(١) جرير بن عبد الحميد: أخرجه عنه سعيد١ بن منصور، وأخرجه من طريقه الحاكم٢ والطبراني٣ والبيهقي٤.
(٢) سفيان الثوري٥: أخرجه عنه عبد الرزاق٦، وأخرجه من طريقه أيضاً أحمد٧ والطحاوي٨ والطبراني٩.
(٣) ورقاء بن عمرو اليشكري١٠: أخرجه عنه أبو داود الطيالسي١١، وأخرجه من طريقه أيضاً الطبراني١٢ والبيهقي١٣.
(٤) شعبة بن الحجاج: أخرجه من طريقه أحمد١٤ والنسائي١٥ والطبراني١٦.
(٥) عبد العزيز بن عبد الصمد١٧:
стр. 72
أخرجه من طريقه النسائي١.
(٦) شيبان بن عبد الرحمن النحوي٢: أخرجه من طريقه ابن جرير٣.
(٧) زائدة بن قدامة٤: أخرجه من طريقه الطبراني٥.
(٨) علي بن صالح بن حي٦: أخرجه من طريقه الطبراني٧.
(٩) جعفر بن الحارث٨ الواسطي: أخرجه من طريقه الطبراني٩.
(١٠) إسرائيل بن يونس١٠: أخرجه من طريقه الطبراني١١.
(١١) داود بن عيسى الكوفي: وفي روايته صرح مجاهد بالسماع من أبي عياش الزرقي:
стр. 73
أخرجه من طريقه الطبراني١.
والحديث صحيح بسند أبي داود، فرجاله رجال الصحيح لكن مجاهداً لم يصرح بالسماع من أبي عياش، وقد أنكر بعض العلماء سماعه من أبي عياش، ورماه بالتدليس: فقد نقل العلائي٢ عن الترمذي قوله: لا يعرف سماع مجاهد من أبي عياش الزرقي.
وذكر ابن حجر أن القطب الحلبي حكى عن الترمذي قوله في العلل: ومجاهد معلوم التدليس فعنعنته لا تفيد الوصل".
ثم تعقبه ابن حجر بقوله: "ولم أر من نسبه إلى التدليس، نعم إذا ثبت قول ابن معين أن قول مجاهد: خرج علينا علي ليس على ظاهره، فهو عين التدليس، إذ هو معناه اللغوي وهو الإبهام والتغطية، وقد قال ابن خراش أحاديث مجاهد عن على مراسيل بم يسمع منه شيئاً"٣ ا. هـ
قلت: وإن ثبت عن مجاهد التدليس فقد أمن تدليسه هنا؛ لأن الطبراني٤ قد أخرج الحديث من طريق صرح فيه مجاهد بالسماع من أبي عياش وفي سند الطبراني بكر بن سهل الدمياطي، ضعفه النسائي، وقال الذهبي: مقارب الحال٥.
وشيخ الطبراني داود بن عيسى الكوفي: لم أقف على ترجمته.
لكن البيهقي أخرج الحديث ثم قال: وهذا إسناد صحيح وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش٦ ا. هـ
ولم يذكر البيهقي السند كاملاً لكن ذكر الزيلعي أن البيهقي أخرجه في المعرفة بلفظ "حدثنا أبو عياش"، قال: وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش٧.
وقد حكى المنذري عن البيهقي أنه قال: "هذا الإسناد صحيح إلا أن بعض أهل العلم يشك في سماع مجاهد من أبي عياش، ثم ذكر أن البيهقي أخرجه بإسناد جيد عن
стр. 74
مجاهد قال حدثنا أبو عياش، ثم قال المنذري: وسماعه منه متوجه؛ فإنه ذكر ما يدل على أن مولد مجاهد سنة عشرين وعاش أبو عياش إلى بعد الأربعين، وقيل إلى بعد الخمسين"١ ا. هـ
وقد صحح هذا الحديث الحاكم٢، ووافقه الذهبي٣، وقال البيهقي٤: "هذا إسناد صحيح". وكذلك قال ابن كثير:٥ "هذا إسناد صحيح وله شواهد" ا. هـ، وقال ابن حجر في ترجمة أبي عياش: "روى عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، أخرج حديثه أبو داود والنسائي بسند جيد"٦.
وقد أفاد حديث أبي عياش هذا أن رسول الله ﷺ صلى بعسفان صلاة الخوف؛ لكنه لم يسم الغزوة التي صلى فيها، وحيث إن رسول الله قد نزل بعسفان في غزوة بني لحيان وفي غزوة الحديبية، فقد وقع خلاف في تحديد الغزوة التي صلى فيها تلك الصلاة.
فقد أورد ابن كثير حديث أبي عياش في غزوة بني لحيان، ثم قال: "وفي سياق حديث أبي عياش الزرقي ما يقتضي أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عسفان فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها والله أعلم"٧ ا. هـ
وقد تابع ابن كثير على ذلك الساعاتي حيث قال: "وعسفان أول غزوة شرعت فيها صلاة الخوف ويقال لها: غزوة بني لحيان، وسببها ما نقله ابن كثير في تاريخه"٨.
ويظهر من كلام صاحب المنهل العذب المورد، أنه قد تابع ابن كثير أيضاً على ذلك، فقد ذكر أن صلاة النبي ﷺ بعسفان كانت في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة٩.
стр. 75
وهذا التاريخ الذي حدد به هو تاريخ غزوة بني لحيان نقله ابن هشام١ وابن كثير٢ عن ابن إسحاق.
وذكر الواقدي٣ وابن سعد٤ وابن الجوزي٥ أن صلاة الخوف بعسفان كانت في غزوة الحديبية، إلا أن ظاهر كلام ابن سعد يفيد أنها صلاة الظهر وهو مخالف لحديث أبي عياش.
وقد نقل ابن حجر عن الواقدي انه روى بإسناده حديثاً عن خالد بن الوليد يصرح فيه بأن صلاة عسفان كانت في غزوة الحديبية ونصه:
(٤٢) عن خالد بن الوليد قال: "لما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية لقيته بعسفان، فوقفت بإزائه وتعرضت له، فصلى الظهر بأصحابه أمامنا فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا فأطلعه الله على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة خوف"٦. الحديث.
فهذه الرواية صرحت بأن الحادثة كانت في غزوة الحديبية، ومعنى الرواية عموماً متفق مع حديث أبي عياش إلا أنها زادت تحديد الغزوة، وهذه الزيادة وإن كانت ضعيفة من الناحية الحديثية، لأنها بدون سند، ولمجيئها من طريق الواقدي وهو متروك٧ عند المحدثين، لكن يستأنس بها لأمرين:
أولاً: لأنها في المغازي، وقد قال ابن حجر: "والواقدي إذا لم يخالف الأخبار الصحيحة ولا غيره من أهل المغازي، فهو مقبول عند أصحابنا"٨.
ولم يخالف هذا خبراً صحيحاً ولا خالف غيره من أهل المغازي، نعم خالفه ابن كثير، لكن ابن كثير انفرد بذلك وهو وهم منه ﵀ وسيأتي بيانه إن شاء الله.
стр. 76
ثانياً: ورد ما يشهد لهذه الزيادة في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق ابن إسحاق عند أحمد ففيه ما نصه: "وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم"١.
فهذه الرواية تفيد أمرين:
الأول: أن النبي ﷺ نزل عسفان في غزوة الحديبية.
الثاني: أن خالد بن الوليد خرج لملاقاة النبي ﷺ في هذه الغزوة.
ولم يذكر أحداً من أهل المغازي أن خالد بن الوليد قد لقي النبي ﷺ بهذا المكان في غير غزوة الحديبية.
وقد رجح ابن حجر٢ والكاندهلوي٣ أيضاً على أن صلاة عسفان هذه كانت في غزوة الحديبية.
وهذا هو الراجح عندي لما سبق من الأدلة.
ولأن النبي ﷺ لم يلق أحداً من كفار قريش في غزوة بني لحيان، كما ذكر ذلك أهل المغازي.
قال ابن سعد بعد أن ذكر انصراف النبي ﷺ من غزوة بني لحيان: "ثم خرج رسول الله ﷺ حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم، ولم يلقوا كيداً"٤.
وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ بعد منصرفه من غزوة بني لحيان: "نزل عسفان وبعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرا وراح رسول الله ﷺ قافلاً"٥.
стр. 77
وذكر نحوه ابن كثير أيضاً١، وبهذا يتبين أن ما ذهب إليه ابن كثير وهم منه ﵀.
تنبيه:
يلاحظ أن ابن سعد ذكر أن النبي ﷺ بعث عشرة فوارس بينما ذكر ابن إسحاق أنه بعث فارسين.
وقد جمع بينهما الزرقاني: "بأنه ﷺ بعث الفارسين أولاً، ثم بعث أبا بكر في العشرة أو عكسه"٢.
стр. 78
المبحث الثالث: بيان أن ابتداء مشروعية صلاة الخوف كان في غزوة الحديبية:
ثبت أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الخوف في أكثر من غزوة، غير أنه لم يرد في شيء من النصوص الثابتة تعيين للغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف أولاً.
نعم ساق الواقدي بسنده حديثين: أحدهما حديث أبي عياش الزرقي في عسفان زاد في آخره ما نصه: "وذكر أبو عياش أنه أول ما صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف"١.
وهذه الزيادة ضعيفة لأن الواقدي تفرد بها.
(٤٣) والحديث الثاني: حديث جابر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ أول صلاة خوف في غزوة ذات الرقاع، ثم صلاها بعد بعسفان بينهما أربع سنين٢، ثم قال الواقدي عقب هذا الحديث: وهذا أبين عندنا.
وهذا الحديث أيضاًَ ضعيف لمجيئه من طريق الواقدي.
ثم إن هذا الحديث لا يتمشى مع تحديد الواقدي لزمن كل من ذات الرقاع والغزوة التي صلى فيها بعسفان: ذلك أنه جعل ذات الرقاع في السنة الخامسة،
стр. 79
وصلاة عسفان جعلها في غزوة الحديبية - وهو صحيح - وقد اتفق أهل المغازي وهو في جملتهم على أن غزوة الحديبية كانت سنة ست١، فكيف يقول:"بينهما أربع سنين"؟.
ولعدم وجود نص ثابت صريح في تعيين الغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف أول مرة، فقد وقع خلف في تحديد تلك الغزوة:
فجمهور أهل المغازي يجعلون أول غزوة وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع٢.
والحقيقة أن أهل المغازي لم يصرحوا بأن صلاة الخوف بذات الرقاع أول صلاة وقعت - إلا ما ذكره الواقدي وقد بينا ضعفه - وإنما قدموا غزوة ذات الرقاع على غزوة الحديبية التي وقعت فيها صلاة عسفان فلزم من صنيعهم أن تكون صلاة الخوف بذات الرقاع أول صلاة وقعت، ولم يكن لأهل المغازي معتمد في تقديم ذات الرقاع، لذلك فقد اختلفوا في تحديد زمنها اختلافاً كبيراً.
فعند ابن إسحاق٣ أنها كانت في جمادى الأولى سنة أربع للهجرة.
وذهب الواقدي٤ وابن سعد٥ وابن حبان٦ إلى أنها في المحرم سنة خمس.
وتردد موسى بن عقبة في زمنها فلا يدري أكانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أحد أو بعدها٧.
وأما أبو معشر السندي فيرى أنها بعد بني قريظة والخندق٨.
стр. 80
وذهب البخاري١ - وتبعه ابن القيم٢ وابن كثير٣ وابن حجر٤ - إلى أن غزوة ذا الرقاع متأخرة عن غزوة الحديبية، بل وعن غزوة خيبر، وبذلك تكون صلاة عسفان أول صلاة وقعت لأنها في غزوة الحديبية، كما سبق بيانه.
وما ذهب إليه البخاري ومن تبعه متعين لما يلي:
أولاً: ورد في صحيح البخاري أن أبا موسى الأشعري ﵁ شهد غزوة ذات الرقاع:
(٤٤) قال البخاري: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه فنقبت٥ أقدامنا، ونقبت قدماي وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا"٦.
وقد جاء في حديث آخر أن أبا موسى ﵁ لم يصحب النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر ونصه:
(٤٥) قال البخاري: حدثني إسحاق بن إبراهيم سمع حفص بن غياث حدثنا بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال: "قدمنا على النبي ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا"٧.
وإذا كان أبو موسى الأشعري ﵁ قد شهد الغزوة كما في الحديث الأول، ولم يلق النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما في الحديث الثاني، فيلزم من ذلك تأخر غزوة ذات الرقاع عن خيبر، وإذا كانت بعد خيبر فهي بعد الحديبية من باب أولى.
ثانياً: جاء في حديث عند أبي داود أن أبا هريرة شهد هذه الغزوة:
стр. 81
(٤٦) قال أبو داود: حدثنا الحسن١ بن علي حدثنا أبو عبد الرحمن٢ المقري حدثنا حيوة٣ وابن لهيعة٤ قالا: أخبرنا أبو الأسود٥ أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ فقال أبو هريرة: عام غزوة نجد ... ٦ ثم ذكر صفة صلاتهم.
سند هذا الحديث صحيح، فهو من رواية أحد العبادلة عن ابن لهيعة٧، وقد جاء أيضاً مقروناً بحيوة بن شريح المصري، وهو ثقة ثبت كما قال ابن حر، وبقية رجاله ثقات.
وأخرجه أبو داود من وجه آخر، وصرح فيه باسم الغزوة.
(٤٧) قال أبو داود: حدثنا محمد٨بن عمرو الرازي حدثنا سلمة٩ حدثني محمد١٠ بن إسحاق عن محمد١١ بن جعفر بن الزبير، ومحمد١٢ بن الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي هريرة قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل، لقي جمعاً من غطفان ... " ١٣ الحديث.
هذا الحديث حسن في سنده سلمة بن الفضل متكلم فيه ضعفه النسائي، ووثقة ابن معين وابن سعد، وهذا الحديث من روايته عن ابن إسحاق وقد قال عنه
стр. 82
ابن جرير: ليس من لدن بغداد إلى أن يبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة بن الفضل١.
وفيه أيضاً ابن إسحاق لم يصرح بالسماع لكن يشهد له الحديث السابق.
فهذان الحديثان أفادا أن أبا هريرة شهد غزوة ذات الرقاع مع النبي ﷺ وأبو هريرة ﵁ لم يصحب النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما في الحديث الآتي:
(٤٨) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان٢ حدثنا وهيب٣ ثنا خثيم٤ - يعني ابن عراك - عن أبيه٥ أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي ﷺ بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة على المدينة قال: "فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بكهيعص، وفي الثانية ويل للمطففين، قال: فقلت ويل لفلان إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص، قال: فلما صلى زودنا شيء حتى أتينا خيبر وقد افتتح النبي ﷺ خيبر قال: فكلم النبي ﷺ المسلمين فأشركونا في سهامهم"٦.
هذا الحديث حسن في سنده خثيم مختلف فيه، وثقه النسائي وابن حبان، وقال العقيلي: "ليس به بأس"، وقال الأزدي: "منكر الحديث"٧ وقد رجح الذهبي٨ توثيقه حيث رمز له بـ (صح) .
وإذا تقرر أن أبا هريرة ﵁ لم يلق النبي ﷺ إلا بعد فتح خيبر كما أفاد
стр. 83
هذا الحديث وقد شهد غزوة ذات الرقاع كما في الحديثين السابقين فشهوده لها دليل ظاهر على تأخرها عن الحديبية وخيبر.
(٤٩) ثالثاً: قال البخاري: قال عبد الله بن رجاء أخبرنا عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن النبي ﷺ صلى بأصحابه في الخوف في غزوة السابعة غزوة ذات الرقاع"١.
هذا الحديث أورده البخاري معلقاً لكن بصيغة الجزم، وقد وصله أبو العباس السراج في مسنده وسمويه في فوائده٢.
قال ابن حجر في معرض كلامه على الحديث: "في التنصيص على أنها سابع غزوة من غزوات النبي ﷺ تأييد لما ذهب إليه البخاري من أنها كانت بعد خيبر، فإنه إن كان المراد الغزوات التي خرج النبي ﷺ فيها مطلقاً وإن لم يقاتل فإن السابعة منها تقع قبل أحد، ولم يذهب أحد إلى أن ذات الرقاع قبل أُحد إلا ما تقدم من تردد موسى بن عقبة، وفيه نظر، لأنهم متفقون على أن صلاة الخوف متأخرة عن غزوة الخندق، فتعيين أن تكون ذات الرقاع بعد بني قريظة، فتعين أن المراد الغزوات التي وقع فيها القتال، والأولى منها بدر والثانية أحد، والثالثة الخندق، والرابعة قريظة، الخامسة المريسيع، والسادسة خيبر، فيلزم أن تكون ذات الرقاع بعد خيبر للتنصيص على أنها السابعة، فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد المغازي وهذه العبارة أقرب إلى إرادة السنة من العبارة التي وقعت عند أحمد بلفظ: "وكانت صلاة الخوف في السابعة" فإنه يصح أن يكون التقدير: في الغزوة السابعة كما يصح في غزوة السنة السابعة"٣ انتهى.
قلت: قد وقع عند أحمد التصريح بالسنة عن جابر ونصه: "غزا رسول الله ﷺ ست مرات قبل صلاة الخوف وكانت صلاة الخوف في السنة السابعة"٤.
لكن في سنده ابن لهيعة، وهو متكلم فيه.
وقد تبين لنا من قصة أبي موسى الأشعري وأبي هريرة ﵄ ومن
стр. 84
جابر بن عبد الله ﵄ رجحان القول بتأخر غزوة ذات الرقاع عن غزوة الحديبية، فتكون صلاة الخوف في غزوة الحديبية أول صلاة وقعت.
وقد قال بعضهم إن غزوة ذات الرقاع وقعت أكثر١ من مرة، وأن التي صليت فيها صلاة الخوف غير التي شهدها أبو موسى ﵁، وهذا القول مردود لشهود أبي هريرة غزوة ذات الرقاع، وقد ذكر أنه صلى مع النبي ﷺ صلاة الخوف فيها، وإنما صحب النبي ﷺ بعد فتح خيبر كما سبق بيانه.
وقد رد ابن القيم ﵀ القول بتعدد الغزوة: فقد أورد حديث أبي موسى وأبي هريرة ﵄ ثم قال: "وهذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وأن من جعلها قبل الخندق فقد وهم وهماً ظاهراً ولما لم يفطن بعضهم لهذا ادعى أن غزوة ذات الرقاع كانت مرتين، فمرة قبل الخندق، ومرة بعدها على عادتهم في تعديد الوقائع إذا اختلفت ألفاظها، أو تاريخها ولو صح لهذا القائل ما ذكر ولا يصح، لم يمكن أن يكون قد صلى بهم صلاة الخوف في المرة الأولى لما تقدم من قصة عسفان وكونها بعد الخندق، ولهم أن يجيبوا عن هذا بأن تأخير يوم الخندق جائز غير منسوخ وأن في حال المسايفة يجوز تأخير الصلاة إلى أن يتمكن من فعلها، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد ﵀، لكن لا حيلة لهم في قصة عسفان أن أول صلاة صلاها للخوف بها، وأنها بعد الخندق"٢ ا. هـ
قلت: جزم ابن القيم ﵀ هنا أن أول صلاة صلاها النبي ﷺ للخوف هي صلاة عسفان، وكأنه اعتمد في ذلك على ما في حديث أبي عياش من أن آية صلاة الخوف نزلت في شأن صلاة عسفان، وهو دليل ظاهر، وصلاة عسفان هذه وقعت في غزوة الحديبية كما سبق بيانه"٣.
стр. 85
المبحث الرابع: تنبية على أحاديث أوردت في صلاة عسفان وبيان وجه مغايرتها
...
المبحث الرابع: تنبيه على أحاديث وردت في صلاة عسفان وبيان وجه مغايرتها:
هناك أحاديث ذكرت فيها صفة صلاة الخوف، بعضها يتفق مع حديث أبي عياش في كيفية الصلاة، وبعضها يتفق معه في المكان الذي صليت فيه تلك الصلاة، ولذلك حمل بعض العلماء تلك الأحاديث على قصة عسفان مع حديث أبي عياش بناء على اتحاد القصة.
وبعد النظر والتأمل في تلك الأحاديث ومقارنتها بحديث أبي عياش تبين لي أنها مغايرة لما في حديث أبي عياش، وسأورد تلك الأحاديث وأبين وجه مخالفتها لحديث أبي عياش إن شاء الله.
أولاً: حديث جابر ﵁:
قال مسلم: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير حدثنا أبو الزبير عن جابر قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ قوماً من جهينة فقاتلونا قتالاً شديداًَ، فلما صلينا الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم لاقتطعناهم١، فأخبر بذلك جبريل رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ قال: وقالوا: إنهم ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر، قال: صففنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة، قال: فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني فقاموا مقام الأول، فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول، وقام الثاني فلما سجد الصف الثاني ثم جلسوا جميعاً فسلم عليهم رسول الله ﷺ "، قال أبو الزبير، ثم خص جابر أن قال كما يصلي أمراؤكم هؤلاء"٢.
هذه رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم وأخرجها أبو داود٣ الطيالسي وزاد صلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر بنخل ... ".
стр. 86
وأخرجه مسلم١ من رواية عطاء عن جابر بمثله ولم يسم القوم الذين غزوهم.
وقد ذكر ابن كثير٢ وابن حجر٣ هذا الحديث في قصة عسفان على أنه متحد مع ما في حديث أبي عياش الزرقي.
والذي يظهر أن هذا الحديث يباين ما في حديث أبي عياش لأمور أهمها ما يلي:
(١) في حديث جابر هذا: "غزونا مع رسول الله ﷺ قوماً من جهينة"، بينما في حديث أبي عياش: "كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد ... ".
ولا شك أن هؤلاء المشركين هم كفار قريش، كما بينه حديث المسور ومروان بن الحكم من طريق ابن إسحاق عند أحمد فقد جاء فيه: "وهذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم"٤.
فصلاة الخوف في حديث جابر بسبب قوم جهينة، وصلاة الخوف في حديث أبي عياش بسبب كفار قريش.
(٢) يقول جابر في حديثه: "فقاتلونا قتالاً شديداً"، ولم يثبت أن رسول الله ﷺ قاتل أحداً من المشركين أثناء سيره لعمرة الحديبية.
(٣) يقول جابر في حديثه: "فلما صلينا الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم لاقتطعناهم فأخبر جبريل رسول الله ﷺ فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ ".
ويقول أبو عياش في حديثه: "فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غزة لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر.
وبالتأمل في هذين النصين نستشف منهما تأخر قصة حديث جابر عن قصة
стр. 87
حديث أبي عياش وذلك أن حديث أبي عياش يفيد أن الآية التي بها شرعت صلاة الخوف نزلت في تلك الحادثة، وهو دليل على ابتداء مشروعية صلاة الخوف.
أما حديث جابر فقد ذكر فيه أن جبريل أخبر النبي ﷺ بما عزم عليه المشركون فقط فصلى صلاة الخوف وكأنه قد عرف حكمها قبل ذلك.
ثانياً: حديث أبي هريرة ﵁:
قال النسائي: أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدثني عبد الصمد ابن عبد الوارث قال: حدثني سعيد بن عبيد الهنائي قال: حدثنا عبد الله بن شقيق قال: حدثنا أبو هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ نازلاً بين ضَجَنَان وعسفان محاصر المشركين فقال المشركون: أن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة، فجاء جبريل ﵇ فأمره أن يقسم أصحابه نصفين فيصلي بطائفة منهم وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم، فيصلي بهم ركعة ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك فيصلي بهم ركعة تكون لهم مع النبي ﷺ ركعة ركعة، وللنبي ركعتان"١.
وأخرجه الترمذي٢ بنحوه، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة٣.
وقد أورد ابن القيم٤ وابن كثير٥ حديث أبي هريرة هذا مع حديث أبي عياش في قصة عسفان، وكأنهما يريان اتحاد القصة فيهما، وكذلك ذكر ابن حجر أنه متفق مع ما في حديث أبي عياش، وقد ظهر لي بعد إمعان النظر في الحديثين عدم اتحادهما لما يلي:
(١) أن حديث أبي عياش يفيد أن كلتا الطائفتين ائتمت بالنبي ﷺ في وقت واحد، إلا في حالة السجود ينتظر الصف الثاني حتى يرفع الأول من السجود، ثم يسجد بينما في حديث أبي هريرة صلى بكل طائفة على حدة.
стр. 88
(٢) في حديث أبي عياش كانت لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان كذلك، بينما في حديث أبي هريرة: كانت لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل طائفة ركعة واحدة.
(٣) جاء في حديث أبي هريرة ما يفيد أن العدو كان لغير جهة القبلة وذلك في قوله: " فيصلي بطائفة منهم وطائفة مقبلون على عدوهم ... ".
ثالثاً: يقول ابن حجر في التلخيص الحبير١: "حديث صلاته بعسفان متفق عليه من حديث سهل بن أبي حثمة، ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي عياش الزرقي" ا. هـ
قلت: حديث أبي عياش الزرقي صريح بأنه في صلاة عسفان، أما حديث سهيل بن أبي حثمة فغير ظاهر في ذلك لاختلاف كيفية الصلاة فيه عنها في حديث أبي عياش الزرقي، وهذا نص حديث سهل بن أبي حثمة:
قال البخاري: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة قال: "يقوم الإمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم إلى العدو، فيصلي بالذين معه ركعة ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويسجدون سجدتين في مكانهم، ثم يذهب هؤلاء إلى مقام أولئك فيجيء أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان، ثم يركعون ويسجدون سجدتين"٢.
هكذا أخرجه البخاري موقوفاً على سهل، ومن هذا الوجه أخرجه مسلم٣ وأبو داود٤.
وبالتأمل في صورة الصلاة في حديث سهل بن أبي حثمة نجدها تختلف عن صورة الصلاة في حديث أبي عياش بما يلي:
стр. 89
(١) في حديث أبي عياش كلتا الطائفتين ائتمت بالنبي ﷺ في آن واحد، بينما في حديث سهل ائتمت طائفة بالنبي ﷺ ، والطائفة الأخرى وقفت تجاه العدو.
(٢) في حديث أبي عياش حصلت لكل من الطائفتين ركعتان مع النبي ﷺ ، أما في حديث سهل، فصلت كل طائفة ركعة واحدة مع النبي ﷺ ثم أتمت لنفسها الركعة الثانية.
(٣) في حديث أبي عياش أن العدو كان في جهة القبلة بخلاف حديث سهل فقد حمله الجمهور١ على أن العدو كان لغير جهة القبلة.
ولعل حديث سهل في صفة صلاة غزوات ذات الرقاع؛ لأن صالح بن خوان الراوي عن سهل أخرج البخاري٢ وغيره الحديث من طريقه يرويه عمن شهد غزوات ذات الرقاع فذكر صورة الصلاة في حديث سهل هذا.
ومفهوم كلام ابن حجر في الفتح: أن حديث سهل بن أبي حثمة في صفة صلاة غزوات ذات الرقاع٣.
فلعل ما وقع في التلخيص الحبير وهم منه ﵀.
стр. 90
الفصل السابع: عدول المسلمين إلى الحديبية
المبحث الأول: المشاق التي عاناها المسلمون في طريقهم الى الحديبية
...
المبحث الأول: المشاق التي عاناها المسلمون في طريقهم إلى الحديبية:
كان خالد بن الوليد - في خيل المشركين - قد قطع طريق المسلمين إلى مكة، فليس أمام المسلمين - إن هم تقدموا في طريقهم ذلك - إلا خوض معركة محققة مع خيل خالد بن الوليد، وكان رسول الله ﷺ حريصاً على تحاشي القتال مع قريش، ولذلك صرف أصحابه - بعد أن أمسى١ - إلى طريق آخر لا يمر على خيل خالد - أفضى بهم إلى ثنية أنزلتهم على الحديبية.
(٥٠) قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجائي ثنا محمد٢ بن معمر البحراني ثنا عبيد الله بن موسى (عن موسى) بن عبيدة عن عبد الله شيخ من أسلم٣ عن جندب بن ناجية أو ناجية٤ بن جندب، قال: "لما كنا بالغميم لقي رسول الله خبر قريش أنها بعثت خالد ابن الوليد في جريدة٥ خيل يتلقى رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ أن يلقاه، وكان بهم رحيماً، فقال: "من رجل يعدلنا عن الطريق؟ فقال: أنا بأبي أنت فأخذتهم في طريق قد كان بها حزنا٦ فدافد٧
стр. 91
وعقاب فاستوت بنا الأرض حتى أنزله على الحديبية، وهي نزح١ فألقى فيها سهماً أو سهمين من كناته ثم بصق فيها ثم دعا ففارت عيونها حتى إني لأقول أو نقول لو شئنا لاغترفنا بأيدينا"٢.
وذكر ابن حجر أن الحديث أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله عن عبد الله بن عمرو بن أسلم عن ناجية بن جندب قال: كنا بالغميم فجاء رسول الله ﷺ خبر قريش أنها بعثت خالد بن الوليد في جريدة خيل ... "٣.
وقال ابن حجر أيضاً: "ووقع لنا بعلو في المعرفة لابن منده، وكذا أخرجه ابن السكن" ا. هـ٤
وذكر ابن حجر أنه ورد في رواية ابن منده وابن السكن "ناجية بن جندب أو جندب بن ناجية" بالشك٥، مثل رواية الطبراني.
والحديث أخرجه أبو نعيم٦ من طريق الطبراني بسنده.
وهذا حديث ضعيف لأن في سنده موسى بن عبيدة الربذي ضعيف، وقد أشار إلى ذلك الهيثمي٧ وابن حجر٨.
(٥١) وقال البزار حدثنا إسحاق٩ بن بهلول الأنباري حدثنا محمد١٠ ابن
стр. 92
إسماعيل بن أبي فديك عن هشام١ بن سعد عن زيد٢ بن أسلم عن عطاء٣ بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله ﷺ : "إن عيون المشركين الآن على ضجنان٤، فأيكم يعرف طريق ذات الحنظل٥؟ فقال رسول الله ﷺ حين أمسى: هل من رجل ينزل فيسعى بين يدي الركاب٦؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فنزل فجعلت الحجارة تنكبه٧ والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ : اركب، ثم نزل آخر فجعلت الحجارة تنكبه والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله ﷺ : اركب، ثم وقعنا على الطريق حتى سرنا في ثنية يقال لها الحنظل، فقال رسول الله ﷺ : ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل قيل لهم: ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ٨،لا يجوز لأحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له، فجعل الناس يجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم قال: فجعل الناس يركب بعضهم بعضاً حتى تلاحقنا، قال: فنزل رسول الله ﷺ ونزلنا"٩.
وأخرجه ابن مردويه من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به مختصراً ولفظه: "سرنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل أجزنا في ثنية يقال لها ذات الحنظل فقال رسول الله ﷺ : "ما مثل هذه الثنية إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ١٠.
стр. 93
قال البزار بعد أن أخرج الحديث: "لا نعلم أحداً رواه هكذا إلا محمد بن إسماعيل" ١.
لكن تعقبه ابن حجر بقوله: "وهو ثقة يحتمل له التفرد، وشيخه أخرج له مسلم، والإسناد كلهم على شرطه إلا أن هشاماً فيه لين"٢.
وذكر الهيثمي الحديث ثم قال: "رواه البزار ورجاله ثقات"٣.
قلت: نعم رجاله ثقات إلا هشام بن سعد الذي قال ابن حجر فيه: لين، قد اختلف فيه أئمة الجرح والتعديل، فقد ضعفه ابن معين والنسائي، وقال أحمد: "ليس محكم الحديث، وقال مرة لا يروى عنه"٤.
وقال ابن معين مرة صالح الحديث ليس بمتروك، وقال ابن المديني: صالح وليس بالقوي، وقال العجلي: "جائز الحديث حسن الحديث"، وقال أبو زرعة: "محله الصدق"، وقال الآجري عن أبي داود: "أثبت الناس في زيد بن أسلم"٥.فهذه أقوال الأئمة قد اختلف فيه جرحاً وتعديلاً لكن الذين جرحوه لم يبينوا سبب التجريح والقاعدة في اصطلاح المحدثين: "أن التعديل يقبل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور، ولا يقبل الجرح إلا مفسر السبب" ٦.
فالتعديل في هذه الحال مقدم على الجرح لأن الجرح غير مفسر السبب، نعم هناك تجريح مفسر ذكره الخليلي قال: أنكر الحفاظ حديثه في المواقع في رمضان من حديث الزهري عن أبي سلمة قالوا: إنما رواه الزهري عن حميد٧.
وهذا الجرح يقدح فيه من قبل حفظه، فإذا حملنا تضعيف من ضعفه على هذا السبب، فلا يرد على هذا الحديث لأنه من روايته عن زيد بن أسلم، وقد قال عنه أبو داود: أثبت الناس في زيد بن أسلم٨.
стр. 94
ومع ذلك فللحديث شاهد في المعنى من حديث جابر وحديث المسور ومروان لآتيين، فالحديث لا يقل عن درجة الحسن إن شاء الله.
(٥٢) قال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا قرة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من يصعد الثنية ثنية المرار١، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل". قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس، فقال رسول الله ﷺ : "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر"، فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ ، فقال: "والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجل٢ ينشد٣ ضالة له"٤.
وأخرجه٥ عن يحيى بن حبيب الحارثي عن خالد بن الحارث عن قرة به وفيه: "وإذا هو أعرابي ينشد ضاله له".
وفي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر ما نصه: "قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كان ببعض الطريق قال النبي ﷺ إن خالد بن الوليد بالغميم٦ في خيل لقريش طليعة٧، فخذوا ذا اليمين فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس: حل٨
стр. 95
حل، فألحت١، فقالوا: خلأت٢ القصواء٣، فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل٤، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة٥ يعظمون فيه حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية"٦.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق عند أحمد: قال: ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض٧ على طريق تخرجه عن ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال فسلك الجيش تلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم نكصوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته"٨.
وفي مرسل عروة من طريق ابنه هشام: "فأخذوا ذات اليمين في ثنية تدعى الحنظل حتى هبط على الحديبية"٩.
стр. 96
المبحث الثاني: نزول المسلمين الحديبية ومعجزة النبي ﷺ في تكثير ماء البئر:
لقد تحمل المسلمون صنوفاً من الأذى والتعب بسبب وعورة الطريق لكنهم نالوا جزاء ذلك - مغفرة الله تعالى - وهي غايتهم المنشودة، بل وغاية كل مسلم.
وبعد أن جازوا الثنية - وكان آخر الليل١ - هبطوا على الحديبية فلم يجدوا بها إلا ماء منقطعاً لم يقم شيئاً لعطشهم - وكانوا قد نزلوا في شدة الحر - فهرعوا إلى رسول الله ﷺ يشكون قلة الماء، وعندها ظهرت معجزة النبي ﷺ التي أكرمه الله بها حيث استحالت تلك البئر - التي قد نضب ماؤها أو كاد - عيوناً متدفقة:
ففي حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق معمر: بعد أن ذكر الثنية وبروك ناقة الرسول ﷺ قال: "ثم زجرها٢ فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد٣ قليل الماء يتبرضه٤ الناس تبرضاً فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجش بالري حتى صدروا عنه" ٥.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: "ثم قال للناس انزلوا فقالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه الناس، فأخرج سهماً من كنانته، فأعطاه رجلاً من أصحابه فنزل قليب٦ من تلك القلب، فغرزه في جوفه فجاش الماء بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن٧.٨
وفي من حديث البراء ﵁:
стр. 97
(٥٣) قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس النبي ﷺ على شفير١ البئر، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت - أو صدرت - ركائبنا"٢.
وأخرجه٣ عن عبيد الله بن موسى بن إسرائيل به، وزاد في أوله: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية".
وأخرجه٤ من طريق زهير عن أبي إسحاق عن البراء فذكر نحوه، قال في أوله: "كانوا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة"، الحديث.
وأخرجه أحمد٥ عن أبي أحمد ووكيع، كلاهما عن إسرائيل به نحوه.
وأخرجه ابن جرير٦ من طريق وكيع عن إسرائيل به مختصراً.
وأخرجه البيهقي٧ من طريق عبد الله بن رجاء وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل به نحوه.
وفيه من حديث سلمة بن الأكوع ﵁:
(٥٤) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هاشم بن القاسم ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر العقدي، كلاهما عن عكرمة بن عمار ح.
وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وهذا حديثه أخبرنا أبو علي الحنفي عن عبيد الله بن عبد المجيد حدثنا عكرمة (وهو ابن عمار) حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربعة عشرة مائة وعليها
стр. 98
وخمسون شاة لا ترويها قال: فقعد رسول الله على جبا١ الركيه٢، فإما دعا وإما بسق فيها قال: فجاشت فسقينا واستقينا"٣ الحديث.
وأخرجه أحمد٤ عن عبد الصمد عن عكرمة بن عمار به نحوه.
وأخرجه البيهقي٥ من طريق عبد الله بن رجاء وموسى بن إسماعيل كلاهما عن عكرمة بن عمار به مختصراً وعنده "بزق فيها".
تنبيه:
جاء في حديث المسور ومروان: أن تكثير الماء كان بسبب وضع سهم النبي ﷺ في البئر، وفي حديث البراء وحديث سلمة أن ذلك بسبب مج النبي ﷺ أو بصاقه في البئر ودعائه.
والتحقيق أنه لا خلاف بين تلك الأحاديث لحصول ذلك كله من النبي ﷺ ، فقد وردت روايات جمعت بين ذلك كله، وهي:
ما أخرجه الطبراني من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه: "فأخذتهم في طريق قد كان بها حزناً فدافد، وعقاب، فاستوت بنا الأرض حتى أنزله على الحديبية، وهي نزح، فألقى فيها سهما أو سهمين من كنانته ثم بصق فيها ثم دعا ففارت عيونها حتى إنني لأقول أو نقول لو شئنا لاغترفنا بأيدينا"٦.
وما أخرجه البيهقي من طريق أبي الأسود عن عروة:
(٥٥) قال: أخبرنا أبو عبد الله٧ الحافظ قال أخبرنا أبو جعفر٨ البغدادي
стр. 99
قال: حدثنا أبو علاثة محمد١ بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي٢ قال: قال حدثنا ابن لهيعة٣ قال حدثنا أبو الأسود٤ قال: قال عروة: فذكر خروج النبي ﷺ قال: وخرجت قريش من مكة فسبقوه إلى بلدح٥، وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رآى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ والقوم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه، ثم مج فيه وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهماً من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله ﵎ ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها"٦.
هذا الأثر مرسل، وسنده إلى عروة ضعيف لأن فيه ابن لهيعة ضعفه الحفاظ، وفيه أيضاً أبو علاثة لم أقف على ترجمته.
فهاتان الروايتان بينتا ما قد يظهر من تعارض بين تلك الأحاديث وإلى هذا الجمع جنح ابن القيم٧، وابن حجر٨.
стр. 100
المبحث الثالث: من الذي نزل بالسهم في بئر الحديبية ؟:
ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عند البخاري وغيره أن الصحابة رضوان الله عليهم شكوا إلى رسول الله ﷺ قلة الماء، فأخذ سهماً من كنانته وأعطاه بعض أصحابه ليغرزه في البئر١، بيد أنه لم يرد في شيء من الروايات الصحيحة
стр. 101
تصريح باسم الصحابي الذي أعطاه رسول الله ﷺ السهم، لذلك فقد وقع خلاف بين أهل المغازي في اسم الصحابي الذي نزل بالسهم:
فذهب ابن إسحاق١ وابن عبد البر٢ ومن تبعهما إلى أن الذي نزل بسهم رسول الله ﷺ هو ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي:
(٥٦) قال ابن إسحاق: "فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم ابن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان ابن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
ونقل الهيثمي هذا الحديث عن ابن إسحاق ثم قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات٤.
وقال ابن إسحاق، وقد أنشدت أسلم أبياتاً من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذي نزل بالسهم فزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت:
يا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيراً ويمجدونكا
قال ابن هشام وروى:
إني رأيت الناس يمدحونكا
قال ابن إسحاق: فقال ابن ناجية:
قد علمت جارية يمانيه ... أني أنا المائح واسمي ناجيه
وطعنة ذا رشاش واهية ... طعنتها تحت صدور العادية٥
وجزم الواقدي بأن الذي نزل بالسهم ناجية بن الأعجم، وذكر أن رجلاً من ولد
стр. 102
ناجية بن الأعجم يقال له: عبد الملك بن وهب الأسلمي أنشده الأبيات التي نسبها ابن إسحاق لناجية بن جندب١.
(٥٧) وأخرج الواقدي أيضاً عن الهيثم بن واقد عن عطاء٢ بن أبي مروان عن أبيه٣ قال: حدثني رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ أن ناجية٤ بن الأعجم - وكان ناجية بن الأعجم يحدث - يقول دعاني رسول الله ﷺ حين شكى إليه قلة الماء، فأخرج سهماً من كنانته ودفعه إلي ... فقال: أنزل بالماء فصبه في البئر، وأثر مائهما بالسهم ففعلت"٥.
وهذا الحديث ضعيف.
(٥٨) وقال ابن حجر: "وأخرج الواقدي عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه حدثني أربعة عشر رجلاً من أسلم من أصحاب النبي ﷺ أن ناجية بن الأعجم هو الذي نزل في القليب القليل الماء يوم الحديبية بسهم رسول الله ﷺ "٦.
هذا الحديث ضعيف لمجيئة من طريق الواقدي.
وروى الواقدي عن خالد بن عبادة أنه هو الذي نزل بالسهم:
(٥٩) قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده عبيد٧ بن أبي عبيد قال: سمعت خالد٨ بن عبادة الغفاري يقول: أنا الذي
стр. 103
نزلت بالسهم يومئذ في البئر١.
وهذا الحديث ضعيف أيضاً لمجيئه من طريق الواقدي.
ونقل البيهقي٢ عن موسى بن عقبة أن خالداً هذا هو الذي نزل بالسهم.
وقال ابن عبد البر في ترجمته: وهو الذي دلاه رسول الله ﷺ بعمامته في البئر يوم الحديبية فماح في البئر فكثر ماؤها حتى روى الناس٣ الخ.
وقيل الذي نزل بالسهم البراء بن عازب:
(٦٠) قال الواقدي: حدثني سفيان٤ بن سعيد عن أبي إسحاق٥ الهمداني قال: سمعت البراء٦ بن عازب يقول: أنا نزلت بالسهم٧.
وهذا الحديث أيضاً ضعيف لمجيئه من طريق الواقدي.
وقيل أن الذي نزل بالسهم يومئذ بريدة بن الحصيب، نقل ذلك ابن حجر٨ ولم يعزه لأحد.
رأينا فيما مضى أن كل واحد من هؤلاء الصحابة ﵃ يحكي أو يحكى عنه أنه قد نزل بالسهم يومئذ، لكن لم يرد عن واحد منهم خبر صحيح يمكن الاعتماد عليه وترجيحه على ما عداه، ومن ثم لا يمكن الجزم بأن واحداً منهم فعل ذلك دون الآخر، بل يحتمل أن الجميع قد اشتركوا في القضية.
وإلى ذلك جنح ابن حجر حيث قال: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره٩ ا. هـ
стр. 104
ويؤيده ما ورد في مرسل عروة: "فنزل فيها رجال يميحونها" ١.
ثم وجدت رواية عن البراء تؤيد ما ذهب إليه ابن حجر أيضاً وهي:
(٦١) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم٢ حدثنا سليمان٣ عن حميد٤ عن يونس٥ عن البراء قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسيرة فأتينا على ركى ذمة - يعني قليلة الماء - قال: فنزل فيه ستة أنا سادسهم ماحة، فأدليت إلينا دلو رسول الله ﷺ على شفة الركى، فجعلنا فيها نصفها أو قراب ثلثيها فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ ، قال البراء: فكدت٦ بإنائي هل أجد شيئاً أجعله في حلقي، فما وجت، فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ فغمس يده فيها فقال: ما شاء الله أن يقول: فعيدت إلينا الدلو بما فيها، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشية الغرق، قال: ثم ساحت - يعني جرت نهراً"٧.
وأخرجه٨ عن هدبة عن سليمان به نحوه.
وأخرجه يحيى بن معين٩ عن هاشم عن سليمان به نحوه.
وأخرجه الطبراني١٠ من طريق هدبة عن سليمان به نحوه.
стр. 105
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ثم قال: هو في الصحيح باختصار كثير، رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح١.
قلت: بل فيه يونس بن عبيد لم يوثقه سوى ابن حبان٢.
ولم يرد في الحديث تصريح بأن القصة كانت في الحديبية، لكن سياقها ظاهر في اتحادها مع قصة الحديبية، والله أعلم.
стр. 106
الباب الثاني: موقف قريش من الغزوة وما دار بينها وبين المسلمين
الفصل الأول: موقف قريش من هذه الغزوة
المبحث الأول: إعداد قريش وخروجها لصد المسلمين
...
المبحث الأول: إعداد قريش وخروجها لصد المسلمين:
علمت قريش بخروج رسول الله ﷺ وأصحابه إلى مكة فأفزعها الخبر، وأقضى مضجعها، لكن كيف وصل الخبر إلى قريش؟
لم أر أحداً من أهل المغازي أو غيرهم تعرض لهذه النقطة، ولم أقف على رواية تشير إلى ذلك إلا ما ورد في حديث ابن عباس عند الخرائطي فقد جاء فيه ما نصه: "لما توجه رسول الله ﷺ يريد مكة في العام الذي ردته قريش عن البيت وهو عام الحديبية، فلما سار رسول الله مرحلتين أو (ثلاث) قدم عليه بشر بن سفيان العتكي فسلم عليه فقال له رسول الله ﷺ : "يا بشر هل عندك علم أن أهل مكة علموا بمسيري؟ " فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرك أني كنت أطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا وسمى الليلة التي أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسير فيها إلى مكة، وقريش في أنديتها حول البيت، إذ صرخ صارخ من أعلي أبي قيبس بصوت أسمع أهل مكة بعيدهم ودانيهم وهو يقول:
هبوا فأخبركم مَنّى صحابته ... سيروا إليه وكونوا معشراً كرما
بعد الطواف وبعد السعي في مهل ... وأن يجوِّزهم من مكة الحَرَما
شاهت وجوهكم من معشر نكل ... لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما
فما هو إلى أن سمع القوم ذلك، حتى ارتجت مكة، وقال١ أبو سفيان في جماعة معه فاجتمعوا عند الكعبة وتعاقدوا ألا تدخل عليهم مكة في عامهم، فقال رسول
стр. 107
الله ﷺ : أما الهاتف الذي سمعت سلفع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله"١.
فهذه الرواية أشارت إلى كيفية وصول خبر خروج النبي ﷺ وأصحابه إلى قريش لكن في سندها من هو متهم بالوضع، وقد تقدم الكلام عليها.
والحاصل أن خبر توجه المسلمين إلى مكة قد بلغ قريشاً فأخذت تعد العدة لصد رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت. فقد روى الواقدي أن كفار قريش قد توافدوا وجمعوا الأموال يطعمون بها من ضوى إليهم من الأحابيش، فكان يطعم في أربعة أمكنة في دار الندوة لجماعتهم، وكان صفوان بن أمية يطعم في داره، وكان سهيل بن عمرو يطعم في داره، وكان عكرمة بن أبي جهل يطعم في داره، وكان حويطب بن عبد العزى يطعم في داره٢ ا. هـ
قلت: هذا مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ ٣.
وقد أشار إلى استعداد قريش وخروجها حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم فقد جاء فيه من طريق سفيان بن عيينة ما نصه: "وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط، أتاه عينه قال: إن قريشاً قد جمعوا لك جموعاً وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك"٤.
وجاء في حديثهما أيضاً من طريق ابن إسحاق ما نصه: "وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم"٥.
وقد ذكر الواقدي٦ وابن سعد٧ أن خالد بن الوليد كان في مائتي فارس.
стр. 108
وخرجت قريش بمجموعها في أشرها وبطرها حتى نزلت بلدح.
ففي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير: "بعد أن ذكر خروج النبي ﷺ قال: وخرجت قريش من مكة فسبقوه إلى بلدح وإلى الماء فنزلوا عليه"١.
стр. 109
المبحث الثاني: تحرشات قريش بالمسلمين وموقف المسلمين حيالها:
نزلت قريش ببلدح وجعلت تترقب أخبار المسلمين - والحقد قد أخذ بمجامع قلوبها - إذ كيف يستقر لها قرار أو يهدأ بها بال وهي ترى المسلمين يداهمونها في عقر دارها - ولما علمت بنزول المسلمين في الحديبية أخذت ترسل مجموعات من فرسانها علهم يصادفون غرة من المسلمين يحققون فيها بعض مآربهم المشينة.
(٦٢) قال مسلم: حدثني عمرو بن محمد الناقد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك: أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي ﷺ فأخذهم سلماً فاستحياهم١، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ٢.٣
وأخرجه أبو داود٤ عن موسى بن إسماعيل عن حماد به نحوه، إلا عنده "من جبال التنعيم٥ عند صلاة الفجر".
وأخرجه الترمذي٦ من طريق سليمان بن حرب عن حماد به نحوه، وزاد: "عند صلاة الصبح".
стр. 110
وأخرجه أحمد١ عن يزيد بن هارون عن حماد به نحوه.
وأخرجه٢ عن عفان عن حماد به نحوه، وزاد: "عند صلاة الفجر".
وقد ذكر بعض تحرشاتهم أيضاً حديث سلمة بن الأكوع ﵁ عند مسلم، فقد جاء فيه ما نصه: "قال: لما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت٣ شوكها، فاضطجعت في أصلها فأتى أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين قتل ابن زنيم، قال: فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة، وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثاًَ٤ في يدي قال: قلت: والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا شربت الذي فيه عيناه، قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات٥، يقال له: مكرز يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف٦ في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ٧ الآية.
وقد أشار إلى تحرشات قريش كذلك حديث عبد الله بن مغفل عند أحمد:
(٦٣) قال الإمام أحمد: حدثنا زيد٨ بن الحباب قال حدثني حسين٩ بن