بن مروان أنه أرسل إلى رجل فقال أي شيء سمعت من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال أرسلني أبو بكر وعمر أسأله وأنا غلام صغير فقال هي العصر.
ومن حديث أبي مالك١ الأشعري رفعه الصلاة الوسطى صلاة العصر.
قال وروى الترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود مثله.
وروى ابن جرير من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال كان في مصحف عائشة: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر"٢.
قال٣: "وروى ابن المنذر من طريق مقسم ٤عن ابن عباس قال "شغل الأحزاب النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى غابت الشمس" فقال:
стр. 282
"شغلونا عن الصلاة الوسطى" ثم ساق الاختلاف حول الصلاة الوسطى ثم قال: "وشبهة من قال أنها الصبح قوية لكن كونها العصر هو المعتمد وبه قال ابن مسعود وأبو هريرة وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وقول أحمد والذي صار إليه معظم الشافعية لصحة الحديث فيه". قال الترمذي: "هو قول أكثر علماء الصحابة". وقال الماوردي: "هو قول جمهور التابعين".
وقال ابن عبد البر: "هو قول أكثر أهل الأثر".
وبه قال من المالكية ابن حبيب١ وابن العربي وابن عطية٢، ويؤيده أيضاً ما رواه مسلم عن البراء بن عازب: "نزل حافظوا على الصلوات وصلاة العصر" فقرأناها ما شاء الله ثم نسخت فنزلت "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" فقال رجل فهي إذن صلاة العصر فقال "أخبرتك كيف نزلت"٣.
стр. 283
وهذه الأحاديث على اختلاف طرقها وكثرتها جاءت خاصة بصلاة العصر وأنها هي الوسطى وقد استطرد في ذلك ابن جرير١ عند تفسير آية المحافظة على الصلوات.
كما أنه ورد عند البخاري حديث آخر عن عمر مشابه لحديث علي ومصرح بأن الذي فاتهم من الصلوات هي العصر حيث قال ﵀:
حدثنا معاذ بن فضالة٢ قال حدثنا هشام٣ عن يحي عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله أن عمر ابن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش فقال: "يارسول الله ما كدت اصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب" قال النبي: "والله ما صلينا فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب"٤.
стр. 284
وقد أورده البخاري على عادته في عدة أماكن١ كما رواه مسلم٢ والترمذي٣ والنسائي٤ قال الحافظ:
وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي والنسائي: "أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله"٥.
أما النسائي فلم يصرح بأن ذلك كان يوم الخندق٦.
أما الترمذي فقد روى حديث ابن مسعود الذي ذكره الحافظ إلا أن فيه أن المشركين شغلوا النبي ﷺ وأصحابه عن أربع صلوات وهذا نصه:
قال الترمذي ﵀:
стр. 285
حدثنا هناد١ حدثنا هشيم٢ عن أبي الزبير٣ عن نافع٤ بن جبير بن مطعم عن أبي عبيدة٥ بن عبد الله بن مسعود قال: قال عبد الله بن مسعود: "إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء".
قال الترمذي وفي الباب عن أبي سعيد وجابر.
قال أبو عيسى: "حديث عبد الله ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله" قال وهو الذي اختاره بعض أهل العلم في الفوائت أن
стр. 286
يقيم الرجل لكل صلاة إذا قضاها وإن لم يقم أجزأه وهو قول الشافعي١.
وبذلك قال ابن عبد البر فقد بين أن الذي فاتهم يوم الأحزاب إنما هي أربع صلوات قال أبو عمر بعد أن ساق اختلاف الأئمة حول قضاء الفوائت هل يؤذن ويقيم لكل صلاة أم يقيم فقط أم لا يؤذن ولا يقيم...الخ.
وقال: روى هذا الخبر عن النبي ﷺ أبو سعيد الخدري وابن مسعود٢ أما حديث ابن مسعود فقد رواه الترمذي وقد تقدم وبين الترمذي هناك أنه لا بأس به، وقال: "إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود وقد أكد ذلك الحافظ"٣.
أما حديث أبي سعيد الخدري فقد رواه أحمد بسند رجاله ثقات وقد أثبته ابن عبد البر وكلا الطريقين٤ عن ابن أبي ذئب٥ عن المقبري٦
стр. 287
عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري وفيه أن رسول الله ﷺ دعا بلالاً فأقام فصلى الظهر ثم أقام العصر ثم أقام المغرب ثم أقام العشاء وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ ١.
وقد اختلف العلماء في ذلك على ما يلي:
١- مالك والشافعي والأوزاعي وأصحابهم قالوا فيمن فاتته صلاة أو صلوات حتى خرج وقتها أنه يقيم لكل واحدة إقامة ولا يؤذن.
٢- الثوري قال ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة.
٣- أبو حنيفة وأصحابه قالوا: "من فاتته صلاة واحدة صلاها بأذان وإقامة فإن لم يفعل فصلاته تامة".
٤- قال محمد بن الحسن إذا فاتته صلوات فإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل النبي ﷺ يوم الخندق فحسن وإن أذن وأقام لكل صلاة فحسن ولم يذكر خلافاً.
٥- أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود بن علي قالوا يؤذن ويقيم لكل صلاة فاتته على ما روي عن النبي ﷺ إذ نام عن الصلاة وهذا هو الراجح ثم عقب قائلاً:
стр. 288
حجة من قال إنه يقيم لكل صلاة فاتته ولا يؤذن لها أن رسول الله ﷺ حبس يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى هوي من الليل ثم أقام لكل صلاة ولم يؤذن. وروى هذا الخبر عن النبي ﷺ أبو سعيد الخدري وابن مسعود وقد تقدم١.
ثم أورد٢ حديث ابن مسعود كما ورد عند الترمذي بنفس السند إلا أنه قال هكذا قال هشيم في هذا الحديث فأذن ثم أقام فصلى الظهر فذكر الأذان للظهر وحدها قال: "وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة٣ عن هشيم سواء. وخالفه هشام الدستوائي" فقال "فيه فأمر بلالاً فأقام فصلى الظهر ولم يذكر أذاناً للظهر ولا لغيرها".
ثم ذكر ﵀ سنداً آخر له ولكنه عن أبي عبيدة وقد ثبت أنه لم يسمع من أبيه وفيه فأمر رسول الله ﷺ بلالاً فأقام فصلى الظهر وفي آخره ثم طاف علينا فقال: "ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم"٤ إلا أنه لم يصرح عند أحمد بأن ذلك كان يوم الخندق وعلى كل حال وعلى ضوء ما تقدم فالحديث منقطع.
стр. 289
أقول: "وفي هذا دليل على أن الذي فاتهم من الصلوات أربع وهذا لا ينطبق على العشاء لأن وقتها ممتد قال الحافظ١: "لأن العشاء لم تكن فاتت".
قال: قال اليعمري٢: "من الناس من رجح ما في الصحيحين وصرح بذلك ابن العربي" فقال: "إن الصحيح أن الصلاة التي شغل عنها رسول الله ﷺ واحدة هي العصر" قلت: "ويؤيده حديث علي في مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" قال: "ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أياماً فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام".
قال وهذا أولى. قلت٣: "ويقربه روايتي أبي سعيد وابن مسعود وليس فيهما تعرض لقصة عمر بل فيهما أن قضاءه وقع بعد خروج وقت المغرب٤. وهذا أولى بمعنى أنه إذا لم نرجح ما في الصحيحين فالمصير إلى الجمع أفضل خروجاً من المعارضة".
стр. 290
قال الحافظ١: "وقد اختلف في سبب تأخير النبي ﷺ الصلاة ذلك اليوم؟. فقيل كان ذلك نسياناً واستبعد أن يقع ذلك من الجميع ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة٢ أن رسول الله ﷺ صلى المغرب فلما سلم قال: "هل علم رجل منكم أني صليت العصر؟ قالوا لا يارسول الله فصلى العصر ثم صلى المغرب": قال: "وفي صحة هذا الحديث نظر لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله ﷺ لعمر "والله ما صليتها". ويمكن الجمع بينهما بتكلف.
وقيل كان عمداً لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك وهو أقرب لاسيما وقد وقع عند أحمد٣ والنسائي٤ من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فرجالاً أو ركبانا﴾ ٥.
стр. 291
وكونهم تركوها عمداً هو الأقرب كما ذكر ذلك الحافظ لأنهم شغلوه ﷺ فلم يمكنوه من ذلك لأنه قد بلغ الضيق والجهد والكرب والخوف بهذه الصفوة المباركة شأوا بعيداً إلى درجة أنهم في تلك اللحظات الأخيرة من محنة الغزو المرعب جاءوا إلى النبي ﷺ وأفصحوا له بصراحة عما يعانونه من شدة الخوف والضيق والكرب فقالوا له يارسول الله لقد بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله قال نعم قولوا: "اللهم أستر عوراتنا وآمن روعاتنا". وهذا الحديث رواه أحمد١ وابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن أبي عامر وقد حسنه الألباني٢.
وخلاصة القول أن فوات الصلاة أو الصلوات عليهم في تلك الأيام كانت قبل نزول الأمر بصلاة الخوف وقد صرح بذلك الحافظ٣ وغير واحد. وأن نزولها كان في غزوة ذات الرقاع٤.
وقد نقل الحافظ الاختلاف فيها وأثبت أنها بعد الخندق كما ذكر
стр. 292
ذلك ابن عبد البر١ ورجح ذلك الشنقيطي٢ حيث قال: "واعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر وإن جزم جماعة كبيرة من المؤرخين بان غزوة ذات الرقاع قبل خيبر" قال: "والدليل على ذلك الحديث الصحيح أن قدوم أبي موسى الأشعري على النبي ﷺ حين خيبر مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع".
وقد قال البخاري ﵀: "باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان فنزل نخلاً وهي بعد خيبر لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خيبر ثم قال ﵀: بل التحقيق أن صلاة الخوف ما شرعت إلا بعد الخندق".
стр. 293
الفصل الثالث: "دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة
كان سعد بن معاذ ﵁ من السابقين الأولين لاعتناق هذا الدين الحنيف بل أنه بإسلامه أسلم قومه بني عبد الأشهل وقد أسلم ﵁ على يد أول سفير أرسله رسول الله ﷺ إلى المدينة كان ذلك على يد مصعب بن عمير ﵁ وأرضاه-.
وقد شهد سعد رضي الله تعالى عنه بدراً وكان له الموقف المشجع والشهير والذي حمده عليه رسول الله ﷺ . حيث قال للرسول ﷺ بعد كلام جميل ... فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقي بنا عدونا غداً أنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله. قال فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه١.
وقال ابن الأثير: "ومقاماته في الإسلام مشهورة وكبيرة ولو لم يكن له إلا يوم بدر لكفى"٢. أما دوره في هذه الغزوة فهو عظيم حيث أنه ﵁
стр. 294
جاهد في الله حق جهاده حتى ضحى في النهاية بنفسه في سبيل الله وفي سبيل إعلاء دينه حيث مات شهيداً من آثار رمية رماه بها أحد المشركين أيام غزوة الأحزاب، وسلم نفسه ﵁ لله راضياً مرضياً.
بعد أن حكم في بني قريظة حيث كانت مشاعر التغيظ في أفئدة المسلمين نحوهم قد بلغت ذروتها. وعن مشاركته في الخندق يقول ابن إسحاق:
وحدثني أبو ليلي عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري أخو بني حارثة١ أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ في الحصن قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة٢ قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرقد٣ بها ويقول:
стр. 295
"لبث قليلاً يشهد الهيجاء حمل١ لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت أمه٢ إلحق بني فقد والله أخرت قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ٣ مما هي عليه قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل٤
стр. 296
رماه كما حدثني عاصم بن قتادة١ حبان٢ بن قيس بن العرقة٣ أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة فقال له سعد: "عرق الله وجهك في النار٤ اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله٥ لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة"٦. والحديث حسن على ضوء هذا السند.
وقد أورده الهيثمي بسياق أطول مما هنا وفيه تفسير لبعض الغريب وهذا نصه: "وعن عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس فسمعت وئيد الأرض من ورائي يعني حس الأرض قالت فإذا أنا بسعد
стр. 297
بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه١ قالت فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد قالت وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم قالت فمر وهو يرتجز٢.
قالت: "فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين وإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له تعني المغفر فقال عمر ما جاء بك لعمري إنك لجريئة وما يؤمنك ألا يكون تحوز٣ قالت فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها، قال٤ فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله فقال ويحك يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم وأين التحوز والفرار إلا إلى الله تعالى قالت ويرمي سعداً رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له
стр. 298
خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله سعد فقال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فيخرجوا من صياصيهم١. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وأمر بقبة من أدم٢ فضربت على سعد في المسجد"٣. أ. هـ. من حديث طويل ذكر فيه بني قريظة أيضاً.
وقد خرج حديث عائشة هذا الطبري٤ كما ذكره ابن كثير٥ وغيره من المؤرخين. قال الهيثمي قلت: "في الصحيح بعضه٦ ثم قال: "رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات".
وهو من زوائد عبد الله بن أحمد وهذا نصه:
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا ابن نمير ثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن
стр. 299
العرقة في الأكحل فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب" ١. والحديث بهذا السند يعتبر صحيحاً والله أعلم.
قلت: "وذكره الألباني في الصحيحة٢ وعزاه إلى من تقدم ذكرهم".
وقال الحاكم: "سعد يكنى أبا عمرو وكان لواء الأوس معه يوم الخندق فرمي في أكحله بسهم فقطعه ونزف وذلك في سنة خمس من الهجرة" أ. هـ. ٣
وقال ابن الأثير: "ورمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله رماه حبان بن قيس بن العرقة... وساق الكلام بمثل ما جاء في حديث عائشة المتقدم٤. كما ذكر ذلك البيهقي عن ابن إسحاق٥.
قال المقريزي في سياقه لحديث الخندق: "قال محمد بن مسلمة وغيره كان ليلنا بالخندق نهاراً وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه.. إلى أن قال:
стр. 300
"حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفاً شديداً وكان معهم رماة يقدمونهم إذا غدوا متفرقين أو مجتمعين بين أيديهم وهم حبان بن العرقة وأبو أسامة الجشمي في آخرين١ فتناوشوا يوماً بالنبل ساعة وهم جميعاً في وجه واحد وجاه قبة رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ قائم بسلاحه على فرسه فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله وقال خذها وأنا ابن العرقة فقال ﷺ عرق الله وجهه في النار ويقال بل رماه أبو أسامة الجشمي" أ. هـ. ٢
قال ابن الأثير: "وقيل إن الذي رمى سعداً هو أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم"٣. قال ابن إسحاق: "وحدثني من لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: "ما أصاب سعداً يومئذ بالسهم إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم وقال في ذلك شعراً ذكره ابن إسحاق حيث" قال: "وقد قال أبو أسامة في ذلك شعراً لعكرمة بن أبي جهل:
стр. 301
أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي ... فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعداً مرشة ... لها بين أثناء المرافق عاند١
قضى نحبه منها سعيد فاعولت ... عليه مع الشمط العذاري النواهد٢
وكان قد قال ابن إسحاق: "رماه كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة حبان بن قيس بن العرقة...الخ"٣. وبهذا القول قال الطبري٤.
أما ابن هشام فقد قال: "ويقال إن الذي رمى سعداً: "خفاجة بن عاصم بن حبان٥. وعلى كل حال فالله أعلم أي ذلك كان فبالنسبة للقولين الذين ذكرهما ابن إسحاق فهما منقطعان والذين روى عنهما ابن إسحاق كلاهما ثقة إلا أنهما متأخران. فأحدهما من الطبقة الثالثة وهو عبيد الله بن كعب والثاني من الطبقة الرابعة وهو عاصم بن عمر بن قتادة".
стр. 302
أما رأي ابن هشام فقد ورد بصيغة التمريض فهو متنف وبعيد. والراجح مع القائلين بأنه - حبان بن العرقة - لكثرتهم أما من قال أنه أبو أسامة الجشمي فلعله شارك إلا أنه ينتفي لتحديدهم الرمية في الأكحل.
قال ابن الأثير: "فلما قال سعد ما قال انقطع الدم وقد أعطاه الله ما طلب فاندمل جرحه واستمر يجاهد مع رسول الله ﷺ في تلك الغزوة"١.
قال ابن كثير: "وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك. فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذرايهم حتى أن الرسول ﷺ قال له لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة" ٢.
هذا جانب من جهاد سعد بن معاذ ﵁ وهو جانب مشرق حقاً يدل لذلك دعاءه عندما أصيب في أكحله وقد روى البخاري حديثاً اشتمل على بعض ما تقدم وفيه زيادة حسنة وهذا نصه: "قال البخاري ﵀:
стр. 303
"حدثنا زكريا بن يحي١ حدثنا عبد الله بن نمير٢ حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار" فقال: "قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج إليهم قال النبي ﷺ فأين: "فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه فرد الحكم إلى سعد قال فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم". قال هشام: "فأخبرني أبي عن عائشة أن سعداً قال: "اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب
стр. 304
فأفجرها واجعل موتى فيها. فانفجرت من لبته١ فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم". فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو٢ جرحه دماً فمات منها ﵁". أ. هـ. ٣
ورواه أحمد بأخصر من هذا٤ عن ابن نمير وتقدم في أول هذا المبحث: "وقد ساق الترمذي حديثاً يبين معاناة سعد من ذلك الجرح ولما دعا الله استمسك حتى أقر الله عينه في بني قريظة ووفى له ما طلب مات ﵁.
قال أبو عيسى ﵀:
стр. 305
"حدثنا قتيبة حدثنا الليث١ عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: "رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله أو أبجله٢ فحسمه رسول الله ﷺ بالنار فانتفخت يده فتركه فنزفه٣ الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال: "اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه فحكم أن يقتل رجالهم وتستحي نساؤهم يستعين بهم المسلمون فقال رسول الله أصبت حكم الله فيهم، وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات"٤. ورواه مسلم٥ بأخصر من هذا وفيه فحسمه رسول الله ﷺ بمشقص٦ وفيه بدل انتفخت ورمت ورواه أحمد٧ والدارمي٨ وقد
стр. 306
أورده ابن كثير١ بهذا اللفظ وعزاه للإمام أحمد.
فضله ﵁:
كان ﵁ في أثناء حياته ملازماً لرسول الله ﷺ لم يخرج إلى غزوة إلا خرج سعد معه فنجده في الغزوات المشهورة والعظيمة مثل بدر وما قام به من دور فيها مشهور وفي غزوة أحد كان له دوره المشرف وجاءت غزوة الخندق حيث أراد الله له الحسنى فضرب أروع الأمثلة.
وحتى بعد أن رمي في أكحله استمر مجاهداً في سبيل الله حتى حقق الله ما طلب وشفى قلبه من اليهود الذين خذلوا دين الله وخذلوا رسوله في وقت عصيب ولكن الله رد كيدهم في نحورهم، وحكم فيهم سعد ﵁ فأخذوا وقتلوا تقتيلاً على مرأى ومسمع من المسلمين وذلك انتقام من الله جزاء بعض ما فعلوه.
عقب ذلك كله مات ﵁ راضياً مرضياً. ويظهر فضله ويبرز للعيان بعد موته ونعمت النهاية التي جاهد في حياته لنيلها يتمثل ذلك في اهتزاز العرش لموته روى الإمام مسلم ﵀ حيث قال:
стр. 307
حدثنا عبد بن حميد١ أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج٢ أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: "إهتز لها عرش الرحمن" الحديث٣.
كما رواه البخاري٤ والترمذي٥ والنسائي٦ ولفظه " تحرك له العرش" - ولم يذكر فيه سعد - وابن ماجه٧ وأحمد٨.
ما قاله العلماء حول تفسير هذا الحديث:
قال النووي: "وقد اختلف العلماء في تأويله. فقالت طائفة هو على ظاهره واهتزاز العرش تحركه فرحاً بقدوم سعد وجعل الله في العرش تمييزاً
стр. 308
حصل به هذا ولا مانع منه كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١الآية. وهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار".
وقال آخرون المراد اهتزاز العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة فحذف المضاف والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول ومنه قول العرب فلان يهتز للمكارم لا يريدون اضطراب جسمه وحركته وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها٢.
وكانت هذه المنقبة العظيمة له عند موته.
كما أن منزلته ﵁ في الجنة عظيمة وذلك لما قدمه من تضحيات وفداء في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمته ونصر دينه فوفاه الله ما وعده لذلك قال البخاري ﵀: "حدثنا مسدد٣ حدثنا يحي بن سعيد٤ عن سفيان٥ قال حدثني أبو إسحاق٦ قال سمعت البراء بن
стр. 309
عازب ﵄ قال أُتَي رسول الله ﷺ بثوب من حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه فقال رسول الله ﷺ : "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا؟ " ١.
كما رواه مسلم٢ والترمذي٣ والنسائي٤ وابن ماجه٥ والإمام أحمد٦. هذا جانب من دوره ﵁ في سبيل نصر هذا الدين حتى إنه وفي آخر أيامه وبعد إصابته في أكحله صبر وصابر واحتسب وهانت نفسه في سبيل الله ودعا بدعائه المشهور وأبقاه الله حتى نفذ حكم الله في أعداء الله وأعداء رسوله وما مات حتى قرت عينه ورضي قلبه من أولئك اليهود الذين ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
أما حكمه ﵁ في بني قريظة فكان قوياً ومؤثراً وقاطعاً لدابر أي محاولة أخرى من قبل اليهود حيث صدر الحكم ممن يرجون
стр. 310
ويأملون منه المساعدة وهذه حكمة الله حيث أهلكهم بحكم سعد ﵁ وكانوا حلفاؤه ومواليه ولكنه ﵁ أطلق كلمته المشهورة "قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم"١.
قال ابن سعد: "وبعد أن حكم فيهم مرت عنز وهو مضطجع فأصابت الجرح بظلفها فما رقأ حتى مات"٢قال ابن إسحاق وقالت أمه حين احتمل سعد على نعشه تندبه:
ويل أم سعد سعدا ... صرامة وجدا
وسؤدداً ومجدا ... وفارساً معدا
سدبه مسدا ... يقدها ما قدا٣
قال ابن كثير: "وكانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة ثم استطرد مبيناً حديث عائشة ﵂ حيث قالت: "ثم دعا سعد فقال: "اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئاً فأبقني لها وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قال فانفجر
стр. 311
كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى منه إلا مثل الخرص ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ " قالت عائشة: "فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر" قالت: "فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وانا في حجرتي وكانوا كما قال الله ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١. قال علقمة فقلت يا أمه فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع قالت كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما آخذ بلحيته٢. قال ابن كثير وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة.
стр. 312
الفصل الرابع: دور نعيم بن مسعود الأشجعي في هذه الغزوة
إن دور نعيم –﵁ في هذه الغزوة عظيم. خاصة إذا عرفنا أنه في أول أيام دخوله في الإسلام. وقد اشتهر هذا الدور عند المؤرخين.
بيد أني رغم ذلك لم أجد سنداً يؤكده ويؤيده، ولكنه مستفيض عند المؤرخين وقد كان دوره حاسماً في القضية حيث شتت الله شملهم، وفرق جمعهم، وأرسل الله عليهم الريح، وجنوداً من عنده – وكان السبب في زعزعة الأحزاب هو نعيم بعد الله .
قال ابن إسحاق عن هذا الدور: "ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن منقذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة" ١.
стр. 313
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية؛ فقال يا بني قريظة قد عرفتم وُدِّي إياكم وخاصةَ ما بيني وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشاً وغطفانَ ليسوا كأنتم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره.
وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره. فليسوا كأنتم.
فإن رأوا نهزة١ أصابوها؛ وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوه. فقالوا له لقد أشرت بالرأي.
قال٢: "ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن
стр. 314
معه من رجال قريش قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقاً أن أبلغكموه نصحاً لكم فاكتموا عني، فقالوا نفعل قال تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني، فقالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال فاكتموا عني قالوا نفعل فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم"١.
هذا ما تناقله أهل السير عن نعيم، وبعضهم يذكر ما لا يذكره الآخر وبعضهم يزيد وبعضهم ينقص.
أما الواقدي فقد ذكر القصة باستفاضة وهذا كلامه:
стр. 315
قال: "حدثنا عبد الله بن عاصم الأشجعي عن أبيه١ قال: "قال نعيم بن مسعود: "كانت بنو قريظة أهل شرف وأموال، وكنا قوماً عرباً لا نخل لنا ولا كرم، وإنما نحن أهل شاة وبعير؛ فكنت أقدم على كعب بن أسد فأقيم عندهم الأيام أشرب من شرابهم وآكل من طعامهم ثم يحملونني تمراً على ركابي ما كانت. فأرجع إلى أهلي، فلما سارت الأحزاب إلى رسول الله ﷺ سرت مع قومي وأنا على ديني".
وقد كان رسول الله ﷺ عارفاً فأقامت الأحزاب ما أقامت حتى أجدب الجناب وهلك الخف والكراع ٢وقذف الله في قلبي الإسلام وكتمت قومي إسلامي، فأخرج حتى آتي رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء، وأجده يصلي فلما رآني جلس ثم قال ما جاء بك يا نعيم؟ قلت: "إني جئت أصدقك وأشهد أن ما جئت به حق فمرني بما شئت يا رسول الله فوالله لا تأمرني بأمر إلا مضيت له، قومي لا يعلمون إسلامي ولا غيرهم". قال: "ما استطعت أن تخذل الناس فخذل"؛ قال: "قلت أفعل ولكن يا رسول الله أقول؟ فاذن لي، قال: "قل ما بدا لك فأنت في
стр. 316
حلّ"، قال فذهبت حتى جئت بني قريظة فلما رأوني رحبوا وأكرموني وحيوا وعرضوا علي الطعام والشراب، فقلت إني لم آت لشيء من هذا وإنما جئتكم نصباً بأمركم وتخوفاً عليكم لأشير عليكم برأي، وقد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم فقالوا قد عرفنا ذلك وأنت عندنا على ما تحب من الصدق والبر، قال: "فاكتموا عني قالوا نفعل قال إن أمر هذا الرجل بلاء – يعني النبي ﷺ – صنع ما قد رأيتم ببني قيقناع وبني النضير وأجلاهم عن بلادهم بعد قبض الأموال".
وكان ابن أبي الحقيق قد سار فينا١ فاجتمعنا معه لنصركم وأرى الأمر قد تطاول كما ترون وأنكم والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة، أما قريش وغطفان فهم قوم جاءوا سيارة حتى نزلوا حيث رأيتم فإن وجدوا فرصة انتهزوها.
وإن كانت الحرب أو أصابهم ما يكرهون انشمروا إلى بلادهم وأنتم لا تقدرون على ذلك البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم وقد غلظ عليهم جانب محمد أجلبوا عليه أمس إلى الليل٢ فقتل رأسهم عمرو بن عبد وهربوا منه مجرحين وهم لا غناء بهم عنكم لما يعرفون
стр. 317
عندكم١، فلا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم، تستوثقون به منهم ألا يناجزوا محمداً، قالوا أشرت بالرأي علينا والنصح، ودعوا له وتشكروا وقالوا نحن فاعلون، قال ولكن اكتموا عني قالوا نعم نفعل.
ثم خرج إلى أبي سفيان بن حرب في رجال من قريش فقال: "يا أبا سفيان قد جئتك بنصيحة فاكتم عني قال أفعل. قال تعلم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمدٍ، وأرادوا إصلاحه. ومراجعته أرسلوا إليه وأنا عندهم أنّا سنأخذ من قريش وغطفان من أشرافهم سبعين رجلاً نسلمهم إليك تضرب أعناقهم وترد جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم يعنون بني النضير – ونكون معك على قريش حتى نردهم عنك، فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهناً فلا تدفعوا إليهم أحداً، واحذروهم على أشرافكم، ولكن اكتموا عني ولا تذكروا من هذا حرفاً قالوا لا نذكره، ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان إني رجل منكم فاكتموا عني واعلموا أن قريظة بعثوا إلى محمد وقال لهم مثل ما قال لقريش فاحذروا أن تدفعوا إليهم أحداً من رجالكم، وكان رجلاً منهم فصدقوه٢.
стр. 318
وأرسلت اليهود عزال بن سموأل إلى أبي سفيان بن حرب وأشراف قريش إن ثواءكم١ قد طال، ولم تصنعوا شيئاً، وليس الذي تصنعون برأي، إنكم لو وعدتمونا يوماً تزحفون فيه إلى محمد فتأتون من وجه وتأتي غطفان من وجه ونخرج نحن من وجه آخر لم يفلت من بعضنا.
ولكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا بِرِهَانٍ٢ من أشرافكم يكونون عندنا فإنا نخاف إن مستكم الحرب٣ وأصابكم ما تكرهون شمرتم وتركتمونا في عقر دارنا وقد نابذنا٤ محمداً بالعداوة، فانصرف الرسول إلى بني قريظة، ولم يرجعوا إليهم شيئاً، وقال أبو سفيان هذا ما قال نعيم، فخرج نعيم إلى بني قريظة فقال: "يا معشر بني قريظة أنا عند أبي سفيان حتى جاء رسولكم إليه يطلب منه الرهائن فلم يرد عليه شيئاً فلما ولى قال لو طلبوا مني عناقاً٥ ما رهنتها، أنا أرهنهم سراة أصحابي يدفعونهم إلى محمد يقتلهم، فارتأوا آراءكم حتى تأخذوا الرهن فإنكم إن لم تقاتلوا محمداً" وانصرف أبو سفيان تكونوا على مواعدتكم الأولى. قالوا
стр. 319
نرجو ذلك يا نعيم؟ قال نعم قال كعب بن أسد فإنا لا نقاتله والله لقد كنت لهذا كارهاً، ولكن حيي رجل مشؤم".
قال الزبير بن باطا: "إنْ انكشفت قريش وغطفان عن محمد لم يقبل منا إلا السيف، قال نعيم لا تخش ذلك يا أبا عبد الرحمن. قال الزبير بلى والتوارة، ولو أصابت اليهود رأيها، ولحِمَ الأمر، لتخرجن إلى محمد ولا يطلبون من قريش رهناً فإن قريشاً لا تعطينا رهنا أبداً. وعلى أي وجه تعطينا قريش الرهن وعددهم أكثر من عددنا ومعهم كراع ولا كراع معنا وهم يقدرون على الهرب ونحن لا نقدر عليه؟ وهذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض تمر الأوس وتنصرف فأبى محمد إلا السيف فهم ينصرفون بغير شيء"١.
فلما كانت ليلة السبت كان مما صنع الله تعالى لنبيه أن قال أبو سفيان يا معشر قريش إن الجناب. قد أجدب، وهلك الكراع، والخف، وغدرت اليهود، وكذبت وليس هذا بحين مقام فانصرفوا، قالت قريش فاعلم علم اليهود، واستيقن خبرهم، فبعثوا عكرمة بن أبي جهل حتى جاء بني قريظة عند غروب الشمس مساء ليلة السبت فقال: "يا معشر اليهود
стр. 320
إنه قد طال المكث وجهد الخف والكراع وأجدب الجناب وإنا لسنا بدار مقامه. اخرجوا إلى هذا الرجل حتى نناجزه بالغداة، قالوا غداً السبت لا نقاتل ولا نعمل فيه عملاً، وإنا مع ذلك لا نقاتل معكم إذا انقضى سبتنا حتى تعطونا رهاناً من رجالكم يكونون معنا لئلا تبرحوا حتى نناجز محمداً. فإنا نخشى إن أصابتكم الحرب أن تشمروا إلى بلادكم وتدعونا وإياه في بلادنا ولا طاقة لنا به، معنا الذراري والنساء والأموال فرجع عكرمة إلى أبي سفيان فقالوا ما وراءك؟ قال أحلف بالله أن الخبر الذي جاء به نعيم حق لقد غدر أعداء الله، وأرسلت غطفان إليهم مسعود بن رخيلة في رجال منهم بمثل رسالة أبي سفيان فأجابوهم بمثل جواب أبي سفيان".
وقالت اليهود حيث رأوا ما رأوا منهم نحلف بالله إن الخبر الذي قال نعيم لحق، وعرفوا أن قريشاً لا تقيم فسُقِطَ في أيديهم.
فكر أبو سفيان إليهم وقال: "إنا والله لا نفعل إن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا"، فقالت اليهود مثل قولهم الأول وجعلت اليهود تقول الخبر ما قال نعيم وجعلت قريش وغطفان تقول الخبر ما قال نعيم، ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء واختلف أمرهم، فكان نعيم يقول أنا خذلت بين