← Общие книги

Общие книги · id 11398

تقرير علمي رد على كتاب "مستعدين للمجاوبة" لـ سمير مرقص

محمد عمارة

Полный текст (151 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رسلا من لدنه إلى خلقه مبشرين ومنذرين.." (١) . تلك هي النظرة القرآنية، والعقيدة الإسلامية في اصطفاء الله للأنبياء والمرسلين.. وفي تميزهم.. وامتيازهم.. وعصمتهم عن كل ما ينفر أو يشين. لذلك.. فإننا نجد أنفسنا - في عقيدة العصمة للأنبياء والمرسلين - أمام مدرستين، في الفكر الديني: ١- المدرسة القرآنية: التي تقرر العصمة للأنبياء والمرسلين فيما يبلغون عن الله.. ومما ينفر أو يشين.. وذلك انطلاقا من عقيدة التنزيه للذات الإلهية عن العبثية.. ووجوب بالحكمة والكمال لذاته- فيما يصطفي من الأنبياء والمرسلين. ٢- ومدرسة أسفار العهدين القديم والجديد: التي تزدري الأنبياء والمرسلين، عندما تجردهم من العصمة.. وتصفهم بالأوصاف الرديئة التي يتنزه عنها الناس الأسوياء، فضلا عن المختارين المصطفين من الأنبياء والمرسلين، الذي صنعهم الله

стр. 107

على عينه. فأبو الأنبياء إبراهيم الخليل ﵇ في هذه المدرسة - اليهودية النصرانية - يخطئ في تقدير أخلاق المصريين - عند دخوله إلى بلادهم - ويتواطأ مع زوجه سارة على الكذب.. وعلى الدياثة.. وإسلام زوجه الجميلة لمن يعاشرها في الحرام.. طمعا في بقائه حيا.. وطمعا في الغنم والبقر والحمير والجمال والعبيد يعطيها له فرعون مصر لقاء زوجته الجميلة! تكوين١٢: ١٠-٢٠. بينما صورته في القرآن الكريم، هي صورة أبي الأنبياء.. الأمة.. والإمام.. والصالح.. المصطفى في الدنيا والآخرة.. والأواب.. الحليم.. المنيب.. الصدّيق.. خليل الرحمن.. والأسوة الحسنة.. والناظر في الملكوت ليقيم الدليل العقلي على التوحيد.. ومحطم الأصنام.. ومطهر البيت الحرام، ورافع قواعده والذي صارت النار بردا وسلاما عليه.. والممتثل لأمر ربه أن يذبح ولده البكر الحبيب والوحيد.. والذي عليه سلام الله. وكذلك الحال مع نبي الله لوط ﵇.. - فصورته في العهد القديم صورة الذي سكر وزنى بابنتيه-

стр. 108

تكوين ٩: ٣٠-٣٨. - بينما صورته في القرآن الكريم هي صورة العبد الصالح.. صاحب العلم والحكمة والناهي عن الفحشاء والمنكر والمتطهر الذي نجاه الله. وكذلك الحال مع نبي الله داود ﵇. فصورته في العهد القديم هي صورة الفاسق المتلصص على عورات الناس والزاني والمتآمر والقاتل والمغتصب للنساء والزوجات- صموئيل الثاني ١١: ١-٢٦. - بينما صورته في القرآن الكريم هي صورة الخليفة.. الأواب الذي سبّحت معه الطير والجبال وصاحب الزلفى وحسن المآب. وكذلك الحال مع نبي الله سليمان ﵇. فصورته في العهد القديم هي صورة زير النساء الخارج عن أوامر الرب الباني النُّصُب لعبادة الأوثان من دون الله والعابد لهذه الأوثان - الملوك الأول ١١: ١-١١. - بينما صورته في القرآن الكريم هي صورة صاحب العلم والفضل الذي علمه الله منطق الطير وأعطاه ملكا لا ينبغي

стр. 109

لأحد من بعده والشاكر لأنعم الله. وإذا كان هذا الازدراء للأنبياء والمرسلين في مدرسة العهد القديم قد طال الكثير من الأنبياء والمرسلين فإن تبني النصارى للعهد القديم، ولما جاء فيه عن ازدراء الأنبياء ونفي العصمة عنهم قد ورط هؤلاء النصارى فيما لا يحبون وضد ما يدعون. فكاتب هذا المنشور التنصيري الذي ينفي العصمة عن الأنبياء والمرسلين والذي يجعل المسيح وحده الكامل كمالا مطلقا بلا أية خطية فعلية أو أصلية فهو غير مولود وارثا لطبيعة الخطية الأصلية من أبينا آدم. فقد تجاهل أن تبني منهاج الازدراء للأنبياء ونفي العصمة عنهم قد قاد إلى القول بأن مريم ﵍ التي ولدت المسيح هي من نسل خطيئة الزنا! فهي من نسل داود الزاني وداود هذا هو من نسل يهوذا- الزاني والذي من نسله توالى أبناء الزنا حتى مريم ﵍ تكوين٣٨: ١-٢٩. إنها مدرسة الازدراء للأنبياء والمرسلين النافية للعصمة والتي أساءت وتسئ إلى حكمة الله في

стр. 110

اصطفاء هؤلاء الأنبياء والمرسلين (١) . بل لقد تصاعد هذا الازدراء في هذه المدرسة حيث طال الذات الإلهية تعالى الله عما يصفون. - فنسبوا إلى الله الحزن والأسف "فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه" تكوين ٦: ٦.. - ونسبوا إليه سبحانه- نقض العهد "نقضت عهد عبدك" المزامير ٨٩: ٣٩. - ونسبوا إليه البداء وتغيير الرأي والرجوع عن التدبير والقضاء "غير الرب رأيه" خروج ٥: ١. وإمعانا في هذا الضلال وحتى يستأثر المسيح ﵇ وحده في هذا المنشور التنصيري بالكمال المطلق لتأليهه ذهب كاتب هذا المنشور التنصيري بعد نفي العصمة عن الأنبياء والمرسلين إلى نفي المعجزة عن رسول الإسلام محمد بن عبد الله ﷺ فقال - ص ٩: "إن محمدا لم يأت بمعجزة" وذلك لينسب للمسيح وحده

стр. 111

من المعجزات مالا نظير لها عند أي من الأنبياء والمرسلين. ونحن في الرد على هذه الفرية نقول: إن المعجزة هي خارق العادة المفارق للسنن المعتادة الذي يظهره الله على أيد الأنبياء والمرسلين تحديا لأقوامهم الذين يعجزون عن الإتيان بأمثالها وذلك إقامة للحجة على هؤلاء الأقوام بأن هؤلاء الأنبياء والمرسلين صادقون فيما إليه يدعون. ولقد تميزت المعجزات في الضوء الذي سبق دعوة الإسلام بأنها كانت معجزات مادية تدهش العقول وذلك تناسبا مع طور طفولة العقل البشري فلما بلغت الإنسانية سن الرشد وغدا لملكة العقل الإنساني سلطان في الهدي والرشاد جاءت معجزة رسول الإسلام عقلية لا تدهش العقل فتشله عن الفعل وإنما تستنفره وتستحثه ليتفكر ويتدبر في الإعجاز الذي جاء به القرآن الكريم والذي تحدى به الإنس والجن تحديا أبديا أن يأتوا بشئ من مثل هذا الذي جاء بالقرآن الكريم. ولقد أعلن أساطين الفصاحة والبلاغة والبيان خضوعهم وخشوعهم أمام هذا الإعجاز القرآني المتحدي وشمل هذا

стр. 112

المشروع والخضوع عددا من الذين ظلوا على وثنيتهم وعلى شركهم لكنهم لم يستطيعوا إلا أن يعلنوا أن هذا الإعجاز القرآني فوق طاقات البشر وملكاتهم ومن ثم فهو من عند الله.. فأما التحدي المعجز.. والإعجاز المتحدي: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١، ٢) ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١، ٤٢) ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) ﴿إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٧٧-٨٠)

стр. 113

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢) ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس: ٣٧، ٣٨) ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: ٣٣، ٣٤) ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (السجدة: ١-٣)

стр. 114

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (هود: ١٣، ١٤) ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٣، ٢٤) أمام هذا التحدي المعجز والإعجاز المتحدي دائما وأبدا خشعت ملكات الفصاحة والبلاغة والبيان لدى البشر - كل البشر - فقالت إن هذا القرآن ليس قول بشر وإنما هو كلام الله.. فأبو عبد شمس، الوليد بن المغيرة بن عبد اله بن عمرو بن مخزوم (٩٥ ق. هـ - ١ هـ ٥٣٠-٦٢٢م) - وهو من زعماء قريش وزنادقتها ومن قضاة العرب في الجاهلية والملقب بالعدل لأنه كان عدل قريش كلها قال عندما سمع

стр. 115

من رسول الله ﷺ سورة غافر: "والله لقد سمعت من محمد كلاما آنفا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن. والله ما هو بكاهن فقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. ووالله ما هو بمجنون فقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. ووالله ما هو بشاعر فقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بشاعر. ووالله ما هو بساحر فقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده. والله إن لقوله حلاوة وإن عليه طلاوة وإن أصله لمغدق وإن فرعه لمثمر وإنه يعلو ولا يعهلى عليه وما أنتم "يا معشر قريش" بقائلين فيه من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل" (١) .

стр. 116

كما شهد عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أبو الوليد (٢ هـ ٦٢٤م) وهو من سادة الشرك بمكة لهذا القرآن المعجز فقال: "لقد سمعت من محمد قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ووالله ليكونن لهذا الذي سمعت نبأ عظيم" (١) . ولقد ظل هذا الإعجاز القرآني متحديا وظلت هذه المعجزة القرآنية متفردة حتى شهد لها الشهود في عصرنا الحديث وواقعنا المعاصر: - فالدكتور طه حسين (١٣٠٦-١٣٩٣ هـ /١٨٨٩-١٩٧٣م) وهو أحد أبرز بلغاء العصر والخبراء في صناعة الفصاحة والبيان شهد بأن هذا القرآن لا علاقة له بصناعة البشر وأنه متفرد بكونه من عند الله فقال: لقد قلت في بعض أحاديثي عن نشأة النثر عند العرب. إن القرآن ليس شعرا ولا نثرا وإنما هو قرآن له مذاهبه وأساليبه الخاصة في التعبير والتصوير والأداء.

стр. 117

فيه من قيود الموسيقى ما يخيل لأصحاب السذاجة أنه شعر وفيه من قيود القافية ما يخيل إليهم أنه سجع وفيه من الحرية والانطلاق والترسل ما يخيل إلى بعض أصحاب السذاجة الآخرين أنه نثر. ومن أجل هذا خدع المشركون من قريش فقالوا: إنه شعر وكذبوا في ذلك تكذيبا شديدا ومن أجل هذا خدع كذلك بعض المتتبعين لتاريخ النثر فظنوا أنه أول النثر العربي وتكذيبهم الحقائق الواقعة تكذيبا شديدا فلو قد حاول بعض الكتاب الثائرين وقد حاول بعضهم أن يأتوا بمثله لما استطاعوا إلا أن يأتوا بما يضحك ويثير السخرية" (١) . وتحدث سعد زغلول باشا (١٢٧٣-١٣٤٦ هـ ١٨٥٧-١٩٢٧م) وهو ابن الأزهر الشريف.. وتلميذ الأفغاني (١٢٥٤-١٣١٤ هـ ١٨٣٨-١٨٩٨م) ومحمد عبده عن هذا الإعجاز القرآني فقال: "لقد تحدى القرآن أهل البيان في عبارات قارعة محرجة ولهجة واخزة مرغمة أن يأتوا بمثله أو سورة منه فما فعلوا ولو قدروا ما تأخروا لشدة حرصهم على

стр. 118

تكذيبه ومعارضته بكل ما ملكت أيمانهم واتسع له إمكانهم.. فهذا العجز الوضيع بعد ذلك التحدي الصارخ هو أثر تلك القدرة الفائقة وهذا السكوت الذليل بعد ذلك الاستفزاز الشامخ هو أثر ذلك الكلام العزيز" (١) . كما شهد المستشرق الإنجليزي والقسيس الأنجليكاني "مونتجمري وات" (١٩٠٩-٢٠٠٦م) بعد خمسة وثلاثين عاما في دراسة القرآن والإسلام واللغة العربية، وبعد إنجاز دراساته العليا في الفلسفة الإسلامية وتأليفه العديد من الكتب في الإسلام وتاريخه وحضارته - شهد بأن القرآن هو وحي الله المباشر إلى محمد، وأنه الآية الإلهية المعجزة لكل البشر المستحيلة على المحاكاة والتقليد، ودعا اليهود والنصارى إن كانوا أوفياء حقا لحقيقة اليهودية والنصرانية إلى الإيمان بهذا القرآن.. كما أعلن مونتجمري وات أن التحريف قد لحق بالتوراة والأناجيل، بينما ظل القرآن محفوظا من التحريف والتغيير والتبديل.. نعم أعلن مونتجمري وات وهو القسيس ابن القسيس

стр. 119

الذي خدم في كنائس لندن وأدينبره والقدس ذلك فقال: "إن الوحي الإسلامي لابد من تناوله بجدية". إن القرآن صادر عن الله وبالتالي فهو وحي وليس كلام محمد بأي حال من الأحوال ولا هو نتاج تفكيره وإنما هو كلام الله وحده، قصد به مخاطبة محمد ومعاصريه، ومن هنا فإن محمدا ليس أكثر من رسول اختاره الله لحمل هذه الرسالة إلى أهل مكة أولا ثم لكل العرب، ومن هنا فهو قرآن عربي مبين. وهناك إشارات في القرآن إلى أنه موجه للجنس البشري قاطبة، وقد تأكد ذلك عمليا بانتشار الإسلام في العالم كله، وقبله بشر من كل الأجناس تقريبا.. إن القرآن يحظى بقبول واسع بصرف النظر عن لغته، لأنه يتناول القضايا الإنسانية. إننا نؤمن بصدق محمد وإخلاصه عندما يقول: إن كلمات القرآن ليست نتيجة أي تفكير واع منه. إن القرآن لا ينبغي النظر إليه باعتباره نتاج عبقرية بشرية. وإن التجربة النبوية مع الوحي يمكن إيجاز ملامحها الرئيسية فيما يلي: ١- محمد يشعر وهو في حالة وعي أن هناك كلمات

стр. 120

بعينها تلقي في روعه أو تحضر في قلبه أو عقله الواعي. ٢- وأن هذه الكلمات والأفكار لم تكن أبدا نتيجة أي تفكير واع من جانبه. ٣- وأنه يعتقد أن هذه الكلمات التي ألقت في روعه من قبل مندوب أو مبعوث خارجي يتحدث إليه كَمَلَك. ٤- إنه يعتقد أن هذه الرسالة قادمة من الله - تعالى - وعندما تحدى محمد أعداءه بأن يأتوا بسورة من مثل السور التي أوحيت إليه كان من المفترض أنهم لن يستطيعوا مواجهة التحدي، لأن السور التي تلاها محمد هي من عند الله، وما كان لبشر أن يتحدى الله، وليس من شك في أنه ليس من قبيل الصدفة أيضا أن كلمة "آية" تعني علامة على القدرة الإلهية وتعني أيضا فقرة من الوحي. وعندما تمت كتابة هذا الوحي شكل النص القرآني الذي بين أيدينا.. وفي الحديث عن جمع القرآن نجد أن كلمة (جمع) قد استخدمت في آيات قرآنية مهمة:

стр. 121

﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٩) ومن الممكن أن يكون التفسير الطبيعي لهذه الآيات: أن محمدا ما دام يتبع تلاوة ما يتلوه عليه جبريل فإن الله متكفل بجمع الآيات المتفرقة أو التي أوحى بها في أوقات مختلفة ليجعلها في سياق واحد. وإذا لم يكن محمد هو الذي رتب القرآن بناء على وحي نزل عليه، فمن الصعب أن نتصور أن زيد بن ثابت (١١ق. هـ - ٤٥ هـ ٦١١-٦٦٥م) أو أي مسلم آخر يقوم بهذا العمل ومن هنا فإن كثيرا من السور قد اتخذت شكلها الذي هي عليه منذ أيام محمد نفسه. إن القرآن كان يسجل فور نزوله وقد جمع رسميا "سنة ٣٠ هـ - سنة ٦٥٠م" ولو احتفظ يهود العصر ومسيحيوه بيهوديتهم ومسيحيتهم في حالة نقاء لاعترفوا بالرسالة التي ألقاها الله غليهم عن طريق محمد تماما كما فعل ورقة بن نوفل

стр. 122

(١٢ق. هـ /٦١١م) الذي أفادت الروايات أن استجابته كانت إيجابية لمحمد. ومن هنا يمكن أن نقول إن إشارات القرآن إلى تحريف لحق اليهودية والمسيحية بصورتهما الموجودة في أيامه "أيام محمد" قول صحيح. إن القرآن يؤكد أن الإسلام هو دين مطابق لدين إبراهيم الخالص وثمة ما يؤكد أن الإسلام كان بمثابة مستودع لدين إبراهيم في حالة نقائه الأولى (١) . *** هكذا شهدت ملكات الفصاحة والبلاغة والبيان وملكات الفكر والمنطق والعقلانية في المحيط العربي وخارجه من المسلمين وغير المسلمين للإعجاز القرآني المتحدي على امتداد عمر الإسلام منذ أن نزل الوحي بهذا القرآن وحتى هذا العصر الذي نعيش فيه..

стр. 123

فهل يصح بعد هذا أن يقول كاتب هذا المنشور التنصيري: "إن محمدا لم يأت بمعجزة"؟! وإذا كان مفهوم المعجزة عند كاتب هذا المنشور التنصيري هو المعجزة المادية التي كانت طابع المعجزات في الرسالات التي سبقت الإسلام والتي كانت ملائمة لطفولة العقل البشري - التي تتوق لما يدهش العقل- فإن بلوغ البشرية سن الرشد قد اقتضى تحولا في طبيعة الإعجاز فكانت معجزة القرآن عقلية تستنفر العقل للتعقل والتدبر والتفكر وتحتكم إليه وتعلي سلطانه. ولقد كان الوثنيون جريا على المألوف في النبوات السابقة يطلبون من رسول الإسلام ﷺ أن يأتيهم بالمعجزات المادية وليس بالقرآن المعجزة العقلية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)

стр. 124

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٩-٩٦) لقد كانوا يطلبون المعجزات المادية التي تدهش العقول فتشلها عن التفكير لكن رسول الإسلام قال لهم إن الله قد شاء أن تكون لمعجزته - القرآن - طبيعة خاصة وجديدة.. أن تكون معجزة عقلية تستنفر العقل وتحتكم إليه، وذلك لتناسب مرحلة بلوغ الإنسانية سن الرشد وتجاوزها مرحلة "الخراف الضالة" ولذلك كان القرآن المعجز المتحدي الذي صرف الله فيه من كل مثل.. وعن هذه الحقيقة - حقيقة تغير طبيعة المعجزة في الرسالة الإسلامية - يقول الإمام محمد عبده: "لقد تآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس على

стр. 125

لسان نبي مرسل بتصريح لا يقبل التأويل.. فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي، والنظر عنده هو وسيلة الغيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحجة وقاضاك إلى لعقل ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فالله يخاطب في كتابه الفكر والعقل والعلم بدون قيد ولا حد، والقرآن قد دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم، فهو معجزة عرضت على العقل وعرفته القاضي فيها وأطلقت له حق النظر في أنحائها ونشر ما انطوى في أثنائها فالإسلام لا يعتمد على شئ سوى الدليل العقلي والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري، فلا يدهشك بخارق للعادة، ولا يغشي بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية، والمرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به (١) هكذا انتقلت طبيعة المعجزة إلى "كيف جديد" بعد أن بلغت الإنسانية سن الرشد، فلم تعد "الخراف الضالة" فكان القرآن معجزة عقلية ناسبت ذلك الطور الجديد.. وفارقت الطابع المادي للمعجزات الذي ناسب تلك

стр. 126

المرحلة التي قال فيها القديس أغسطين (٣٥٤-٤٣٠م) : "أومن بهذا لأنه محال أو غير معقول"!! وقال عنها القديس أنسيلم (١٠٣٣-١١٠٩م) : "يجب أن تعتقد أولا بما يعرض على قلبك بدون نظر فليس الإيمان في حاجة إلى نظر عقل"!! (١) حتى شاعت في ذلك "الفكر اللاعقلاني" مقولات من مثل: "اعتقد وأنت أعمى"!! وأغمض عينيك واتبعني!! "وإننا نصدق ونؤمن حتى ولو لم يكن ما نؤمن به معقولا"!! (٢) . ثم إن هذا الطابع العقلي لمعجزة القرآن الكريم قد واكب ولبى احتياجات كونه المعجزة الخاتمة والخالدة التي ستواكب تقدم الإنسانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. كما حقق - وللمرة الأولى - في تاريخ المعجزات اتحاد الرسالة ب - "الإعجاز" وذلك بعد أن كانت "كتب الدين" في

стр. 127

الرسالات السابقة - منفصلة عن المعجزات المادية التي أظهرها الله على أيدي المرسلين. *** وإذا كان التحدي - في رسالة الإسلام - قد وقع بالإعجاز القرآني دون سواه، فإن جمهور علماء المسلمين يؤمنون بأن رسول الإسلام ﷺ قد أظهر الله على يديه الكثير من المعجزات المادية التي لم يقع التحدي بها. ولقد تضمن النص القرآني المحكم والقطعي الدلالة والثبوت الحديث عن معجزة مادية كبرى أظهرها الله على يد رسول الإسلام وتم بها الامتحان والاختبار والتحدي لأهل مكة وهي معجزة الإسراء بالرسول ﷺ من المسجد الحرام - مكة - إلى المسجد الاقصى المقدس، ثم العودة بإعجاز خارق للقوانين المعتادة في مثل هذه الرحلات: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: ١)

стр. 128

كما تحدث القرآن الكريم عن معجزة مادية أخرى بالغة في إعجازها - أظهرها الله على يدي رسول الإسلام وهي معجزة العروج به إلى السماوات العلى في ليلة الإسراء: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (النجم: ١-١٨) نعم لقد أظهر الله على يدي رسول الإسلام ﷺ آيات معجزات مادية كبرى لكن ظل التحدي فقط بالمعجزة العقلانية، معجزة القرآن الكريم، لأنها الحجة الدائمة أبدا للرسالة الخالدة أبدا، والتي لا يقتصر إعجازها وتحديها على عصر ظهورها، ولأنها الجامعة "للرسالة" و"للإعجاز" جميعا.. ولأنها الجامعة للهدى في الدنيا وفي الآخرة

стр. 129

ولصناعة الإنسان السوي والمجتمع السوي عبر الزمان والمكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. تلك هي حقيقة معجزة محمد ﷺ التي غفل عنها أو تغافل كاتب هذا المنشور التنصيري عندما قال "إن محمدا لم يأت بمعجزة". وكما كان هدف هذا المنشور التنصيري من وراء نفي العصمة عن الأنبياء والمرسلين وادعاء سقوطهم في الخطيئة والزعم بأن رسول الإسلام ﷺ لم يأت بمعجزة.. كما كان الهدف من وراء تنقيص الأنبياء والمرسلين هو إبراز فرادة وتفرد المسيح ﵇ وصولا إلى تأليهه بدعوى أنه "الوحيد الكامل كمالا مطلقا بلا أي خطية فعلية أو أصلية، فهو غير مولود وارثا لطبيعة الخطية الأصلية من أبينا آدم". كما كان هذا هو الهدف من وراء "تنقيص الأنبياء والمرسلين" لإفراد المسيح بالكمال المطلق كانت مقاصد هذا المنشور التنصيري من وراء بخس الأنبياء والمرسلين حظوظهم في المعجزات لإبراز تفوق المسيح عليهم جميعا في كم المعجزات وكيفها!

стр. 130

ففي الصفحات ٢٢-٢٥ يسرد هذا المنشور التنصيري أربعة عشر إعجازا يقول إن المسيح قد تفرد بها وأن عددها وطبيعتها تدل على الطبيعة الإلهية للمسيح، ومن هذه المعجزات: إحياؤه الموتى، وشفاؤه المرضى، وعلمه للغيب إلخ.. إلخ ونحن في الرد على دعاوى توظيف معجزات المسيح ﵇ لتأليهه، ودعاوى تفرده في الإعجاز كيفا وكما نقول: إن المعجزة هي علامة وآية خارقة للعادة يظهرها الله على يد مدعي النبوة والرسالة لتقوم دليلا معجزا على صدق دعوته يتحدى بها الرسول الذين لا يصدقون دعوته ورسالته. وواحدة من هذه المعجزات تكفي للبرهنة على صدق الرسول، أما كثرة المعجزات فلها علاقة بمستوى التكذيب لدى القوم، ومستوى الغلظة التي هم عليها، ولا علاقة لكثرة المعجزات بمستوى التكريم للرسول ولا بمنزلته، وإلا فمعجزات موسى ﵇ أكثر في العدد والإدهاش من معجزات أبي الأنبياء إبراهيم ﵇. ومن معجزات موسى التي استدعتها غلظة قلوب بني

стр. 131

إسرائيل وعتو فرعون: ١- إنقاذه من الذبح وهو وليد. ٢- وإنقاذه من الغرق في اليم. ٣- وإيحاء الله إلى أمه. ٤- وإرجاعه إلى أمه لترضعه. ٥- ونجاته من فرعون. ٦- وتجلي الله له. ٧- وتكليم الله إياه. ٨- والعصا التي أصبحت حية تلقف ما صنع الساحرون، وإحياء العصا أبلغ من إحياء الميت.! ٩- وفلق البحر له ولبني إسرائيل كالطود العظيم. ١٠- وهلاك فرعون وملئه. ١١- ونتوء الجبل. ١٢- والتقلبات التي حدثت ليده. ١٣- وإنزال المن والسلوى له ولمن معه.. إلخ.. إلخ ومثل كثرة المعجزات على يد رسول من الرسل، كثرة

стр. 132

الرسل في قوم من الأقوام ليست علامة تكريم للقوم ورفعا لشأنهم بقدر ما هي دليل على غلظة قلوبهم وكثرة خروجهم على هدي الشريعة الإلهية كما هو الحال في بني إسرائيل، فكثرة المعجزات ككثرة الرسل في قوم من الأقوام هي ككثرة القوانين في مجتمع من المجتمعات ليست دليلا على الامتياز بقدر ما هي دليل على غلظة القوم وكثرة عصيانهم وخروجهم على الهدي والقانون. لقد قال المسيح ﵇ عن يوحنا المعمدان ﵇: "الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" ومع ذلك فليس ليوحنا المعمدان معجزات!. ولقد كان إحياء المسيح الموتى إعجازا من الله بإذن الله وأعظم منه في الإعجاز، تلك الحياة التي دبت في عصا موسى حتى صنعت المعجزات. وإذا كان المسيح ﵇ قد أشبع الجوعى بمعجزة من الله، فإن موسى ﵇ قد أطعم بني إسرائيل المن والسلوى بمعجزة من الله - الخروج ١٦: ٤-٣١. وأعجب من معجزة المسيح شفاء الأبرص.. معجزة

стр. 133

موسى عندما أخرج يده من جيبه سليمة صحيحة ثم أدخلها في عبه فلما أخرجها إذا هي برصاء بيضاء كالثلج فلما رده إلى عبه مرة أخرى ثم أخرجها إذا هي صحيحة سالمة. وكذلك معجزة اليشع - اليسع - الذي جاءه نعمان رئيس جيش ملك آرام ليشفيه من البرص فطلب منه اليشع الاغتسال في نهر الأردن سبع مرات متتالية فبرئ من البرص فور فعله لذلك. ومعجزة تشكيل عيسى من الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيها لتصبح حية بإذن الله أعجب منها تحول عصا موسى وهي كما هي دون تشكيل إلى حية تسعى وتلقف ما صنع الساحرون. ومعجزة عيسى إحياء الموتى بإذن الله لها نظائر مثلها وأكثر منها وأسبق في معجزات أنبياء بني إسرائيل.. فالنبي إيليا - إيلياس- تخبره امرأة بقرية صرفة بموت ولدها فيرده "إيليا حيا معافى ويقول للمرأة انظري ابنك حي"! وأعجب من هذه المعجزة معجزة اليشع - اليسع - الذي بشر المرأة الشوغية بمولود تلده ويكون في حضنها في مثل هذا الوقت من العام القادم ولما تحققت هذه المعجزة وكبر

стр. 134

الولد ومرض ومات سافرت المرأة إلى اليشع وأخبرته بموت ولدها فجاء إلى قريتها وأحيا الولد بإذن الله. ومثل هذه المعجزات - إحياء الميت - قصة ذلك الميت الذي كان يحمله أهله في النعش ليدفنوه، فلما أبصروا الغزاة قادمين ذعروا وألقوا الميت فسقط على قبر النبي "اليشع" وبنص العهد القديم الذي يؤمن به النصارى فلما مس جسد الميت عظام اليشع عاش وقام على رجليه! - سفر لملوك الثاني ١٣: ٢١ - أي أن اليشع قد أحيا الموتى وهو ميت!! فكان في المعجزات أبلغ وأكثر إدهاشا من المسيح ﵇! ومعجزة المسيح تكثير الطعم القليل أسبق منها وأعجب ما صنعه اليشع عندما جاءته امرأة من بني الأنبياء كان زوجها تقيا، فسألته ماذا تفعل وهي فقيرة لا تملك سوى قطرات قليلة من الزيت، مع المرابي الذي يطالبها بسداد الدين الذي عليها، فطلب منها اليشع أن تذهب فتستعير من جميع الجيران كل ما لديهم من الأوعية الفارغة، وقال لها: ثم ادخلي وأغلقي الباب على نفسك وعلى بنيك وصبي في جميع هذه الأوعية زيتا ثم قال لها اليشع "اذهبي بيعي الزيت وأوفي دينك وعيشي أنت وبنوك بما بقى"! - سفر الملوك

стр. 135

الثاني ٤: ٧. ومثل هذه المعجزات كذلك ما صنعه اليشع بالأرغفة العشرين عندما أمر خادمه أن يقدمها طعاما للشعب ليأكلوا منها فلما قال له الخادم: - ماذا؟! هل أجعل هذا أمام مائة رجل؟! - قال للخادم: أعط الشعب ليأكلوا لأنه هكذا قال الرب: ياكلون ويفضل عنهم فأكلوا وفضل عنهم حسب قول الرب. سفر الملوك الثاني ٤: ٤٢، ٤٣. وأعجب من ذلك في الإعجاز والإدهاش ما صنعه النبي إليا - "إلياس" - مع المرأة في قرية صرفة عندما طلب منها طعاما وشرابا إبان القحط والجفاف فلما أخبرته بأن كل ما في بيتها لا يتعدى ملء كف من دقيق، بشرها بأن ما عندها لن ينفد أبدا، وسيكفيها وأسرتها ثلاثة أعوام حتى يجئ المطر فتحققت المعجزة. سفر الملوك الأول ١٧: ٤-٦. ومثل هذا وأعجب معجزة "إليا" - "إلياس" - الذي كانت تأتيه الغربان بقوته، وتطعمه في اليوم مرتين، فتأتيه بخبز ولحم صباحا، وتأتيه بمثلها مساء، ويشرب من ماء النهر. سفر الملوك الأول ١٣: ٤-٦.

стр. 136

وعندما هرب إلياس من ملك الإثنيين مخافة أن يقتلوه ونام في مكان مهجور في انتظار الموت من شدة الجوع والعطش "إذا بملاك مسه وقال: قم وكل لأن المسافة كثيرة عليك فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهارا وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب ودخل هناك المغارة وبات فيها. سفر الملوك الأول ١٩: ٥-٩ (١) . *** ففي هذه المعجزات وأمثالها لأنبياء كثيرين من الذين بعثوا في بني إسرائيل والتي ورد ذكرها في الكتاب المقدس الذي يؤمن به النصارى فيها ما هو أعجب من معجزات المسيح ﵇ ومع ذلك لم يقل أحد - حتى من النصارى - بألوهية الأنبياء الذين تفوقوا على المسيح في هذه المعجزات. فلا المسيح قد تفرد بالإعجاز ولا كثرة الإعجاز وإدهاشه دليل على ألوهية من ظهرت على يده هذه المعجزات. إن كثرة المعجزات وشدة إدهاشها لا علاقة لها بتفاضل

стр. 137

مراتب الأنبياء والمرسلين، وإنما هي تابعة لغلاظة قلوب القوم الذين بعث فيهم هؤلاء الأنبياء ثم إنها جميعا خلق الله الواحد الأحد الذي خلقها وأظهرها تأييدا لعباده الأنبياء والمرسلين. وهكذا سقطت حجة كاتب هذا المنشور التنصيري التي توسل بها لتأليه المسيح ﵇ عن طريق دعوى تفرده وتميزه في المعجزات وعن طريق تنقيص الأنبياء والمرسلين في العصمة والإعجاز. ***

стр. 138

وأخيراً فلقد توسل كاتب هذا المنشور التنصيري بالكذب والتدليس ليصل إلى مقاصده في إثبات عقائد النصارى في تأليه المسيح وصلبه وقتله على الصليب، وفي سبيل ذلك كذب ونسب إلى الإمام الفخر الرازي رفضه فكرة إلقاء الشبه - شبه المسيح - على يهوذا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧) لأن ذلك: أ - يفتح الباب للسفسطة. ب - ويضيع الثقة في الإجراءات مثل "النكاح والطلاق والمِلك" ج - ويطعن في التواتر وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع والسنن التي نقلت للأجيال التالية: أ. هـ وفي هذا الذي نسبه الكاتب إلى الرازي كذب وتدليس، فالرازي قد أورد هذا الذي ذكره الكاتب في صيغة "الاعتراض

стр. 139

المفترض" الذي قد يذكره البعض.. ثم أجاب عليها ناقضا إياه ورافضا له وذلك عندما قال تحت عنوان: والجواب: "إنا نقول: إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب" (١) فينفي الرازي أن يكون هناك تواتر فيما قاله النصارى عن صلب المسيح وقتله، ثم يعود الرازي فيقطع في تفسيره لقول الله : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (النساء: ١٥٧، ١٥٨) يقطع "بان الله - تعالى - أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا، ثم أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه" (٢) وانطلاقا من هذا اليقين بأنهم لم يقتلوه أورد الرازي مذاهب العلماء: ١- مذاهب الذين قالوا: "إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه

стр. 140

الله إلى السماء". ٢- ويذهب الذين قالوا إن الله قد ألقى شبهه على إنسان آخر مع تعدد الآراء فيمن كان هذا الإنسان الذي ألقي عليه الشبه (١) . لتكون خلاصة رأي الرازي في قضية الصلب والقتل هما: "أن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه". ولقد كرر الكاتب هذا الكذب والتدليس في حديثه عن رأي الرازي في تحريف اليهود للتوراة وذلك عندما أورد ما ذكره الرازي عن تواترها وأن التشكيك في التواتر يفتح الباب للسفسطة ويضيع الثقة في الشرائع والمعاملات. كرر الكاتب هذا الكذب والتدليس عندما وقف عند "الاعتراض" الذي أورده الرازي ولم يشر إلى رد الرازي على هذا الاعتراض وتفنيده له!! ففي تفسير الإمام الرازي لقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ (المائدة: ٤١)

стр. 141

قال: "إنهم سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة (١) كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه (٢) فكانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر (٣) : ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٧٩) ثم خلص الرازي إلى أن اليهود قد حرفوا التوراة بكل ألوان التحريف "التحريف اللفظي" بإخفاء ألفاظ واستبدالها والتحريف المعنوي بالتأويلات الفاسدة التي تخرج النصوص عن معانيها ومقاصدها.. انتهى الرازي إلى ذلك عندما علل استخدام القرآن الكريم في سورة النساء لتعبير: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ﴾ واستخدامه في سورة المائدة تعبير:

стр. 142

﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ فقال: "لقد ذكر الله هنا في النساء عن مواضعه وفي المائدة "من بعد مواضعه" والفرق: أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة فهنا قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك الألفاظ من الكتاب، وأما الآية المذكورة في سورة المائدة: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ فهي دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب فقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ إشارة إلى إخراجه من الكتاب (١) فالرازي يقطع بأن المسيح ﵇ لم يصلب ولم يقتل، كما يقطع بأن اليهود قد حرفوا التوراة بكل ألوان التحريف - التحريف في الألفاظ، والتحريف في التأويلات الباطلة، وذلك على عكس

стр. 143

الكذب والتدليس الذي نسبه كاتب هذا المنشور التنصيري إلى هذا الإمام العظيم فخر الدين الرازي عندما اقتطع من كلام الرازي "الاعتراض - المفترض" ولم يذكر جواب الرازي على هذا الاعتراض (١) . *** وكما كذب كاتب هذا المنشور التنصيري ودلس فيما افتراه على الإمام الرازي، كذلك صنع فيما نسبه إلى الإمام البيضاوي، وذلك عندما صور لقارئه أن البيضاوي لا يتبنى نفي صلب المسيح وقتله، وإنما يقول إن كيد اليهود ذهب وطاش إذ عاد المسيح حيا ورفعه الله إليه. فكأن البيضاوي وفق هذا الكذب والتدليس يعترف بأن المسيح قد قتل، ثم عاد حيا بالقيامة:

стр. 144

ونحن نقول إن هذا الذي ادعاه هذا الكاتب على الإمام البيضاوي هو كذب صراح وافتراء بواح فالبيضاوي في تفسيره لآية سورة النساء ١٥٨ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ يقول: "روى أن رهطا من اليهود سبوه وأمه فدعا عليهم فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة"؟ فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وقيل: كان رجلا ينافقه فخرج ليدل عليه فألقى الله عليه شبهه فأخذ وصلب وقتل وقيل: دخل طيطانوس اليهودي بيتا كان فيه "المسيح" فلم يجده وألقى الله عليه شبهه فلما خرج ظن أنه عيسى فأخذ وصلب. وأمثال ذلك من الخوارق التي لا تستبعد في زمان النبوة فوقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول. "بل رفعه الله إليه": رد وإنكار لقتله وإثبات لرفعه (١) .

стр. 145

فالبيضاوي يثبت كل الروايات التي تتحدث عن إلقاء شبه المسيح على رجل آخر غيره.. وأن القتل والصلب إنما كان لغيره ويقطع بأن رفعه إلى الله هو "إنكار لقتله" ومن ثم فهو البيضاوي يرفض وينكر عقائد المسيحيين في الصلب والقتل لعيسى ﵇.. الأمر الذي يقطع بتعمد كاتب هذا المنشور التنصيري للكذب على علماء الإسلام والتدليس فيما ينسبه إليهم! *** وكما كان البيضاوي واضحا وحاسما ككل علماء الإسلام في نفي الصلب والقتل عن المسيح ﵇ كان واضحا وحاسما في القطع بان اليهود قد حرفوا التوراة فقال في تفسيره لآية سورة المائدة: ١٣ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ قال "هذا بيان لقسوة قلوبهم فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله والافتراء عليه و"نسوا حظا مما ذكروا به"
следующие страницы →