Полный текст (6 576 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
سلسلة إصدارات الناشر المتميز (١٠٦)
التاريخ الكبير
للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري
المتوفى سنة ٢٥٦ هـ
رواية أبي الحسن محمد بن سهل البصري الفسوي
مقابلة برواية ابن فارس الدلال، وجزء من رواية عبد الرحمن بن الفضل الفسوي، على ثمانية أصول خطية
تحقيق ودراسة
محمد بن صالح بن محمد الدباسي ومركز شذا للبحوث بإشراف محمود بن عبد الفتاح النحال
المجلد الأول
الناشر المتميز للطباعه والنشر والتوزيع
الرياض
стр. 2
التاريخ الكبير
للإمام أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري
المجلد الأول
стр. 3
(ح) محمد بن صالح بن محمد الدباسي، ١٤٤٠ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
البخاري، محمد بن إسماعيل
التاريخ الكبير. محمد بن إسماعيل البخاري؛ محمد بن صالح الدباسي - بريدة، ١٤٤٠ هـ
١٢ مج.
ردمك ٩ - ٨٦٠٨ - ٠٢ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٦ - ٨٦٠٩ - ٠٢ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١)
١ - الحديث- تراجم الرواة. . . أ- الدباسي، محمد بن صالح (محقق)
ب- العنوان
ديوي ٢٣٤.٦. . . ٣٢٦٥/ ١٤٤٠
رقم الإيداع: ٣٢٦٥/ ١٤٤٠
ردمك: ٩ - ٨٦٠٨ - ٠٢ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٦ - ٨٦٠٩ - ٠٢ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١)
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٤٠ هـ -٢٠١٩ م
الناشر المتميز
المملكة العربية السعودية
الرياض- حي الفلاح
أمام البوابة رقم ٢ لجامعة الإمام
جوال/ ٠٥٠٩٢٢٤٢٤٢
almotmiz ١٤٣٧ h@gmail.com
دار النصيحة
المملكة العربية السعودية
المدينة النبوية
أمام البوابة الجنوبية للجامعة الإسلامية
جوال ٠٥٩٥٩٨٢٠٤٦
daralnasihaa@gmail.com
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
نحمَد اللَّه تعالى حقَّ حمده، ونصلِّي ونسلِّم على خيرِ خلْقِه، وأمينِه على وحيه، نبيِّنا محمد ﷺ ومَن اتبع نَهجَه إلى يوم الدين.
أما بعدُ:
فإنه ممَّا لا جِدالَ فيه أنه لا كمالَ لهذا الدين إلا بالحِفاظ على سُنة نبيِّنا محمَّد ﷺ ، أكملِ الخلق وأعظم الأنبياء، عليهم جميعًا أفضل الصَّلاة وأتم التَّسليم.
وقد أكرمَ اللَّهُ تعالى ذِكرُه هذه الأمة بأن قيَّض رجالًا ذبُّوا عن سُنة نبيه ﷺ مِن عَبَث العابثين، وضلال المضِلين، فقاموا بتدوين هَديِه ﷺ قولًا وفعلًا وتقريرًا، وهُم إذ يفعلون ذاك فإنهم على علمٍ تامٍّ بجليل ما يجمعونه. . . مُتَحَلِّين بعزيمةٍ لا يَعتريها فُتورٌ؛ مسترشِدين بقوله ﷺ : "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً". منتبهين لما هو مَنتحَل مُفترًى وليس من سُنته، وما هو من مَعِين نوره صلوات اللَّه وسلامه عليه، متمكِّنين من أدواتهم العلمية التي توارثوها جيلًا بعد جيلٍ. وإن من أَخَصِّ خصائص هذه الأمَّة الإسلامية أن وَفَّقَها اللَّه سبحانه إلى منهجٍ أصيل، وعِلْمٍ جليل، ذلكم هو علم الرُّواة والجرح والتعديل، وقد تكلم كثير من الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدهم في بيان أحوال الرواة، تَوَرُّعًا وصَوْنًا للشَّريعة، وليس طعنًا في النَّاس.
стр. 6
وقد تميّز عِلم الحديث الشَّريف بمنهجيةٍ علمية فريدة قائمةٍ على الاستقراء والبحث، والنقد والاستنباط، فجَمَع بين جنباته جُلَّ المناهج المطروقة في البحث العلمي في كل أطواره، ما بين النَّشأة والنضج، ولأجل هذا حاز هذا العلمُ الشريفُ ثناءَ العلماء المسلمين وغيرهم. يقول المستشرق مرجليوث: "والمسلمون محقّون في الفخر بعلم حديثهم" (١).
وقد قيَّض اللَّه لخدمة هذا العلم الجليل أئمَّةً أعلامًا على مدار التَّاريخ الإسلامي، منهم الإمام المحدِّث، حافظ الإسلام، ذروة الجهابذة النُّقَّاد الأعلام، شيخ السُّنة والحديث، وطبيب عِلَلِه في القديم والحديث، محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاريّ (ت ٢٥٦ هـ).
ولم يكن البخاريُّ أولَ من تكلم في الرجال؛ فقد اشتهر بنقد الرجال قَبْله إمامُ دار الهجرة أبو عبد اللَّه مالكُ بنُ أنسٍ، والسُّفْيَانَان، وشُعبةُ بنُ الحجاج، ثم يحيى بنُ سعيد القَطَّان، وعبدُ الرحمن بنُ مَهدي، وعبدُ اللَّه بنُ المبارك، ثم أبو عبد اللَّه أحمدُ بن محمد بن حنبل، ويحيى بنُ مَعِين، وعليُّ بنُ عبد اللَّه المَدِينيُّ، وكان ألصقهم بهذا الفن أربعة، فقد قال تقِي الدين أبو عَمرو بن الصَّلاح (ت ٦٤٣ هـ): رُوِّينَا عن صالح بنِ محمد الحافظ جَزَرَة قال: "أول مَن تكلم في الرجال شُعبة بن الحجاج، ثم تَبِعَه يحيى بن سَعيد القَطان، ثم بعده أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين" (٢).
وجاء بعد هذه الطَّبقة الإمام الحافظ أبو عبد اللَّه البخاري، وكأنه حاول
_________
(١) "محاضرات عن المؤرخين العرب" (ص ٢٠)، ترجم هذه الجملة د. عبد اللَّه الشهري.
(٢) "معرفة أنواع علوم الحديث" (ص ٣٨٨).
стр. 7
استيعاب الرواة من الصَّحابة فمَن بعدهم إلى طبقة شيوخه، فكان أنْ صَنَّفَ كتابه العظيم "التَّاريخ الكبير".
وللبخاريِّ ﵀ إمامته وجلالته، ولتاريخه أهميته ومزاياه، وقد أَعْظَمَ شيوخُهُ ومَن في طبقتهم "تاريخَه"، حتى إن شيخه الإمام إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن رَاهَوَيْهِ (ت ٢٣٨ هـ) لَمَّا رأى "التَّاريخ" لأول مرة لم يتمالك أن قام فدخل به على الأمير عبد اللَّه بن طاهر، فقال: "أيُّها الأَمِيرُ، أَلَا أُرِيكَ سِحْرًا؟ ! " (١).
وقال أبو العباس بنُ عُقْدة (ت ٣٣٢ هـ): "لو أن رجلًا كتب ثلاثين ألفَ حديثٍ لَما استغنى عن "كتاب تاريخ محمَّد بن إسماعيل" (٢).
وقال أبو أحمد الحاكمُ الكبير (ت ٣٥٨ هـ): "كتاب محمد بن إسماعيل رحمة اللَّه عليه في التَّاريخ كتاب لم يُسبق إليه، ومن ألَّف بعده شيئًا من التَّاريخ أو الأسامي لم يَستغنِ عنه" (٣).
وقال أبو عبد اللَّه الحاكمُ النيسابوريُّ (ت ٤٠٥ هـ) في النوع الأربعين من علوم الحديث: معرفة أسامي المحدثين: "وقد كفانا أبو عبد اللَّه محمَّدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ ﵀ هذا النَّوْع، فشفى بتصنيفه فيه وبيَّن ولخَّص" (٤).
وقال مُغلطاي (ت ٧٦٢ هـ): ""التَّاريخ الكَبير" لا يَترك النَّظرَ فيه من
_________
(١) "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٢٦).
(٢) السابق (٢/ ٣٢٦).
(٣) "الأسامي والكنى" (٢/ ٣٢١).
(٤) "معرفة علوم الحديث" (ص ٥٠٤).
стр. 8
تَسْمُو همّتُه للنَّظر في العِلم؛ سيَّما علم الحديث؛ سيَّما مَن يتصدَّى للتّصنيفِ" (١).
وقد اختصر البخاريُّ في "تاريخه"؛ إذ قصَدَ استيعاب الرواة، وكره أن يطول الكتاب، فيقول ﵀: "فلما طعنتُ في ثماني عشرة صنَّفتُ كتاب قضايا الصَّحابة والتَّابعين، ثم صنفتُ "التَّاريخ" بالمدينةِ عند قبر النبيِّ ﷺ ، وكنتُ كتبه في الليالي المُقْمِرَة، وقَلَّ اسمٌ في "التَّاريخ" إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ أن يطول الكتاب" (٢).
ويُعَدُّ "التَّاريخ الكبير" أصلًا لكل ما كُتِبَ بعده، قال أبو أحمد الحاكمُ: "ومَن تأمَّل كتاب مسلم بن الحَجاج في "الأسماء والكُنَى" عَلِمَ أنه منقول من كتاب محمد بن إسماعيل، حَذْوَ القُذَّة بالقذة" (٣).
وهذه شهادة من الإمام الحافظ أبي أحمد الحاكم أن كِتاب الإمام مسلم بن الحجاج، الذي سماه "الأسماء والكُنَى"، إنما هو منقول عن "التَّاريخ الكبير"، سوى مواضع معدوداتٍ زاد فيها على كتاب البخاريِّ، ولعله استدركَ بعض أسماء الرواة ممن لم يذكرهم البخاريُّ، أو زاد في تراجم بعضهم على ما كتبه البخاري.
ومما تجدر ملاحظته أن بعضًا من العلماء أَلَّفُوا كتبًا لم تكن سوى نقْلٍ لكُتب مَن تقدَّمهم، مع إضافة اليسير، أو حذفه، أو اختصاره. ولعل ما يُسَوِّغُ
_________
(١) "إكمال تهذيب الكمال" (٤/ ٩٥).
(٢) "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٢٥).
(٣) "الأسامي والكنى" (٢/ ٢٧٤).
стр. 9
لعلمائنا الأقدمين صنيعهم هذا هُو أنه إذا نَسَخَ عالِمٌ كتابَ عالِم آخر فلا بد أن يظهر له أثناء النَّسخ إضافات وتعديلات، فإذا أضاف واختصر ونقَّح فقد أصبح الكتاب بين يديه جديدًا، وحينذاك يُضاف الكتاب إلى العالم الثَّاني بتسمية جديدة ويُنْسَبُ إليه.
ولعل من أشهر الكتب التي تناولت تاريخ رواة الحديث جرحًا وتعديلًا "كتاب الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧ هـ)، وقد عُدَّ مرجعًا مهمًّا لكلِّ مَن كتب بعده في موضوعه وما يتصل به، ومادة هذا الكتاب في معظمها مُسْتَقَاة من "كتاب التَّاريخ الكبير" (١).
وقد نقل الخطيبُ البغداديُّ عن الحافظ أبي أحمد الحاكم أنه قال: "كنتُ بالرَّيِّ، فرأيتهم يومًا يقرءون على أبي محمد بن أبي حاتم "كتاب الجرح والتعديل"، فلما فرغوا قلتُ لابن عَبْدُويَه الوراق: ما هذه الضُّحْكَةُ! أراكم تقرءون "كتاب التَّاريخ" لمحمد بن إسماعيل البخاري على شيخكم على الوجه، وقد نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم! فقال: يا أبا أحمد، اعلم أن أبا زُرعة وأبا حاتم لما حُمِلَ إليهما هذا الكتاب قالَا: هذا علم حسن لا يُسْتَغْنَى عنه، ولا يحسُن بنا أن نذكره عن غيرنا" (٢).
ولعل أبا أحمد الحاكم ﵀ إنما سمعهم يقرءون بعض التراجم القصيرة التي لم يَتَّفقْ لابن أبي حاتم فيها ذِكْر الجرح والتعديل، ولا زيادة مهِمة على ما في "التَّاريخ"، وكون كتاب البخاري أصلًا لكتاب ابن أبي حاتم
_________
(١) انظر "دعوة الحق"ع (١٧٠).
(٢) "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٨).
стр. 10
يجب ألَّا يصل إلى غَمْط الثاني حَقَّه، والوقوع في المبالغة.
"ولا ريب أن ابنَ أبي حاتم حَذَا في الغالب حَذْوَ البخاريِّ في الترتيب، وسياق كثير من التراجم، وغير ذلك، لكن هذا لا يغضُّ من تلك المَزِيّة العظمى، وهي التَّصريح بنصوص الجرح والتعديل، ومعها زيادة تراجم كثيرة، وزيادات فوائد في كثير من التراجم، بل في أكثرها، وتدارُك أوهام وقعت للبخاريِّ، وغير ذلك" (١).
* * *
_________
(١) "مقدمة تحقيق الجرح والتعديل" للمعلمي (ي).
стр. 11
التَّعريف بـ "التَّاريخ الكَبير" للبخاريِّ (١)
يُعدُّ "كتابُ التاريخ الكبير" من أعظم كتب النقد الحديثي، وأغزرها فوائدَ، بَيْدَ أنه رفيعُ المستوى، عسيرُ المنال في بعض الأحيان، حتى على المتخصِّصين، وقد أبدع العلَّامة مُغلطاي في وصفه بقوله: "عادة البخاري ﵁ يذكر شيئًا، ويعترض بشيء، ثم يذكر شيئًا آخر، فمن لا يتدبره لا يكاد يفهمه.
ولهذا قال لما بلغه عيبُ مَن عاب "تاريخه": باللَّه، إنَّ مشايخَهم لا يفهمونه، ولا يكادونَ يهْتدونَ لموْضوعه" (٢).
- وقد جمع البخاري في "تاريخه" بين علم العِلل، والجرح والتعديل، والأنساب، وتاريخ الرواة، والأحكام على الأحاديث، وجمهرة من الفوائد المتعددة.
- ورتَّب تراجم "تاريخه" على حروف المعجم: "أ، ب، ت، ث،. . . "، كما رتب هؤلاء الرواة على أسماء آبائهم حسب الترتيب الألفبائي، إلا أنَّه قدَّم مَن اسمه محمد على سائر الأسماء؛ لشرف هذا الاسم الكريم.
- وابتدأ بذكر ترجمة النبي ﷺ ، ونسبه إلى آدم ﵇، بعد أن قدَّم لذلك بمقدمة بَيَّنَ فيها فضل قريش على الناس، وذكر شيئًا من صفاتِه ﷺ ، ومدَّة بَعْثه، وذكر كيف بدأ التاريخ الهجري في عهد عُمر بن الخطاب، ثمَّ ذكر تاريخ وفاة النبي ﷺ . وخُطَّته أنه يذكر أسماء الصحابة، ثم التابعين، ثم مَن بعدهم في كل حرف من الحروف.
_________
(١) وانظر "تاريخ البخاريّ" للزرقيّ.
(٢) "إكمال تهذيب الكمال" لمغلطاي، مخطوط بالسليمانية (ج ١/ ق ٢٩٥ ب).
стр. 12
- وتراجم البخاري لرجالِه تتراوح بين الطول والقِصَر؛ فبيْنا نجدُه يُترجِمُ لأحَد الرِّجال بسطرٍ واحدٍ، كما في ترجمتِه لمحمَّد بن عبد اللَّه بن أسيد، ومحمَّد بن عبد الرَّحمن بن فروةَ، ومُحمَّد بن عُمرَ اليافعيِّ، وغيرِهم، إذا به يُترجِمُ لعَبد الرَّحمن بن عبد اللَّه بن كعْب بن مالك الأنصاريِّ بأكثرَ مِن عَشر صفَحاتٍ.
- وغالبُ تراجِم البُخاريِّ يذكر فيها: اسم الرَّاوي، واسم أَبيه، وجدِّه، وكُنيته، ونسبته إلى القبيلة أو البلدة أو كلتَيْهِما، وقلَّما يُطيلُ في الأنساب. ويذكُر بعضَ شُيوخ صاحب الترجمة وتلاميذه، وقد يذكر جميعَ الشُّيوخ والتَّلاميذ إذا كان الراوي من المقِلّينَ؛ ليتميَّز حاله. كما يذكُر أنموذجًا من رواياتِه أو أكثرَ، ولا يُقدِّمُ البخاريُّ معْلوماتٍ وافيةً عن أحْوال الرَّاوي، ويذكرُ أحيانًا الصِّفات الجسميَّة والخُلُقيَّة والعقليَّة للرّواةِ.
- والبخاري يتورَّعُ عن ذِكْر ألفاظٍ حادَّةٍ في الجرح، فغالبًا ما يقول: فيه نظر، يخالف في بعض حديثه. وأشدُّ ما يقول: منكر الحديث.
ونقل الذهبي عن البخاريِّ قولَه: "أرجو أن ألقى اللَّهَ ولا يحاسبني أنِّي اغتبتُ أحدًا". ثمَّ عقَّبَ عليه بقولِه: "قلتُ: صدقَ ﵀. ومَن نظر في كلامِه في الجرح والتَّعديل علِمَ ورعَهُ في الكلام في النَّاس، وإنصافَه فيمَن يضعِّفُه، فإنَّه أكثر ما يقولُ: مُنكرُ الحديثِ، سكَتوا عنه، فيه نظر. ونحو هذا، وقلَّ أن يقول: فلان كذاب. أو: كان يضع الحديث.
стр. 13
حتَّى إنَّه قال: إذا قلتُ: فلانٌ في حَديثه نظر. فهو متهم واهٍ.
وهذا معنى قولِه: "لا يُحاسبُني اللَّه أنّي اغتبتُ أحدًا". وهذا هو -واللَّه- غاية الورع" (١).
- والرواة الذين تكلم فيهم بجرح أو تعديل يَقِلُّون عنْ ألفَي رجلٍ، والرُّواة الذينَ سكتَ عليهِم يَزيدونَ على اثني عشرَ ألفَ راوٍ.
بينما كانت الأحاديث التي تكلم عليها بالنقد تزيد على أربعة آلاف حديث، فكان يقولُ مثلًا: "هذا الحديث أصح، وهذا هو الصحيح، ولا يصح، مرسل، منقطع، لا يتابَع في حديثه، لم يثبت حديثه". ويتكلم على الأسانيد فيقول: "لا يصح فيه ذِكْر فلان"، وغير ذلك.
- وألفاظه في الجرح والتَّعديل متعددة، زادت على مائة لفظة في كتابه "التَّاريخ"، فمن ذلك: "وَرع، ثقة، ثبت، كان امرأَ صِدْقٍ، أمير المؤمنين في الحديث، معروف الحديث".
وأيضًا: "اختلط، تغيَّر بأَخَرَة، ذاهب الحديث، سكتوا عنه، ضعيف، ضعيف جدًّا، صاحب عجائب، فيه نظر، في حفظه نظر، ليس بالحافظ، كذاب، لا يُعْرَف صحيحُ حديثِه من سقيمه، حديثه ليس بالقائم، في حديثه مناكير، عنده مناكير، منكر الحديث، مضطرب الحديث، كثير الوهَم، تَعْرِف وتُنْكِر، يروي المناكير. . . " (٢).
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٣٨).
(٢) "بحوث في تاريخ السنة المشرفة" د. أكرم العمري (ص ١١٤)، "رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل" (ص ٣٠).
стр. 14
" التَّاريخ الكَبير" وتعدُّد إبرازاته بالزِّيادة والنَّقص والإصلاح
" الإبرازات هي المرات المختلفة التي يَظهر أو يُبرَز فيها الكتاب، وتطابق الإبرازة في زماننا الطَّبعة، فكثير من المصنَّفات أُبرِزَت مراتٍ، وبين كلٍّ من هذه الإبرازات وبعضها فروق، لأن المصنِّف بعد إبراز كتابه أولَ مرة يُدَاومُ على تصحيحه، وتوسيع مضمونه، وإضافة الملحقات إليه. وإبراز الكتاب في الأزمنة الماضية كان يحدث. . . بإعادة إملاء المصنِّف كتابَه على طلبته" (١).
وقد بلغ من حِرصِ الإمام البخاريُّ وعنايته بتصانيفه أنه أعاد النَّظر فيها مراتٍ، وقد أخرج "كتاب التَّاريخ الكَبير" ثلاث مراتٍ، وفي كل مرة يَزيد ويَنقُص ويُصلِح.
قال مُسَبِّحُ بنُ سَعيدٍ: "سمعتُ البُخاريِّ يقول: لو نشر بعض أُستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنَّفتُ "كتاب التَّاريخ" ولا عرفوه". ثم قال: "صَنَّفتُه ثلاث مراتٍ" (٢).
ولكثرة ما تعهَّد البخاريُّ كتابَه بالتَّهذيب والتَّنقيح حصل تغايُرٌ في اختلاف روايات الآخِذين عنه، وثبت في رواية بعضهم ما ليس عند غيره من الزيادةِ والنقص والإصلاح، وإذا عُرف هذا، فقد حمل الكتابَ عن مؤلِّفه جمعٌ من أصحابه، وصار لكل واحدٍ نُسخة من الكتاب.
_________
(١) "أصول نقد النصوص ونشر الكتب" جوتهلف برجستراسر، بتصرف يسير (ص ٢٦)، وانظر في الكلام على إبرازات وروايات بعض الكتب: "منهج البخاري في الضعفاء" للعماري، "تاريخ نص الفصل" لسمير قدوري، "سيرة ألفية ابن مالك" للعيوني، مقدمة "تحقيق أسرار العربية" لابن الأنباري، ط. الوعي الإسلامي.
(٢) "تاريخ بغداد" للخطيب (٢/ ٣٢٥)، مقدمة المعلمي على "الموضح" (ص ١٠).
стр. 15
بعض روايات "كتاب التَّاريخ الكَبير" عن البخاريِّ
حرص أصحاب الإمام البخاري على سماع الكتاب وتسميعه، ونشره في الأمصار، وتحمَّله أكابرُ العلماء من أصحاب البخاري، فمنهم (١):
- الفضل بن العباس المعروف بالصَّائغ روى "كتاب التَّاريخ الكَبير" عن البخاريِّ (٢)، وقد ذكر أنه كَتَبه من كتاب البخاري، ثم حمله إلى سيد الحُفاظ والمحدثين أبي زُرعة الرازي (ت ٢٦٤ هـ) (٣).
- وأبو أحمد محمَّد بن سُليمان بن فارس الدَّلَّال النيسابوري (٤)، كان الْتمسَ من محمَّد بن إسماعيل البخاري نزولَ دارِه، فنزل عنده مدةً، وقرأ عليه "كتاب التَّاريخ" من أوله إلى (باب فُضيل) " (٥). وبقِي أجزاء يسيرةٌ من آخرِه، فإنه لم يسمعها، وأجازها البخاري له، ثم روى ابنُ فارس الكتاب، وسمعه منه أبو الحسن علي بن إبراهيم المُسْتَمْلِي المعروف بالنَّجاد (٦) سوى ذلك القدْر الذي لم يسمعه ابن فارس من البخاري؛ فإنَّ المُسْتَمْلِيَ أخذَه عن ابن فارس إجازةً أيضًا.
_________
(١) وانظر "تاريخ البخاريّ" للزرقي (ص ١٠).
(٢) "الإرشاد" للخليلي (٣/ ٩٥٩).
(٣) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ٢)، وانظر مقدمته (ص ٥).
(٤) "الأسامي والكنى" للحاكم (١/ ٥٤١)، "الإرشاد" للخليلي (٣/ ٨٥٨)، "الأنساب" للسمعاني (٥/ ٣٨٦)، "تاريخ الإسلام" للذهبي (٧/ ٢٥٥).
(٥) "الأنساب" للسمعاني (٥/ ٣٨٦).
(٦) وممن سمع الكتاب من ابن فارس: إبراهيم بن عبد اللَّه بن إسحاق بن جعفر بن إسحاق الأصبهاني، المعدل، المعروف بالقَصَّار. وطريقه هو المعول عليه عند الحافظ البيهقي في النَّقل من الكتاب.
стр. 16
ثم روى المُسْتَمْلِي ببغداد جميعَ الكتاب، وسمعَه منه كافة أهل العلم من أصحاب الحديث، وكتبه عنه أبو الحسن الدارقطنيُّ وغيرُه بِكمالِه، وقُرئَ عليه ما في آخرِه إجازةً عن ابن فارس، عن إجازة البخاري له ذلك (١).
- وأبو الحسن محمَّد بن سهل بن عبد اللَّه، وقيل: محمد بن سهل بن كُرْدي، البصري، المقرئ (٢). سمِع من البخاريِّ "تاريخه الكَبير" بِالبصرةِ، سنةَ ستٍّ وأربعينَ ومائتينِ، وسمعه منه الحافظ أبو بكر أحمد بن عبدان الشِّيرازي بفَسَا من بلاد فارس (٣).
- ومُسَبِّح بن سعيد، سمع الكتاب من مصنفه، وقد وقف ابنُ ماكولا على نسختين منه بمقابلة وسماع مُسَبِّح بن سَعيد (٤).
- وأيضًا أبو الفضل (٥) عبد الرحمن بن الفضل بن عبد اللَّه الفَسَوي (٦). سمع "التَّاريخ الكَبير" من مصنفه (٧).
_________
(١) "الكفاية في معرفة أصول الرواية" (٢/ ١٣١).
(٢) "غاية النهاية" (٢/ ١٥١)، "لسان الميزان" (٧/ ١٨٧).
(٣) "التاريخ الكبير" نسخة (ك) (ج ١/ ق ٣ أ)، ونسخة (ش) (ق/ ٢/ أ).
(٤) "تهذيب مستمر الأوهام" (ص ٧٤، ١٠٩، ١١٤، ١٩٦، ٢٦٤، ٣٠٢)، وانظر "جذوة المقتبس" (ص ٥٠١).
(٥) وقيل: "أبو محمد".
(٦) وهي من مرويات ابن خير الإشبيلي. انظر "فهرسة ابن خير" (ص ٢٥٦، ٢٥٧).
(٧) وممن رواه عن الفسوي أبو بكر محمد بن أحمد بن موسى بن هارون الأنماطي كما في نسخة (غ).
стр. 17
وقد روى عنه العُقيلي في "كتاب الضعفاء" (١)، وروى من طريقه ابن عبد البر في "الانتقاء" (٢)، والخطيب في "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (٣)، والغسَّانيُّ في "تقييد المهمل" (٤).
- وأيضًا سمِع الكتاب من مصنفه عبد الرحمن بن إسماعيل الفارسي، وهذه الرواية نقل منها الحافظ عبد الغني المصري (ت ٤٠٩ هـ)، وقد تحملها عن شيخه أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن عطية، عن عبد الرحمن بن إسماعيل الفارسي، عن البخاري (٥).
وقد ذيَّل واستدرك على المُحمدين منه خاصة الدارَقُطنيُّ، ثم ابنُ المحب، وتعقبه الخَطيب في كتابه "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق"، ولابن أبي حاتم قبلهم "كتاب بيان خطأ البخاري في تاريخه" انتقد فيه أشياء على البخاري (٦)، وهناك أيضًا جزء فيه: "ذِكْر أوهام زعم عبد الغني أنه استدركها على البخاري في التاريخ" (٧)، وقفنا عليه ملحقًا بنهاية "كتاب التَّاريخ الكَبير" بالجزء الرابع من نُسخة آيا صوفيا [١٤٧ أ - ١٤٨ أ].
_________
(١) وصرَّح في غير ما موضع بأنها: "الكتاب الكبير". ينظر: "الضعفاء": (١/ ٣٩٤)، (٢/ ١١١، ١٧٩)، (٦/ ١٧٧).
(٢) (ص ١٢٣).
(٣) (١/ ١٢٦، ١٧١).
(٤) (٢/ ٤٣٠).
(٥) "الأوهام التي في مدخل الحاكم" (ص ٨٥ - ٨٩).
(٦) وقد طبع مع "الموضح" للخطيب، وانظر "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ" (ص ٣٦١).
(٧) نُشِر هذا الجزء بالمجلد (٨/ ٤٥٠) من الطبعة الهندية للتاريخ الكبير.
стр. 18
وقد جمع مسلمة بن قاسم الأندلسي تاريخًا في الرجال شَرَط فيه أن لا يذكر إلَّا من أغفله البخاريُّ في "تاريخه" وهو كثير الفوائد، في مجلَّد واحد، فيما قاله الحافظ ابن حجر (١).
ورد ذلك عليه تلميذه السخاويّ، وقال: "كَذَا رأيْتُه في كَلَام شَيْخنا، و"كتاب الصِّلةُ" عِنْدي، وهُو ذَيْلٌ على كِتاب لمُؤلِّفِها سَمَّاه "الزَّاهِرُ" (٢) كما أشَارَ إلَيْه في الخُطْبَةِ" (٣).
* * *
_________
(١) "لسان الميزان" (٨/ ٦١).
(٢) قوله: "الزَّاهر" كذا في "الإعلان بالتوبيخ".
(٣) "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التَّوريخ" (ص ٣٦١).
стр. 19
بيان ما أخرجه البخاريُّ من روايات "كتاب التَّاريخ الكَبير "
ذهب الشَّيخُ المعَلِّميُّ (١) إلى أن: "ما جمعه ابنُ أبي حاتمٍ من المآخِذ على البخاريِّ كان بالنَّظر إلى النُّسخة التي أخرجها البخاريُّ أوَّلًا، وكلام الخطيب البغداديّ بالنَّظر إلى النُّسخة التي أخرجها البخاريُّ ثانيًا، وهي رواية أبي أحمد محمَّد بن سُليمان بن فارس الدَّلال النيسابوري، المتوفَّى سنة (٣١٢ هـ). . .، ورواية ابن سهل مما أخرجه ثالثًا".
وظهر من تعليقات الشَّيخ المعلمي على الأوهام التي ساقها الخطيب البغداديّ في "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع" أنه يرى أن نُسخة المكتبة الآصفية -وهي فرع عن النُّسخة الباريسية- التي رمز لها الشَّيخ بالرمز (صف) من رواية أبي أحمد بن فارس؛ لأنها تتطابق مع ما نقله الخطيبُ في "كتاب المُوَضِّح" (٢)، وأن نُسخة الخطيب ترجع إلى رواية أبي أحمد بن فارس، وهي متقدمة عن نُسخة ابن سَهْل؛ فنُسخة ابن سَهْل هي المعتمدة عند الاختلاف (٣)، فإذا كانت رواية ابن سَهْل هي المتأخرة، وقد وقعت عند الخطيب نُسخة منها، ينقل عنها في مواضع عديدة من "كتاب المُوَضِّح"، فلماذا لم يلتزم مراجعتها في جميع المواضع؟! (٤).
_________
(١) مقدمة تحقيق "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع والتَّفريق" (ص ١١، ١٢).
(٢) حاشية تحقيق "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ١٦٦)، مع أنه ذكر في التاريخ (٨/ ١٠٥) أنها من رواية ابن سهل، فلعله تراجع عن ذلك.
(٣) السابق (١/ ٢٦).
(٤) السابق (١/ ٣٣).
стр. 20
وقال: "وقد قدمنا مرارًا أن نسخة الخطيب ترجع إلى رواية ابن فارس، وأن المطبوع يرجع إلى رواية ابن سهل، وهي متأخرة عن رواية ابن فارس، وهذه القضية تدل على أكثر من ذلك، تدل على أن البخاريّ أخرج التاريخ قديمًا، وأن رواية ابن فارس مما أخرجه قبل سنة ٢٢٤ هـ، واللَّه أعلم" (١).
وقد أنعمَ اللَّهُ بالنُّسخة المرموز لها بالرمز (ث)، وهي نسخةٌ تامّةٌ، وقد تميزت عن رواية ابن سَهْل بمزايا عدة، ويبدو أنها من رواية ابن فارس؛ دل على ذلك مقابلتها بنُقُولِ الخطيب البغدادي في كُتبه، ونُقُولِ الدَّارقطني في "المؤتلف والمختلف"؛ كما سيأتي بيان ذلك.
ومِن أجلِّ ما تمتاز به هذه الرِّواية:
- كثرةُ النُّصوص التي زادتها على النُّسخ التي من رواية ابن سهل وغيره.
- حذف بعض التَّراجم التي ربما وقع بها وهمٌ أو خطأ.
- تفرُّدُها بالكثير من التَّراجم التَّامة.
- إعادة صياغة المصنِّف لمادة الكثير من التراجم بالتقديم، أو التأخير، أو الحذف، أو الإضافة.
- تفرَّدُها بالكثير من التَّصويبات.
- زيادات في أسماء بعض الرواة بذكر الأب أو اللقب أو النسب، أو الحذف.
- زيادات في تعليل بعض الروايات.
وهذا لا يُحمَل على فروق النُّسخ، بل يُحمل على تغايُر الرِّوايات.
وقد صارت رواية أبي أحمد بن فارس عمدةً يُعتمد عليها، ويُرجَع إليها؛
_________
(١) السابق (١/ ٥١).
стр. 21
لذلك عوَّل عليها الخطيبُ البغداديُّ في "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع والتَّفريق"، وفزع إليها عند اختلاف الآخِذين عنه.
والإشكال الواقع في كَوْن نُسخة أبي أحمد بن فارس مُتقدمةً عن نُسخة ابن سَهْل، ونُسخة ابن سَهْل هي المعتمدة عند الاختلاف، يحتاج إلى تفصيل:
فابن سهل أخذ التاريخ عن البخاري سنة ٢٤٦ هـ بالبصرة (١).
وورد البخاريّ الرّيَّ سنة ٢٥٠ هـ، وحدث عنه أبو حاتم وأبو زرعة (٢).
ثم ورد نيسابور في الأخير سنة ٢٥٠ هـ، فأقام بها خمس سنين (٣).
وأقام في دار أبي أحمد محمد بن سليمان بن فارس بنيسابور، فسمع منه التاريخ إلى باب فضيل، وأجازه بالباقي (٤).
وفي شعبان سنة ٢٥٢ هـ كان في نيسابور، وشهد جنازة سعيد بن مروان، وكان الذهليّ يسأله عن الأسماء والكنى والعلل، ويمرُّ فيه البخاريُّ كالسهم (٥).
ودخل نسف سنة ٢٥٦ هـ، ثم خرج إلى سمرقند لعشر بقين من رمضان، ومات بقرية خرتنك ليلة الفطر (٦).
فيظهر من التسلسل الزمني أن رواية ابن فارس إن لم تكن متأخرة عن
_________
(١) نسخة (ك) (١/ ق ٣/ أ)، ونسخة (ش) (ق/ ٢/ أ).
(٢) "الجرح والتعديل" (٧/ ١٩١).
(٣) "تخليص تاريخ نيسابور" (ص ٢٩)، "تاريخ الإسلام" (٦/ ١٤٨).
(٤) "الأنساب" (٥/ ٣٨٦).
(٥) "تاريخ الإسلام" (٦/ ١٥٩)، وانظر "تاريخ بغداد" (١٠/ ١٢٠)، "الإكمال" لمغلطاي (٥/ ٣٤٧).
(٦) "تاريخ الإسلام" (٦/ ١٤٧).
стр. 22
رواية ابن سهل فهي مقاربة لها في الزمن.
ويوجد في رواية ابن سهل بعض الأحداث التي حدثت بعد ٢٤٦ هـ، مثل ذكر الوفيات لمحمد بن بشّار (ت ٢٥٢ هـ)، وزياد بن أيوب (ت ٢٥٢ هـ)، وإسحاق الكوسج (ت ٢٥١ هـ)، ومحمد بن حميد الرازي (ت ٢٤٨ هـ)، وهذا يحمل على أنه من إضافة الرواة بعد ذلك، واللَّه أعلم.
وأما ما ذكره العلّامة المعلميّ (١) في التعليق على ما نقله الخطيب عن التاريخ من قوله: "حدثني محمد حدثنا أبو الجماهر"، فيقال:
١. هي في جميع النسخ -ومنها (ث) التي يظنّ أنها من رواية ابن فارس-: "قال لي محمد أبو الجماهر"، إلا النسخة المغربية ففيها: "حدثنا محمد قال: نا محمد أبو الجماهر".
٢. أما قوله: "حدثنا محمد" في النسخة المغربية فهو البخاريّ جزمًا، وهو يتكرر كثيرًا فيها في أول الأسانيد.
فنسخة الخطيب إما أن يكون ذكر البخاريّ فيها في أول الإسناد، فظن المعلميّ أنه الذهليّ.
وإما أن تكون نسخة "الموضح" -وهي في المخطوط كالمطبوع- حصل فيها تحريف فزيد فيها: "حدثنا" بين "محمد" وبين "أبو الجماهر".
٣. قضية إخراج البخاريّ للتاريخ قديمًا يعرف من ترجمته دون ما ذكره المعلميّ بناء على تاريخ وفاة أبي الجماهر سنة ٢٢٤ هـ، فالسماع والتحمل له وقت وتاريخ دون التصنيف، فلا يجزم بأن ما سمعه قديمًا صنّفه وبوّبه في حينه.
_________
(١) حاشية "الموضّح" (١/ ٥٠ - ٥١).
стр. 23
٤. قوله: "إن رواية ابن فارس مما أخرجه قبل ٢٢٤ هـ" هذا بعيد جدًّا لأمور عدّة:
أ. ما سبق من توجيه ذلك في النسخ.
ب. أن ابن فارس توفي ٣١٢ هـ فمعناه على ما ذكر المعلميّ أن يكون جاوز المائة أو قاربها، وهذا شبه مستحيل، فطبقة شيوخ ابن فارس توفّوا بعد ٢٤٠ هـ، فما أقرب أن تكون ولادته حول ٢٣٠ هـ.
والخطيب البغداديّ وقعت له نُسخةٌ ترجع إلى رواية أبي أحمد بن فارس؛ وهي أصل شيخه أبي الحُسين محمد بن الحُسين بن الفضل القَطَّان، عن علي بن إبراهيم المستملِي، عن أبي أحمد بن فارس (١). وهذا الأصل هُو المسموع للخطيب، والمُعوَّل علمِه في سائر كتبه، لا سيما في مادة "كتاب المُوَضح لأوهام الجمع والتَّفريق".
وكان يرجع إلى هذا الأصل في تخطئة البخاريّ في "كتاب التَّاريخ الكَبير"، وإذا وقف على خطأ في رواية أبي أحمد بن فارس؛ ثم وجد الخطأ على الصَّواب في بقية روايات الآخِذين عن البخاريِّ، كأبي محمد بن سَهْل وأبي محمد الفسوي، ألحقَ الوهمَ بالمستملِي عن ابن فارس.
ومن الأوهام التي ألحقَ الخطأَ فيها بالمستملي: الوهم السَّابع والثلاثون؛ لأن هذا الوهم رواه على الصَّواب أبو محمد الفسويُّ عن البخاريِّ في "كتاب التَّاريخ الكَبير"، كما رواه محمَّدُ بنُ سهل المقرئ على
_________
(١) "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ١٢٥).
стр. 24
الصَّواب أيضًا (١).
غير أن الخطيبَ البغداديَّ قد يكون وقعت له نسخة أخرى من "كتاب التَّاريخ الكَبير"، من رواية أبي أحمد بن فارس، ويظهر من نُقول الخطيب أنه نقل بالوجادة خلاف نَقْلِه عن أصل شيخه أبي الحُسين بن الفضل القطان من "التَّاريخ الكَبير"، رواية أبي أحمد بن فارس. وعندما أراد الاعتذار عن بعض أوهام البخاري الواقعة بها لم يُلحِق الخطأ بالمستملي، وإنما ألحقه بالنَّاسخ، فقال فِى الوهم الرابع والخمسين: ". . . وقد نظرتُ في غير نُسخة من النُّسخ العُتق بـ "تاريخ البخاري"، فلم أره ذكر القرثع إلا في موضع واحد، منها النُّسخة التي يرويها عبد الرحمن بن الفضل الفَسوي عن البخاري، فإنه ذَكَر الكلام الذي قدمنا سياقه في الفصل الأولى لم يَزِدْ عليه.
وكذلك روى محمَّد بن سهل المقرئ عن البخاري الفصل الأول، إلا أنه لم يقل: روى عنه علقمة بن قيس. لكنه ساق حديثًا لعلقمة عن قرثع. ويغلب على ظني أن ذِكْر قرثع الثاني والحديث التالي له كان في "كتاب البخاريِّ"، أو في كِتاب أبي أحمد بن فارس مُخرَّجًا في حاشية الكتاب، فنقله الكاتب إلى غير موضعه، وجعل له ترجمةً مستأنَفة. واللَّه أعلم" (٢).
فهذا قد يدل على أن الخطيبَ يعتمد في هذه الأوهام على غير أصل شيخه أبي الحُسين بن الفضل القطان، فمثل هذه الأخطاء قليلًا ما تقع في النُّسخ المتصلة بالسَّماع؛ فحمَّل الخطيب الوهم للكاتب؛ فقد كان أصل
_________
(١) السابق (١/ ١٢٤ - ١٢٦).
(٢) السابق (١/ ١٦٦).
стр. 25
شيخه أبي الحُسين القطان من "التَّاريخ الكَبير" خاليًا من ذكر "قرثع" الثَّاني، وأصل القطان عن المستملي حاضر لديه يستظهر به.
وكأن الخطيب أراد استقصاء الأوهام الواقعة في النُّسخ التي اجتمعت لديه -بتعدد روايات الآخذين عن البخاريِّ- سواء من المصنف، أو الرَّاوي عنه، أو النَّاسخ، والاعتذار عن الكثير منها؛ فربما وقف عليها بعضُ مَن لم يتبحَّرْ في العلم، فيظنها من المصنِّف (١).
_________
(١) ويزيد ذلك وضوحًا أن الخطيب قال في "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٤٢): الوهم الثاني عشر: "قال البخاريُّ: محمد بن عَمرو بن الحَسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي. أورد له حديثًا. . .
وقال الخطيب: قال البخاريُّ بعد هذا: مُحمَّد بن عَمرو الهاشميُّ.
عن زَينبَ. روى عنه أبو الجَحَّافِ. حديثُه مُرسلٌ لم يَصحّ.
إن لم يكُن هذا هو الأوَّل فلا أدري، يعني: محمدَ بنَ عَمرو بن الحَسَنِ.
ففرق بينهما بالشَّك، وهما رجل واحد بغير شك. . . ". انتهى.
قوله: "حديثُه مُرسلٌ. . . يعني: محمدَ بنَ عَمرو بن الحَسَنِ". تفردت به نسخة آيا صوفيا (ج ١/ ٤١ ب)، وهي من رواية ابن سهل ونسخة (غ)، وهذه الزيادة لم تَرِدْ في النُّسخ الأخرى التي من رواية ابن سهل كالنُّسخة المرموز لها بالرمز (ك)، وهي من أدق النُّسخ التي من رواية ابن سهل، ولم تَرِدْ أيضًا في النسخة المرموز لها بالرمز (ز)، وهي نُسخة مُتقَنة جدًّا، فلعل هذه الزيادة كانت على حاشية الأصل المنقول منه من باب ذكر الفروق بين الروايات، فنُسخة آيا صوفيا مُقابَلة على غير ما رواية من غير طريق ابن سهل، وعلى روايات أخرى، فظن النَّاسخ أنها استدراك يجب إدخاله في المتن.
وصنيع الخطيب البغدادي في إيراد هذا الوهم وتعقُّبه دليل على كَوْن الخطيب البغداديِّ يستظهر بأكثر من رواية، دون التَّقييد برواية ابن فارس.
وكتب ناسخ (ك) (ج ١/ ٦٥ ب) على طرة أصله: "رأيتُ بخط ابن ناصر: (س) حاشية: قال لنا الشيخ أبو الغنائم بن النَّرسي: قال ابن عقدة: محمد بن عمرو الهاشمي هذا هو: محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، ثم كرره هاهنا وهو رجل واحد".
стр. 26
وقد علق الشَّيخ المعلمي في حاشية تحقيق "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٦٦) على الوهم الواقع في ترجمة قرثع؛ بما نصه: ". . . لسخة "صف" تبيَّنَ أنها من رواية ابن فارس، والأمر كما شرحه الخطيبُ من انفراد نُسخة ابن فارس بالتَّرجمة الثَّانية".
ويبدو أن التي كانت بين يدي الخطيب وعوَّل عليها في غالب الأوهام هي النُّسخة الباريسية المرموز لها بالرمز (س) أو مما يرجع إليها، والمنقول عنها نُسخة الآصفية التي رمز لها الشَّيخ المعلمي بالرمز (صف)، ودل على ذلك التشابه الواقع بين تعقُّبات الخطيب وهذه القطعة.
وهي من أوقاف مدرسة دار الحديث الضِّيائية بسفح جبل قاسِيُون بدمشق، كُتبت في شهر رمضان من سنة خمس عشرة وأربعمائة، ومقابَلة بكتاب القاضي أبي عبد اللَّه محمَّد بن إسماعيل بن محمَّد بن فورتش ﵁ (١)، وذلك في رجب سنة تسع وثلاثين وأربعمائة.
ويظهر أن من مُرجِّحات الخطيب بأن القطعة من رواية أبي أحمد بن فارس هي ما وقع في اللوحتين [٢١، ٣٦]: "نا محمد، قال: نا محمد". وما وقع في لوحة [٣٦] ترجمة: "مرقع بن صيفي. روى عنه. . . يونس بن إسحاق": "كذا في كتاب أبي أحمد بن فارس: يونس بن إسحاق، وعليه: "صح"".
وقوله: "نا محمدٌ" الأول قد لا يدل على أنه محمد بن سُليمان بن فارس؛ لأنه وقع التحديث من البخاريّ، وهذه القطعة بعد باب: "فضيل"، وهو فيما أجازه البخاريّ لابن فارس كما مرّ في ترجمته، وقد يكون هناك
_________
(١) قال ابن بضكوال: "كان ثقة في روايته، ضابطًا لكتبه، فاضلًا دَيِّنًا عفيفًا، راوِيةً للعلم. تُوفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة". "الصلة في تاريخ أئمة الأندلس" (ص ٥٠٨).
стр. 27
تجوز في ذكر التحديث هنا.
وهناك محمَّد بن إبراهيم بن شُعيب الغازي الجرجاني (١)، من تلاميذ الإمام البخاري. ومما قد يعززه أنه في أثناء هذه النُّسخة في لوحة [٧٦ ب] وقع "كتاب الكُنى" للإمام البخاري متصلًا بـ "كتاب التَّاريخ الكَبير"، وسنده هكذا: "أخبرنا أبو الحسن محمَّدُ بنُ إبراهيم بن شُعيب، المعروف بالغازي، قال: نا محمَّدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ".
و"كتاب الكُنى" قِطعة من "كتاب التَّاريخ الكَبير" على أحد الرأيين، فظهر أن النُّسخة قد تكون من رواية محمد بن إبراهيم الغازي، عن البخاريِّ، إلّا أنه لا يعرف ولم نرَ أن الغازي روى التاريخ عن البخاريّ.
وما ورد في لوحة [٣٥] من هذه القطعة: "كذا في كِتاب أبي أحمد بن فارس: يُونس بن إسحاق، وعليه: صح"، يدلّ على أنها من رواية أبي أحمد بن فارس، وأن النَّاسخ يَسْتدل بأنه وجده هكذا في كتاب أبي أحمد بن فارس، أو لعل هذه العبارة كانت طرة على الأصل المنسوخ منه، فظن النَّاسخ أنها استدراك يجب إدخاله في المتن.
وبين هذه القطعة وبين النُّسخة التي من رواية ابن فارس المرموز لها بـ (ث) تغايُر، ويظهر أن القطعة الباريسية قد تكون مما أملاه البخاريُّ أولًا؛ فبمقارنتها ببقية النُّسخ وجدنا تغايُرًا في إعادة صياغة المصنِّف لمادة الكثير
_________
(١) وقد يكون محمد بن سهل، وكذا ذكره المعلميّ في التاريخ (٨/ ١٠٥)، وقد رجع عن ذلك كما في مقدمة الموضح، وبمقارنتها بالنسخ الأخرى وبالقرائن الأخرى انتفى كونه محمد بن سهل.
стр. 28
من التراجم بالتَّقديم، أو التَّأخير (١)، أو الحذف، أو الإضافة، وتفرُّد النُّسخ الأخرى بالكثير من التَّصويبات لأخطاء كانت فيها.
وبالرجوع إلى "بيان خطأ محمَّد بن إسماعيل البخاري ﵀ في التَّاريخ" وُجد أن كثيرًا من الأخطاء التي أخذها الرازيانِ على البخاريِّ وقعت في هذه القطعة، وغالب ما أخذاه على البخاري في "كتاب الكُنى" ثابت في هذه النُّسخة.
والأوهام التي أخذها الخطيبُ البغداديُّ في "كتاب المُوَضِّح لأوهام الجمع" جاءت في الغالب على الصَّواب في النُّسخة المرموز لها بالرمز (ث)، والتي يُظن أنها من رواية أبي أحمد بنِ فارس، عن البخاري، وجاءت على الصَّواب أيضًا في النُّسخ التي من رواية محمَّدِ بنِ سهل المقرئ، عن البخاريِّ.
* * *
_________
(١) علق العلامة المعلمي في حاشية "التاريخ" (٧/ ١٧٣) على الفرع المنقول من هذه النُّسخة، الذي رمز له بالرمز (صف)، ونسخة آيا صوفيا التي رمز لها بالرمز (قط) بقوله: "يَقع بين النُّسختين اختلاف كثير في ترتيب التراجم؛ لم نلتزم التنبيه عليه في مواضعه؛ لعسر ذلك مع عدم جدواه، وسننبِّه إن شاء اللَّه تعالى على ما يمكن أن تكون له فائدة من ذلك".
стр. 29
مآخِذ الرَّازيين على ما أملاه البخاريُّ من "كِتاب التَّاريخ الكَبير "
إن البخاريَّ وأبا حاتم (ت ٢٦٤ هـ) وأبا زرعة (ت ٢٧٧ هـ) الرَّازيين من أكابر أئمة الحديث والرواية، وإليهم المنتهى في معرفة الحديث ورجاله، وكان أبو حاتم الرازيُّ كثيرَ الثَّناء على البخاريِّ، فقد نقل الخطيبُ البغداديُّ عن إسحاق بن أحمد بن زَبْرك، قال: سمعتُ محمَّد بنَ إدريس الرَّازيَّ يقول: "في سنة سبع وأربعين ومائتين يقدم عليكم رجل من أهل خُراسان لن يخرج منها أحفظُ منه، ولا قَدِمَ العراق أعلمُ منه". فقدم علينا بعد ذلك محمَّد بن إسماعيل بأَشْهُرٍ.
قال: وقال أبو حاتم الرازيُّ في هذا المجلس: "محمَّد بن إسماعيل أعلم مَن دَخَل العراق. . . " (١).
وقد قَدِم عليهم البخاريُّ الريَّ سنة مائتين وخمسين، وسمعا منه، ثم تركا حديثه عندما كتب إليهما محمَّد بن يحيى النَّيسابوريُّ أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق (٢) (٣).
وهذا الفضل بن العباس المعروف بالصَّائغ روى "كِتاب التَّاريخ الكَبير" عن البخاريِّ (٤)، وقد ذكر أنه كَتَبه من كتاب البخاري، ثم حمله إلى أبي زُرعة
_________
(١) "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٤٤).
(٢) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٧/ ١٩١).
(٣) قال محمَّدُ بنُ نَصر المَرْوَزي: سمعتُ البخاريَّ يقول: "مَن زعمَ أني قلتُ: لفظِي بالقرآن مخلوقٌ، فهو كَذّاب، فإني لم أقله". فقلتُ له: يا أبا عبد اللَّه، قد خاضَ النَّاسُ في هذا وأكثروا فيه. فقال: "ليس إلا ما أقولُ وأحكي لك عنه". "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٥٤).
(٤) "الإرشاد" للخليلي (٣/ ٩٥٩).
стр. 30
الرازي (ت ٢٦٤ هـ) (١).
فنظر فيه الإمام، سيد الحُفاظ والمحدثين ببلاد الري؛ أبو زرعة الرازي نظرةً نقدية من أوله إلى آخره، ونبَّه على ما رآه خطأً أو شبهه، مع بيان الصَّواب عنده، وترك بياضًا في مواضع، ثم تلاه أبُو حاتمٍ فوافقه تارةً وخالفه أُخرى، واستدرك مواضع (٢).
ولكون "كتاب التَّاريخ الكَبير" طريفًا في موضوعه، جديدًا في بنائه، أثار فضولَ الحافظ أبي زرعة الرازي ولم يكتفِ ببيان خطئه، بل جعله يناقش بعض محتوياته مع الحافظ أبي علي صالح بن محمَّد البغداديِّ نزيل بُخارى (ت ٢٩٣ هـ). وأبو علي (٣) حافظ كبير، عالم بهذا الشَّأن، أخذه عن أبي زكريا يحيى بنِ معين.
فقد اجتمعا يومًا، فقال له أبو زرعة الرازيُّ: "يا أبا عليٍّ، نظرتُ في كتاب محمَّد بن إسماعيل هذا أسماءَ الرجال فإذا فيه خطأ كثير؟ ! فقال له أبو علي: بليته، أنه رجل كلُّ من كان يقدم عليه من العراق من أهل بُخارى نظر في كُتبهم، فإذا رأى اسمًا لا يعرفه، وليس عنده كَتبه، وهم لا يضبطون، وتكون كتبهم غير منقوطة، فيضعه في كتابه خطأً، وإلا فما رأيتُ خُراسانيًّا أفهمَ منه لولا عِيٌّ في لسانه.
وفي ذلك الكتاب أسامٍ لا تُعرَف، ولم يُبيِّن من روى عنهم، وعمَّن رووا، وأي شيء رووا، فيتحيَّر الإنسان فيه.
_________
(١) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ٢).
(٢) "مقدمة تحقيق بيان خطأ البخاري" (ب).
(٣) "تاريخ بغداد" (١٠/ ٤٣٩)، "الثقات مما لم يقع في الكتب الستة" (٥/ ٣٠٠).
стр. 31
قال: وسألني خالدُ بن أحمد أبو الهيثم أن أنظر له شيئًا في هذا الكتاب فأصحِّحَ له، فنظرتُ فغيرت أشياء أخطأ فيه وصحَّف، ورأيتُ محمَّدَ بنَ إسماعيلَ ببغداد يقرأ عليهم هذا الكتاب، فقال: "وإبراهيم بن شعيب. روى عنه ابن وهب". فقلت له: إنما هو إبراهيم بن شعيث. ثم قلت له: أنت تنظر في كتب الناس، فإذا مرَّ بك اسم لا تعرفه أخذته، والخطأ فيه من غيرك؛ لأنهم كانوا لا يَضبطون" (١).
وعلى الرغم من مدارسة أبي علي البغداديِّ الإمامَ البخاري في التَّحريف الواقع في هذه الترجمة على حد اجتهاد الحافظ أبي عليٍّ؛ فإنه ثبت في "كتاب التَّاريخ الكَبير" بتعدُّد روايات الآخِذين عن البخاريِّ: "إبراهيمُ بنُ شُعَيْبٍ". وسماه ابنُ أبي حاتم، عن أبيه: "إبراهيم بن شُعَيث" (٢). والحديث الذي ذكره المصنِّف قد أخرجه الخطيبُ في "تلخيص المتشابه في الرسم" من طريق ابن وهب، وضبطه: "شعيث" بالثاء المنقوطة بثلاث. وقال: "وقد صحَّف البخاريُّ في اسم أبيه لما ذكره في "التَّاريخ"، فقاله بالباء المعجمة بواحدة" (٣).
وقال الذهبيُّ: "ذكره البخاريُّ فقال: ابن شعيب، بموحدة، والصَّواب بمثلثة" (٤).
_________
(١) "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٧).
(٢) "الجرح والتعديل" (٢/ ١٠٥).
(٣) "المُوَضِّح لأوهام الجمع" (١/ ١٥).
(٤) "تاريخ الإسلام" (٣/ ٨٠٩).
стр. 32
واعتذر العلَّامة المعلِّمي على إصرار البخاري في إثباته: "بن شعيب" بما نصه: "هو في "التَّاريخ": "شعيب" قال في الترجمة: "قاله الأويسي، حدثنا ابن وهب". فهكذا سمعه البخاري من الأويسي وإن كان صوابًا، وإنما أخطأ من قال عن ابن وهب: "بن شعيث" فظاهر، وإلا فالخطأ من الأويسي، وقد نسب البخاريُّ ذلك إليه" (١).
وقد بلغ من حِرصِ الإمام البخاريِّ وعناييه بتصانيفه أنه أعاد النَّظر فيها مراتٍ، وقد أخرج "كتاب التَّاريخ الكَبير" ثلاث مراتٍ (٢)، وفي كل مرة يَزيد ويَنقُص ويُصلِح. فكلٌّ انتقد وهذَّب ونقَّح وذيَّل عليه بحسَب ما وصله من روايات الآخِذين عن البخاريِّ.
لذا قال الخطيبُ البغداديُّ: "وقد جمع عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الأوهام التي أخذها أبو زرعة على البخاريِّ في كتاب مفرد، ونظرتُ فيه فوجدت كثيرًا منها لا تلزمه، وقد حكى عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدوَّنة في "تاريخه" على الصَّواب بخلاف الحكاية عنه" (٣).
وبالنَّظر في النُّسخة الخَطية المرموز لها بالرمز (ث)، والتي قد تكون من رواية أبي أحمد بن فارس عن البُخاريِّ ظهر أنها رواية مُنقحة، عكف عليها الإمام البخاري، وأجرى عليها تعديلاتٍ وإضافات وحذفًا، حتى صارت عُمدة يُعتمَد عليها، ويُرجع إليها، ويُعوَّل عليها.
_________
(١) حاشية تحقيق الموضح (١/ ٧).
(٢) "تاريخ بغداد" للخطيب (٢/ ٣٢٥).
(٣) "المُوَضِّح لأوهام الجمع والتفريق" (١/ ٧).
стр. 33
ويظهر من تتبُّع تعقُّبات الرازيينِ في "كتاب بيان خطأ البخاري في تاريخه"، و"الجرح والتعديل" أنهما كانت لديهما نُسخ بـ "تاريخ البُخاري الكَبير" منقَّحة، استفادا منها في "كتاب الجرح والتعديل" وغيره، وانتقدا عليها أشياء، ونُسخة غير منقحة تعقَّباها في "بيان خطأ البخاري في تاريخه".
وأبو حاتم الرازي من نُظَرَاء البخاريِّ، ومن طَبَقَته، ولكنه عُمِّر بعدَه أَزْيَدَ من عشرين عامًا (١)، فلا يُستبعَد أنه تحصَّل لديه ولدى صاحبه أبي زرعة الرازيِّ بعض النسخ من "كتاب التَّاريخ الكَبير"، بتعدد روايات الآخِذين عنه، وقد انتقدا أشياء عديدة ثبتت في روايات بعض أصحاب البخاريِّ دون بعض.
وبعض هذه المآخِذ وقعت بالنُّسخة المنقحة، ويرجع بعضها إلى تغيُّر اجتهاد البخاري في الجمع والتفريق، كما أن الكثير من المآخذ جاءت على الصَّواب في النُّسخة المنقحة، وهناك بعض التَّعديلات التي أجراها البخاريُّ في النُّسخة تدل على أنه قام بمراجعات موسَّعة ودقيقة. فهذه الإصلاحات لا يمكن إجراؤها إلا بعد استقراء واسع.
ومن الأشياء المنتقَدة الثَّابتة في بعض روايات "كتاب التَّاريخ الكَبير" دون غيرها:
- قال البخاري كما في النُّسخة (ث): "يحيى بن بسطام أبو بسطام، التميمي. روى عن الضحاك. قوله. . . . ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "وإنما هُو يحيى بن عبد الرحمن" (٢).
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٤٧).
(٢) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٣٥).
стр. 34
قال البخاري كما في النُّسخة (ث): "مُحمَّدُ بنُ أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، مِن بَني عَمرِو بنِ مالِكِ بنِ النَّجَّارِ، الخَزْرجيُّ، مَدينيٌّ.
عَن أَبيهِ.
رَوى عَنهُ بُسْرُ بنُ سَعيدٍ؛ في الصَّرفِ.
مُحمَّدُ بنُ أُبيِّ بنِ كَعبٍ الأنصاريُّ من بني عمرو بن مالك بن النَّجار الخَزْرجيُّ مدينيٌّ.
حدَّثني عَمرٌو، قالَ: حدَّثنا أَبو داوُدَ، عنْ حَربِ بنِ شَدَّادٍ، عَنْ يحْيى بنِ أَبي كَثيرٍ، عنِ الحَضْرميِّ بنِ لاحِقٍ، عنْ مُحمَّدِ بنِ أُبَيٍّ قالَ: كانَ لِجدّي -يَعني أُبَيًّا- جَرِينٌ من تَمْرٍ. . . ".
فقال أبو محمد بن أبي حاتم، عن أبيه: "جعله البخاري اسمين، فسمعتُ أبي يقول: هُما واحد" (١).
- قال البخاريُّ كما على طرة نُسخة آيا صوفيا: "خليفة العبدي. روى عنه أبو هلال. وأظنه يُقال: حجاج أبو خليفة". وكتب بعدها: "ليس في رواية العذري".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "وإنما هو الحجاج بن خليفة" (٢).
والعذري يروي "التَّاريخ الكَبير" برواية ابن سهل، عن شيخه أبي ذر الهروي، وهذه الترجمة ثبتت في غير رواية ابن سهل، لأن نُسخة آيا صوفيا معارضة بعدة نسخ بـ "تاريخ البخاري" من رواية أبي أحمد بن فارس،
_________
(١) "الجرح والتعديل" (٧/ ٢٠٨).
(٢) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ٢٩).
стр. 35
ورواية أبي محمد الفَسَوي، وأثبت زيادات هذه الروايات بطرة النُّسخة. واللَّه أعلم.
- قال البخاريُّ كما في النُّسخة (ث): "عُمارةُ بنُ ثَوبانَ.
عنْ مُسلمِ بنِ زاذان، وعطاءٍ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "إنما هُو عن موسى بن باذان" (١).
- قال البخاريُّ كما في نُسخة آيا صوفيا التي من رواية ابن سهل، والنُّسخة الباريسية: "قتادة بن الفضل. . . ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "وإنما هو قتادة بن الفضيل" (٢). وقد وقع في النُّسخة (ث) على الصَّواب.
- قال البخاريُّ كما في النُّسخة (ث): "مُبَشِّرٌ، السَّعِيدِيُّ؛ من آل سَعِيد بن العاص القرشي، الأموي. عَنِ الزُّهْرِيِّ. رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
وروى الأَوْزَاعيُّ، عَنْ مُبَشِّرٍ، عن الزُّهْرِيِّ".
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "جمع بينهما وهما مفترقان، هذا كوفي، وذاك شامي".
وقال أبو محمد بن أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: "السَّعيدي هو من ولد سعيد بن العاص، لا أعلم أحدًا روى عنه غير أبي بكر بن عياش" (٣).
_________
(١) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ٩٠).
(٢) "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٠٦).
(٣) "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٨٤)، "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٢٢).
стр. 36
- قال البخاريُّ كما في النُّسخة الباريسية: "مسلم بن نِسْطاس.
يُذْكر عن علي".
ثم قال بعده بترجمة: "مُسلِمُ بنُ نِسْطاسٍ.
عنْ عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، وأَبي البَخْتريِّ".
قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: أرى أنهما واحد، وكان البخاري قد فرقهما" (١).
وقد عدل البخاريُّ، فجمع بينهما في النُّسخة (ث)، ونُسخة آيا صوفيا التي من رواية ابن سهل، فقال: "مُسلِمُ بنُ نِسْطاسٍ.
عنْ عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، وأَبي البَخْتريِّ.
رَوَى عنْه يَحيى بنُ مَيْسرةَ".
- قال البخاريُّ كما في نُسخة آيا صوفيا التي من رواية ابن سهل: "مِنْهَالٌ. ابنَ الجرَّاحِ أُرَاهُ".
وقال كما في النُّسخة الباريسية: "منهال. أُراه ابن الجراح"
وردَّ ذلك الرازيان، وقالا: "إنما هو الجراح بن المنهال أبو العطوف، وأخطأ فيه البخاري" (٢).
وقد حذف البخاريُّ الترجمة من النُّسخة (ث). وله ترجمة على الصَّواب في "كتاب التَّاريخ الكَبير" بتعدد الآخِذين عنه تحت رقم [٢٢٧٥].
- قال البخاريُّ، كما في نُسخة آيا صوفيا التي من رواية ابن سهل، والنُّسخة الباريسية: "نُجَيُّ بْنُ عُبَيْدٍ". ولم يزد على ذلك.
_________
(١) "الجرح والتعديل" (٨/ ١٩٧).
(٢) "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٥٨)، "بيان خطأ البخاري في تاريخه" (ص ١٢٢).
стр. 37
وردَّ ذلك ابنُ أبي حاتم، عن أبيه، فقال: "أدخل البخاريُّ نُجي بن عُبيد في هذا الباب.
سمعتُ أبى يقول: هو يحيى بنُ عبيد البهراني، ولا أعرف نُجي بن عُبيد" (١).
وقد حذف البخاريُّ الترجمة من النُّسخة (ث).
- حكى ابن أبي حاتم، عن أبيه في ترجمة: "محمد بن عبد الرحمن المَقدسي، القُشيري.
كان يسكن بيت المقدس.
روى عن جعفر بن محمد، وحميدٍ الطويل، وخالد الحذَّاء، وعُبيد اللَّه بن عمر، وفِطْر بن خليفة.
روى عنه أبو ضمرة، وبقية، وأبو بدر شُجاع بن الوليد، وسُليمان بن شرحبيل. . .
وأفرده البخاري باسم: محمد بن عبد الرحمن القشيري. روى عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عُمر، عَن النبي ﷺ : "من أصابه جهد من صيام فلم يفطر وجبت له النار". روى عنه بقية.
قال ابنُ أبي حاتم: سمعتُ أبي يقول: هو محمد بن عبد الرحمن المقدسي، هما واحد.
وقال: قال أبي: محمد بن عبد الرحمن هذا شيخ عراقي، وقع إلى
_________
(١) "الجرح والتعديل" (٨/ ٤٠٥).
стр. 38
الشام، حدثنا عنه ابن شرحبيل وغيره" (١).
- وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه أن البخاريَّ فرَّق بين: الحارث بن عَبِيدة الحمصي، وبين الحارث بن عميرة المصري (٢).
والمحكي عن البخاريِّ لم نقف عليه في النُّسخ التي وصلتنا، لا سيما أن موقع هذه الترجمة لا تشمله النُّسخة الباريسية، والكثير مما ردَّه الرازيان على البخاري ثابت بهذه النُّسخة.
وقال الذهبي: "وقد فَرَّقَ بينه وبين صاحب ابن خُثَيْم أبو عبد اللَّه البخاريُّ، وقال أبو حاتم: هما واحد. قال: وليس بالقوي" (٣).
وحكى الحافظ ابن حجر كلام ابن أبي حاتم، عن أبيه، وتعقَّبه بقوله: "قلتُ: ولم أرَ في "تاريخ البخاري" إلَّا واحدًا" (٤).
- وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه؛ أن البخاريَّ جعل: "معاوية الليثي، ومعاوية بن حيدة واحدًا". فسمعت أبي يقول: "معاوية الليثي ليس هو بمعاوية بن حيدة هو غيره" (٥).
والمحكيّ عن البخاريِّ لم نقف عليه، ولعله ثبت في رواية أخرى من روايات أصحاب البخاريِّ. وقال أبو عُمر ابنُ عبد البر: يَضطرِبون في إسنادِه،
_________
(١) "الجرح والتعديل" (٧/ ٣٢٥).
(٢) "الجرح والتعديل" (٣/ ٨١)، "الثقات" لابن حبان (٦/ ١٧٦).
(٣) "تاريخ الإسلام" (٤/ ١٠٨٩).
(٤) "تعجيل المنفعة" (١/ ٤٠٨).
(٥) "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٧٦).
стр. 39
وجعَل البخاريُّ معاويةَ بنَ حيدةَ ومعاويةَ الليثي واحدًا وأنكَره أبو حاتمٍ (١).
وردَّ ذلك الحافظ ابن حجر قائلًا: "قلتُ: الموجودُ في نُسخِ "تاريخ البخاري" التفرقةُ، وما وقفْتُ على وجهِ الاضطرابِ الذي ادَّعاه أبو عمرَ" (٢).
وما ذهب إليه بعضُ المحقِّقين من القول بأنه: "ليس أمامنا من بديلٍ إلا القول بأن الرواة أو النُّسَّاخ العلماء قد أصلحوا الكثير من الأمور التي صَوَّبها الرازيَّانِ، وأصبحت معروفةً لكل الناس بعد أن جمعها عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب مستقلٍّ اشتهر بين الناس.
ومع أننا لا نستطيع أن نقدم أمثلة كافية على هذا الاصلاح لعدم توفر النسخ الخطية القديمة. . . " (٣).
ففيه نظرٌ، لأن أغلب النُّسَخِ التي وصلتنا من "كتاب التَّاريخ الكَبير" بتعدد روايات الآخِذين عنه غايةٌ وفي الدقَّة، وقد تجلَّى فيها من فنون الضَّبط والتقييد ورُسُوم الأقدَمينَ في علم الخطِّ والكتابة ومصطلحاتها ما يَقضي لها بالدقَّةِ والإتقان، وقد كتبها وسمِعها وقرأها علماءُ متضلِّعون بالفن، وقابلوها على نُسَخ بعض الحفَّاظ التي كانت موجودةً في عصرهم، وضبطوا ألفاظها، وما فيها من أعلامٍ بلفظِ مَن سمِعها. وإنْ وقع فيها خَلَل نبَّهُوا عليه في حواشي النُّسخ، أو وضعوا علامة (صـ) فوق المواضع المشكِلة كما هو مُثبَت على طُرر هذه النُّسخ؛ دون أيِّ تجاسُرٍ منهم على إجراء أدنى إصلاحٍ بهذه
_________
(١) "الاستيعاب" (٣/ ١٤٢٥).
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" (١٠/ ٢٤٦).
(٣) "تحقيق النصوص" (ص ٥٤).
стр. 40
الأصول. فمَن قُرئ الكتاب عليه أو قَرَأ فيه من أكابر العلماء والنَّقَّادين المعتمَدين تركوا الخطأ على حاله، وأعْلَمُوا عليه؛ وهو ما يُشعِر أنها الرواية، وأن الصَّواب خِلافه.
ويزيد الأمر وضوحًا أن القطعة الباريسية، وهي مُتقدمة، ومقابَلة على أصول أندلسية، وعليها خطوط كبار الأعلام، حفلت بالكثير من الأخطاء التي انتقدها الرازيانِ في "بيان خطأ البخاري في تاريخه"، فلو كان الأمر كذلك لوجدنا هذه الأخطاء مُصوَّبة بهذه القطعة، وجُلُّ ما أخذاه على البخاريِّ ثبت في النُّسخ كافة، وما لم نقف عليه مما أخذاه يرجع إلى كون الموضع المنتقَد لا تشمله النُّسخة الباريسية المتمثلة في الإملاء القديم.
* * *
следующие страницы →