← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أن يجريها بين عباده، فلما عجز عن أن يدخل إلى من باب الطمع، دخل إلي من باب الأمل، فهو يمنحني المنحة فاغتبط بها حقبة من الدهر حتى إذا علم أن بذرة الأمل التي غرسها في نفسي قد نمت وأزهرت، وأنني قد استعذبت طعم النعمة التي آتاني كرّ عليّ فانتزعها من يدي أنعَمَ ما أكون بها كما تُنتزع الكأس الباردة من يد الظامئ الهيمان، ليعظم وقوع السهم في كبدي، ويفدح سلب النعمة من يدي، ولولا ذلك ما نال مني منالا، ولا وجد إلي سبيلا. يا بني إن قدر الله لكم أن تتلاقوا في روضة من رياض الجنة، أو على شاطئ غدير من غدرانها، أو تحت ظلال قصر من قصورها، فاذكروني مثل ما أذكركم، وقفوا بين يدي ربكم صفا واحدا كما يقف بين يديه المصلون، ومدوا إليه أكفكم الصغيرة كما يمدها السائلون، وقولوا له: اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل المسكين كان يحبنا، وكنا نحبه وقد فرقت الأيام بيننا وبينه فهو لا يزال يلاقي من بعدنا من شقاء الحياة وبأسائها مالا طاقة له باحتماله، ولا نزال نجد بين جوانحنا من الوجد به، والحنين إليه، ما ينغص علينا هناء هذه النعمة التي ننعم بها في جوارك

стр. 72

بين سمعك وبصرك، وأنت أرحم بنا وبه من أن تعذبنا عذابًا كثيرًا، فإما أن تأخذنا إليه أو تأتي به إلينا: لا بل لا تطلبوا منه ألا أن يأتي بي إليكم، فإن الحياة التي كرهتها لنفسي لا أرضاها لكم، فعسى أن يستجيب الله من دعائكم ما لم يستجب من دعائي، فيرفع هذا الستار المسبل بيني وبينكم، فنلتقي كما كنا.

стр. 73

مناجاة القمر: أيها الكوكب المطل من علياء سمائه، أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان، أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، وهذه النيرات حور وولدان، أم فص من ماس يتلألأ، وهذا الأفق المحيط بك خاتم صيغ من الأنوار، أم مرآة صافية، وهذه الهالة الدائرة بك إطار، أم عين ثرة من الماء، وهذه الأشعة جداول تتدفق، أو تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر يتألق. أيها القمر المنير: إنك أنرت الأرض وهادها ونجادها، وسهلها ووعرها، وعامرها وغامرها، فهل لك أن تشرق في نفسي فتنير ظلمتها، وتبدد ما أظلها من سحب الهموم والأحزان. أيها القمر المنير: إن بيني وبينك شبهًا واتصالًا، أنت وحيد في سمائك، وأنا وحيد في الأرض، كلانا يقطع شوطه صامتًا هادئًا منكسرًا حزينًا،

стр. 74

لا يلوي على أحد، ولا يلوى عليه أحد، وكلانا يبرز لصاحبه في ظلمة الليل فيسايره ويناجيه، يراني الرائي فيحسبني سعيدًا لأنه يغتر بابتسامة في ثغري، وطلاقة في وجهي، ولو كُشف له عن نفسي، ورأى ما تنطوي عليه من الهموم والأحزان، لبكى لي بكاء الحزين إثْر الحزين، ويراك الرائي فيحسبك مغتبطًا مسرورًا؛ لأنه يغتر بجمال وجهك، ولمعان جبينك، وصفاء أديمك، ولو كشف له عن عالمك لرآه عالمًا خرابًا، وكونا يبابًا، لا تهب فيه ريح، ولا يتحرك شجر، ولا ينطق إنسان، ولا يبغم حيوان. أيها القمر المنير: كان لي حبيب يملأ نفسي نورًا، وقلبي لذة وسرورًا، وطالما كنت أناجيه ويناجيني بين سمعك وبصرك، وقد فرق الدهر بيني وبينه، فهل لك أن تحدثني عنه وتكشف لي عن مكان وجوده، فربما كان ينظر إليك نظري، ويناجيك مناجاتي، ويرجوك رجائي، وهائنذا كأني أرى صورته في مرآتك، وكأني أراه يبكي من أجلي كما أبكي من أجله، فأزداد شوقًا إليه، وحزنًا عليه. أيها القمر المنير: ما لي أراك تنحدر قليلا قليلا إلى الغروب كأنك تريد أن

стр. 75

تفارقني، وما لي أرى نورك الساطع قد أخذ في الانقباض شيئا فشيئا، وما هذا السيف المسلول الذي يلمع من جانب الأفق على رأسك. قف قليلًا لا تغب عني، لا تفارقني، لا تتركني وحيدًا، فإني لا أعرف غيرك، ولا آنس بمخلوق سواك. آه لقد طلع الفجر ففارقني مؤنسي، وارتحل عني صديقي، فمتى تنقضي وحشة النهار، ويقبل إليَّ أنس الظلام.

стр. 76

أين الفضيلة: قرأت في بعض الروايات أن فتى قضى حقبة من دهره مولعًا بحب فتاة خيالية لم يرها مرة واحدة في حياته، وإنما تخيل في ذهنه صورة ألفها من شتى المحاسن ومتفرقاتها في صور البشر، فلما استقرت في مخيلته تجسمت في عينيه فرآها فأحبها حبا ملك عليه قلبَه، وحال بينه وبين نفسه وذهب به كل مذهب، فأنشأ يفتش عنها بين سمع الأرض وبصرها أعوامًا طوالًا حتى وجدها. لا أستطيع أن أكذب هذه القصة لأني أنا ذلك الفتى بعينه لا فرق بيني وبينه إلا أنه يسمي ضالته الفتاة، وأسميها الفضيلة وأنه فتش عنها فوجدها، وفتشت عنها حتى عييت بأمرها فما وجدت إليها سبيلًا. فتشت عن الفضيلة في حوانيت التجار، فرأيت التاجر لصًّا في أثواب بائع، وجدته يبيعني بدينارين ما ثمنه دينار واحد، فعلمت أنه سارق للدينار الثاني، ولو وكل إلي أمر القضاء ما هان على أن أعاقب لصوص الدراهم، وأغفل لصوص الدنانير

стр. 77

ما دام كل منهما يسلبني مالي ويتغفلني عنه. أنا لا أنكر على التاجر ربحه، ولكن أنكر عليه أن يتناول منه أكثر من الجزاء الذي يستحقه على جهد نفسه في جلب السلعة وبذل راحته في صونها وإحرازها، وكل ما أعرف من الفرق بين حلال المال وحرامه أن الأول بدل الجد والعمل، والثاني بدل الغش والكذب. فتشت عن الفضيلة في مجالس القضاء، فرأيت أن أعدل القضاة من يحرص الحرص كله على أن لا يهفو في تطبيق القانون الذي بين يديه هفوة يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسي الذي يجلس عليه؛ مخافة أن يسلبه إياه، أما إنصاف المظلوم والضرب على يد الظالم، وإراحة الحقوق على أهلها وإنزال العقوبات منازلها من الذنوب، فهي عنده ذيول وأذناب لا يأبه١ لها ولا يحتفل بشأنها إلا إذا أشرق عليها الكوكب بسعده، فمشت مع القانون في طريق واحد مصادفة واتفاقا، فإذا اختلف طريقهما بين يديه حكم بغير ما يعتقد، ونطق بغير ما يعلم ودان البريء وبرَّأ الجاني، فإذا عتب عليه في ذلك عاتب كانت معذرته إليه حكم القانون عليه، كأنما يريد أن يجعل العقل أسير القانون

стр. 78

وما القانون إلا حسنة من حسنات العقل وصنيعة من صنائعه، فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحًا أو متلافًا، أما الأول فلو كان جارًا لبيت فاطمة ﵂ وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديها من الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه المتحجر لا تنفذه أشعة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان، وأما الثاني فما له بين ثغر الحسناء، وثغر الصهباء، فعلى يد أي رجل من هذين الرجلين تدخل الفضيلة قصور الأغنياء. فتشت عنها في مجالس السياسة؛ فرأيت أن المعاهدة والاتفاق والقاعدة والشرط ألفاظ مترادفة معناها الكذب، ورأيت أن الملك في كرسي مملكته، كالحوذي في كرسي عربته، لا فرق بينهما إلا أن هذا ينقض "تعريفته"، وذاك ينقض معاهدته، ورأيت أن أعدى عدو للإنسان الإنسان، وأن كل أمة قد أعدت في مخازنها ومستودعاتها، وفي بطون قلاعها وعلى ظهور سفنها، وفوق متون طياراتها ما شاء الله أن تعده لاختها من عدد الموت وأفانين العذاب، حتى إذا وقع بينهما الخلف على حد من الحدود أو لقب من الألقاب لبس الإنسان فروة السبع، واتخذ له من تلك العدد الوحشية أظفارًا كأظفاره وأنيابا كأنيابه فشحذ

стр. 79

الأولى وكشَر عن الأخرى، ثم هجم على ولد أبيه وأمه هجمة لا يعود منها إلا به أو بنفسه التي جنبيه، وإنك لو سألت الجنديين المتقاتلين ما خطبكما، وما شأنكما وعلام تقتتلان، وما هذه الموْجدة التي تحملانها بين جنبيكما، ومتى ابتدأت الخصومة بينكما وعهدي بكما أنكما ما تعارفتما إلا في الساعة التي اقتتلتما فيها لعرفت أنهما مخدوعان عن نفسيهما، وأنهما ما خرجا من ديارهما ليضعا درّة في تاج الملك أو "نيشانا" على صدر القائد. فتشت عنها بين رجال الدين ورجال الصحف؛ فرأيت أنهما يتجران بالعقول في أسواق الجهل، ورأيت كلا منهما قد ثغر له في كل رأس من رؤوس البشر ثغرة ينحدر منها إلى العقول فيفسدها والقلوب فيقتلها؛ ليتوسل بذلك إلى الذخائر فيسرقها والخزائن فيسلبها، هذا باسم السياسة وذاك باسم الدين. فتشت عنها في كل مكان أعلم أنه تربتها وموطنها فلم أعثر بها فليت شعري هل أجدها في الحانات والمواخير أو في مغارات اللصوص أو بين جدران السجون. سيقول كثير من الناس قد غلا الكاتب في حكمه، وجاوز الحد في تقديره، فالفضيلة لا تزال تجد في صدور كثير من الناس صدرًا رحبًا، وموردًا عذبًا، وإني قائل لهم قبل أن يقولوا كلمتهم:

стр. 80

إني لا أنكر وجود الفضيلة، ولكني أجهل مكانها، فقد عقد رياء الناس أمام عيني سحابة سوداء، أظلم لها بصري حتى ما أجد في صفحة السماء نجمًا لامعًا، ولا كوكبًا طالعًا. كل الناس يدعي الفضيلة وينتحلها، وكلهم يلبس لباسها ويرتدي رداءها ويعد لها عدتها من منظر يستهوي الأذكياء والأغبياء ومظهر يخدع أسوأ الناس بالناس ظنًا، فمن لي بالوصول اليها في هذا الظلام الحالك والليل الأليل. إن كان صحيحًا ما يتحدث به الناس من سعادة الحياة وطيبها وغبطتها ونعيمها فسعادتي فيها أن أعثر في طريقي في يوم من أيام حياتي بصديق يَصدُقني الود، وأصدقه فيقنعه مني ودي وإخلاصي دون أن يتحاوز ذلك إلى ما وراءه من مآرب وأغراض أن يكون شريف النفس، فلا يطمع في غير مطمع شريف القلب فلا يحمل حقدًا ولا يحفظ وترًا، ولا يحدث نفسه في خلوته بغير ما يحدث به الناس في محضره شريف اللسان، فلا يكذب ولا ينم ولا يلم بعرض، ولا ينطق بهجر١ شريف الحب، فلا يحب غير الفضيلة، ولا يبغض غير الرذيلة. هذه هي السعادة التي أتمناها ولكني لا أراها.

стр. 81

إني لأرى الرياض الغناء تهفو أشجارها، وترن أطيارها، وأرى جداول الماء تنساب بين أنوارها وأزهارها انسياب الأفاعي الرقطاء، في الرمال البيضاء، وأرى أنامل النسائم تعبث بمنثورات الأوراق، عبث الهوى بألباب العشاق، وأسمع ما بين صفير البلابل، وخرير الجداول، نغمات شجية تبلغ من نفس الإنسان، ما لا تبلغ أوتار العيدان، فلا يسرني منها منظر ولا يطربني مسمع، لأني لا أرى بين هذه المشاهد التي أراها ضالتي التي أنشدها. لقد سمُج وجه الرذيلة في عيني وثقل حديثها في مسمعي حتى أصبحت أتمنى أن أعيش بلا قلب؛ فلا أشعر بخير الحياة وشرها، وسرورها وحزنها. ولولا بنيات صغار يفقدن بفقدي طيب العيش ونعيمه لفررت من هذا العالم الناطق إلى ذلك العالم الصامت؛ فأجد من الأنس به والسكون إليه ما وجده الذي يقول: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير

стр. 82

الغني والفقير: مررت ليلة أمس برجل بائس فرأيته واضعا يده على بطنه كأنما يشكو ألما فرثيت لحاله وسألته ما باله فشكا إلى الجوع ففثأته١ عنه ثم تركته، وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة فأدهشني أني رأيته واضعا يده على بطنه، وأنه يشكو من الألم ما يشكو ذلك البائس الفقير، فسألته عما به فشكا إلى البطنة فقلت يا للعجب: لو أعطى الغنيُّ الفقيرَ ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سقما، ولا ألمًا، لقد كان جديرًا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته. ويطفئ غلته، ولكنه كان محبًّا لنفسه مغاليا بها فضم إلى مائدته ما اختلسه من صفحة الفقير، فعاقبه الله على قسوته بالبطنة حتى لا يهنئ للظالم ظلمه، ولا يطيب له عيشه، وهكذا يصدق المثل القائل: بطنة الغني انتقام لجوع الفقير: ما ضنت السماء بمائها، ولا شحت الأرض بنباتها، ولكن

стр. 83

حسد القويُّ الضعيفَ عليهما فزواهما١ واحتجنهما٢ دونه فأصبح فقيرًا معدمًا. شاكيًا متظلمًا. غرماؤه المياسير الأغنياء، لا الأرض والسماء. ليتني أملك ذلك العقل التي يملكه هؤلاء الناس، فأستطيع أن أتصور كما يتصورون حجة الأقوياء في أنهم أحق بإحراز المال، وأولى بامتلاكه من الضعفاء، إن كانت القوة حجتهم عليهم، فلم لا يملكون بهذه الحجة سلب أرواحهم كما ملكوا سلب أموالهم، وما الحياة في نظر الحي بأثمن قيمة من اللقمة في يد الجائع، وإن كانت حجتهم أنهم ورثوا ذلك المال من آبائهم، قلنا لهم: إن كانت الأبوة علة الميراث، فلم ورثتم آباءكم في أموالهم، ولم ترثوهم في مظالمهم، فلقد كان آباؤكم في أموالهم، ولم ترثوهم في مظالمهم، فلقد كان آباؤكم أقوياء؛ فاغتصبوا ذلك المال من الضعفاء، وكان حقًّا عليهم أن يردوا إليهم ما اغتصبوا منهم، فإن كنتم لا بد ورثاءهم فاخلفوهم في رد المال إلى أربابه، لا في الاستمرار على اغتصابه. ما أظلم الأقوياء من بني الإنسان، وما أقسى قلوبهم، ينام أحدهم ملء جفنيه على فراشة الوثير ولا يقلقه في مضجعه أنه

стр. 84

يسمع أنين جاره وهو يرعد بردًا، ويجلس أمام مائدة حافلة بصنوف الطعام قديده وشوائه حلوه ومُرّه، ولا ينغص عليه شهوته علمه أن بين أقربائه وذوي رحمه من تثب أحشاؤه شوقًا إلى فتات تلك المائدة، ويسيل لعابه تلفها على فضلاتها، بل إن بينهم من لا تخالط الرحمة قلبه، ولا يعقد الحياء لسانه، فيظل يسرد على مسمع الفقير أحاديث نعمته، وربما استعان به على عدِّ ما تشتمل عليه خزائنه من الذهب وصناديقه من الجوهر، وغرفه من الفراش والرياش ليكسر قلبه وينغص عليه عيشه ويبغض إليه حياته، وكأنه في كل كلمة من كلماته وحركة من حركاته يقول له: أنا سعيد لأني غني وأنت شقي لأنك فقير: أحسب لولا أن الأقوياء في حاجة إلى الضعفاء يستخدمونهم في مرافقهم وحاجاتهم كما يستخدمون أدوات منازلهم ويسخرونهم في مطالبهم كما يسخرون مراكبهم، ولولا أنهم يؤثرون الإبقاء عليهم ليمتعوا أنفسهم بمشاهدة عبوديتهم لهم وسجودهم بين أيديهم لامتصوا دماءهم كما اختلسوا أرزاقهم، ولحرموهم الحياة كما حرموهم لذة العيش فيها. لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنًا؛ لأني لا أعتمد فصلًا صحيحًا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان،

стр. 85

وإني أرى الناس ثلاثة، رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلًا إلى الإحسان إلى نفسه، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستبعد الإنسان، ورجل يحسن إلى نفسه، ولا يحسن إلى غيره، وهو الشرة المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذبح في سبيله الناس جميعًا، ورجل لا يحسن إلى نفسه، ولا إلى غيره، وهو البخيل الأحمق الذي يجيع بطنه ليشبع صندوقه، أما الرابع الذي يحسن إلى غيره ويحسن إلى نفسه، فلا أعلم له مكانًا ولا أجد إليه سبيلا، وأحسب أنه هو ذلك الذي كان يفتش عنه الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي حينما سئل ما يصنع بمصباحه، وكان يدور به في بياض النهار، فقال: افتش عن إنسان.

стр. 86

مدينة السعادة: رأيت فيما يرى النائم أنني أمشي في برية جرداء قفر قد انبسطت، ومالها على سطحها متجعدة تجعد الأمواج المتوثبة في القاموس١ المحيط. وكانت الشمس قد طَفَلت٢ للإياب فلم أر في بطحائها ظلًّا غير ظلي المستطيل الذي رسمته يد الشمس، فأخطأت في تصويره كأنما حسبتني آدم أبا البشر٣ فأوسعتني طولًا، ورسمتني ميلًا. أنشأت أمشي لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربًا، وأنَّى يكون ذلك في صحراء قد تشابهت مسالكها وتشاكلت مذاهبها، وانفرج ما بين قاصيها ودانيها، حتى انحدرت الشمس إلى مستقرها، وطار طائر الليل من مكمنه، وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق حتى وجدتني أحير من دمعة وجد في مقلة عاشق، يدفعها الحب ويمنعها الحياء، لا أعلم هل أنا سرُّ كامن في باطن الظلماء،

стр. 87

أو حوت مضطرب في أعماق الماء، وأحيانا كان يخيل إلي أني في منجم من مناجم الفحم، فأمد يدي أتلمس جدرانه مخافة أن أصطدم بواحد منها، ولم أزل كذلك حتى شعرت بأن الظلام بدأ ينفض صبغته وأن ذراته تتطاير ههنا وههنا، فإذا أن بين يدي جبال عالٍ كأنما هو جدار قائم يمسك السماء أن تقع على الأرض، أو ملك جبار قد لبس من قرص الشمس التاج الأحمر، ومن شعاعها الرداء الأصفر. ولا تسل هنالك عما ألم بقلبي من الهم، وعقلي من الخيال حينما رأيت أن صعود السماء أقرب إلى الأمل ومن صعود هذا الجبل، وحرت بين الإقدام والإحجام، فلم أر بدًّا من الاستسلام، لمقدور الحِمام، ثم رميت بطرفي فرأيت بين الصخور المبعثرة في سفح الجبل صخرة بيضاء ناعمة الملمس، فاضطجعت عليها وأنا أتمثل بقول أبي العلاء: ضجعة الموت رقدة يستريح ال ... جسم فيها والعيش مثل السهاد وما هي إلا غمضة الطرف حتى شعرت بأنها تتحرك قليلًا قليلًا نهضت، ثم طارت فكدت أحسب أنه الموت قد نزل، وأنها الروح تصعد إلى الملأ الأعلى لولا أن فتحت عيني فرأيت ما كنت

стр. 88

أحسبه صخرة طائرًا أشبه شيء بالنسر في خلقه، والقبة في ضخامتها واستدارتها، وما زال ذاهبًا بي في أفق السماء، ثم رنق لحظة في الهواء ثم هبط إلى قمة الجبل، فأسرعت بالانحدار عنه، وهنالك أحسست بسلسبيل بارد من الأمل يتسرب إلى قلبي فينقع غلته، ويطفئ لوعته؛ لأنني رأيت السفح الثاني من الجانب الآخر، ورأيت بهجة الحياة وزهرة العمران. رأيت على البعد خطوط الخضرة حول سطور الماء، ورأيت المنازل والقصور كأنها العصافير السوداء، أو الحمائم البيضاء، وكأن ما ألم بنفسي من السرور أنساني ما ألم بجسمي من النصب، فانحدرت إليها فما بلغتها حتى رأيتني في مزرعة في وسطها بِنْية قد وقف على بابها شيخ هو أشبه الأشياء بما يتخيله فريق الخياليين من علماء الفلك في صور سكان المريخ، فذعر مني كما يُذْعر الإنسان، لرؤية الجان، وما كان الذي قام في نفسه مني بأكثر مما قام في نفسي منه لولا أني ألفت الغرائب، وعجمت عود العجائب، فتقدمت إليه، وكأنما ألهمت لغته الغريبة فحييته بها فحياني، وهو يقول: ما كنت أحسب أن الشمس تطلع على مدينة غير هذه المدينة، أو أن في العالم إنسانًا غير هذا الإنسان، فما زلت أحدثه وأستدنيه حتى أنس بي ودعاني إلى منزله وخلطني بنفسه وأهله

стр. 89

وقدم لي طعاما شهيًّا ومهد لي مرقدا وثيرًا١ وكان الليل قد أقبل للمرة الثانية من هجرتي هذه، فنمت نومًا هادئًا مطمئنًا لا تروعني فيه خواطر الموت، ولا وساوس الهلاك. استيقظت أنا والشمس من مرقدينا على صوت تلك الأسرة الطاهرة الكريمة تصلي إلى الله تعالى صلاة الخاشعين المتبتلين، وتدعو وهي مصطفة صفًا واحدًا أن ييسر الله لها عسرها، ويسهل أمرها، ويصلح شأنها، ويمنحها معونته ونصره، فأخذ من نفسي منظرها هذا مأخذًا غريبًا فلم أر بدًّا من الانتظام في صفها، والدعاء بدعائها، والبكاء لبكائها، وعجبت أن يكون مثل هذا الإيمان الخالص راسخًا في نفوس أهل هذه المدينة، ولم يرسل إليها رسول، ولم ينزل عليها كتاب، فلما فرغنا من الصلاة التفت إلى صاحب البيت، فقلت له أراكم تتعبدون فمن تعبدون، وتصلون فمن الذي تدعون، قال نعبد الله خالق هذه الكائنات ومدبرها، قلت هل رأيتموه حتى عرفتموه، قال نعم رأيناه في آثاره ومصنوعاته، ورأيناه في السماء والماء، والفلك الدائر، والنجم السائر، وفي أجنَّة الحيوان، وبذور النبات، ورأيناه في أنفسنا وعقولنا وأرواحنا قبل ذلك، قلت ولِمَ تعبدونه، قال

стр. 90

شكرًا له على نعمة الخلق والرزق، وإن أحدنا ليعنيه أن يشكر لصاحبه نعمته إذا أحسن إليه بجرعة أو أنعم عليه بمضغة فأحر به أن يشكر مانح المانحين، والمحسن إلى المحسنين، فقلت في نفسي لقد بلغ الرجل مرتبة الموحدين الصادقين الذين يعبدون الله مخلصين له الدين لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا، ثم سألته أين تذهبون بعد الموت، قال إلى النعيم المقيم، أو العذاب الأليم، قلت لعلك تريد الجنة والنار، قال لا أفهم ما تقول، وإنما أعلم أن الإله الحكيم لا يترك المحسن دون أن يجازيه خيرًا على إحسانه كما يأبى عدله أن يسوي بين المحسن والمسيء، قلت متى يكون المحسن محسنا والمسيء مسيئا، قال الإحسان عمل الخير، والإساءة عمل الشر؛ لذلك لا ترى بيننا من يحدث نفسه بالإضرار بأخيه أو من يقصر في دفع الأذى عنه، فقلت في نفسي ليت الفقهاء الذين ينفقون أعمارهم في الحيض والاستحاضة والمذي والودي١ والحدث الأكبر والحدث الأصغر، وليت الكلاميين الذين يسهرون الليالي ويقرِّحون المآقي في عينية الصفات وغيريتها والجوهر والعرض والحدوث والقدم والدور والتسلسل، وليت المتصوفة الذين يحاولون أن ينازعوا الله في مشيئته ويجاذبوه

стр. 91

قدرته ويغالبوه على أمره ونهيه ويزاحموه في لوحه وقلمه يعرفون من سر الدين وحكمته والغرض الذي قام له ما يعرف هؤلاء البله الأغرار الذين لا يفهمون معنى الجنة والنار، ولا يميزون بين الدين والتين. فرغنا من الحديث، وعرضت على الشيخ أن يُزيرني المدينة، فانحدر بي إليها فرأيت شوارعها فسيحة منتظمة ومنازلها متفرقة غير متلاصقة، وقد أحاط بكل منزل منها حديقة زاهرة، ورأيت سكانها مكبين على أعمالهم مجدين في شئونهم صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، ما فيهم فقير يتسول، ولا متبطّل يتثاءب ويتململ. وأغرب ما استهوى نظري أني لم أر في تلك المدينة ذلك التفاوت الذي أعرفه في مدائننا بين الناس في منازلهم ومراكبهم ومطاعمهم ومشاربهم وأزيائهم كأن جميع سكانها سواء في حالة المعيشة، ودرجة الثروة فسألت الشيخ ألا يوجد فيكم غني وفقير وسيد ومسود، قال لا يا سيدي، حسب الرجل منا بيت يأوي إليه ومزرعة يستغلها ودابة تحمل أثقاله، ثم لا شأن له بعد هذا فيما سوى ذلك؛ لذلك لا يوجد فينا سيد ومسود؛ لأنه لا يوجد فينا غني وفقير، قلت لا بد أن يوجد بينكم العاجز عن العمل والكسول المتبطل، قال أما الكسول فلا وجود له بيننا

стр. 92

لأنه يعلم أنا لا نرحمه، ولا نغفر له زلته في احتقار نعمة العقل والقوة بتعطيلهما عن العمل، وأما العاجز فنحدب عليه، ونحسن إليه، ولا ترى لأنفسنا في ذلك فضلًا؛ لأننا إنما نمنحه جزءًا من القوة التي منحنا إياها لنعبده بها، ولا نرى في وجوده العبادة أفضل من مواساة العاجزين، ورحمة البائسين. وإنه ليحدثني بهذا الحديث إذ لاحت لنا بنية فخمة ضخمة تمتاز عن غيرها من البُنَى بحسن نظامها، وجمال هندامها، فقلت للشيخ هل أرى قصر الملك؟ قال لا ولكنه قصر رجل شرير طماع قد خالف إرادة الله، وحكمته فاحتجن١ دون عبادة أرضهم ومالهم ليعلو عليهم ويستأثر بالنعمة من دونهم، فغضب الله عليه، وقلب نعمته نقمة، ورخاءه شدة، فإنه ما أراح٢ رائحة العيش الرغد حتى أسلم نفسه إلى شهواتها، وحملها فوق ما تحمل طبيعتها، فها هو ذا اليوم يقاسي من آلام الأمراض وأنواع الأسقام ما بغض إليه العيش، وحبب إليه الموت، لم يحمه قصره، ولم يغن عنه ماله، فهو عبرة المعتبرين، وموعظة السابلين٣ فكبر الرجل في ذرعي٤ وعظم في عيني، وأكبرت فيه وفي أمته هذه الخلال

стр. 93

الشريفة والأخلاق العالية، وقلت في نفسي إن مدارسنا على ما تشتمل عليه دروسها من قواعد الحكمة وأصول التربية وفنون الآداب لتعجز عن أن تخرج للناس رجالًا يستطيعون أن يساجلوا هؤلاء القوم في أخلاقهم وفضائلهم، وأردت على ذكر المدارس أن أعرف مناهج التعليم عندهم فقلت للشيخ: هل لك أن تُزيرني مدرسة من مدارسكم، فعجب لسؤالي وقال ما المدرسة، فكان عجبي لجوابه أكثر من عجبه لسؤالي، وقلت المدرسة مكان محدود يجتمع فيه صغار يتعلمون، وكبار يعلمون، قال ما الذي يتعلمه الصغار من الكبار، قلت ما يصلح شأنهم وينفعهم في معاشهم ومعادهم، قال: وأي حاجة بنا إلى مثل هذا المجمع الحاشد في مثل هذا المكان المحدود، إننا يا سيدي أرحم بأبنائنا من أن نكل أمرهم إلى غيرنا فنحن الذين نتولى هذا الشأن منهم، فلا مدارس عندنا غير المصانع والمزارع نعلمهم فيها كيف يرمون البذور، وكيف يستنبتونها، وكيف يصنعون آلات الزراعة وكيف يستعملونها، وفيها نعلمهم كيف يبنون منازلهم وينسحبون ملابسهم ويُعدُّون عددهم، وإنا لا نعرف علمًا غير العمل، ولا نعرف من العمل غير ما نحفظ به قِوام حياتنا، ونستعين به على عبادة ربنا، قلت ألكم حاكم يتولى أموركم، قال لنا حكمَ لا حاكم

стр. 94

وهو رجل قد وثقنا به وبفهمه واستقامة شأنه، فاخترناه لفضل الخصومات إن عرض من ذلك عارض، قلت أليس له جند وأعوان يؤيدونه وينفذون أحكامه، قال: نعم كلنا جنده، وكلنا أعوانه على كل من يختلف عليه أو يتمرد على حكمه فقد وثقنا به وبعدله وكفى، قلت أليس له سجن يحبس فيه المجرمين، قال لا، حسب المجرم عندنا عقوبة أن يتفق أهل المدينة على احتقاره والزراية به، وإن أحدنا ليؤثر أن يتخطفه الطير أو يسقط عليه كسف١ من السماء قبل أن يرى نفسه بغيضًا إلى قومه صغيرًا في نفوسهم ذليلا في أعينهم لا يرفعون إليه طرفا، ولا يقيمون له وزنًا. وما وصلنا من حديثنا إلى هذا الحد حتى كنا قد فرغنا من الطواف بالمدينة، ووصلنا إلى المنزل الذي خرجنا منه فاستقبلنا أهلوه بالبشر والترحاب، واستقبلوا شيخهم بالتقبيل والعناق، فلم أر فيما رأيت من البيوت في مدن العالم، وقراه بيتا أسعد حظا ولا أنعم عيشا ولا أروح بالًا من هذا البيت. تلك مدينة السعادة التي يعيش أهلها سعداء، لا يشكون هما

стр. 95

لأنهم قانعون، ولا يمسكون في أنفسهم حقدًا لأنهم متساوون، ولا يستشعرون خوفًا لأنهم آمنون. تلك المدينة السعادة التي رأيتها فأحببتها، وأحببت العيش فيها لولا أن الله في خلقه سنةً لا تتبدل، وشأنا لا يتحول، فقد جاء الليل وأخذت مكاني من مرقدي في منزل الشيخ فلم أستيقظ حتى رأيتني في فراشي في منزلي، فلا السهل ولا الجبل، ولا الشيخ ولا المزرعة، ولا المدينة ولا السعادة ولما نزلنا منزلا طله١ الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا

стр. 96

أيها المحزون: إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهدًا أن يكون لك كما تريد في جميع شؤونك وأطوارك وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي فجدير بك أن تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطلب، وإن كنت تعلم أخلاق الأيام في أخذها وردها، وعطائها ومنعها، وأنها لا تنام عن منحة تمنحها حتى تكر عليها راجعة فتستردها، وأن هذه سنتها وتلك خَلتها في جميع أبناء آدم سواء في ذلك ساكن القصر وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزاء، ومن ينام على بساط الغبراء، فخفِّض من حزنك، وكفكف من دمعك، فما أنت بأول غرض أصابه سهم الزمان، وما مصابك بالبدعة الطريفة في جريدة المصائب والأحزان. أنت حزين لأن نجمًا زاهرًا من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينيك نورًا، وقلبك سرورًا، وما هي إلا كرَّة الطرف أن افتقدته، فما وجدته، ولو أنك أجملت في

стр. 97

أملك، لما غلوت في حزنك، ولو كنت أنعمت نظرك فيما تراءى لك لرأيت برقًا خاطفًا، ما تظنه نجمًا زاهرًا، وهنا لك لا يبهرك طلوعه، فلا يفجعك أفوله. أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها، ونظر إليها نظرة المستريب بها وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها، فإن بقيت في يده فذاك، وإلا فقد أعد لفراقها عُدته من قبل. لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا الوثوق بدوام الغنى ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاق، ما كانت ترحة الفراق.

стр. 98

إلى الدير: مسكين ذلك الفتى الذي رأيته صباح أمس منزويًا في ركن من أركان أحد الأندية، وقد ظللت جبينه الوضاح سحابة سوداء من الحزن، وانحنى على نفسه كأنما شعر بأن قلبه يتمشى في صدره، وأنه يحاول الفرار منه فهو يعطف عليه ليمسكه بين جوانحه، ولو أنه أراد بنفسه خيرا لتركه يمضي في سبيله حيث شاء، فبعدًا لقلب لا يسكن عن الخفقان، ولا يفيق من الهموم والأحزان. سألته ما بالك أيها الصديق، قال: لا شيء، قلت أن تكتمني ما في نفسك ولو عرفتني ما كتمتني، قال ما جهلتك مذ عرفتك، ولكنني أعطيت الله عهدًا مذ خلقت ألا أشكو إلا إلى من أرجو عنده البرء، وما أنا براجٍ عندك، ولا عند أحد من الناس براء من دائي، قلت: هبني طبيبًا والطبيب وإن كان لا يشفي إلا نادر فإنه يسكن غالبًا، ويعزي دائما، فأنا إن عجزت عن معالجتك، فلا أعجز عن تعزيتك، على أن الماء إذا اشتد غليانه احتاج إلى التنفيس عنه، وإلا طار بالقدر، طيران الهم بالصدر.

стр. 99

فأصغي إلى كلماتي واستخذي لها، وأنشأ يحدثني حديثًا تمازجه العبرات، وتقطعه الزفرات، ويقول: زوجني أبي منذ سنين من زوجة جاهلة غبية لا تفهم معنى الزواج إلا أن فيه قضاء لبانتها، وترفيهَ عيشها، وإرضاء نفسها، وهو يحسب أنه قد أحسن إلي بسليلة المجد وربيبة النعمة ومالكة الدور، وساكنة القصور، أجل إنها ذات مال وفير، وخير كثير، ولكن ذهب عليه غفر الله له أني ما كنت أريد أن أكون تاجرا أكسب مالا بل زوجًا أجد بجانبي نفسًا يؤنسني محضرها ويوحشني مغيبها، ومرآة صافية نقية أتراءى فيها، فتريني نفسي كما هي لا تكذبني في خير ولا شر، إني أريد أن أجد في الزوجة التي أتزوجها صديقًا في المرتبة العليا من مراتب الصداقة، ومن لي به في امرأة تجهل حتى إرضاع طفلها ولبس ثوبها، على أن ثروتها ما كانت تقوم بحاجتها فقد كان لها خادمة لملابسها، وأخرى لشعرها، وأخرى لسريرها وطابخة وغاسلة ومرضع وقهرمانة وخياطة خاصة بها وطبيب لا يُغِبُّ١ زيارتها ومؤنسات لا يفارقن مجلسها، ولم تكن ممن أنعم الله عليهن بنعمة الجمال، فكانت تنفق ما يزيد على نصف دخلها

стр. 100

في الحسن المجلوب، والجمال المكذوب، وليتها كانت تغفل أمري وتتركني وشأني فأستطيع أن أتناساها، وأعدَّ نفسي من العزاب تخيلًا وتقديرًا، بل كانت تقيم من نفسها، ومن هذا الجحفل اللجب١ المحيط بها حراسا كحراسٍ الليل، وجواسيس كجواسيس الإنكليز يراقبن مواقع نظري ومواطئ قدمي لتعلم أين مذهب قلبي، ووجهة نفسي فتغار عليَّ من الكوكب إذا رأتني أنظر إليه، وتكاد تمزق الثوب الذي أحبه وأتعشق لبسه، وتحسبها آهة الوجد أو دمعة الحب إذا رأتني أتأوه من آلام عشرتها أو أبكي لعظم مصيبتي فيها، وما هي بغيرة الحب ولكنها الأثرة٢ قبحها الله وقبح كل ما تأتي به، وأكثر ما كان يغيظني منها أنها ما كانت تفتح علي باب الحساب على اللفتات والخطوات إلا في الساعة التي أريد أن أخلو فيها بنفسي أو بكتابي فما أكاد أنتفع بواحد منهما، فإن سكت أغضبها سكوتي، وإن نطقت أغضبها حديثي، وإن قرأت في كتابي ظنت أن المؤلفين ما ألفوا الكتب إلا نكاية بالنساء لكي يتخذها الرجال معتصمًا يعتصمون به من محادثتهنَّ ومسامرتهن، فكان الكتاب في نظرها أعدى أعدائها وأبغض

стр. 101

الأشياء إليها، وجملة القول إنها ما كانت تستطيع أن تتصور إلا أن الله خلقها لتكون طفلة لاهية لاعبة في جميع أطوار حياتها، وأنه ما خلقني إلا لأكون زينة مجلسها، ودمية١ قصرها، وأداة لهوها ولعبها، فلا أقرأ ولا أكتب، ولا أعطي نفسي حقًّا من حقوقها ولا أبكر لمزاولة أعمالي ولا أسأم أحاديثها الطويلة المملة التي لا تشتمل إلا على نقد الأزياء، واغتياب النساء، فإن وافيت رغبتها فذاك، وإلا استحالت في لحظة واحدة من إنسان ناطق إلى وحش مفترس، فلا تعرف كلمة مؤلمة لا تسمعنيها ولا تترك وسيلة من وسائل التنغيص لا تهجم بها عليَّ، فكنت بين ألم رضاها وعذاب غضبها في شقاء حبب إلي الموت وبغض إلى وجه الحياة، وبعد فقد رأيت أن العيش معها مستحيل فلم أرى بُدًّا من فراقها ففارقتها، وما على وجه الأرض شيء أبغض إلي من المجد ولا أسمج في نظري من المال، قلت ولكنني لا أزال أراك حزينا بعد ذلك، قال نعم لأنني نفضت يدي من الزوجة الجاهلة، ورحت أفتش عن الزوجة المتعلمة وقلت ليكونن لي من الشأن في الزواج الثاني ما لم يكن لي في الزواج الأول بعد ما صار إلي الخيار، وبعد

стр. 102

تلك التجربة وذاك الاختبار، فهيأ لي الحظ جارًا ملاصقًا ما زلت أسمع مذ حل في جواري أن في بيته فتاة جميلة، ما زال يعنَى بأمرها حتى خَرّجها١ وأدَّبها فأصبحت نابغة مدرستها وسيدة أترابها علمًا وفضلًا وتهذيبًا وأدبًا فما قنعت بالخبر حتى خالطت أباها ثم خالطتها فإذا المرأة الجديدة من جميع وجوهها فوقعت في نفسي أحسن موقع وحلت مكانًا لم يكن حلَّ من قبل. خطبت الفتاة إلى أبيها فما لبث أن أخطبني٢ فامتلأ قلبي فرحًا وسرورًا وخيل إلي أنني أرى في سماء الآمال نجمًا لامعًا يدنو مني قليلًا قليلًا وسجلت أن الدهر أنشأ يكفر بحسناته، ما أسلف من سيئاته، فإني لكذلك، وقد أعددت للبناء بها عدته ولم يبق بيني وبينه إلا يوم واحد، وإذا برسول البريد قد جاءني بهذا الكتاب. فهاكه فاقرأه فإن فيه بقية قصتي وسر نكبتي، ثم ألقى إلي بغلاف معنون باسمه، فوجدت فيه بطاقة تشتمل على رسم فتى حسن الصورة والهندام يخاصر فتاة جميلة، وقد ألقت برأسها على كتفه ووجدت مع البطاقة كتابًا، فقرأت فيه ما يأتي:

стр. 103

"علمت أنك خطبت فلانة إلى أبيها، وأنك عما قليل ستكون زوجها، ولعمري لقد كذبك نظرك وخدعك من قال لك إنك ستكون سعيدًا بها، فإنها لن تكون لك بعد أن صارت لغيرك ولا يخلص حبك إلى قلبها بعد أن امتلأ بحب عاشقها، فاعدل عن رأيك فيها، وانفض يدك منها، وإن أردت أن تعرف من هو ذلك العاشق، وتتحقق صدق خبري وإخلاصي إليك في نصيحتي فانظر إلى الصورة المرسلة مع هذا الكتاب" التوقيع فما نظرت الصورة، وقرأت الكتاب حتى عرفت كل شيء فأحسست برِعدة تتمشى في أعضائي وشعرت بسحابة سوداء قد غشت على نظري لهول ما سمعت، وسوء ما رأيت، إلا أنني تماسكت قليلًا فأعدت إليه كتابه، وقلت له وهو كل ما استطعت أن أقول: ماذا يعنيك من أمر فتاة فاجرة عاهر بعد ما انكشف لك سرها، وظهرت لك حقيقتها، ولو كنت في مكانك لعدلت عن الحزن على فوتها إلى الاستغفار من حبها، وحَمْدِ الله على ما ألهم من صواب الرأي فيها، أما إن سألتني عن رأيي في زواجك بعد الآن، فإني لا أرى لك إلا أن تترهب وتتعزَّب١ وأن تقول ما قاله "هملت" وقد زهد في الزواج بعد ما عرف حقيقة المرأة، وأدرك خبيئة نفسها "إلى الدير، إلى الدير".

стр. 104

الرحمة: سأكون في هذه المرة شاعرا بلا قافية ولا بحر؛ لأني أريد أن أخاطب القلب وجهًا لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر. إن البذور تلقى في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها وجعل عاليها سافلها، وكذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته وتخللت أجزاء، وبلغت سويداءه، ولا محراث للقلب غير الشعر. أيها الرجل السعيد كن رحميًا، أشعِر قلبك الرحمة، ليكن قلبُك الرحمةَ بعينها. ستقول إني غير سعيد لأن بين جنبي قلبًا يُلم به من الهم ما يُلم بغيره من القلوب، أجل فليكن ذلك كذلك، ولكن أطعم الجائع، واكس العاري وعز المحزون وفرّج كربة المكروب يكن لك من هذا المجتمع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك، فالبدر لا يطلع إلا

стр. 105

إذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهد الظلام. لقد بليت اللذات كلها ورثت حبالها، وأصبحت أثقل على النفس من الحديث المعاد، ولم يبق ما يعزي الإنسان عنها إلا لذة واحدة هي لذة الإحسان. إن منظر الشاكر منظر جميل جذاب ونغمة ثنائه وحمده أوقع في السمع من رنات العود في هزَجه ورمَله١ وأعذب من نغمات معبد في الثقيل الأول٢. أحسن إلى الفقراء والبائسين وأعدك وعدًا صادقًا أنك ستمر في بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة، فتسمع من يحدث جاره من حيث لا يعلم بمكانك منه أنك أكرم مخلوق وأشرف إنسان، ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك الله خيرًا بما فعلت فيدعو صاحبه بدعائه، ويرجو برجائه، وهنالك تجد من سرور النفس وحبورها بهذا الذكر الجميل في هذه البيئة الخاملة ما يجده الصالحون إذا ذكروا في الملأ الأعلى. ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود٢ فنبتسم

стр. 106

سرورًا ببكائك، واغتباطًا بدموعك؛ لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء أنك إنسان. إن السماء تبكي بدموع الغمام، ويخفق قلبها بلمعان البرق وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء وأنين الأرض إلا رحمة بالإنسان، ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وحنينها. إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء. والتي تشرح الصدور أشرف من التي تبقر البطون، فالمحسن أفضل من القائد، وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيي الميت ومن يميت الحي. إن الرحمة كلمة صغيرة، ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها والشمس في حقيقتها. إذا وَجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم، وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء. لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، واطمأنت الجنوب في

стр. 107

المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام. لم يخلق الله الإنسان ليقتر عليه رزقه، ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت فيه جوعًا، بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط الأرض، وتحت ظلال السماء ما يكفيه مؤونته، ويسد حاجته، ولكن سلبه الرحمة فبغى بعضه على بعض وغدر القوي بالضعيف، واحتجن دونه رزقه فتغير نظام القسمة العادلة وتشوه وجهها الجميل، ولو كان للرحمة سبيل إلى القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل. الفرد هو المجتمع، وإنما يتعدد بتعدد الصور، أتدري متى يكون الإنسان إنسانًا؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة، وأشعرها نفسَه فخفَق قلبه لخفقان القلوب، وسكن لسكونها، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها انفرد عنها، واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس مأخذ الإنسان المجتمع، فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع. وجِماع القول أنه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في مكان واحد إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملك الرحيم، والشيطان الرجيم.

стр. 108

إن الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل، فإذا مشى مشى متدفعًا مندلثًا١ لا يلوي على شيء مما حوله من المناظر المؤثرة المحزنة، وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الإغراب في الضحك سخرية به، وببذاذة ثوبه ودمامة خلقه، وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب دِرَّتهم٢ ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته، لا يقربها ولا يُطعمها ولا يَسقيها إلا لما يترقب من الريح في الإتجار بألبانها وأصوافها، ولو استطاع أن يهدم بيتًا؛ ليربح حجر لفعل، وإن من الناس من لا حديث له إلا الدينار، وأين مستقره وكيف الطريق إليه، وما السبيل إلى حبسه والوقوف في وجهه والحيطة لفراره، يبيت ليله حزينًا كئيبًا لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيل في يقظته أو يرى في منامه أنه سيأتيه فلم يُقيَّض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب بذلك لنفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو لِيضرّيَ٣

стр. 109

نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة إليه، حتى لو لم يبق في العالم شخص غيره لكانت نفسه مدبَّ عقاربه وغرض سهامه، وإن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية أو عن قلبه رأيت حجرًا صلدًا من أحجار الغرانيت لا يَبِضّ١ بقطرة من الرحمة، ولا تَخْلُص إليه نسمة من العظة. فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله من أن تكون واحدًا من هؤلاء، فإنهم سباع مفترسة وذئاب ضارية، بل أعظك ألا تدنو من أحدهم أو تعترض طريقه، فربما بدا له أن يأكلك فأكلك غير حافل بك ولا آسف عليك. أيها الإنسان: ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، إرحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتفضل الموت على الحياة. إرحم المرأة الساقطة لا تزين لها خلالها، ولا تشتر منها عرضها علها تعجز عن أن تجد مساومًا يساومها فيه، فتعود به إلى كسر بيتها.

стр. 110

ارحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك، ومرآة نفسك وخادمة فراشك؛ لأنها ضعيفة ولأن الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذب ثقته بك، واعتماده عليك. ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه، فإنك إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين. ارحم الجاهل لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم، ولا تتخذ عقله متجرًا تربح فيه ليكون من الخاسرين. ارحم الحيوان؛ لأنه يحس كما تحس، ويتألم كما تتألم، ويبكي بغير دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين، ارحمه وكذب من يقول إن الإنسان طبع على ضرائب لؤم أقلها أنه يقبل يد ضاربه، ويضرب من لا يمد إليه يدًا. ارحم الطيور لا تحبسها في الأقفاص ودعها في فضائها تهيم حيث تشاء، وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير، إن الله وهبها فضاء لا نهاية له فلا تغتصبها حقها، فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها، أطلق سبيلها، وأطلق سمعك وبصرك وراءها؛ لتسمع تغريدها فوق الأشجار وفي الغابات وعلى شواطئ الأنهار وترى
следующие страницы →