← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

منها، وأن أنظر إليها من مرقب عالٍ، وكنت أعلم أن من أعجز العجز أن ينظر الرجل إلى الأمر نظرة طائرة حمقاء، فإما أخذه كله، وإما تركه كله، فرأيت حسناتها وسيئاتها، وفضائلها ورذائلها، وعرفت ما يجب أن يأخذ منها الآخذ، وما يرتك التارك، فكان من همي أن أحمل الناس من أمرها على ما أحمل عليه نفسي، وأن أنقم من هؤلاء العجزة الضعفاء تهالكهم لها، واستهتارهم بها، وسقوط نفوسهم أمام رذائلها ومخازيها، وإلحادها وزندقتها، وشحها وقسوتها، وشرهها وحرصها، وتبذلها وتهتكها، حتى أصبح الرجل الذي لا بأس بعلمه وفهمه إذا حزبه١ الأمر في مناظرة بينه وبين من يأخذه برذيلة من الرذائل لا يجد بين يديه، وما ينضح به عن نفسه إلا أن يعتمد عليها في الاحتجاج على فعل ما فعل، أو ترك ما ترك، كأنما هي القانون الإلهي الذي تثوب إليه العقول عند اختلاف الأنظار، واضطراب الأفهام، أو القانون المنطقي الذي توزن به التصديقات والتصورات لمعرفة صوابها وخطئها وصحيحها وفاسدها، وحتى أصبح السيد في منزله يستحي من خادمة مطبخه الأوروبية أن تطَّلع منه على جهل ببعض عاداتها وعادات قومها حتى لبس الرداء، وخلع الحذاء،

стр. 37

أكثر مما يستحي من الله، ومن الناس أن يهجموا منه على أرذل الرذائل، وأكبر الكبائر، وحتى أصبح تاريخ المشرق وتاريخ علمائه وأدبائه، وفلاسفته وشعرائه صورة من أقبح الصور، وأسمجها في نظر كثير من الشرقيين الذي أصبحوا يفخرون بجهل تاريخهم إن جهلوه، ويراؤون بجهله إن علموه، وحتى قدر ذلك الغلام الرومي خادم الحان أو القهوة منفردًا على مالم تقدر عليه الأمة جميعها مجتمعة، فحملها على النزول إليه لتحدثه بلغته، قبل أن تحمله على الصعود إليها ليحدثها بلغتها، وهو إلى أن يترضاها ويستدنيها أحوج منها إلى أن تزدلف إليه، وتنزل على حكمه. فذلك ما تراه في رسائل النظرات منتثرًا ههنا وههنا قد شعر به قلبي، ففاض به قلمي من حيث لا أكذب الناس عن نفسي، ولا أكذب نفسي عنها، ولو كان بي أن أكذبهم لكذبتهم فيما يرضيهم، وما أعلم أني أتحظاهم به، وأنال به الأثرة الخالدة في نفوسهم، ولو أردت ذلك منهم لما كان بيني وبين خاصتهم إن أردت الخاصة إلا ثلاث كلمات، السخرية بالأديان، واحتقار تاريخ المشرق، والقول بتبرج المرأة وسفورها، ولا كان بيني وبين عامتهم إن أردت العامة إلا ثلاثا أخرى، سب الكفار، وعبادة الأضرحة، والجمود على كل قديم.

стр. 38

وعندي أن الكاتب المسخر الذي لا شأن له إلا أن يكتب ما يفضي به الناس إليه صانع غير كاتب، ومترجم غير قائل، لا فرق بينه وبين صائغ الذهب وثاقب اللؤلؤ، كلاهما ينظم ما لا يملك، ويتصرف فيما لا شأن له فيه، على أن خير ما ينتفع به الأديب من أدبه أن يترك يوم وداعه لهذه الدنيا صفحة يقرأ فيها الناظرون في تاريخه من بعده من أبنائه وشيعته وذوي رحمه صورة نفسه، ومضطرب آماله، ومسرح أحلامه، فإذا كان كل شأنه في حياته أن يكون مرآة تتقلب فيها مختلفات الصور أو وفيعة١ تتمسح بها أعواد الأقلام كان خسرانه عظيما لا يقوم به كل ما يربح الرابحون من مال أو يؤثلون من جاه، والتاريخ أضن من أن يحفظ بين دفتيه من مجد الأدباء إلا مجد أولئك الذي يودعون نفوسهم صفحات كتبهم، ثم يموتون وقد تركوها نقية بيضاء من بعدهم، وحياة الكاتب بحياة كتابته في نفوس قرائها، ولا تحيا كتابة كاتب سيعلم الناس من أمره بعد قليل أنه يكذبهم عن نفسه وعن أنفسهم، وأنه روَّاغ متخلّج٢ يأمرهم اليوم بما ينهاهم عنه غدًا، ويرى في ساعة ما لا يرى في أخرى،

стр. 39

وأنه يستبكى ولا يبكي، ويسترحم ولا يرحم، ويحرك النفوس وهو ساكن، ويثير الثائرة وهو سالم، فيستريبون به، ويحارون في مصادره وموارده، ثم يحملون أمره على شر حاليه، ثم ينقطع ما بينهم وبينه، والبيان ليس سلعة من السلع التي يتنقل بها تجارها من سوق إلى سوق، ومن حانوت إلى آخر، ولكنه حركة طبيعية من حركات النفس تصدر عنها عفوًا بلا تكلفٍ، ولا تعمل صدور النور عن الشمس، والصدى عن الصوت، والأريج عن الزهر، وشعاع لامع يشرق في نفس الأديب إشراق المصباح في زجاجته، وينبوع ثرار يتفجر في صدره، ثم يفيض على أسلات قلمه، وهو أمر وراء العلم واللغة والمحفوظات والمقروءات والقواعد والحدود, ولو أن أمرًا من ذلك كائن لكان أبرع الكتاب، وأشعر الشعراء أغزرهم مادة في العلم أو أعلمهم بقواعد اللغة أو أجمعهم لمتونها أو أحفظهم لفصيح القول ورائعه، أما العلم فأكثر المؤلفين الذين تركوا بين أيدينا هذه الأسفار التي نقرأها في الشريعة والحكمة والمنطق وغيرها كانوا علماء ما يتدافع في ذلك اثنان، وها قد مرت علينا وعلى ما تركوه بين أيدينا القرون والحقب، وأكثرنا عاجز عن فهم أكثر ما كانوا يكتبون، وأما المحفوظات فما نعلم أحدًا أحفظ لكتاب

стр. 40

الله من جماعة القراء، ولا أحفظ للحديث من الفقهاء، ولا أقل منهم إلماما بالأدب، ولا أبعد منهم عنه مكانا، وأما اللغة فما عرفنا بين المتقدمين والمتأخرين من رواتها وحفاظها والمتوفرين على تدوينها وتحقيقها والمنقطعين لدرس قواعدها، وفنونها من عرفت له البراعة والتفوق في تحبير الرسائل أو قرض الشعر أو القوة القلمية في التصنيف في غير ما أخذوا أنفسهم به، وكان الخليل بن أحمد إذا سئل عن نظم الشعر قال: يأباني جيده وآبى رديئه، وكان الأصمعي يحفظ ثلث اللغة، وأبو زيد الأنصاري يحفظ نصفها وأبو مالك الأعرابي يحفظها كلها، وكذلك كان شأن النضر بن شميل وأبي عبيدة وابن دريد والأزهري والصاغاني وابن فارس وابن الاثير صاحب النهاية، والجوهري والفيروزبادي، وأمثالهم من علماء اللغة والنحو، وما سمعنا لواحد منهم في إحدى الصناعتين شيئا مذكورا، وقال أبو العباس المبرد في بعض أحاديثه: لا أحتاج إلى وصف نفسي مشكلة إلا لقيني بها، وأعدني لها فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس لا يخفى علي مشتبه من الشعر والنحو والكلام المنثور والخطب والرسائل، وربما احتجت إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة فاجعل المعنى الذي أقصده نُصب عيني ثم

стр. 41

لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان، ولقد بلغني أن عبيد الله بن سليمان ذكرني بجميل، فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها، وأعرض ببعض أموري، فأتبعت نفسي يومًا في ذلك، فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول الإفصاح عما في نفسي، فينصرف لساني إلى غيره اهـ بل لو شئت لقلت إنه ما أفسد على المتنبي وأبي تمام كثيرًا من شعرهما، ولا على المعري كثيرا من منظومه ومنثوره، ولا على الحريري مقاماته، ولا على ابن دريد مقصورته إلا غلبة اللغة عليهم واستهتارهم بها، وشغفهم بتدوينها في كل ما يكتبون، فقد كانوا هم وأمثالهم من حبائس اللغة وأنضائها في كثير من مواقفهم يؤلفون ويدونون، من حيث يظنون أنهم ينظمون أو يكتبون، ولا تزال نفسي تشتمل على لوعة من الحزن لا تفارقها حتى الموت، كلما ذكرت أن الأدب العربي كان يستطيع أن يكون خيرًا مما كان لو أن الله كتب للزوميات المعري النجاة من قبضة اللغة وأسر الالتزام، وإنك لا تكاد ترى اليوم من شعراء هذا العصر، وكتابه الذين يأخذون بزمام هذا المجتمع العربي ويقيمون عالمه، ويقعدونه بقوتهم القلمية في شؤونه السياسية والاجتماعية والأدبية كافة من يعد من حفاظ اللغة العربية، وثقاتها أو من يسلم له مقال من مأخذ لنحوي أو مغمز

стр. 42

للغوي، وهم على ذلك عندي أدخل في باب البيان، وألصق به، وأمسّ به رحمًا من أولئك الذين يستظهرون متون اللغة، ويحفظون دقائقها، ويحيطون بمترادفها ومتواردها ويتباصرون بشاذها وغريبها ويحملون في صدورهم ما دق وجل من مسائل نحوها وتصريفها، فإذا عرض لهم غرض من الأغراض في أي شأن من شؤون حياتهم، وأرادوا أنفسهم على الإفضاء به ارتج عليهم فأغلقوا، أو تقعروا وتشدقوا، فكأنهم لم ينطقوا، والفرق بين الأدباء واللغويين أن الأولين كاتبون، والآخرين مصححون، فمثلهما كمثل النساج وعامله، هذا ينسج الثوب، وهذا يلتقط زوائده ويمسح عنه زئبره١ أو كمثل الشاعر والعروضي، هذا ينظم الشعر وهذا يعرضه على تفاعيله وموازينه، وليس البيان ذهاب كلمة، ومجيء أخرى، ولا دخول حرف وخروج آخر، وإنما هو النظم والنسق والانسجام، والإطراد والماء والرونق واستقامة الغرض وتطبيق المفصل، والأخذ بالنفوس، وامتلاك أزمة الهواء، فإن صح ذلك لامرئ، فهو الكاتب القدير، أو الشاعر الجليل، فإن زلت به قدم في وضع حرف مكان حرف، أو غلبه على لسانه دخيل، أو خرج من يده أصيل، أو كان ممن يفوته العلم ببعض القواعد

стр. 43

اللغة أو بعض وجوه الاستعمال فيها، كان ذلك عيبًا لاحقا بعلمه أو بحافظته، لا ببيانه وفصاحته، ومتى صدر القائل في قوله عن سجية وطبع أصبح شأنه شبيهًا بشأن العرب الأولين، وكان من شأنهم أن يسبقهم إلى كلامهم الخطأ اللفظي في بعض الأحيان، وكان السبب في ذلك كما يقول أبو علي الفارسي: أنهم كانت تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون به، فربما استهواهم الشيء، فزاغوا به عن القصد من حيث لا يشعرون، وكما أن الجسم لا يغير صورته، ولا يقلب سحنته أن تطير منه ذرة، وتحل أخرى محلها لتمثلها كذلك لا يغير صورة الكلام، ولا يذهب بنسقه خروج أصيل، أو دخول دخيل، ولقد قيل لأحد الكتاب الإنكليز نراك كثير الإعجاب بالكاتب "كبلنغ" وهو رجل لحانة لا يحفل بقواعد اللغة، فأجاب أن سطرًا واحدًا مما يكتبه "كبلنغ" أثمن عندي من قوانين اللغة جميعها، وليس من الرأي أن أحرم نفسي التمتع بأدبه إكراما لسواد عيون الغراماطيق١ الإنكليزي، وفضل الأدباء على اللغة في سيرورتها وذيوعها وتداولها وخلودها أكبر من فضل اللغويين عليها في ذلك؛ لأنهم هم الذين يمهدون سبلها، ويعبدون٢ طرقها، ويستدنون نافرها، ويجمعون شاردها،

стр. 44

وينظمون لآلئها، نظم الثاقب لآلئه في السلك، فيأخذها الناس عنهم من أخصر الطرق وأقربها، وأشهاها إلى النفس، وأعلقها بالقلب، وقليل من الناس من يأخذ مادته اللغوية من معاجم اللغة أو يكتسب ملكة الإعراب من كتب النحو والتصريف، وما كانت اللغة عدوة للأدب، ولا كان الأدب عدوًّا لها، بل هي أساسه وقوامه الذي يقوم به، ولكن المشتغلين بها، والمتوفرين على دراستها، والمنقطعين لاستظهارها، والنظر في دقائقها، والتعمق في أطوائها، لا يزال يغلب عليهم الولع بها، والفناء فيها، حتى تصبح في نظرهم مقصدًا من المقاصد، لا وسيلة من الوسائل، وللبيان وسائل كثيرة غير وسيلة اللغة، فمن لا يأخذ نفسه بجميع وسائله لا يصل إليه والتربية العلمية كالتربية الجسمية، فكما أن الطفل لا ينمو جسمه، ولا ينشط ولا تتبسط أعضاؤه، ولا تنتشر القوة في أعصابه، إلا إذا نشأ في لهوه ولعبه، وقفزه ووثبه، كذلك الكاتب لا تنمو ملكة الفصاحة على لسانه، ولا تأخذ مكانها من نفسه، إلا إذا ملك الحرية في التصرف والافتتان والذهاب في مذاهب القول، ومناحيه كما يشاء وحيث يشاء، دون أن يسيطر عليه في ذلك مسيطر إلا طبعة وسجيته، واللغوي لا يزال يحوط نفسه بالحذر والخوف، والوساوس والبلابل،

стр. 45

فَإِنْ مَشَى خيل إليه أنه يمشي على رملة ميثاء، وإن تحرك خيل إليه أن تحت قدميه حفرة جوفاء، حتى يقعد به خوفه ووسواسه عن الغاية التي يريد الوصول إليها، على أن الكاتب لا يبلغ مرتبة الكتابة إلا إذا نظر إلى الألفاظ بالعين التي يجب أن ينظر بها إليها، فلم يتجاوز بها منزلتها الطبيعية التي تنزلها من المعاني، وهي أن تكون خدمًا لها وخولًا، وأثوابًا وظروفا، فإذا كتب تركها وشأنها، وأغفل أمرها حتى تأتي بها المعاني وتقتادها طائعة مرغمة، والمعاني هي جوهر الكلام ولبه، ومزاجه وقوامه، فما شغل الكاتب من همته بغيرها أزرى بها حتى تُفلت من يده، فيفلت من يده كل شيء. وبعد فالعلم والمحفوظات والمقروآت والمادة اللغوية، والقواعد النحوية، إنما هي أعوان الكاتب على الكتابة ووسائله إليها، فالجاهل لا يكتب شيئا؛ لأنه لا يعرف شيئا، ومن لا يضطلع بأساليب العرب ومناحيها في منظومها ومنثورها سرت العجمة إلى لسانه، أو غلبته العامية على أمره، ومن قل محفوظه من المادة اللغوية قصرت يده عن تناول جميع ما يريد تناوله من المعاني، ومن جهل قانون اللغة أغْمَضَ الْأَغْرَاضَ وَأَبْهَمَهَا، أو شَوَّهَ جَمَالَ الْأَلْفَاظِ وَهَجَّنَهَا، وَلَكِن لَيْسَتْ هَيَ جَوْهَرُ الْفَصَاحَةِ، وَلَا

стр. 46

حقيقة البيان، فأكثر القائمين عليها، والمضطلعين بها، لا يكتبون ولا ينظمون، فإن فعلوا كان غاية إحسان المحسن منهم أن يكون كصانع التماثيل الذي يصب في قالبه تمثالا سويا متناسب الأعضاء، مستوي الخلق، إلا أنه لا روح فيه ولا جمال له؛ لأنه ينقصهم بعد ذلك كله أمر هو سر البيان ولبه، وهو الذوق النفسي والفطرة السليمة، وأنى لهم ذلك وما دخلت الفلسفة أيا كان نوعها على عمل من أعمال الفطرة إلا أفسدته، وما خالط التكلف عملًا من أعمال الذوق إلا شوَّه وجهه، وذهب بحسنه وروائه. ولقد قرأت ما شئت من منثور العرب، ومنظومها، في حاضرها وماضيها، قراءة المتثبت المستبصر، فرأيت أن الأحاديث ثلاثة، حديث اللسان، وحديث العقل، وحديث القلب. فأما حديث اللسان، فهو تلك العبارات المنمقة، والجمل المزخرفة، أو تلك الكلمات الجامدة الجافة التي لا يعني صاحبها منها سوى صورتها اللفظية، فإن كان لغويًا تقعر وتشدق، وتكلف وأغرب، حتى يأتيك بشيء خير ما يصفه به الواصف أنه متن مشوش من متون اللغة لا فصول له ولا أبواب، وإن كان بديعيًا جنس ورصع وقابل ووشَّع وزواج وافتن في الإتيان بالكلمة مهملة كلها أو معجمة كلها، أو راوح بين الإهمال والإعجام

стр. 47

فيخيل إليك، وأنت تراه ينطق بما ينطق به كأنما هو يصنعه بيديه صنعا، أو يصففه تصفيفا، ثم لا يبالي بعد ذلك باستقامة المعنى في ذاته ولا بمقدار ماله من الأثر في نفس السامع، وهذا الحديث هو أسقط الأحاديث الثلاثة وأدناها وأجدرها أن ينظمه الناظم في سلك الصناعة اليدوية التي لا دخل للعقل، ولا للفهم في شيء منها، وأن ينظم صاحبها في سلك جماعة الصيادلة الذين لا شأن لهم إلا تحليل المواد وتركيبها، وجمعها وتفريقها، والمزاوجة بين مقاديرها، والموازنة بين أثقالها، من حيث لا يكون لقوة التصور، ولا لذكاء القلب، دخل في هذا أو ذاك. وأما حديث العقل، فهو تلك المعاني التي ينحتها الناحتون من أذهانهم نحتا، ويقتطعونها من اقتطاعها، ويذهبون فيها مذهب المعاياة، والتحدي والتعمق والأغراب، ويسمونها تارة تخييلا، وأخرى غلوًا، وأخرى حسن تعليل إلى كثير من أمثال هذه الأسماء والألقاب التي تتفرق ما تتفرق، ثم يجمعها شيء واحد هو الكذب والإحالة، وآية ما بينك وبينها أنك إذا رأيتها شعرت بأنك ترى أمامك شيئا غريبا عن نفسك، وعن نفس صاحبه، وعن نفوس الناس جميعا، وأن صاحبه لا يريد منه إلا أن

стр. 48

يطرفك أو يضحكك أو يدهشك أو يعجبك من ذكائه وفطنته، واقتداره على تصوير ما لا يتصور، وإيجاد ما لا يكون، وهو أمر لا علاقة له بجوهر الشعر، ولا حقيقة الكتابة، وربما انعكس عليه حتى غرضه هذا فنفرك وأكدَّك، وملأ قلبك غيظا وقيحا كأن يقول: لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق فإن الجوزاء لا تنتطق، ولو كان هذا الذي نراه يستدير بها نطاقًا، فهو شيء متصل بها قبل أن يخلق للمدوح، ويخلق أباؤه الأولون والآخرون إلى آدم وحواء، والكواكب ليست أشخاصًا أحياء يتخذ منها الناس خدما وخولا لأنفسهم، ولو كانت كذلك لاستحال عليها، وهي من سكان السماء أن تهبط إلى الأرض لتخدم سكانها، فقد كذب وأحال أربع مرات في بيت واحد، ثم عجز بعد هذا كله أن يترك في نفس السامع صورة تمثل جلال ممدوحه، وعظم شأنه، فهو في الحقيقة إنما يريد ببيته هذا أن يمتدح نفسه بالإبداع وقوة التخيل، لا أن يمتدح ممدوحه برفعه الشأن وعلو المقام. أو يقول: ما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب

стр. 49

فإن الذي يحمل في صدره قلبا رحيما، مشفقا على الذئاب من الجوع، مستعظما أن يخلفها ما عودها إياه من طعام وشراب لا يمكن أن يكون هو نفسه ذئبا ضاريا يريق دماء الناس، ويمزق أحشاءهم، ويقطع أوصالهم؛ ليملأ بها بطون الوحش، ولا يوجد بين الأسباب التي تحمل الناس على القتال سبب يشبه هذا السبب الذي ذكره، على أن المحسن لا يكون محسنا إلا إذا وهب ما يهب من ماله، ومن خزائن بيته، فأما أن يقتل الناس تقتيلًا، ويمثل بهم ثم ينعم بجثثهم على الجائعين والظماء من وحوش الأرض وذئابها فذلك شيء هو بالجنون أشبه منه بالإحسان. أو يقول: لا يذوق الاغفاء إلا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رواحا فإن النوم قوام الإنسان وعماد حياته، ولازم من لوازمه اللاصقة به، أراد ذلك أم لم يرد، فإن كان لا بد من دخوله في باب الاختيار، فإن من أبعد الأشياء عن التصور والفهم أن يكون ما يحمل الإنسان على طلب النوم رجاؤه أن يرى فيه الأحلام والرؤى، فإن فعل فلا يدخل في باب أغراضه وأمانيه أن ينام ليرى خيال جماعة المتسولين والمتأكلين، وهم ملء الأرض وهباء الجو، وأرصاد الأعتاب، وأعقاب الأبواب، لا تنفتح الأعين

стр. 50

إلا عليهم، ولا تمتلئ الأنظار إلا بهم، فهم لم يبلغوا في الضن بأنفسهم والعزف بها مبلغ من لا يراه الرائي ولا يعثر به إلا إذا ألقى في طريقة حبائل الأحلام ليصطاده بها. أو يقول: لم يتخذ ولدًا إلا مبالغة ... في صدق توحيد من لم يتخذ ولدا فإن الأولاد لا يتخذون اتخاذًا، وإنما ينعم الله بهم على من يشاء من خلقه إنعامًا، وأكثر ما تقذف به الأرحام من النسمات إنما هو ثمرة من ثمرات الحب يأتي بها عفوًا، لا نبتة من نبات الأرض يبذر الزراع بذورها ليستنبتها، والله تعالى غني بربوبيته، ووضوح آثارها عن الاستدلال عليها بنطفة يقذفها قاذفها في بعض الأرحام، فإن كان لا بد في إثبات ربوبيته من دليل يدل على مخالفته للحوادث في الصفات والأفعال فالأدلة على ذلك كثيرة لا يضبطها الحسَّاب كثرة، وربما كان أهونها، وأضعفها أنه لا يتخذ ولدًا وأنهم يتخذون، على أن المتخذين كثيرون قد ضاق بهم بطن الأرض وظهرها، فالمسألة مفروغ منها قبل أن يخلق هذا الممدوح، ويخلق وله فلا فضل له في الإتيان بشيء جديد. أو يقول: وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبًا

стр. 51

فإن الأزهار التي تستمد حياتها ونماءها من جثث الموتى ورممهم لا يمكن أن تكون طيبة الريح، على أن الأزهار مريحة قبل أن يدفن هؤلاء الموتى في قبورهم، فلم يزد في كلمته هذه على أن أتى بخيال ضعيف مبتذل هو أشبه الأشياء بخيال العامة الذين يرون أن بعض الأزهار ما خلق إلا إكراما لبعض النبيين. أو يقال: تتلف في اليوم بالهبات وفي السا ... عة ما تجتنيه في سنتك فقد أراد أن يصف ممدوحه بالكرم وصفا فوق ما يصف الناس، ويأتي في ذلك بما لم يأت به غيره، فأنزله منزلة مجانين المسرفين الذين لا يحسنون الموازنة بين أرزاقهم ونفقاتهم، ولو تقدمت هذه التهمة بهذه الصورة إلى قاضٍ من قضاة المال لما كان له بد من الحجر عليه، والقضاة يرضون في مثل هذه الأحكام بدون إنفاق، دخل السنة جميعها في ساعة واحدة أو يوم واحد. أو يقول: ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك واستعاضوا ... عن الأكفان ثوب السافيات فإن شيئا من ذلك لم يكن، فالقبر لا يضيق بأحد، والجو

стр. 52

لا يكون قبرًا، والريح ليست كفنًا، والرجل لا يزال مصلوبًا غير مقبور، ولا يزال عاريًا غير مدرج في كفن. وأما حديث القلب فهو ذلك المنثور أو المنظوم الذي تسمعه، فتشعر أن صاحبه قد جلس بجانبك ليتحدث إليك كما يتحدث الجليس إلى جليسه، أو ليصور لك ما لا تعرف من مشاهد الكون، أو سرائر القلوب، أو ليفضي إليك بغرض من أغراض نفسه، أو لينفس عنك كربة من كرب نفسك، أو ليوافي رغبتك في الإفصاح عن معنى من المعاني الدقيقة التي تعتلج في صدرك, ثم يتكاءدك الإفصاح عنها، من حيث لا يكون للصناعة اللفظية، ولا الفلسفة الذهنية، دخل في هذا أو ذاك، حتى ترى حجاب اللفظ قد رق بين يديك دون المعنى حتى يفنى كما تفنى الكأس الصافية دون ما تشتمل عليه من الخمر، فإذا الخمر قائمة بغير إناء، أو كما تفنى صفحة المرآة الصقيلة بين يدي الناظر فيها، فلا يرى إلا صورته ماثلة بين يديه، ولا لوح هناك ولا زجاج، وهو أرقى الأحاديث الثلاثة وأشرفها، وهو الذي يريده المريدون مهما اختلفت عباراتهم، وتنوعت أساليبهم، من تعريف كلمة البيان. ولقد كان من أكبر ما أعانني على أمري في كتابة رسائل

стр. 53

النظرات أشياء أربعة أنا ذاكرها لعل المتأدب يجد في شيء منها ما ينتفع به في أدبه: "أولها" أني ما كنت أحتفل من بين تلك الأحاديث الثلاثة بحديث اللسان ولا حديث العقل، أي: إنني ما كنت أتكلف لفظا غير اللفظ الذي يقتاده المعنى ويتطلبه، ولا أفتش عن معنى غير المعنى الطبيعي القائم في نفسي، بل كنت أحدث الناس بقلمي كما أحدثهم بلساني، فإذا جلست إلى مكتبتي خيل إلي أن بين يدي رجلا من عامة الناس مقبلا علي بوجهه، وأن من أشهى الأشياء وآثرها في نفسي أن لا أترك صغيرا ولا كبيرا مما يجول بخاطري حتى أفضي به إليه، فلا أزال أتلمس الحيلة إلى ذلك, ولا أزال أتأتى إليه بجميع الوسائل وألح في ذلك إلحاح المشفق المجد حتى أظن أني قد بلغت من ذلك ما أريد، فلا أقيد نفسي بوضع مقدمة الموضوع في أوله، ولا سرد البراهين على الصورة المنطقية المعروفة، ولا التزام استعمال الكلمات الفنية التزاما مطردا إبقاء على نشاطه وإجمامه وإشفاقا عليه أن يمل ويسأم فينصرف عن سماع الحديث أو يسمعه فلا ينتفع به. "وثانيها" أني ما كنت أحمل نفسي على الكتابة حملا، ولا أجلس إلى مكتبتي مطرقا مفكرا: ماذا أكتب اليوم،

стр. 54

وأي الموضوعات أعجب وأغرب، وألذ وأشوق، وأيها أعلق بالنفوس، وألصق بالقلوب؟ بل كنت أرى فأفكر فأكتب فأنشر ما أكتب فأرضي الناس مرة وأسخطهم أخرى من حيث لا أتعمد سخطهم، ولا أتطلب رضاهم. "وثالثها" أني ما كنت أكتب حقيقة غير مشوبة بخيال، ولا خيالا غير مرتكز على حقيقة؛ لأني كنت أعلم أن الحقيقة المجردة من الخيال لا تأخذ من نفس السامع مأخذا، ولا تترك في قلبه أثرا، وأحسب أن السبب في ذلك أن أكثر ما تشتمل عليه النفوس من العقائد والمذاهب، والآراء والأخلاق، والخواطر والتصورات، إنما هو أثر من آثار الخيالات الذهنية التي تتراءى في سماء الفكر، ثم لا تزال بها الأيام تكسوها طبقة بعد طبقة من غبار القدم حتى تصبح حقيقة من الحقائق الثابتة في الأذهان، وكما أن الحديد لا يفل إلا الحديد، واللون لا يذهب به إلا لون غيره، كذلك الخيال لا يذهب به ولا يزعجه من مكانه إلا الخيال، وللخيال الأثر الأعظم في تكوين هذا المجتمع الإنساني وتكييفه بالصورة التي يريدها، فلولا خيال الشعر ما هاج الوجد في قلب العاشق، ولولا خيال الشرف ما هلك الجندي في ساحة الحرب، ولولا خيال الذكرى ما اخترعت

стр. 55

المخترعات، ولا ابتدعت المبتدعات، ولولا خيال الرحمة ما عطف غني على فقير، ولا حنا كبير على صغير، كما كنت أعلم أن الخيال غير المرتكز على الحقيقة إنما هو هبوة طائرة من هبوات الجو لا تهبط أرضا، ولا تصعد إلى سماء. "ورابعها" أني كنت أكتب للناس لا لأعجبهم، بل لأنفعهم، ولا لأسمع منهم أنت أحسنت، بل لأجد في نفوسهم أثرا مما كتبت، والناس كما قلت في بعض رسائلي خاصة وعامة: أما خاصتهم فلا شأن لي معهم، ولا علاقة لي بهم، ولا دخل لكلمة من كلماتي في شأن من شئونهم، فلا أفرح برضاهم، ولا أجزع لسخطهم؛ لأني لم أكتب لهم، ولم أتحدث معهم، ولم أشهدهم أمري، ولم أحضرهم عملي، بل أنا أتجنب جهد المستطاع أن أستمع منهم شيئا مما يتعلق بي من خير أو شر؛ لأني راض عن فطرتي وسجيتي في اللغة التي أكتب بها فلا أحب أن يكدرها علي مكدر، وعن آرائي ومذاهبي التي أودعها رسائلي فلا أحب أن يشككني فيها مشكك، ولم يهبني الله من قوة الفراسة ما أستطيع به أن أميز بين مخلصهم ومشوبهم، فأصغي إلى الأول لأستفيد علمه، وأعرض عن الثاني لأتقي غشه، فأنا أسير بينهم مسير رجل بدأ يقطع مرحلة لا بد له أن يفرغ منها في

стр. 56

ساعة معينة، ثم علم أن على يمين الطريق التي يسلكها روضة تعتنق أغصانها، وتشتجر أفنانها، وأن على يساره غابا تزأر أسوده، وتعوي ذئابه، وتفح أفاعيه وصلاله، فمضى قدما لا يلتفت يمنة مخافة أن يلهو عن غايته بشهوات سمعه وبصره، ولا يسرة مخافة أن يهيج بنظراته فضول تلك السباع المقعية، والصلال الناشرة، فتعترض دون طريقه: وأما عامتهم فهم بين ذكي قد وهبه الله من سلامة الفطرة، وصفاء القلب، ولين الوجدان، ما يعده لاستماع القول واتباع أحسنه، فأنا أحمد الله في أمره، وضعيف قد حيل بينه وبين نفسه فهو لا يرضى إلا عما يعجبه، ولا يسمع إلا ما يطربه، فأكل أمره إلى الله، وأستلهمه صواب الرأي فيه، حتى يجعل الله له من بعد عسرا يسرا، مصطفى لطفي المنفلوطي

стр. 57

الغد: عرفت أني فكرت ليلة أمس فيما أكتب اليوم وعرفت أني آخذ الساعة بقلمي بين أناملي, وأن بين يدي صحيفة بيضاء تسود قليلا قليلا كلما أجريت القلم فيها, ولكن لا أعلم هل يبلغ القلم مداه أو يكبو١ دون غايته، وهل أستطيع أن أتمم رسالتي هذه أو يعترض عارض من عوارض الدهر في سبيلها؟ لأني لا أعرف من شئون الغد شيئا؛ ولأن المستقبل بيد الله. عرفت أني لبست أثوابي في الصباح وأنها لا تزال فوق جسمي حتى الآن, ولكني لا أعلم هل أخلعها بيدي أو تخلعها يد الغاسل. الغد شبح مبهم يتراءى للناظر من مكان بعيد فربما كان ملكا رحيما، وربما كان شيطانا رجيما، بل ربما كان سحابة سوداء إذا هبت عليها ريح باردة حللت أجزاءها وفرقت ذراتها فأصبحت كأنما هي عدم من الأعدام التي لم يسبقها وجود

стр. 58

الغد بحر خضم زاخر يعب عبابه١، وتصطخب أمواجه، فما يدريك إن كان يحمل في جوفه الدرر والجواهر، أو الموت الأحمر. لقد غمض الغد عن العقول ودق شخصه عن الأنظار, حتى لو أن إنسانا رفع قدمه ليضعها في خروجه من باب قصره لا يدري أيضعها على عتبة القصر، أم على حافة القب؟ الغد صدر مملوء بالأسرار الغزار تحوم حوله البصائر وتتسقطه٢ العقول وتستدرجه الأنظار فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جادت الصخرة بالماء الزلال. كأنى بالغد وهو كامن في مكمنه رابض في مجثمه٣ متلفع بفضل إزاره ينظر إلى آمالنا وأمانينا نظرات الهزء والسخرية, ويبتسم ابتسامات الاستخفاف والازدراء، يقول في نفسه: لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث وهذا الباني أنه يبني للخراب وهذا الوالد أنه يلد للموت ما جمع الجامع ولا بنى الباني ولا ولد الوالد. ذلل الإنسان كل عقبة في هذا العالم فاتخذ نفقا في الأرض وصعد بسلم إلى السماء، وعقد ما بين المشرق والمغرب بأسباب٤ من حديد وخيوط من نحاس، وانتقل بعقله إلى العالم العلوى

стр. 59

فعاش في كوكبه وعرف أغوارها وأنجادها، وسهولها وبطاحها، وعامرها وغامرها، ورطبها ويابسها، ووضع المقاييس لمعرفة أبعاد النجوم ومسافات الأشعة والموازين لوزن كرة الأرض إجمالا وتفصيلا، وغاص في البحار فعرف أعماقها وفحص تربتها, وأزعج سكانها ونبش دفائنها وسلبها كنوزها وغلبها على لآلئها وجواهرها، ونفذ من بين الأحجار والآ كام إلى القرون الخالية فرأى أصحابها وعرف كيف يعيشون، وأين يسكنون، وماذا يأكلون ويشربون، وتسرب من منافذ الحواس الظاهرة إلى الحواس الباطنة فعرف النفوس وطبائعها، والعقول ومذاهبها، والمدارك ومراكزها، حتى كاد يسمع حديث النفس ودبيب المنى، واخترق بذكائه كل حجاب، وفتح كل باب، ولكنه سقط أمام باب الغد عاجزا مقهورا لا يجرؤ على فتحه، بل لا يجسر على قرعه؛ لأنه باب الله، والله لا يطلع على غيبه أحدا. أيها الشبح الملثم بلثام الغيب، هل لك أن ترفع عن وجهك هذا اللثام قليلا لنرى صفحة١ واحدة من صفحات وجهك المقنع, أو لا فاقترب منا قليلا علنا نستطيع أن نستشف صورتك

стр. 60

من وراء هذا اللثام المسبل دوننا فقد كارت قلوبنا شوقا إليك، وذابت أكبادنا وَجدا عليك. أيها الغد، إن لنا آمالا كبارا وصغارا، وأماني حسانا وغير حسان، فحدثنا عن آمالنا أين مكانها منك، وخبرنا عن أمانينا ماذا صنعت بها، أأذلتها واحتقرتها، أم كنت لها من المكرمين. لا لا. صن سرك في صدرك وأبق لثامك على وجهك ولا تحدثنا حديثا واحدا عن آمالنا وأمانينا حتى لا تفجعنا فيها فتفجعنا في أرواحنا ونفوسنا فإنما نحن أحياء بالآمال وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني وإن كانت كاذبة: وليست حياة المرء إلا أمانيا ... إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر

стр. 61

الكاس الأولى: كان لي صديق أحبه وأحب منه سلامة قلبه وصفاء سريرته وصدقة ووفاءه في حالي بعده وقربه، وغضبه وحلمه، وسخطه ورضاه، ففرق الدهر بيني وبينه فراق حياة لا فراق ممات، فأنا اليوم أبكيه حيًّا أكثر مما كنت أبكيه لو كان ميتا، بل أنا لا أبكي إلا حياته، ولا أتمنى إلا مماته، فهل سمعت بأعجب من هذه الخلة الغريبة في طبائع النفوس. علقت حبالي بحباله حقبة من الزمان عرفته فيها، وعرفني ثم سلك سبيلا غير سبيله، فأنكرته وأنكرني حتى ما أمر بباله؛ لأن الكأس التي علق بها لم تدع في قلبه فراغًا يسع غيرها وغير العالقين بها، وربما كان يدفعني عن مخيلته دفعًا إذا تراءيت فيها؛ لانه إذا ذكرني ذكر معي تلك الكلمات المرة التي كنت ألقاه بها في فتحة حياته الجديدة، وما كان له، وهو يهيم في فضاء سعادته التي يتخيلها أن يكدر على نفسه بمثل هذه الذكرى صفاء هذا الخيال، ثم لم أعد أعلم من أمره بعد ذلك شيئا جديدًا؛ لأن حياة

стр. 62

المدمنين حياة متشابهة متماثلة لا فرق بين صبحها ومسائها، وأمسها وغدها، ذهاب إلى الحانات فشراب، فخمار١ فنوم فذهاب، كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، والمنظر المتكرر لا يلفت النظر ولا يشغل الذهن حتى أن بعض من ينام على دورة الرحى يستيقظ عند سكونها، وكان أحرى أن يوقظه دورانها. لذلك لم يشغل هذا المسكين محلا من قلبي إلا بعد أن سكنت دورته، وهدأت حركته، فلم أعد أراه معربدًا في الحانات، ولا مطرحًا في مدارج الطرق، ولا معتقلا في أيدي الشرط٢ هنالك سألت عنه فقيل لي إنه مريض فلم أعجب من شيء كنت أعد له الأيام والأعوام كما يعد الفلكي الساعات والدقائق لكسوف الشمس، واصطدام الكواكب. دخلت عليه أعوده فلم أجد عنده طبيبًا، ولا عائدًا لأنه فقير، والأطباء يظهرون الرحمة بالفقراء، ويبطنون حب الصفراء والبيضاء، والأصدقاء يخافون عدوى المرض وعدوى الفقر، فلا يعودون المريض، ولا يزورون الفقير.

стр. 63

دخلت منزله فلم أجد المنزل ولا صاحبه؛ لأني لم أجد فيه ذلك الروح العالي الذي كان يرفرف بأجنحته في غرفة وقاعاته، ولم أر دخان المطبخ ولم أسمع ضوضاء الخدم، ولا بكاء الاطفال ولا رنين الأجراس، فكأنني دخلت القبر أزور الميت لا المنزل أعود الحي. ثم تقدمت نحو سرير المريض فكشف كلَّته البالية عن خيال لم يبق منه إلا إهاب١ لاصق بعظم ناحل، فقلت: أيها الخيال الشاخص ببصره إلى السماء قد كان لي في إهابك هذا صديق محبوب، فهل لك أن تدلني عليه. فبعد لأي ما٢ حرك شفتيه وقال، هل أسمع صوت فلان، قلت نعم مم تشكو، فزفر زفرة كادت تتساقط لها أضلاعه وأجاب، أشكو الكأس الأولى، قلت: أي كأس تريد، قال: أريد الكأس التي أدوعتها مالي وعقلي وصحتي وشرفي، وها أنا ذا اليوم أودعها حياتي، قلت قد كنت نصحتك ووعظتك وأنذرتك بهذا المصير الذي صرت إليه اليوم، فما أجديت عليك شيئا، قال ما كنت تعلم حين نصحتني من غوائل هذا العيش النكد أكثر مما كنت أعلم، ولكنني كنت

стр. 64

شربت الكأس الأولى فخرج الأمر من يدي. كل كأس شربتها جنتها على الكأس الأولى. أما هي فلم يجنها على غير ضعفي وقصور عقلي على إدراك خداع الأصدقاء والخلطاء. لم تكن شهوة الشراب مركبة في الإنسان كبقية الشهوات فيعذر في الانقياد إليها كما يعذر في الانقياد إلى غيرها من الشهوات الغريزية، فلا سلطان لها عليه إلا بعد أن يتناول الكأس الأولى، فلم يتناولها؟ يتناولها لأن الخونة الكاذبين من خلانه وعشرائه خدعوه عن نفسه في أمرها؛ ليستكملوا بانضمامه إليهم لذتهم التي لا تتم إلا بقراع الكؤوس وضوضاء الاجتماع، ولو علمت كيف خدعوه وزينوا له الخروج عن طبعه ومألوفه، وأي ذريعة تذرعوا بها إلى ذلك لتحققت أنه أبله إلى النهاية من البلاهة، وضعيف إلى الغاية التي ليس وراءها غاية. أنا ذلك الأبله، وذلك الضعيف، فاسمع كيف خدعني الأصدقاء وزينوا لي ما يزينه الشيطان للإنسان. قالوا إن حياتك حياة هموم وأكدار، ولا دواء لهذا الأدواء إلا الشراب، وقالوا إن الشراب يزيد رونق الجسم ويبعث نشاطه، وأنه يفتق اللسان، ويعلم الإنسان البيان، وأنه يشجع الجبان، ويبعث في القلب الجرأة والإقدام. هذا ما سمعته

стр. 65

فصدقته وخدعته به، صدقت أن في الشراب أربع مزايا: السعادة والصحة والفصاحة والإقدام. فوجدت فيه أربع رزايا: الفقر والمرض والسقوط والجنون. غرهم من الصحة ذلك اللون الأحمر الذي يتركه الشراب وراءه في الأعضاء، وهو يتغلغل في الأحشاء، ومن الفصاحة الهذَرُ والهذيان، وهُجْرَ١ القول وبذاءة اللسان، ومن الإقدام العربدة التي لا تسكن إلا في غرفة السجن، ومن السعادة اللحظات القليلة التي يغشى فيها على عقله الشارب، فيعمى عن رؤية ما يحيط به من الأشياء كما هي فتنعكس في نظره الحقائق حتى يتخيل الشتم طرفة٢ والصفع تحية فيضحكه من ذلك ما يضحك الأطفال والممرورين٣. أي سرور لمن يعيش في منزل لا يزور الابتسام ثغرًا من ثغور ساكنيه، أي سرور لمن يودعه أهله كل يوم في صباحه بالحسرات، ويستقبلونه في مسائه بالزفرات، أي سعادة لمن يمشي دائما في طريقه متلويا متمعّجًا٤ يتسرب في المنعطفات والأزقة، ويعوذ بألواذ٥ الجدُر والأسوار فرارًا من نظرات

стр. 66

الجزار، وتهكمات العطار، وصرخات الخمار. ولقد كنت أرى هؤلاء الأشقياء في فاتحة حياتي التعسة فكان يمر بخاطري ما يمر بخاطر أمثالي أنهم قتلى الإدمان لا قتلى الشراب، وكنت أقدر لنفسي القصد فيه إن قُدِّر لي في أمره شيء حتى لا أبلغ مبلغهم ولا أنزل منزلتهم، فلما شربت أخطأ العد وضاع الحساب، وفسد التدبير، واختلف التقدير، وغلبت على أمري كما يغلب على أمره كما يغلب على أمره كل مخدوع بمثل ما خدعت به، ولولا الكأس الأولى ما هلكت، ولا شكوت الذي شكوت، ولولاها ما عافني الأصدقاء، ولا زهد في الأقرباء، فكن أنت وحدك صديق السراء والضراء. فعاهدته على ذلك ثم تركته في حالة. تُصمَّ السميع وتعمى البصير ... ويُسأل من مثلها العافيه

стр. 67

الدفين الصغير: الآن نفضت يدي من تراب قبرك يا بني وعدت إلى منزلي كما يعود القائد المنكسر من ساحة الحرب لا أملك إلا دمعة لا أستطيع إرسالها، وزفرة لا أستطيع تصعيدها. ذلك لأن الله الذي كتب لي في لوح مقاديره هذا الشقاء في أمرك، فرزقني بك قبل أن أسأله إياك، ثم استلبك مني قبل أن أستعفيه منك، قد أراد أن يتمم فضاءه فيَّ، وأن يجرعني الكأس حتى ثمالتها فحرمني حتى دمعة أرسلها، أو زفرة أصعّدها، حتى لا أجد في هذه، ولا تلك ما أتفرّج به مما أنا فيه، فله الحمد راضيا وغاضبا، وله الثناء منعما وسالبا، وله مني ما يشاء من الرضى بقضائه، والصبر على بلائه. رأيتك يا بني في فراشك عليلا فجزعت، ثم خفت عليك الموت ففزعت، وكأنما كان يخيل إلي أن الموت والحياة شأن من شؤون الناس، وعمل من الأعمال التي تملكها أيديهم فاستشرت الطبيب في أمرك فكتب لي الدواء، ووعدني بالشفاء، فجلست

стр. 68

بجانبك أصبُّ في فمك ذلك السائل الأصفر قطرة قطرة، والقدر ينتزع من بين جنبيك الحياة قطعة قطعة، حتى نظرت فإذا أنت بين يدي جثة باردة لا حراك بها، وإذا قارورة الدواء لا تزال في يدي، فعلمت أني قد ثكلتك، وأن الأمر أمر القضاء، لا أمر الدواء. سأنام يا بني بعد قليل على فراش مثل فراشك، وسيعالج مني المقدار وما عالج منك، وأحسب أن آخر ما سيبقى في ذاكرتي في تلك الساعة من شؤون الحياة وأطوارها، وخطوبها وأحداثها، هو الندم العظيم الذي لا أزال أكابد ألمه على تلك الجرع المريرة التي كنت أجرعك إياها بيدي، وأنت تجود بنفسك فيربد وجهك، وتختلج أعضاؤك، وتدمع عيناك، وما لك يد فتستطيع أن تمدها إلي لتدفعني عنك، ولا لسان فتستطيع أن تشكو إلى مرارة ما تذوق. لقد كان خيرًا لي ولك يا بني أن أكل إلى الله أمرك في شفائك ومرضك، وحياتك وموتك، وألا يكون آخر عهدك بي يوم وداعك لهذه الدنيا تلك الآلام التي كنت أجشّمك إياها، فلقد أصبحتُ أعتقد أنني كنت عونا للقضاء عليك، وأن كأس المنية التي كان يحملها لك القدر في يده لم تكن أمر مذاقا في فمك من قارورة الدواء التي كنت أحملها لك في يدي

стр. 69

ما أسمج وجه الحياة من بعدك يا بني، وما أقبح صورة هذه الكائنات في نظري، وما أشد ظلمة البيت الذي أسكنه بعد فراقك إياه، فلقد كنت تطلع في أرجائه شمسا مشرقة تضيء لي كل شيء فيه، أما اليوم فلا ترى عيني مما حولي أكثر مما ترى عينك الآن في ظلمات قبرك. بكى الباكون والباكيات عليك ما شاءوا، وتفجّعوا ما تفجعوا، حتى إذا استنفدوا ماء شئونهم، وضعفت قواهم عن احتمال أكثر مما احتملوا، لجئوا إلى مضاجعهم فسكنوا إليها، ولم يبق ساهرًا في ظلمة هذه الليل وسكونه غير عينين قريحتين، عين أبيك الثاكل المسكين، وعين أخرى أنت تعلمها. لقد طال علي الليل حتى مللته، ولكنني لا أسأل الله أن ينفرج لي سواده عن بياض النهار؛ لأن الفجيعة التي فجعتها بك يا بني لم تبق بين جنبي بقية أقوى بها على رؤية أثر من آثار حياتك، فليت الليل باقٍ حتى لا أرى وجه النهار، بل ليت النهار يضيء فقد مللت هذا الظلام. دفنتك اليوم يا بني، ودفنت أخاك من قبلك، ودفنت من قبلكما أخويكما، فأنا في كل يوم أستقبل زائرًا جديدًا، وأودع ضيفًا راحلًا، فيا لله لقلب قد لاقى فوق ما تلاقي القلوب، واحتمل

стр. 70

فوق ما تحتمل من فوادح الخطوب. لقد افتلذ كل منكم يا بَنيّ من كبدي فلذة، فأصبحت هذه الكبد الخرقاء مزقًا مبعثرة في زوايا القبور، ولم يبق لي منها إلا ذماء قليل لا أحسبه باقيًا على الدهر، ولا أحسب الدهر تاركه دون أن يذهب به كما ذهب بأخواته من قبل. لما ذهبتم يا بَنِيّ بعد ما جئتم؟ ولماذا جئتم أن كنتم تعلمون أنكم لا تقيمون؟ لولا مجيئكم ما أسفت على خلو يدي منكم؛ لأنني ما تعودت أن تمتد عيني إلى ما ليس في يدي، ولو أنكم بقيتم بعدما جئتم ما تجرعت هذه الكأس المريرة في سبيلكم. لقد كنت أرضى من الدهر في أمركم أن يتزحزح لي عن طريقي التي أسير فيها، وأن يزوي وجهه عني فلا أراه ولا يراني، ولا يحسن إلي ولا يسيء، ولا يتقدم إلي بخير ولا شر، ولا يتراءى لي مبتسمًا، ولا مقطبًا، ولا ضاحكًا ولا باكيًا، لو أنه رضى مني بذلك، ولكنه كان أذكى قلبًا، وأنفذ بصرًا، من أن يفوته العلم بأنني ما كنت أبكي على النعمة لو لم تكن في يدي، وما كنت أجد مرارة فقدانها، لو لم أذق حلاوة وجدانها، وكان لا بد له أن يجري في سنة الشقاء الذي أخذ على نفسه أمام الله

стр. 71

أن يجريها بين عباده، فلما عجز عن أن يدخل إلى من باب الطمع، دخل إلي من باب الأمل، فهو يمنحني المنحة فاغتبط بها حقبة من الدهر حتى إذا علم أن بذرة الأمل التي غرسها في نفسي قد نمت وأزهرت، وأنني قد استعذبت طعم النعمة التي آتاني كرّ عليّ فانتزعها من يدي أنعَمَ ما أكون بها كما تُنتزع الكأس الباردة من يد الظامئ الهيمان، ليعظم وقوع السهم في كبدي، ويفدح سلب النعمة من يدي، ولولا ذلك ما نال مني منالا، ولا وجد إلي سبيلا. يا بني إن قدر الله لكم أن تتلاقوا في روضة من رياض الجنة، أو على شاطئ غدير من غدرانها، أو تحت ظلال قصر من قصورها، فاذكروني مثل ما أذكركم، وقفوا بين يدي ربكم صفا واحدا كما يقف بين يديه المصلون، ومدوا إليه أكفكم الصغيرة كما يمدها السائلون، وقولوا له: اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل المسكين كان يحبنا، وكنا نحبه وقد فرقت الأيام بيننا وبينه فهو لا يزال يلاقي من بعدنا من شقاء الحياة وبأسائها مالا طاقة له باحتماله، ولا نزال نجد بين جوانحنا من الوجد به، والحنين إليه، ما ينغص علينا هناء هذه النعمة التي ننعم بها في جوارك

стр. 72

بين سمعك وبصرك، وأنت أرحم بنا وبه من أن تعذبنا عذابًا كثيرًا، فإما أن تأخذنا إليه أو تأتي به إلينا: لا بل لا تطلبوا منه ألا أن يأتي بي إليكم، فإن الحياة التي كرهتها لنفسي لا أرضاها لكم، فعسى أن يستجيب الله من دعائكم ما لم يستجب من دعائي، فيرفع هذا الستار المسبل بيني وبينكم، فنلتقي كما كنا.

стр. 73

مناجاة القمر: أيها الكوكب المطل من علياء سمائه، أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان، أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، وهذه النيرات حور وولدان، أم فص من ماس يتلألأ، وهذا الأفق المحيط بك خاتم صيغ من الأنوار، أم مرآة صافية، وهذه الهالة الدائرة بك إطار، أم عين ثرة من الماء، وهذه الأشعة جداول تتدفق، أو تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر يتألق. أيها القمر المنير: إنك أنرت الأرض وهادها ونجادها، وسهلها ووعرها، وعامرها وغامرها، فهل لك أن تشرق في نفسي فتنير ظلمتها، وتبدد ما أظلها من سحب الهموم والأحزان. أيها القمر المنير: إن بيني وبينك شبهًا واتصالًا، أنت وحيد في سمائك، وأنا وحيد في الأرض، كلانا يقطع شوطه صامتًا هادئًا منكسرًا حزينًا،

стр. 74

لا يلوي على أحد، ولا يلوى عليه أحد، وكلانا يبرز لصاحبه في ظلمة الليل فيسايره ويناجيه، يراني الرائي فيحسبني سعيدًا لأنه يغتر بابتسامة في ثغري، وطلاقة في وجهي، ولو كُشف له عن نفسي، ورأى ما تنطوي عليه من الهموم والأحزان، لبكى لي بكاء الحزين إثْر الحزين، ويراك الرائي فيحسبك مغتبطًا مسرورًا؛ لأنه يغتر بجمال وجهك، ولمعان جبينك، وصفاء أديمك، ولو كشف له عن عالمك لرآه عالمًا خرابًا، وكونا يبابًا، لا تهب فيه ريح، ولا يتحرك شجر، ولا ينطق إنسان، ولا يبغم حيوان. أيها القمر المنير: كان لي حبيب يملأ نفسي نورًا، وقلبي لذة وسرورًا، وطالما كنت أناجيه ويناجيني بين سمعك وبصرك، وقد فرق الدهر بيني وبينه، فهل لك أن تحدثني عنه وتكشف لي عن مكان وجوده، فربما كان ينظر إليك نظري، ويناجيك مناجاتي، ويرجوك رجائي، وهائنذا كأني أرى صورته في مرآتك، وكأني أراه يبكي من أجلي كما أبكي من أجله، فأزداد شوقًا إليه، وحزنًا عليه. أيها القمر المنير: ما لي أراك تنحدر قليلا قليلا إلى الغروب كأنك تريد أن

стр. 75

تفارقني، وما لي أرى نورك الساطع قد أخذ في الانقباض شيئا فشيئا، وما هذا السيف المسلول الذي يلمع من جانب الأفق على رأسك. قف قليلًا لا تغب عني، لا تفارقني، لا تتركني وحيدًا، فإني لا أعرف غيرك، ولا آنس بمخلوق سواك. آه لقد طلع الفجر ففارقني مؤنسي، وارتحل عني صديقي، فمتى تنقضي وحشة النهار، ويقبل إليَّ أنس الظلام.
следующие страницы →