ثم سكت بعد ذلك سكوت المجهد المتعب, وكان الظلام قد أظلنا بجناحيه فشعرت أن سنة من النوم قد رنقت١ في عينيه, فانسللت من بين يديه وتركته في مضجعه على أن ألقاه غدا.
"اليوم الثالث":
أصبحت في اليوم الثالث فإذا الشيخ قد فارق خلوته إلى حديقة المنزل فافترش ترابها، وتوسد أعشابها، وأنشأ يردد النظر بين أزهارها وأنوارها، ويبسم للعصافير تتنقل بين أنجمها٢ وأشجارها، ويصغي إلى سرار الحديث بين حصبائها ومائها؛ فعرفت المدخل إلى قلبه والوسيلة إلى سروره وغبطته, فاقترحت عليه البروز إلى ضاحية البلد ليرفه عن نفسه ما ألم بها من الحزن والألم, فخرجنا يتوكأ على يدي مرة وعلى عصاه أخرى حتى وصلنا إلى وادٍ أفيح يهتزّ بصنوف الأشجار وأفانين الأزهار، ويتراءى في ألوان من النبات، مشتبهات وغير مشتبهات، من هائج
стр. 667
وعميم، وبارض وجميم١, وكروم وأعناب، وسنابل وأعشاب، وتفيض أرجاؤه بالجداول والغدران، والقنى والخلجان، مطردات ومنعطفات، ومجتمعات ومفترقات، يفضي أولاها إلى أخراها، ويتصل أقصاها بأدناها، ويعطف كبيرها على صغيرها، وقويها على ضعيفها، فكأنها صلال رقشاء قد فرت من حر الظهيرة إلى هذا الروض الأريض تبترد بين روابيه وأكماته، ومصاعده ومنحدراته، فهي تنقبض وتنبسط، وتنساب وتتمعج٢، وتقبل وتدبر، وتقوم وتقعد، وتتواثب وتتراجع، وتتواصل ثم تتقاطع، وكأن حفيف أوراقه وخرير مائه وتغريد أطياره وضجيج نواعيره وعجيج سائمته أنغام مختلفات يتألف من مجموعها لحن بديع يسمعه السامع, فيخيل إليه أنه هابط من أبواب السماء، أو أن سكان الألمب٣ فوق عروشهم يغنون، وسكان الأرض بين أيديهم يستمعون.
стр. 668
هنالك وقف الشيخ أمام هذا المشهد المؤثر وقفة الحائر المشدوه، وقد ملكت عليه مشاعره وحيل بينه وبين نفسه, فجمد في مكانه كأنه نصب من الأنصاب, ووقفت وراءه أعجب لجموده وسكونه حتى فنيت كما فني في مشهده الذي بين يديه, فلم أرجع إلى نفسي حتى سمعته يقول:
للمليك المذكرات عبيد ... وكذاك المؤنثات إماء
فالهلال المنيف والبدر والفر ... قد والصبح والثرى والماء
والثريا والشمس والنار والنثـ ... ـرة والأرض والضحى والسماء
هذه كلها لربك ما عا ... بك في قول ذلك الحكماء
ثم التفت إلي وقال: كل الناس يطلبون الحقيقة وكلهم عاجزون عنها؛ لأنهم يطلبونها من صحائف التاريخ والمؤرخون يصانعون ويدهنون، أو من أفواه الفقهاء والفقهاء تجار يرتزقون، لا هداة يرشدون، أو من خطرات عقولهم وقد أفسدها عليهم القائلون والكاتبون١, والحقيقة موجودة ولكنهم لا يعرفونها؛ لأنهم
стр. 669
لا يعرفون الطريق إليها، قلت: وأين تجدها؟ قال: في هذه الأودية الفيحاء، تحت تلك القبة الزرقاء، بين ذلك الظل والماء.
هنا يرى الإنسان ربه في الغريسة, يلقي بها غارسها في التربة فإذا هي نبتة زاهرة مستوية على سوقها تعجب الزراع، ويراه في الحبة الدقيقة في الصرة المستديرة في النواة الصغيرة التي لا تلبث أن تأخذ مكانها من مغرسها حتى تصير نخلة سحوقا, تملأ الأرض خيرا بجذوعها وسعفها وجريدها وقنواتها وعثاكيلها وطلعها وبلحها وبسرها، ويراه في الكواكب الماثلة في السماء، والأسماك
стр. 670
السابحة في الماء، والأجواء المملوءة بالهواء، والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، فيمتلئ قلبه يقينا صافيا رائقا لا تعبث به المناظرات، ولا تشوه جماله المجادلات، ولا يحتاج بعده إلى متكلم يعلمه النظر، ولا فقيه يلقنه الجدل، فلا دليل على الله غيره، ولا هادي إليه سواه١.
стр. 671
هنا يرى الإنسان السائمة تأكل العشب, والعشب يأكل التراب, والتراب يأكل السائمة فيستحيل الجماد نباتا والنبات حيوانا والحيوان جمادا, فيعلم أن المواليد الثلاثة مادة واحدة تتلون ذراتها وتتشكل جواهرها, ويعلم أن هذا الإنسان الفاخر بنفسه والمدل بعظمته واقتداره ربما كان بالأمس صفيحة١ ملقاة على جانب قبر، وربما يكون في الغد جلدة بالية في ذؤابة٢ نعل٣
стр. 672
هنا يرى الإنسان الأرض الصلفاء يمر بها الماء وتلقى فيها البذور, فلا تلبث الشمس أن تجفف ماءها والريح أن تعصف ببذورها, فيعلم أن الحقائق الدينية لا يمكن أن تستقر في قلوب الأشرار إلى أن تبلغ شغافها, وأن الناس ما اختلفوا إلا لأنهم جاحدون، ولا اقتتلوا إلا لأنهم ملحدون.
هنا يرى الإنسان الشمس طالعة من مشرقها مصفرة اللون, متقاربة الخطوات مخافة أن تطير إليها رشاشة سوداء من مآثم هذا العالم ومخازيه, ثم لا تلبث أن تأخذ مكانها من كبد السماء حتى تنحدر إلى مغربها هاربة, فتنغمس في ماء البحر قبل غروبها لتغسل عن جرمها الأبيض المشرق ما ألم به من تلك الأدران والأوحال، ويرى الليل مقبلا يقطب وجهه ويزوي ما بين حاجبيه ويربد شيئا فشيئا حتى يسود غضبا على هذا المجتمع البشري فيما يقترفه تحت ستاره من المفاسد والشرور، ولا يزال مادا يديه بالدعاء إلى الله تعالى أن يعجل أوبته إلى مستقره حتى يستجيب له ويداول بينه وبين النهار، ويرى الكواكب قد كمنت وراء ستر الظلام ثم أطلت بعيونها على هذا العالم الأرضي مرغمة لتنفس عن رفيقها الليل بعض ما خالط قلبه من الهم والكمد, فلا تلبث أجفانها أن تطرف انغلاقا وانفتاحا مخافة أن
стр. 673
يصيبها سهم نافذ من سهام الأشرار التي تتطاير يمنة ويسرة وصعودا وهبوطا, فلا يقوم لها شيء إلا أتت عليه.
هنا يرى الإنسان الحقيقة في هذا العالم عارية الجسم, ويسمع صوتها واضح النبرات من حيث لا يحجب بصره تكلف المتكلفين، ولا خداع الخادعين، ولا يصد سمعه قرع النواقيس ولا صياح المؤذنين.
فقلت: حسبك يا مولاي فقد نال منك أجيج هذه الرمضاء, وإني أرى في رأس هذا الوادي رجلا أحسبه فلاح هذه الأرض, فامض بنا إليه علّه ييسر لنا ظلة نفيء إليها, وجرعة باردة نفثأ بها هذه الصارّة١، فمشينا إليه حتى بلغناه فرأيناه مكبا على تربته يفلحها ويقلب عاليها سافلها وقد شرست يده وشثنت قدماه وزأبر صدره٢، وأفرغ قرص الشمس في رأسه جعبة سهامه فتصبب عرقا حتى سالت منه على قدميه قطرات كقطرات البخار تسيل على جوانب القدر المضطرم, فحييناه بتحية حيا بأحسن منها, وأفضينا إليه بطلبتنا فأشار بيده إلى كوخه وكان منه على
стр. 674
كثب فإذا عريش من عيدان القصب مسجج١ قد ارتفع فوقه سقف من جذوع الأشجار, واعتمد على أُسيطينة٢ من اللبن الأسود وامتدت أمامه صفة مستطيلة واستدار به نؤي يمنع عنه مسيل الماء, فدخلناه فلم نر فيه إلا رثة٣ من المتاع لا تكاد تزيد على جوالق للخبز اليبيس وخلقان من القمص والأبراد وقدر وأثفية وجرة مملوءة ماء وحشية٤ بالية مفككة تضطرب في جوفها حشوة من الليف اضطراب الجنين في جوف الحامل، فشربنا حتى ارتوينا وأخذنا من تلك الحشية مضجعنا وما زلنا على حالنا تلك سكوتا لا نتكلم حتى جاء الرجل وقد مال ميزان النهار يقزل٥ في مشيته ويحمل فأسه على عاتقه ويجر وراءه ولدين صغيرين له بين الثامنة والعاشرة, فجلس وجلس ولداه بين يديه وأنشأ يلقي إلينا معاذيره ويتوجع لعجزه عن إكرامنا وإسعافنا بما نحب, فعذرناه ثم جرى بينه وبين الشيخ الحديث الآتي، وكنت أترجم بينهما لأنهما لا يكادان يتفاهمان:
стр. 675
الشيخ: من يملك هذه الأرض؟
الفلاح: هي لسيدي ومولاي أطال الله بقاءه وأتم عليه نعمته صاحب هذا القصر الذي تراه، وأشار إلى قصر فخم يرفرف بأجنحته في هذه البقعة الخضراء، رفرفة الحمامة البيضاء، في القبة الزرقاء.
الشيخ: أراك تدعو له وتتمنى له الخير والسعادة, فلعلك سعيد بجواره مغتبط بمكانك منه, ولعله يمدك ببره وإحسانه ويغدق عليك من نعمته ما يطلق لسانك بحمده والثناء عليه.
الفلاح: حسبي من سيدي أن أرى وجهه مرة في كل يوم أو يومين, ممتطيا فرسه الدهماء في ركب من أصحابه وحاشيته, مارا بهذه الأجمات الملتفة يتنزه ويتروح, ويطارد الثعالب والذئاب مطاردة الشجاع المستقتل, ثم يعود إلى قصره مسرورا مغتبطا بمصبحه وممساه.
الشيخ: إنما أسألك عن أياديه عندك, وصنائعه لديك لا عن منازهه وطرائده وملذاته وشهواته.
الفلاح: وهل يوجد في باب النعم جليلها ودقيقها نعمة أجل قدرا وأسنى قيمة من أن أكون عبدا مملوكا لسيد كهذا السيد رفيع الجاه جليل القدر واسع النعمة, تطأطئ بين يديه
стр. 676
رءوس العظماء ويختلف إلى حضرته كبار الأمراء؟
الشيخ: أيها الرجل ما عن هذا أسألك, إنما أسألك: هل يسلم عليك سيدك هذا إذا مر ببابك أو يخلو بك أحيانا ليتعرف همك, وما تهتف به نفسك من رغباتك وحاجاتك؟
الفلاح: الحق أقول, يا سيدي إني ما سمعت في حياتي بأعجب من سؤالك هذا، ومتى كان السيد يخاطب عبده إلا بالأمر والنهي, أو يرفع إليه طرفه إلا بالنظر الشزر, أو يلامس بيده جسمه إلا للتأديب والتهذيب، ولقد تمر بي وبعيالي الليالي ذوات العدد ولا نكاد نجد من الخبز المخشوشب ما يملأ بطوننا فلا أجد في نفسي من الحزن والألم ما أجد من نسيان سيدي إياي بضعة أيام أو إغفاله أمري ونهيي وزجري وتأديبي، وقد أعد لي حفظه الله وأمتعني بدوام رعايته وعنايته عصيا غلاظا يتعهدني بها من حين إلى حين كلما نسيت أمرا من أوامره, أو قصرت في رعاية غرض من أغراضه فأغتبط بذلك الاغتباط كله؛ لأني أعلم أني منه على ذكر١ وأني قد نزلت من نفسه منزلة من لا يهون عليه إغفاله واطراحه وإلقاء حبله على غاربه.
الشيخ: وأين أم هذين الولدين؟
стр. 677
الفلاح: ماتت رحمها الله في سبيل خدمة سيدها؛ فقد كنا يوما نمتح١ على حافة بئر فزلقت أقدامنا وانبتّ بنا الحبل فسقطنا، أما هي فاستأثر الله بها وأما أنا فانكسرت رجلي وقدر الله لي الحياة, فما أسفت على شيء أسفي على أن لم أكن قد لحقتُ بها فأكون قد هلكت في سبيل خدمة سيدي كما هلكت؛ ليترحم علي كما ترحم عليها, ويأمر بدفني في مقبرة أجداده كما أمر بدفنها.
الشيخ: ربما كنتَ قانعا من إحسان سيدك إليك, وعطفه عليك بما تعود به على نفسك وعيالك من غلة هذه الأرض وثمراتها.
الفلاح: لا والله يا مولاي, ما أعلمني نازعت سيدي نعمته وسعادته في قفيز بُرّ أو حفنة تمر، إلا أن تسقط بين يدي تمرة أعلم أنه لا يأبه لها فتكون قسمة بيني وبين ولدي, أو أحتطب من أطراف هذا الوادي بضعة أعواد من الحطب أشعلها تحت قدري, وأستغفر الله مما سهوت عنه أو أخطأت فيه.
وهنا رأيت أبا العلاء كأنما يحاول أن يكاتمني دمعة تترجح في مقلتيه, فأشرت إليه بالقيام فقمنا ومشينا صامتين لا ينطق ولا أنطق حتى بلغنا المنزل, وقد نزل ستر الظلام فقلت: أرجو يا مولاي
стр. 678
أن أكون قد بلغت ما أردت لك في مخرجك هذا من السرور والغبطة، قال: ما نغّص علي يومي إلا منظر ذلك الرجل الأبله المسكين في صغر نفسه وسقوط همته وذلة جانبه، وما أحسب إلا أن الظلم قد ألح على نفسه حتى قتلها وسلبها حسها ووجدانها, فأصبح لا يعرف لنفسه حياة ذاتية مستقلة عن حياة ذلك الإنسان الذي يسميه سيده١, فهو لا يفرح إلا لفرحه ولا يغتبط إلا باغتباطه ويرضيه منه كل شيء حتى سوء مجازاته إياه على إخلاصه إليه, وتعبده له بضربه وتعذيبه وتقتير الرزق عليه, وكذلك يفعل الظلم في نفوس المستضعفين.
ثم تركني وانحدر إلى مخدعه, وهو يهتف بهذه الكلمات:
يحسن مرأى لبني آدم ... وكلهم في الذوق لا يعذب
أفضل من أفضلهم صخرة ... لا تظلم الناس ولا تكذب
стр. 679
الرسائل:
كتاب في التقاضي:
أنا إن سألتك حاجتي أعزك الله وبسطت إليك يد رجائي فقد طرقتُ باب المكارم، واستمطرت غيث المراحم، ورجوت واحد الدهر همة وحزما، ونادرة الوجود كرما وفضلا، فإن أنجزتها فليست أولى الهمم، ولا واحدة النعم، فلكم سبقت إلي منك أياد تخرس دونها ألسنة الشكر، وتضيق بها جرائد الحصر، ولقد مثلت أيدك الله بين أن أستشفع إليك بذوي الجاه عندك، والزلفى لديك، وبين أن أكل ذلك إلى كرمك وفضلك، وما طبعت عليه نفسك الشريفة من خلال الخير، وسجايا البر، فرأيت أن الثانية بك أحرى، وبفضلك أجدر، السلام.
стр. 680
كتاب مقاطعة:
أتاني كتابك وقد أبللت من مرض حبك وصحوت من رقدة طال علي الغيب فيها, حتى خفت أن تتصل برقدة الموت، فلم ترُعني روائعك١، ولا أجدى عندي اعتذارك، ولا أخذ حديثك من قلبي مأخذه من قبل، ولم أر بين سطورك ذلك النور الذي كان يملأ عيني روعة٢، وقلبي هيبة، فالحمد لله الذي أدالني منك، وأعتقني من رقك، وكشف لي من مكنونك ما كشف غشاء الهوى عن بصري، فجفت الدموع التي طالما أذلتها٣ بين يديك، وقرت العين التي كنت أساهر بها الكوكب شوقا إليك، ولم يبق في خاطري من ذكرك إلا كما بقي في قلوب الناس من الوفاء، والحب شجرة يغرسها الأمل في القلب، ثم يغذوها بمائه وهوائه، فلا تزال تشتجر أغصانها، وترف٤ ظلالها، وترن أطيارها، حتى يعصف بها عاصف من اليأس فتموت، ولقد عالجت هذا القلب الشموس٥في الرجوع إلى سالف عهدك، وسابق ودك، فجمح جموح المهر الأرِن٦، وركب رأسه إلى حيث لا مطمع في أوبته، وله العتبى فيما فعل، فقد ملكني قياده برهة من الزمان فأسأت عشرته، وخفرت ذمته، وأرغمت معطسه، وركبت به في سبيلك أخشن مركب، وأنهلته من جفائك وكبريائك شر منهل، فما هو إلا أن أمكنته الغرة فانطلق انطلاق السجين من سجنه، والطائر من قفصه، فلا أوبة حتى يئوب القارظان، ويبلى الجديدان:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
стр. 681
كتاب تهكم:
علمت أن ساسانيا١ طرق بابك بالأمس، وما زال يكيد لك ويماحلك، ويتغلغل في مواضع الضعف من قلبك، حتى خدعك عن نفسك، واقتطف زهرة من روضة مالك؛ وراح يفتر عن ثغر باسم، ورحت تقرع سن نادم، فما هذا الخلق الغريب الذي تخلقته، وما هذا المذهب الجديد الذي اعتنقته؛ ومتى أقامك آدم وصيا على أولاده من بعده، تكسو عاريهم، وتشبع جائعهم، على أن الفقراء في الدنيا كثير قد ضاقت بهم خزائن الأرض والسماء فكيف تسعهم خزائنك، وهل بين الدرهم الذي أعطيت، والدراهم التي أبقيت، إلا حرف واحد٢، فليت
стр. 682
شعري من أين دهيت، ومن أي باب نفذ هذا الشيطان إلى قلبك، وإن أخوف ما أخاف عليك أن تكون أُتيت من باب تلك الخدعة الشيطانية التي يسمونها الرحمة، فإن كانت هي فالخطب عظيم، والبلاء جسيم؛ فإنك حيثما ذهبت، وأنى حللت، لا تقع عينك إلا على يد شلاء، ورجل بتراء، وعين عمياء، وصورة شوهاء، وثوب مخرق، وشلو ممزق، وطريح على التراب سقيم، وجسم أعرى من أديم، فإن لم تفارق الرحمة قلبك، فارق المال جيبك، فطفت مع الطائفين، وتسولت مع المتسولين، ثم لا تجد لك راحما ولا معينا، فارحم نفسك قبل أن ترحم سواك، ولا تنس أن تردد في صباحك ومسائك، وفي مستأنف خطواتك، وفي أعقاب صلواتك، كلمة ابن الزيات: "الرحمة خور في الطبيعة".
وعلمت أنك دعيت إلى وليمة فلان فتحلب لها فوك، ورقصت لها أشداقك، فطرت إليها، ثم وقعت على خبزها وشوائها، وفاكهتها وحلوائها، مثلج الصدر، ثابت القدم، ساكن القلب، طيب النفس، كأنك لا تعلم أنها لذة الساعة ومرارة العمر، وشبع اليوم وجوع الأبد، وأنك إنما طعمت ما في الحبالة من الحب، تأكله اليوم ليأكلك غدا، فمن لك بالنجاة من مضيفك إذا جاءك يوما يتقاضاك دينه وقد حفت به
стр. 683
كوكبة من خلانه وصحبه، فطار لمرآه لبك، وتمشى له قلبك في صدرك، وخيرك بين لحم شاتك ولحمك، فالفقر إن منحت، والعار إن منعت، وأعجب من ذلك أنك ما برحت الوليمة حتى أخذ المغني مجلسه فسمعت وطربت، ومن طرب شرب، ومن شرب وهب، ومن وهب خرب، ولقد كان لك في انزوائك واعتزالك، واكتفائك بقرصك وزيتك، وخلوتك بصندوقك في كسر بيتك، من حيث لا تزور ولا تزار, منادح عن هذه اللقمة التي أسهرت ليلك، وأقضّت مضجعك، وأقعدتك على مثل روق الظبى خيفة وحذارا، فإياك والعود إلى مثلها يطل غمك، ويسود عيشك، والسلام.
стр. 684
كتاب يأس:
كتابي إلى سيدي ومولاي والنفس بين جنة من الأمل تغنّ أشحارها، وترن أطيارها، وتشتجر أغصانها، وتعتنق غدرانها، وهاجرة من اليأس تتلظى نارها، ويعتلج أُوارها، وتحول بين الجفون واغتماضها، والجنوب ومضاجعها، والقلب يهبط به الخوف فيتمشى بين الأضالع مشية الطائر الحذر, ثم يدركه الأمن فيقر في مستقره قرار الماء في نهاية منحدره، وحالي كحال هذه الدنيا تضطرب ما بين فرح وهم، وسرور
стр. 685
وحزن، وقبض وبسط، ومد وجزر، أذكر الله ورحمته وإحسانه، ورأفته وحنانه، فيشرق لي من خلال ذكراه وجه الحياة الناضر، وثغرها البارق، وجمالها الساطع، وبشرها الضاحك، ثم أذكر الدهر وصروفه، والعيش وحتوفه، والأيام وما أعدت في طياتها لبنيها من عثرات، في الخطوات، ونكبات، في الغدوات والروحات، وما أخذته من العهد على نفسها من الوقوف بين النفوس وآمالها، والقلوب وأمانيها، فألمس صدري بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي، ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا، فليت الله يصنع لي فيمطر علي قطرة واحدة من غيوث رحمته وإحسانه أبل بها غلتي، وأطفئ بها لوعتي، أو ليت القدر ينشب أظافره بين سَحْري١ ونحري نشوبا لا يستبقي بعده عرقا نابضا، ولا نفسا مترددا، فيستخلصني من موقف أنا فيه كالمريض المشرف, لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيبكى.
يقولون: ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، وأقول: ما عذب الله عباده بنازلة القضاء، وصاعقة العذاب، وطاغية الطوفان، والزلزال الأكبر، والموت الأحمر، والخوف من الجوع والنقص من الأموال والأنفس والثمرات، بمثل ما عذبهم بالأمل الباطل،
стр. 686
وما ليلة نابغية ضرير نجمها، حالك ظلامها، يبيت منها صاحبها على مثل روق الظبى خيفة وحذارا، فوق أرض تعزف جنانها١، وتحوم عقبانها، وتزأر سباعها، وتعوي ذئابها، وتحت سماء تتهاوى نجومها، وتتوالى رجومها، وتتراكم غيومها، بأسوأ في نفسه أثرا من رجاء كاذب يتردد بين جنبيه، تردد الغصة بين لحييه، لا هي نازلة فيطعمها، ولا صاعدة فيقذفها.
قد أصبحت أحسد الوحوش الهائمة على وجوهها في بطون الأودية، وقنن الجبال، أن أراها ساربة في مساربها، سارحة في مسارحها، تتناول رزقها رغدا من بوارق المصادفات، ومفاجآت المقادير، لا يعنيها الأسف على فائت من العيش، ولا يقلقها الطمع في آتٍ من الرزق، قد قنعت من الماء بالكدر، ومن العيش بالجشب٢، فتساوى لديها شحمها ولحمها، وشيحها وقيصومها، وسعدها ونحسها، ونعيمها وبؤسها، فما تحفل بنوازل القضاء، ولا رجوم السماء، ولا تبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليها.
فمن لي بهذا العيش من عيش مَثَلي فيه كمثل رجل عثرت به قدمه, فسقط في جوف بئر بعيد غورها، ناءٍ مكانها، فما زال يتخبط
стр. 687
ويضطرب، ويهب ويثب، حتى عثر بمرقاة علقت رجله بها ثم تلمس أخرى غيرها فما وجدها حتى بلغ منه الجهد أو كاد، فلم يصبر على الثانية صبره على الأولى فسقط فخاف الغرق, فعاد إلى تلمسه، فعاد إلى سقوطه، فلا هو بالغ رأس البئر فينجو من الموت، ولا هو بالغ قرارة الماء، فينجو من الشقاء.
ارم بطرفك حيث شئت من الناس, هل تبصر إلا صريعا صرعه أمله، أو قتيلا قتله رجاؤه، أو صديقا يشكو غدر صديق كان يعده لنوائب الدهر فأصبح عون النوائب عليه، أو باكيا يبكي وليدا كان يرجوه لمستقبل دهره ففجعته الأيام فيه، أو ساعيا دائبا وراء غاية يطلبها من الدهر فلا يقرب منها حتى يبتعد عنها، ولا يمسك بها حتى تفلت من يديه، أو ساهرا متململا لولا أمله أن تنيله الأيام ما يشتهيه من هواه ما بات ليله شاكيا باكيا، داعيا مناجيا، لا تراه إلا عين السماء، ولا تسمعه إلا أذن الجوزاء.
هذه حالتي، وذلك همي، وهذا ما وسوس لي أن أعتزل الناس جميعا وأفارق عشيرتي وصحبتي، ويراعي ومحبرتي، علني أجد في البعد عن مثارات الأماني ومباعث الآمال راحة اليأس، فاليأس خير دواء, لأمراض الرجاء.
стр. 688
فها أنذا قابع في كسر بيتي لا مؤنس لي إلا وحشتي، ولا أنيس إلا وحدتي، أتخيل البيت قبرا، والثوب كفنا، والوحشة وحشة المقبورين في مقابرهم؛ لأعالج نفسي على نسيان الحياة، وأمانيها الباطلة، ومطامعها الكاذبة، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا آخر عهدي بك وبغيرك, والسلام.
стр. 689
الكلمات:
الجرائد:
لا أرى الصحف في مصر إلا ناديا من أندية القمار, ولا هؤلاء الكتاب إلا جماعة من اللاعبين قد وضعوا رءوس المصريين على مائدة اللعب كما توضع الأكر على طاولة "البليار"، ثم داروا حولها يلعبون بها ويتدافعونها فيكسبها في الصباح "زيد"، ويخسرها في المساء "عمرو"، وربما لا يأتي آخر الليل حتى يدور النحس دورته عليهم جميعا، فيخسرها الكل ويكسبها صاحب النادي.
عبد الحميد:
حضرت منذ أشهر قلائل تمثيل رواية في مسرح عربي, اختتمها جوق التمثيل بنشيد للسلطان عبد الحميد يصفه فيه ناظمه بالعدل والرحمة, والرفق والإحسان ويدعو له بسلامة عرشه، وطول بقائه، فما سمع الناس اسمه حتى هتفوا له هتافا يصم المسامع وصفقوا له تصفيقا كاد يضم أضلاع المسرح بعضها إلى بعض،
стр. 690
وحضرت ليلة أمس منظرا من مناظر الصور المتحركة, فرأيتهم يمثلون ذلك السلطان بعينه رجلا ظالما سفاحا ضعيف الهمة ساقط النفس زمِن المروءة جبانا مستطارا، ورأيتهم قد عمدوا إلى صورته فجعلوها مواطئ أقدامهم، ومضارب سيوفهم، فما رأى الناس هذا المنظر حتى راق في أعينهم وابتهجوا لمرآه ابتهاجا ملأ فضاء صدورهم، فتمشى في أعصاب أدمغتهم، حتى وصل إلى أعصاب أيديهم، فصفقوا له تصفيقا شديدا بتلك الأكف التي رأيتهم يصفقون بها في مسرح التمثيل.
أنا لا أعلم إن كان عبد الحميد ظالما أو عادلا، كريما أو لئيما، شريفا أو وضيعا، وإنما أعلم أنني سأموت قبل أن أقف على حقيقة تاريخية في أمره ما دام الناس عامتهم وخاصتهم, كتابهم وشعراؤهم, علماؤهم وجهلاؤهم، هم الناس الذين يقول فيهم القائل:
والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
الشهرة:
لا يمكن أن تكون الشهرة بحال من الأحوال ميزانا للفضل في مصر خصوصا في عالم الأدب، ولن يجري الفضل والذكر في ميدان واحد إلا إذا سلم السباق من كيد العابث
стр. 691
وخدعة الأريب، وأنى لنا ذلك وفي شعراء مصر من يغتصب الشهرة اغتصابا ويلصقها بنفسه إلصاقا وينزع إليها بوسائل لو عرفها الناس لأنزلوه منزلته، وألبسوه حلته، بينما ترى الآخر قد قنع من أدبه بلذة نفسه، وإمتاع جدانه، فلا يترنم بقصائده في المنتديات والمجامع، ولا يبتاع من الصحف الأسماء والألقاب، ولا يستخدم الكتاب لإطرائه والإشادة بذكره، ولا يتمم ما يجده من النقص في أدبه بالغض من أدب غيره، فترى للأول في هذا البلد الساذج دويا كدوي الرعد، وترى الآخر مطرحا مجفوا لا يؤبه له، والدر في الصدف أغلى قيمة وأرفع قدرا من جميع ما على وجه الأرض من ألواح البلور، وإن كان ملأ العيون حسنا وبهاء، ورونقا وماء.
فكاهة:
حدثني بعض الأصدقاء أنه دخل في أيام الحرب الروسية اليابانية حانوت حلاق معروف بالثرثرة أكثر من أفراد طائفته ليحلق له رأسه، وكان عنده جماعة من زائريه, فأجلسه على كرسي أمام مرآة وأمسك بالموسى وأنشأ يحلق له رأسا حلقا غريبا لا عهد له بمثله من قبل، فكان يحلق بقعة ويترك إلى جانبها أخرى مستطيلة أو مستديرة وأخرى مثلثة أو مربعة حتى رِيع الرجل
стр. 692
وظن أن الحلاق قد أصابه مس من الجنون، فارتعش بين يديه وخاف أن يمتد به جنونه إلى ما لا تحمد عقباه، واعتُقل لسانه فما يستطيع أن يسأله عن سر عمله هذا.
فما انتهى الحلاق من أشكاله الهندسية ورسومه الجغرافية حتى التفت إلى جلسائه وقال لهم كأنه يتمم حديثا سابقا بينه وبينهم: لأجل فض النزاع بيننا ها قد رسمت لكم خريطة الحرب الروسية اليابانية في رأس "الزبون" هنا طوكيو، وهنا بور أرثر، وهنا انكسر كروباتكين، وهنا انتصر أوياما، وفي هذا الخط مر الأسطول الروسي، وفي هذه البقعة تلاقى الأسطولان، وهنا أخذ يتكلم بحدة وحماسة عن شجاعة اليابان وبسالتهم, ثم أردف كلامه بقوله: "وفي هذه البقعة ضرب اليابانيون الروس الضربة القاضية" وضرب بجمع يده أم رأس الزبون، فقام صارخا يولول ويهرول مكشوف الرأس يلعن السياسة والسياسيين، والروس واليابانيين، والناس أجمعين.
لا أعلم إن كان المحدث هازلا أو مجدا، وإنما أعلم أنه قد أجاد التمثيل.
стр. 693
الأقسام:
لا أعرف فرقا بين حنث الحانث في يمينه، وكذب الكاذب في حديثه، كلاهما ضعيف المُنة، وكلاهما ساقط الهمة، وكما لا يستطيع الكاذب أن يكون صادقا كذلك لا يستطيع الحانث أن يكون بارا، وناقض العهد أن يكون وفيا، فخداع من المتكلم أن يزعم أن لأحاديثه من الشأن في مواقف الأقسام ما ليس لها في غير تلك المواقف، وأنه يتحرج في الحنث ما لا يتحرج في الكذب، فإن من يستصغر جرم الكذب لا يستكبر من بعده جرما.
الدين:
أيها الناشئ: إن من الناس قوما قد ضعفت نفوسهم عن احتمال ثقل الدين وسلطان أمره ونهيه, فخرجوا عليه ونبذوا طاعته، ثم علموا أن الناس سيأخذون عليهم ضعفهم وعجزهم فلم يجدوا معذرة يعتذرون بها إليهم غير دعوى إنكار الدين وجحوده استثقالا وتبرما لا تقلدا وتمذهبا وما هم بمنكريه ولا جاحديه، فاعلم أن الله سيبتليك بهم وأنهم سيزينون لك إنكار ما يزعمون أنهم ينكرونه وسيخيلون إليك أنك لن تستطيع أن تبلغ ما تريد من هذه المدنية الحاضرة وأن تنال الخطوة الباسقة في نفوس أصحابها إلا إذا تنكرت لدينك وتسلبت منه وخفرت ذمته، فاحرص
стр. 694
الحرص كله على أن لا يعلق بنفسه عالق من هذه الخيالات الباطلة، واعلم أنك إلى نفسك أحوج منك إلى الناس, وأن الناس لا يغنون عنك من الله شيئا إن أنت آثرت مرضاتهم على مرضاته, وأن هذه الحياة الحافلة بصنوف الشقاء وأنواع الآلام والتي لا يفيق المرء فيها من غمرة إلا إلى غمرة، ولا يئل من عثرة إلا إلى عثرة، لا يعين عليها إلا عقيدة راسخة يلوذ بها الحائر كلما عثرت خطواته، وتداركت عثراته، ويستروح من أعطافها رائحة الجنة كلما ضاق ذرعه باحتمال جحيم العذاب.
الحقيقة:
قال لي بعض الناس: إن قوما يغرقون في مدحك فهلا زجرتهم، فقلت له: إن آخرين قد أغرقوا في ذمي فلم أصنع شيئا، فدع الأكاذيب يقرع بعضها بعضا, فربما استطارت من تلك المعركة شرارة تضيء للناس مكان جوهرة الحقيقة المذالة تحت الأقدام فيلتقطونها.
الانتقاد:
بين نقد المؤلفات هنا ونقدها هناك فرقان؛ أحدهما يتعلق بالناقد والآخر يتعلق بأثر النقد في الأذهان، أما الأول فهو أن الناقد هناك ينتقد الكتاب من حيث ذاته، فلو لم يكن للكتاب
стр. 695
صاحب لانتقده، وهنا ينتقده باعتبار شخص مؤلفه، أي: إنه لا ينتقد الكتاب، بل صاحب الكتاب في كتابه، وأما الثاني وهو أثر طبيعي للأول, فهو أن للانتقاد هناك أثرا ظاهرا في الكتاب من حيث رواجه وكساده، وشهرته وخموله، فكما يقول المنتقد يقول الناس بقوله، وهنا يمر الانتقاد بالأذهان مرا فلا يبقى من آثاره فيها إلا أثر واحد، وهو أن الكتاب جليل القدر سني القيمة ولولا ذلك ما احتفل بأمره محتفل؛ لذلك رأيت كثيرا من عقلاء الأدباء لا يرضون عن أنفسهم في هذا البلد إلا إذا انتقد الناقدون مؤلفاتهم، بل رأيت من يتوسل إلى أحد الناقدين أن ينتقد مؤلفه، بل رأيت من يبلغ به الأمر أن ينتقد كتابه بنفسه بتوقيع منحول، أولئك الذين يعرفون قيمة المنتقدين عندنا وأثر انتقاداتهم في نفوسنا، أما الذين يغضبهم الانتقاد ويحرج صدورهم فهم الذين لا يعرفون من هذا ولا ذاك شيئا.
الحزم:
إن الدرهم الذي تمنحه لمن لا يستحقه يخرج من يدك فلا تجده في اليوم الذي ترى فيه أمامك من يستحقه، وإن الدينار الذي تعطيه للشارب ليشتري به كأسا يقتل بها نفسه لا يتيسر لك أن تعطيه للفقير العائل ليشتري به رغيفا يسد به جوعة ولده.
стр. 696
الألم:
إن في كثير من الآلام التي نعالجها لذائذ ومسرات يدركها من عرف أن الإنسان بطبيعته غافل عما يهدده من مصائب هذه الحياة وأرزائها, وأن الآلام الضعيفة التي تناله من العثرات الصغيرة نُذُر تأتيه من عالم الغيب؛ لتحذره من الآلام الشديدة التي تناله من السقطات الكبيرة.
الغفران:
ليس الحقد واحتمال الضغينة غريزة من الغرائز اللازمة للإنسان, فإن الرجل قد يصفح عن سيئات الأطفال؛ لأنهم لا يملكون الخيار لأنفسهم, ويذكر لأصحاب السيئات من الموتى حسناتهم؛ لأن الزمن الذي ذهب بهم ذهب بخيرهم وشرهم, فلم لا نغتفر ذنوب أولئك الذين ما أذنبوا إلا بعد حرب مستعرة قامت بين عقولهم وقلوبهم ثم سقطوا على أثرها صرعى لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا؟
الدعوى:
إن أردت أن تكون في الأمة الجاهلة كل شيء فادّع لنفسك كل شيء، تنل بقولك في الزمن القصير ما لا ينال غيرك بفعله في
стр. 697
الزمن الطويل، فإن الكاذب لا يزال يكذب حتى يصدقه الناس ثم لا يزال يكذب حتى يصدق نفسه.
الدين والوطن:
من لا خير له في دينه لا خير له في وطنه؛ لأنه إن كان بنقضه عهد الوطنية غادرا فاجرا فهو بنقضه عهد الله وميثاقه أغدر وأفجر، وإن الفضيلة للإنسان أفضل الأوطان، فمن لم يحرص عليها فأحرى به ألا يحرص على وطن السقوف والجدران.
الحلم:
إذا توردك متورد بكلمة سوء فلا تبتئس بها، فإنك في موقفك هذا بين اثنتين، إما أن يكون الرجل صادقا فيما يقول أو كاذبا، فإن كانت الأولى فاحمد الله تعالى على أن قيض لك من أرشدك إلى عيبك وكشف لك عن خبيئة نفسك, وإن كانت الأخرى فاربأ بنفسك أن تكون من الجاهلين الذين يتوهمون أن في استطاعة الأكاذيب أن تبقى طويلا على ظهر الأرض.
الأدب:
لا تكافئ السفيه على سفهه بمثله؛ فإنك إن فعلت قضيت له على نفسك, وأصبحت شريكه في الخلة التي تزعم أنك تنقمها عليه،
стр. 698
فإن كنت لا بد منتقما فليكن مثلك مثل الأحنف بن قيس؛ إذ جاءه رجل قد جعل له بعض الناس جعلا على أن يغضبه, فما زال يسبه ويشتمه ويلح في ذلك إلحاحا محرجا والأحنف ساكت لا يقول شيئا, حتى ضاق بالرجل أمره فانقلب إلى قومه باكيا نادبا يأكل أصبعه أكلا ويقول: والله ما سكت عني إلا لهواني عليه.
الأخلاق:
مثل المتعلم غير المتأدب كمثل شجرة عارية لا تورق, ولا تثمر قد انتصبت للناس في ملتقى الطريق تعترض الرائح وتصد سبيل الغادي, فلا الناس بظلها يستظلون، ولا هم من شرها ناجون.
الاعتدال:
بين الجبن والتهور منزلة هي الشجاعة والإقدام، وبين البخل والإسراف منزلة هي الكرم، وبين العفو والانتقام منزلة هي العقوبة، وبين العجز والجهل منزلة هي الحكمة، فليكن من أفضل ما تأخذ به نفسك التريث والتثبت عند النظر في الفرق بين مشتبه الفضائل والرذائل، واعلم أنك لا تزال كريما حتى تنفق مالك في غير موضعه فإذا أنت مسرف، وأنك لا تزال حليما حتى تغضب للباطل فإذا أنت جهول، وأنك لا تزال جبانا حتى تقاتل عن عرضك
стр. 699
وشرفك فإذا أنت شجاع، وأن كل الناس يعرفون الفضائل والرذائل ويفهمون معانيها، أما إدراك الفروق بين مشتبهاتها ونظائرها فتلك رتبة العقلاء الأذكياء.
البر:
ربما كان لك من أبويك أو من ذوي رحمك ممن تولوا شأنك في مفتتح عمرك من لم تساعده شئون دهره أو عصور نشأته على أن ينال حظا من العلم والمعرفة مثل ما نلت، فإياك أن يدعوك ذلك إلى تسفيهه أو تجبيهه أو السخرية به أو الإدلال بنفسك عليه؛ فإنك إن فعلت خسرت من الأدب أضعاف ما كسبت من العلم، على أنه ربما كان لكبيرك هذا الذي عققته وظلمته وكفرت بفضل نعمته عليك من العلم بتجارب الحياة ومقاتلها وموارد الأمور ومصادرها ما يبهر علمك الذي تعتد به وتدل بمكانك منه عليه، وهنالك تكون قد خسرت فوق خسران أدبك ما كان خليقا بك أن تتلقاه بين يديه من علوم التجارب التي ليست علوم الدراسة بالإضافة إليها إلا كالنقطة من البحر، والمدرة من القفر.
الرأي العام:
ليس إجماع ألف أو عشرة آلاف أو مائة ألف متأثرين
стр. 700
بشعور واحد مستمدين من روح واحدة على رأي من الآراء, دليلا على صحة ذلك الرأي؛ لأنه قد يكون رأي فرد واحد تأثر به الباقون تقليدا وعدوى، ورأي الواحد مترجح بين الخطأ والصواب.
الزعامة:
لا يشترط في قيادة الجموع أن يكون القائد مفرطا في الذكاء أو العقل أو الدهاء، بل يكفيه من ذلك كله شيء من العلم بأذواق أتباعه وميولهم وسبل الوصول إلى قلوبهم, لا يزيد على علم التاجر بأذواق زبائنه ورغباتهم.
الاستقلال:
لا سبيل للإنسان إلى الخلاص من الاندفاع في تيار الجماعات وضلالها مهما كان ذكيا أو مفكرا إلا إذا حبس نفسه عن الانضمام إليها, أو كان له من عزيمة الرأي وقوة النفس ما يمكنه من تربية نفسه على التجرد حتى يصير طبيعة له, فيحضرها شاهدا كغائب ومجتمعا كمنفرد.
روح الاجتماع:
ليس حب الجماعة لبعض الناس وبغضهم لآخرين دليلا على رفعة من يحبون وضعة من يبغضون، وليست جرائمهم التي يقترفونها باسم الشعور الذي يشتركون فيه دليلا على أن من يقتلون
стр. 701
يستحق القتل أو من يشتمون يستحق الشتم أو من يحتقرون يستحق الاحتقار، بل كثيرا ما تكون الحقيقة على العكس من ذلك عندما يكون قائد تلك الجماعة من أشرار الناس, وأدنيائهم.
الاندفاع:
ليس انضمام فرد من أذكياء الناس وعقلائهم إلى جماعة من الجماعات دليلا على فضل تلك الجماعة أو شرف مقاصدها أو صحة مبادئها؛ لأنه لا يجتاز عتبة مجتمعها إلا بعد أن يخلع عقله ومواهبه مع ردائه وعصاه خارج بابه.
الشقاء:
السبب في شقاء الإنسان أنه دائما يزهد في سعادة يومه ويلهو عنها بما يتطلع إليه من سعادة غده، فإذا جاء غده اعتقد أن أمسه كان خيرا من يومه، فهو لا ينفك شقيا في حاضره وماضيه.
اللفظ والمعنى:
لم أر فيما رأيت من الآراء في قديم الأدب وحديثه أغرب من رأي الذين يفرقون في أحكامهم بين اللفظ والمعنى, ويصفون كلا منهما بصفة تختلف عن صفة الآخر فيقولون: ما أجمل أسلوب هذه القصيدة لولا أن معانيها رديئة, أو ما أبدع معاني هذه القطعة وإن كان أسلوبها قبيحا كأنما يخيل إليهم أن اللفظ
стр. 702
وعاء وأن المعنى سائل من السوائل يملأ ذلك الوعاء, فتارة يكون خمرا وتارة يكون خلا ويكون حينا صافيا وأخرى كدرا, وما علموا أنهما متحدان ممتزجان امتزاج الشمس بشعاعها والخمر بنشوتها, فكما لا يجوز أن نقول: ما أجمل الشمس وأقبح شعاعها, ولا ما أعذب الخمرة وأمر نشوتها كذلك لا يجوز أن نصف اللفظ بالجمال والمعنى بالقبح أو نعكس ذلك. وليعلم الناشئ المتأدب أنه ليس للفظ كيان مستقل بنفسه, فجماله جمال معناه وقبحه قبحه, وأن القطع الأدبية التي نصف أسلوبها بالجمال إنما نصف بذلك معانيها وأغراضها, وأن الذين يزعمون من الشعراء أو الكتاب أن أساليبهم الغامضة الركيكة المضطربة تشتمل على معانٍ شريفة عالية كاذبون في زعمهم أو واهمون.
"تم الجزء الثاني من النظرات"
стр. 703
فهرست الجزء الثاني من النظرات:
صفحة
٣ الحياة الذاتية
١٠ العبرات
١٥ دمعة على الإسلام
٢٢ السياسة
٢٥ خداع العناوين
٣٤ الإغراق
٣٨ اللقيطة
٤٧ الصندوق
٥١ الغناء العربي
٦١ التوبة
٧٠ الحسد
٧٣ الوفاء
٧٨ خبايا الزوايا
٨٣ الجامعة الإسلامية
٩٣ القمار
٩٧ الأوصياء
١٠٦ العام الجديد
١١١ سحر البيان
١٢٤ الكبرياء
١٢٩ الانتحار
١٣٣ الحياة الشعرية
١٣٧ رباعيات الخيام
١٤٢ إلى تولستوي
١٤٩ مقدمة مختارات المنفلوطي
١٥٧ وا رحمتاه
١٦٢ خطبة الحرب
١٦٧ الإنسانية العامة
١٧٢ أدوار الشعر العربي
١٧٥ حوانيت الأعراض
١٨٠ الرثاء
١٩١ الشعر
٢٠٢ الشهيدتان
٢٠٧ الدعاء
٢١٢ ليلة في التمثيل
٢١٦ الكوخ والقصر
٢١٩ حول سرير الموت
٢٢٩ غدر المرأة
٢٣٥ الضاد
стр. 704
صفحة
٢٣٨ سياحة في كتاب
٢٤٦ دمعة على الأدب
٢٤٩ الصحافة
٢٥٥ التماثيل
٢٦٥ مدرسة الغرام
٢٧٠ أمس واليوم
٢٨٣ المرقص
٢٨٩ البعث
٣٢٧ "الرسائل"
٣٢٧ كتاب في التقاضي
٣٢٧ كتاب مقاطعة
٣٢٩ كتاب تهكم
٣٣١ كتاب يأس
٣٣٦ "الكلمات"
٣٣٦ الجرائد
٣٣٦ عبد الحميد
٣٣٧ الشهرة
٣٣٨ فكاهة
٣٤٠ الأقسام
٣٤٠ الدين
٣٤١ الحقيقة
٣٤١ الانتقاد
٣٤٢ الحزم
٣٤٣ الألم
٣٤٣ الغفران
٣٤٣ الدعوى
٣٤٤ الدين والوطن
٣٤٤ الحلم
٣٤٤ الأدب
٣٤٥ الأخلاق
٣٤٥ الاعتدال
٣٤٦ البر
٣٤٦ الرأي العام
٣٤٧ الزعامة
٣٤٧ الاستقلال الفكري
٣٤٧ روح الاجتماع
٣٤٨ الاندفاع
٣٤٨ الشقاء
٣٤٨ اللفظ والمعنى
"تم الفهرست"
стр. 705
المجلد الثالث
البيان
...
البيان:
عرفت فيما مضى من الأيام أديبًا كان من أكبر أدباء هذا البلد المضطلعين باللغة وفنونها، الحافظين للكثير الممتع من منظومها ومنثورها، وكان لا يكتب كلمة في صحيفة ولا ينشر في الناس كتابًا إلا أعجم كتابته وأبهمها وتعمل فيها تعملا يأخذ على القارئ عقله وفهمه فلا يدري أي سبيل يأخذ بين مسالكها وشعابها، وكنت أحسبها غريزة من غرائزه الغالبة عليه الآخذة التخلص منها والنزوع عنها حتى اطلعت لهُ عند بعض أصدقائه على كتاب صغير كان قد أرسله إليه في بعض الشئون الخاصة به وكتبهُ بتلك اللغة السهلة البسيطة التي يسمونها اللغة العادية، فأُعجبت بأسلوبه في كتابه هذا إعجابًا كثيرًا ورأيت أنه أبلغ ما قرأت له في حياتى من كتب ورسائل، وعلمت أن الرجل فصيح بفطرته قادر على الإبانة عن أغراضه ومراميه كأفضل ما يَقتدر مقتدرٌ على ذلك إلا أنه يتكلف الركة والتعقيد في كتابته