذكر جزءاً من وسطه. والحديث أخرجه أحمد بن طريق ابن إسحاق عن الزهري مطولاً بسياق آخر: (٣٦) قال: حدثنا يزيد٢ بن هارون أنا محمد٣ بن إسحاق عن الزهري٤ به قالا: "خرج النبي ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة"٥ الحديث، وفيه زيادات ستأتي في مظانها. ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن هشام، وصرح عنده بالسماع من الزهري. قال ابن هشام٦ قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري به، فذكره بطوله. وأخرجه البيهقي٧ من طريقه أيضاً، وصرح فيه بالسماع من الزهري: فقد ساقه بسنده إلى يونس٨ بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثني الزهري به مختصراً. واللفظ الوارد من طريق ابن إسحاق حسن، فقد صرح بالسماع من الزهري عند ابن هشام والبيهقي، وابن إسحاق إذا صرح بالسماع فحديثه حسن، كما قرر ذلك الذهبي وابن حجر: قال الذهبي: بعد أن نقل أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه: "والذي يظهر لي

стр. 54

أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال صدوق، وما تفرد به ففيه نكارة فإن في حفظه شيئاً، وقد احتج به الأئمة١، والله أعلم ا. هـ وقال الذهبي عنه أيضاً: "كان أحد أوعية العلم حبراً في معرفة المغازي والسير، وليس بذاك المتقن، فانحط حديثه عن رتبة الصحة، وهو صدوق في نفسه مرضى"٢ ا. هـ وقال ابن حجر: "ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن، إذا صرح بالتحديث ... وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحاً، وهذه طريقة ابن حبان، ومن ذكر معه"٣ ا. هـ وحديث المسور ومروان ظاهره الإرسال، لأن المسور ومروان لم يشهد أحد منهما القصة. أما المسور فقدومه للمدينة كان في السنة الثامنة بعد الفتح، وهو ابن ست سنين٤، بينما كانت الحديبية في السنة السادسة. وأما مروان بن الحكم فلم تثبت له صحبة٥. لكن جاء من طريق عقيل عند البخاري٦: "يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ فهذه الطريق أوضحت أن المسور ومروان سمعا الحديث من بعض الصحابة، وجهالة الصحابي لا تضر"٧؛ لأن الصحابة كلهم عدول. وقد وقع في أثناء القصة ما يفيد أنهما سمعاها من عمر بن الخطاب ﵁، فقد جاء في الحديث: قال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي ﷺ ... وقد عقب ابن حجر على هذه العبارة بقوله: "هذا مما يقوي أن الذي حدث المسور ومروان بقصة الحديبية، هو عمر"٨ انتهى.

стр. 55

المبحث الثاني: إرسال النبي ﷺ بسر بن سفيان عينا على مكة ... المبحث الثاني: إرسال النبي ﷺ بسر بن سفيان عيناً إلى مكة: وردت قصة إرسال بسر بن سفيان إلى مكة في حديث المسور بن مخرمة ومروان ابن الحكم من طريق سفيان بن عيينة ومن طريق محمد بن إسحاق، فقد جاء في حديثهما من طريق سفيان ما نصه: "فلما أتى ذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بالعمرة، وبعث عيناًً١ له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط٢ أتاه عينه ... "٣. هكذا جاء في رواية سفيان "عيناً من خزاعة، ولم يسمه، لكن ورد التصريح باسمه في رواية ابن إسحاق حيث قال: "وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان٤، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك"٥. وربما يتوهم أن الشخص المذكور في رواية ابن إسحاق، غير المشار إليه في رواية سفيان لأن ابن إسحاق قال في نسبته (الكعبي) بينما ذكر في رواية سفيان أنه من (خزاعة) . وقد جاء أيضاً في رواية ابن إسحاق أنه لقي النبي ﷺ بـ (عسفان) بينما في رواية سفيان لقيه بـ (غدير الأشطاط) . والتحقيق: أن الشخص المذكور في رواية ابن إسحاق هو عين المشار إليه في رواية سفيان، وبيان ذلك: أما من حيث نسبته: فخزاعة وكعب، اسمان لمسمى واحد، لأن قبيلة كعب هذه هي الأزدية ويطلق عليها خزاعة. قال صاحب اللباب: وهو في معرض التعريف بقبيلة كعب: "قبيلة كبيرة من الأزد، إنما قيل لهم خزاعة لأنهم انقطعوا عن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن أيام

стр. 56

سيل العرم، وأقاموا بمكة"١. وأما من حيث المكان الذي لقي النبي ﷺ فيه، فهو متحد أيضاً، لأن غدير الأشطاط موضع في عسفان أو قريب منه، ففي حديث المسور ومروان من طريق معمر: "حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريب من عسفان ... "٢. وفي مرسل عروة من طريق الزهري: "حتى نزل رسول الله ﷺ غديراً بعسفان يقال له (غدير الأشطاط) فلقيه عينه بغدير الأشطاط ... "٣. فمن قال: "غدير الأشطاط" إنما قصد تحديد الموضع الذي نزل فيه النبي ﷺ . ومن قال: "عسفان" أراد الجهة أو الناحية واكتفى به لشهرته دون الآخر. فالحاصل أنه لا خلاف بين رواية ابن إسحاق ورواية سفيان وأن المسمى في رواية ابن إسحاق هو عين المشار إليه في رواية سفيان. لكن يلاحظ أن ابن إسحاق سماه "بشراً" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، والمشهور عند أهل المغازي كالواقدي٤ وابن سعد٥، وغيرهم أن اسمه "بسر" بضم الموحدة وسكون المهملة، وبهذا سماه أيضاً الذين ترجموا للصحابة كأبي نعيم٦ وابن عبد البر٧ وابن الأثير٨ وابن حجر٩، ونصبوا على أنه المذكور في حديث المسور ومروان في قصة الحديبية. قال ابن حجر في ترجمته: "وضبطه ابن ماكولا وغيره بضم الموحدة وسكون المهملة وكذا رأيت عليه علامة الإهمال في الأصل المعتمد من كتاب الفاكهي"١٠.

стр. 57

ويفهم من صنيع ابن هشام أنه قد وقع خلاف في اسمه فقد تعقب ما في رواية ابن إسحاق بقوله١: "ويقال: بسر" لكن الراجح ما في كتب التراجم لأنها أقرب للضبط من رواية ابن إسحاق، ولاتفاقها مع ما في كتب المغازي، ولا سيما وقد حكى ابن حجر عن ابن إسحاق ما يؤيد قول الجمهور. قال ابن حجر: "وأما الذي بعثه النبي ﷺ عيناً لخبر قريش فاسمه "بسر" كذا سماء ابن إسحاق، وهو بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح"٢ ا. هـ وجاء خبره في مرسل عروة من طريق الزهري لكن سماه "ناجية": ونص عبارته: "وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر القوم ... "٣. وما في هذا الأثر لا يقوى لمعارضة رواية ابن إسحاق لكونه مرسلاً وأيضاً في إسناده إلى عروة ضعف. وقد أورده ابن حجر ثم تعقبه بقوله: "كذا سماه ناجية، والمعروف أن ناجية اسم الذي بعثه مع الهدي كما صرح به ابن إسحاق وغيره، وأما الذي بعثه عيناً لخبر قريش فاسمه بسر بن سفيان، كذا سماه ابن إسحاق ... "٤. وقد ساق الخرائطي بسنده حديثاً إلى ابن عباس ذكر فيه قصة العين الذي بعثه النبي ﷺ إلى مكة عام الحديبية، وسماه بشر بن سفيان العتكي: (٣٧) قال الخرائطي: حدثنا عبد الله٥ بن محمد البلوي، قال: قال عمارة٦ ابن زيد ثنا عبد الله٧ بن العلاء عن الزهري عن عبد الله٨ بن الحارث بن عبد

стр. 58

المطلب عن أبيه١ عن ابن عباس قال: "لما توجه رسول الله ﷺ يريد مكة في العام الذي ردته قريش عن البيت وهو عام الحديبية، فلما سار رسول الله ﷺ مرحلتين أو ثلاثة قدم عليه بشر بن سفيان العتكي فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرك أني كنت أطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا - وسمى الليلة التي أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسير فيها إلى مكة - وقريش في أنديتها٢ إذ صرخ صارخ من أعلى أبي قبيس٣ بصوت أسمع أهل مكة بعيدهم ودانيهم وهو يقول: هبوا فأخبركم مَنّى صحابته ... سيروا إليه وكونوا معشراً كرما بعد الطواف وبعد السعي في مهل ... وأن يجوِّزهم من مكة الحَرَما شاهت وجوهكم من معشر نكل ... لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما فما هو إلا أن سمع القوم ذلك حتى ارتجت مكة و "قال"٤ أبو سفيان في جماعة من أشراف قريش، منهم عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية في جماعة منهم فاجتمعوا عند الكعبة، وتعاقدوا ألا تدخل عليهم مكة في عامهم هذا، وتركتهم يجمعون لك، فقال رسول الله ﷺ : "أنا الهاتف الذي سمعت سَلْفَع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله إن شاء الله، فسر إلى مكة فلتسمع أخبار قريش وانظر ما هو فاعلون، ثم تعود إلي يكسبك الله بذلك أجراً". قال: فرجع بشر بن سفيان إلى مكة فبينا هو يطوف بالبيت إذ رأته قريش فهتفت به فجاءهم فقالوا له: يا بشر هل عندك علم من محمد أتراه يريد الدخول إلى مكة في عامه؟ فقلت: إنما أنا كواحد منكم ولقد سمعت الهاتف الذي هتف بكم يؤذنكم بذلك وما أرى ذلك حقاً، قالوا: بلى يا بشر إنه لكائن، هذا هُبَلْ حركنا لنصرته، والمحاماة عليه، وما جربنا عليه كذباً قط، وليعلمن محمد إن جاءنا أنها الفيصل

стр. 59

بيننا وبينه، قال: فبينما هم كذلك إذ سمعوا من أعلى الجبل صوتاً وهو يقول: شاهت وجوه رجال حالفوا صنما ... وخاب سعيهم ما أقصر الهمما ما خير في حجر لا يستجيب لهم ... إذا دعوا حوله ولا هم صمما إني قتلت عدو الله سلفعة ... شيطان أوثانكم سحقاًً لمن ظلما وقد أتاكم رسول الله في نفر ... وكلهم محرم لا يسفكون دما١ هذا الحديث قد ذكره ابن حجر في الإصابة٢ - عند ترجمة بشر بن سفيان العتكي - مختصراً. وكذلك ذكره السيوطي٣ والزرقاني٤ مختصراً. والحديث ضعيف جداً وربما كان موضوعاً، فإن في سنده شيخ الخرائطي عبد الله بن محمد البلوي، وشيخ البلوي عمارة بن زيد، وقد رمي كل منهما بوضع الحديث. وقد ورد في هذا الحديث أن اسم الرجل - الذي بعثه النبي ﷺ عيناً إلى مكة - "بشر بن سيفيان العتكي". والعتكي: نسبة إلى العتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو بن مزيقيا ابن عامر ماء السماء بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد٥. وهذا مغاير لما في حديث المسور ومروان فإن فيه: "الخزاعي" و"الكعبي" وقد بينت أن كلا النسبتين إلى قبيلة كعب التي تنتسب إلى كعب بن عمرو بن ربيعة - وهو لحي - بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن ابن الأزد٦.

стр. 60

والعتيك وكعب كلاهما من الأزد، ويجمعهما الجد الخامس وهو "عامر بن حارثة" لكن النسبة إلى أحدهما تغاير النسبة إلى الأخر. ولعله وقع تحريف في حديث ابن عباس عند الخرائطي، فحرفت نسبة الرجل من "الكعبي" إلى "العتكي". لكن صنيع ابن حجر يوهم أنهما رجلان، فقد عقد ترجمة باسم "بسر بن سفيان" الخزاعي"١ وأشار إلى انه المذكور في حديث الحديبية، ثم عقد ترجمة باسم "بشر بن سفيان العتكي"٢ وذكر معه حديث الخرائطي هذا عن ابن عباس. ولعل ابن حجر اعتمد في إثبات هذه الترجمة على حديث الخرائطي هذا، والحقيقة أنه حديث واه جداً لا يعتمد عليه في شيء وقد سبق بيان علته.

стр. 61

الفصلُ الخامسُ: إرسالُ النبيِّ ﷺ لبعضِ أصحابِه إلى غيقةَ وقصةُ أبي قتادةَ ﵁ ورد في حديث أبي قتادة عند البخاري وغيره إشارة إلى أن النبي ﷺ أرسل بعض أصحابه إلى جهة غيقة، ولم أر أحداً من أهل المغازي أو غيرهم تعرض لهذه الحادثة بقليل أو كثير اللهم إلا إلماحة سريعة من ابن حجر حيث قال: "وحاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء١ - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلاً - أخبره بأن عدواً من المشركين بوادي غيقة٢ يخشى منهم أن يقصدوا غرته فجهر طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ فأحرموا إلا هو فاستمر حلالاً"٣ ا. هـ ذكر ابن حجر أن هذا ملخص القصة، لكنه لم يشر إلى المصدر الذي استفادها منه ولم أجد إلى الآن شيئاً عن هذه الحادثة سوى ما ذكر، ولعله ورد عنها تفصيل أكثر في رواية المطلب عند سعيد بن منصور، فقد ذكر ابن حجر طرفاً منها حيث قال: "وبين المطلب مكان صرفهم ولفظه": "خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا بلغنا الروحاء"٤ ا. هـ

стр. 62

وقد جاءت الإشارة إلى هذه القصة - كما أسلفت في بعض طرق حديث أبي قتادة من رواية ابن عبد الله عنه وهي: (أ) طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة: يشير فيه إلى وصول خبر العدو إلى النبي ﷺ . (٣٨) قال البخاري: حدثنا معاذ بن فضالة حدثنا هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة قال: "انطلق أبي عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم يحرم، وحدث النبي ﷺ أن عدواً من المشركين يغزوه، فانطلق النبي ﷺ فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، فنظرت فإذا أنا بحمار وحش، فحملت١ عليه فطعنته فأثبته٢ واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني، فأكلنا من لحمه وخشينا أن نقتطع٣، فطلبت النبي ﷺ أرفع٤ فرسي شأواً٥ وأسير شأواً فلقيت رجلاً من بني غفار في جوف الليل فقلت أين تركت النبي ﷺ فقال: تركته بتعهن٦ وهو قائل٧ السقيا٨، فقلت يا رسول الله إن أهلك يقرأون ﵇ ورحمة الله، وإنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك فانتظرهم، قلت: يا رسول الله أصبت حمار وحش وعندي منه فاضله فقال: "للقوم كلوا وهم محرمون"٩. هذا الحديث أخرجه البخاري هنا بصورة الإرسال لأن عبد الله بن أبي قتادة لم يشهد القصة١٠. ومن هذا الوجه أخرجه مسلم١١ وأحمد١٢ وزادا تسمية الموضع الذي فيه

стр. 63

العدو فعندهما: "وحدث رسول الله ﷺ أن عدواً بغيقة ... ". وأخرجه مسلم١ أيضاً من طريق عبد العزيز بن رفيع عن عبد الله بن أبي قتادة بصورة الإرسال. وقد أخرجه البخاري من طرق أخرى وفيها تصريح عبد الله بسماعه من أبيه: فأخرجه من طريق علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به يقول فيه: "أن أباه حدثه" وأشار فيه إلى موضع العدو وإرسال النبي ﷺ لبعض أصحابه إليهم. (٣٩) قال: حدثنا سعيد بن الربيع حدثنا علي بن المبارك عن يحيى ابن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال: "انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم، فأنبئناه بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم فبصر أصحابي بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته فحملت عليه ... "٢ الحديث بنحوه. وأخرجه من طريق عثمان بن موهب وأشار فيه إلى الطريق الذي سلكوه إلى العدو: قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان بن موهب قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج حاجاً فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا ٣ أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتاناً٤ فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: "يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتاناً فنزلنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها، قال: منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال:

стр. 64

فكلوا ما بقي من لحمها"١. وأخرجه مسلم٢ والبيهقي٣ من طريق عثمان بن موهب به بنحوه، وعند البيهقي: "حاجاً أو معتمراً". وأخرجه النسائي٤ من طريق عثمان أيضاً إلا أنه لم يشر إلى ذهابهم من طريق الساحل. هذه بعض طرق حديث أبي قتادة التي تطرقت لقصة غيقة، وهي طرق لرواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وقد جاءت أيضاً رواية لعبد الله من طريق أبي حازم، وروى الحديث عن أبي قتادة أيضاً غير عبد الله لكن لم يرد في شيء منها ذكره لقصة غيقة، لكن لا بأس من الإشارة إلى تخريجها لأنها تعرضت لقصة أبي قتادة بمعنى الروايات السابقة. ١ - فطريق أبي حازم لرواية عبد الله بن أبي قتادة أخرجها البخاري من طريق فضيل٥ بن سليمان، وفليح٦ بن سليمان، ومحمد٧ بن جعفر كلهم عن أبي حازم به. وأخرجه مسلم٨ من طريق فضيل بن سليمان عن أبي حازم به. ٢ - رواية نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة: أخرجها: البخاري٩، ومسلم١٠، وأبو داود١١، والنسائي١٢، والترمذي١٣، كلهم

стр. 65

من طريق مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن نافع عن أبي قتادة. وأخرجها البخاري من طريق عمرو١ بن الحارث عن أبي النضر عن نافع وصالح مولى التوأمة كلاهما عن قتادة. وأخرجها البخاري٢ ومسلم٣ من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن أبي قتادة. ٣ - رواية عطاء بن يسار عن أبي قتادة: أخرجها البخاري٤ ومسلم٥ والترمذي٦ كلهم من طريق مالك عن زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبي قتادة. وقد وردت قصة أبي قتادة في حديث أبي سعيد الخدري عند البزار وغيره بسياق آخر: (٤٠) قال البزار: حدثنا محمد٧ بن عثمان العقيلي وإسماعيل٨ بن بشر ابن منصور السليمي قالا: ثنا عبد الأعلى٩ بن عبد الأعلى عن عبيد الله١٠ بن عمر

стр. 66

عن عياض١ بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد٢ الخدري قال: "بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة الأنصاري على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابة محرمين حتى نزلوا عسفان، فإذا هم بحمار وحش وجاء أبو قتادة وهو حل فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يُبِدُّوا٣ أبصارهم فيعلم، فرآه أبو قتادة فركب فرسه وأخذ الرمح فسقط منه الرمح، فقال: ناولونيه، فقالوا: ما نعينك عليه فحمل عليه فعقره فجعلوا يشوون منه، ثم قالوا: رسول الله بين أظهرنا وكان تقدمهم فلحقوه فسألوه فلم ير به بأساً، قال: فأحسبه قال: هل معكم منه شيء شك عبيد الله"٤. قال البزار: "لا نعلم أسند عبيد الله عن عياض إلا هذا ولا عنه إلا عبيد الله"٥. وأخرجه ابن حبان٦ من طريق محمد بن عثمان العقيلي به نحوه وزاد "بعسفان بثنية٧ الغزال". وأخرجه الطحاوي٨ من طريق عياش٩ بن الوليد الرقام ثنا عبد الأعلى به نحوه. الحديث صحيح رجاله كلهم رجال الصحيحين إلا شيخي البزار العقيلي والسليمي، وقال ابن حجر عن كل منهما صدوق، وتابعهما عياش بن الوليد في شيخهما عبد الأعلى، وعياش ثقة روى له البخاري.

стр. 67

تنبيه: وقد جاء في حديث أبي سعيد هذا أن النبي ﷺ بعث أبا قتادة الأنصاري على الصدقة بينما في حديث أبي قتادة السابق: أن النبي ﷺ بعثه إلى العدو الذي أتاه خبره جهة غيقة. وقد جمع بين هذا الاختلاف صاحب الأوجز: حيث قال: "والأوجه عندي أن أبا قتادة لم يخرج معه ﷺ بل بعثه أهل المدينة إليه ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة فلحقه ﷺ قبل الروحاء فبعثه النبي ﷺ إلى ساحل البحر لكشف العدو، فالتقوا معه بالقاحة ثم بعثه ﷺ لأخذ الصدقة لأنه لم يكن محرماً فرجع بعسفان جمعاً بين الروايات" ا. هـ١

стр. 68

الفصل السادس: ما حدث للمسلمين بعسفان المبحث الأول: عين رسول الله ﷺ الخزاعي يوافيه بخبر قريش ... المبحث الأول: عين رسول الله ﷺ الخزاعي يوافيه بخبر قريش: كان النبي ﷺ قد بعث بسر بن سفيان الكعبي الخزاعي من ذا الحليفة عيناً له إلى مكة، فسار بسر إلى قريش يتحسس أخبارهم ونواياهم إزاء المسلمين، وبعد أن وقف على أخبارهم وافى بها رسول الله ﷺ بعسفان. ففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق سفيان عند البخاري: "فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط، أتاه عينه قال: إن قريشاً جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش١ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عيناً من المشركين، وإلا تركناهم محروبين٢، فقال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: امضوا على اسم الله"٣. وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق عند أحمد: "وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي

стр. 69

فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ١ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليه عنوة٢ أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم٣ قال رسول الله ﷺ : يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام، وهو وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة"٤"٥. وفي مرسل عروة من طريق ابنه هشام: "فخرج رسول الله حتى إذا كان بعسفان لقيه رجل من بني كعب، فقال يا رسول الله: إنا تركنا قريشاًَ وقد جمعت لك أحابيشها تطعمها الخزير٦ يريدون أن يصدوك عن البيت، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا تبرز من عسفان لقيهم خالد بن الوليد طليعة لقريش فاستقبلهم على الطريق، فقال رسول الله ﷺ هاهنا فأخذ بين سورعتين يعني - شجرتين - فمال عن ستر الطريق حتى نزل الغميم فلما نزل الغميم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد: فإن قريشاً قد جمعت لكم ... " وذكر نحو حديث المسور ومروان إلى أن قال: "فقال المقداد٧ وهو في رحله: إنا والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون"٨.

стр. 70

المبحث الثاني: صلاة الخوف بعسفان: جاء في حديث أبي عياش الزرقي ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف، لكن لم يرد فيه تحديد الغزوة التي صلى فيها، وحيث إن رسول الله ﷺ نزل عسفان في أكثر من غزوة فقد وقع خلاف في تعيين الغزوة التي صلى فيها تلك الصلاة. وسأورد حديث أبي عياش ثم أذكر الخلاف مع الترجيح إن شاء الله: (٤١) قال أبو داود: حدثنا سعيد١ بن منصور حدثنا جرير٢ بن عبد الحميد عن منصور٣ عن مجاهد بن أبي عياش٤ الزرقي قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر فلما حضرت صلاة العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة، والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله ﷺ صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه وقام الآخرون يحرسونهم فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعاً فسلم عليهم جميعاً فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم٥. هذا الحديث لم يروه فيما أعلم عن أبي عياش غير مجاهد، ولا عن مجاهد إلا منصور بن المعتمر، ورواه عن منصور عدة رواة هم:

стр. 71

(١) جرير بن عبد الحميد: أخرجه عنه سعيد١ بن منصور، وأخرجه من طريقه الحاكم٢ والطبراني٣ والبيهقي٤. (٢) سفيان الثوري٥: أخرجه عنه عبد الرزاق٦، وأخرجه من طريقه أيضاً أحمد٧ والطحاوي٨ والطبراني٩. (٣) ورقاء بن عمرو اليشكري١٠: أخرجه عنه أبو داود الطيالسي١١، وأخرجه من طريقه أيضاً الطبراني١٢ والبيهقي١٣. (٤) شعبة بن الحجاج: أخرجه من طريقه أحمد١٤ والنسائي١٥ والطبراني١٦. (٥) عبد العزيز بن عبد الصمد١٧:

стр. 72

أخرجه من طريقه النسائي١. (٦) شيبان بن عبد الرحمن النحوي٢: أخرجه من طريقه ابن جرير٣. (٧) زائدة بن قدامة٤: أخرجه من طريقه الطبراني٥. (٨) علي بن صالح بن حي٦: أخرجه من طريقه الطبراني٧. (٩) جعفر بن الحارث٨ الواسطي: أخرجه من طريقه الطبراني٩. (١٠) إسرائيل بن يونس١٠: أخرجه من طريقه الطبراني١١. (١١) داود بن عيسى الكوفي: وفي روايته صرح مجاهد بالسماع من أبي عياش الزرقي:

стр. 73

أخرجه من طريقه الطبراني١. والحديث صحيح بسند أبي داود، فرجاله رجال الصحيح لكن مجاهداً لم يصرح بالسماع من أبي عياش، وقد أنكر بعض العلماء سماعه من أبي عياش، ورماه بالتدليس: فقد نقل العلائي٢ عن الترمذي قوله: لا يعرف سماع مجاهد من أبي عياش الزرقي. وذكر ابن حجر أن القطب الحلبي حكى عن الترمذي قوله في العلل: ومجاهد معلوم التدليس فعنعنته لا تفيد الوصل". ثم تعقبه ابن حجر بقوله: "ولم أر من نسبه إلى التدليس، نعم إذا ثبت قول ابن معين أن قول مجاهد: خرج علينا علي ليس على ظاهره، فهو عين التدليس، إذ هو معناه اللغوي وهو الإبهام والتغطية، وقد قال ابن خراش أحاديث مجاهد عن على مراسيل بم يسمع منه شيئاً"٣ ا. هـ قلت: وإن ثبت عن مجاهد التدليس فقد أمن تدليسه هنا؛ لأن الطبراني٤ قد أخرج الحديث من طريق صرح فيه مجاهد بالسماع من أبي عياش وفي سند الطبراني بكر بن سهل الدمياطي، ضعفه النسائي، وقال الذهبي: مقارب الحال٥. وشيخ الطبراني داود بن عيسى الكوفي: لم أقف على ترجمته. لكن البيهقي أخرج الحديث ثم قال: وهذا إسناد صحيح وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش٦ ا. هـ ولم يذكر البيهقي السند كاملاً لكن ذكر الزيلعي أن البيهقي أخرجه في المعرفة بلفظ "حدثنا أبو عياش"، قال: وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش٧. وقد حكى المنذري عن البيهقي أنه قال: "هذا الإسناد صحيح إلا أن بعض أهل العلم يشك في سماع مجاهد من أبي عياش، ثم ذكر أن البيهقي أخرجه بإسناد جيد عن

стр. 74

مجاهد قال حدثنا أبو عياش، ثم قال المنذري: وسماعه منه متوجه؛ فإنه ذكر ما يدل على أن مولد مجاهد سنة عشرين وعاش أبو عياش إلى بعد الأربعين، وقيل إلى بعد الخمسين"١ ا. هـ وقد صحح هذا الحديث الحاكم٢، ووافقه الذهبي٣، وقال البيهقي٤: "هذا إسناد صحيح". وكذلك قال ابن كثير:٥ "هذا إسناد صحيح وله شواهد" ا. هـ، وقال ابن حجر في ترجمة أبي عياش: "روى عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، أخرج حديثه أبو داود والنسائي بسند جيد"٦. وقد أفاد حديث أبي عياش هذا أن رسول الله ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف؛ لكنه لم يسم الغزوة التي صلى فيها، وحيث إن رسول الله قد نزل بعسفان في غزوة بني لحيان وفي غزوة الحديبية، فقد وقع خلاف في تحديد الغزوة التي صلى فيها تلك الصلاة. فقد أورد ابن كثير حديث أبي عياش في غزوة بني لحيان، ثم قال: "وفي سياق حديث أبي عياش الزرقي ما يقتضي أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عسفان فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها والله أعلم"٧ ا. هـ وقد تابع ابن كثير على ذلك الساعاتي حيث قال: "وعسفان أول غزوة شرعت فيها صلاة الخوف ويقال لها: غزوة بني لحيان، وسببها ما نقله ابن كثير في تاريخه"٨. ويظهر من كلام صاحب المنهل العذب المورد، أنه قد تابع ابن كثير أيضاً على ذلك، فقد ذكر أن صلاة النبي ﷺ بعسفان كانت في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة٩.

стр. 75

وهذا التاريخ الذي حدد به هو تاريخ غزوة بني لحيان نقله ابن هشام١ وابن كثير٢ عن ابن إسحاق. وذكر الواقدي٣ وابن سعد٤ وابن الجوزي٥ أن صلاة الخوف بعسفان كانت في غزوة الحديبية، إلا أن ظاهر كلام ابن سعد يفيد أنها صلاة الظهر وهو مخالف لحديث أبي عياش. وقد نقل ابن حجر عن الواقدي انه روى بإسناده حديثاً عن خالد بن الوليد يصرح فيه بأن صلاة عسفان كانت في غزوة الحديبية ونصه: (٤٢) عن خالد بن الوليد قال: "لما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية لقيته بعسفان، فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى الظهر بأصحابه أمامنا فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا فأطلعه الله على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة خوف"٦. الحديث. فهذه الرواية صرحت بأن الحادثة كانت في غزوة الحديبية، ومعنى الرواية عموماً متفق مع حديث أبي عياش إلا أنها زادت تحديد الغزوة، وهذه الزيادة وإن كانت ضعيفة من الناحية الحديثية، لأنها بدون سند، ولمجيئها من طريق الواقدي وهو متروك٧ عند المحدثين، لكن يستأنس بها لأمرين: أولاً: لأنها في المغازي، وقد قال ابن حجر: "والواقدي إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي، فهو مقبول عند أصحابنا"٨. ولم يخالف هذا خبراً صحيحاً ولا خالف غيره من أهل المغازي، نعم خالفه ابن كثير، لكن ابن كثير انفرد بذلك وهو وهم منه ﵀ وسيأتي بيانه إن شاء الله.
следующие страницы →