← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الأديان تحنثا وتعبدا، ورأيي أن دينا خرافيا وهميا خير من لا دين؛ لأن لهذه المعبودات الوهمية في نفوس المتعبدين لها سلطانا قاهرا على نفوسهم يقاوم أهواء الشر فيها, ويطهرها من كثير من الرذائل التي تعيا بها القوانين الشرعية والوضعية كالخيانة والكذب والحقد والحسد وسفك الدماء واغتيال الأموال, وغير ذلك من الشرور الإنسانية التي لا تنزجر النفس عنها ما لم يكن منها لها زاجر والتي فشت اليوم بين أكثر المتعلمين الذين أخذوا العلم مجردا عن التربية الصحيحة, كأكثر المتعلمين في مصر. ولقد كان آباؤنا على علاتهم يعتمدون في أكثر عقودهم من بيع وشراء وهبة وقرض ورهن على صدق ألسنتهم ووفاء قلوبهم, فكان الرجل يأمن أن يقرض صاحبه الآلاف المؤلفة من الذهب بلا كتابة صك ولا شهادة شاهد، فأصبحنا نكتب الصكوك ونستشهد الشهود على الدانق والسحتوت، والويل ثم الويل لصاحب الحق إذا ضاع صكه أو أنكر شهوده وكثيرا ما يفعلون. وجملة الحال أنهم كانوا يجهلون أكثر ما نعلم، ولكن لم يجن عليهم جهلهم أكثر مما جنى علينا علمنا، وكانوا محرومين أكثر ما ننعم به اليوم من مساكن زاخرة، ومراكب فاخرة،

стр. 632

وملابس زاهية، ومناظر زاهرة، وفرش وثيرة، وآنية صقيلة، وأدوات للمأكل والمشرب ثمينة، ولكنهم لم يكونوا محرومين في أنفسهم وفي خطرات عقولهم شيئا من هذا كله؛ لأنهم ألفوا معيشتهم البسيطة كما ألفنا نحن هذه المعيشة المركبة، فنحن وهم سواء في الرضى بحالتينا، إلا أن معيشتنا يكدرها الفقر والإفلاس الآجل أو العاجل، ومعيشتهم لم يكن يكدرها من ذلك شيء، وها هي دفاتر الصرف وبيوت الأموال مكتظة بديون الفلاحين التي كانوا في غنى عنها لولا المدنية الحاضرة التي قلبت الكماليات في نظرهم إلى حاجيات، فبنوا القصور، وشادوا الدور، وما شادوا لو يعلمون إلا قبورا دفنوا فيها راحتهم وهناءهم ومستقبلهم ومستقبل ذريتهم من بعدهم، فإن هؤلاء الأولاد المساكين بعد أن خرجوا من المدارس بلا دين, ولا وطن أرادوا أن لا يبقوا في قوس الحرية منزعا فأطلقوا لأنفسهم العنان في سبيل الشهوات واللذائذ, فكانوا يسهرون الليل بين رنين الكاسات، وغزل الغانيات، ثم ينامون النهار بين التمطي والثؤباء حتى نبت بهم وظائفهم التي هي كل ما حصلوا عليه من علومهم ومعارفهم فأبعدتهم عنها, فأصبحوا كلا على أبيهم وعلى الناس لم ينفعهم علمهم ولم تغن عنهم شهاداتهم بعد أن نفخت الكبرياء

стр. 633

في صدورهم, فأبوا أن يتنزلوا للاحتراف بما يقوم معاشهم كما يفعل أولئك القوم الذين أنضوا ركائب حياتهم في طريق تقليدهم, وباعوا في سوق التشبه بهم كل ما تملك أيمانهم وقلوبهم وبعد أن ملكت الشهوات قيادهم فما وجدوا في أنفسهم متسعا لسواها, فأغروا بثروة أبيهم يأخذون منها بالحق تارة وبالباطل تارات, وقد كانوا قلصوا ظلالها أولا بنفقات دراستهم وثانيا بابتياع ما حسن لفظه وقبح معناه من السلع الإفرنجية التي تفني خزائن روكفلر وروتشيلد, قبل الوصول إلى إشباع بطون تجارها فنضب معينها ولم يبق منها حتى الذماء١، فتبدل ذلك النعيم شقاء وتلك السعادة والرفاهية فقرا وعدما، أما الوالد فقضى شهيد العلوم والمعارف والمخترعات والمستحدثات، وأما الأولاد فاغتالت أحدهم يد الزهري وكانت لأمثاله من المغتالين، واحتوى الآخر فراش السل حيث لا زائر ولا طبيب، وافترش الثالث تراب السجن على أثر جناية دفعه إليها العوز والحاجة، وفرت المرأة الجديدة إلى معرض الأعراض حيث يبتاعها الشقاء بثمن بخس, وهو فيها من الزاهدين.

стр. 634

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر هذه قصة منزل من منازلنا وكل المنازل بيننا ذلك المنزل إلا ما رحم الله، فلو أن باكيا بكى على ما آلت عليه حالة هذه الأسرة الشقية فهو إنما يبكي أسرا متعددة وأمة كاملة: لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك١ وجملة القول أن للحاضر سيئات فوق سيئات الماضي فلا خير في العصرين، ولكن ويلا أخف من ويلين، والأمم لا تسعد بمعرفة الخير والشر، فالخير والشر معروفان حتى لأمة النمل، وإنما سعادتها في معرفة خير الخيرين وشر الشرين، ولئن دام هذا الحال واطرد المقياس فالغد شر من اليوم, كما كان اليوم شرا من الأمس.

стр. 635

المرقص: إن كان حقا ما يقولون من أن الكاتب لا يجمل به أن يصف مشهدا من المشاهد أو يحدث عن موقف من المواقف إلا إذا رآه بنفسه واضطلع به وأحاط علما بحقيقته, فقد أسقط في يدي وارتقيت في هذه النظرة مرتقى صعبا واستحال علي أن أكتب في هذا الموقف الذي أحاول الكتابة فيه سطرا واحدا؛ لأني لا أعرف من تقويم "الأزبكية" أكثر من أنها بقعة واقعة بين بساط الغبراء، وقبة السماء. ولولا أن الله أعانني بصديق من أصدقائي زار المرقص مرة واحدة في حياته, ووصف لي المشهد الآتي من مشاهده, لنفضت يدي منه نفض المودع يده من تراب الميت فرارا من تهكم المتهكمين، وسخرية الساخرين. حدث ذلك الصديق قال: ذهبت ذات ليلة إلى مرقص من مراقص الأزبكية, فرأيت على بابه جنديا يتمشى في عرصته مشية هادئة مطمئنة, فذعرت لمرآه وتراجعت قليلا قليلا وكدت أعتقد

стр. 636

أنني أخطأت الطريق إلى المرقص, وأنني بين يدي دار من دور الحكومة يحرسها حاجبها لولا أنني لم أر في وجوه الداخلين ذلك الخوف والاضطراب والذل والانكسار الذي اعتدت أن أراه في وجوه الشاكين والمتظلمين. ووقفت ساعة أتردد بين الإقدام والإحجام حتى لمس كتفي لامس فالتفت ورائي, فإذا صديق من أصدقائي يسألني: ما وقوفك ههنا؟ فقلت له ما قاله أبو العيناء لصاحبه حينما سأله عن سبب بكوره: "أراك تشاركني في الفعل وتفردني بالعجب"، قال: أنا أفتش عن ابن عمي، قلت: وأنا أفتش عنك، فابتسم ابتسامة المتهكم وقال: هيا بنا ندخل قبل أن تمتد سلسلة التفتيش إلى حيث لا تنتهي حلقاتها، وأمسك بيدي حتى جاز بي باب المرقص فسألته: ما هذا الجندي الواقف أمام الباب؟ قال: كيف ذهب عليك أن حكومتنا قد أصبحت اليوم حكومة مدنية مادية، لا أدبية ولا دينية، فتساوت في نظرها "المصالح" والمراقص, واختلط عليها الأمر بين مواقف القضاء ومعاهد البغاء، فأصبح الجندي يحمي أبواب العاهرات كما يحمي أبواب النظارات، ويقف أمام البارات موقفه أمام الإدارات؟! وإن العين لا تكاد تملك مدامعها سحا وتذرافا كلما أبصرت

стр. 637

هذا الجندي الشريف واقفا هذا الموقف الذليل يسمع قراع الدفوف لا قراع السيوف، ويرى حمرة الصهباء لا حمرة الدماء، ويحمي الفسق والفجور لا القلاع والثغور، وما أعجب لشيء عجبي لهذه الحكومة التي تضنّ بجنديها أن يشتمه شاتم أو يلمسه لامس فتغضب له غضبة مضرية تتراءى فيها الشهامة والحمية والعزة والنخوة, ثم لا تضن به أن تؤجره نائحة في الجنائز أو قوادا في المراقص، وهو هو بعينه الذي يمثلها في وقفاته، وينوب عنها في غدواته وروحاته! هذا ما كان يحدثني به ذلك الصديق وهو سائر بي إلى قاعة المرقص حتى وصلت إليها, فماذا رأيت؟ إن كنت لم تسمع في حياتك أن فدانا واحدا من الأرض يبتلع في جوفه ستة ملايين من الأفدنة فاعلم أنه المرقص الذي يأكل وحده جميع ما تنبته تربة مصر من الخيرات والبركات، فكأنه العين التي تسع الفضاء بأرضه وسمائه، أو القلب الذي يحمل في سويدائه علم ما كان وما يكون. رأيت الدنانير ذائبة في الكئوس، والعقول جامدة في الرءوس، والحبائل منصوبة لاستلاب الجيوب، والسهام مسددة لاصطياد القلوب، ورأيت من كنت أحسبه أوفر الناس عقلا

стр. 638

وأذكاهم قلبا ومن كنت أراه فأغضي بين يديه إجلالا وإكبارا واقعا في حبالة بغي تقيمه وتقعده، وتطويه وتنشره، وتعبث به عبث الطفلة بلعبتها، وهو في غير هذا المكان قيصر الروم عزة وفخارا، وكسرى فارس أنفة واستكبارا. رأيت من يزعم أن الله قد وهبه عقلا تخترق أشعته حجب الغيب, وعلما تتساوى أمامه المادة وما وراءها, ومن لا يزال يتمثل صبحه ومساءه بقول الشاعر: وعلمت حتى ما أسائل واحدا ... عن حرف واحدة لكي أزدادها يجهل بديهيا من البديهيات التي يشترك في فهمها الأذكياء والأغبياء، والعلماء والجهلاء. رأيته يجلس في المرقص فتمر به البغي فما هي إلا لمحة طرف, أو غمزة كف، حتى تحدثه نفسه أنه قد وقع من نفسها، وملأ فراغ قلبها، فيدعوها إليه فتجلس بجانبه فما هي إلا ابتسامة خالبة، وكلمة كاذبة، حتى يقسم بكل محرجة من الأيمان أن نفسه صادقة فيما حدثته، وأن الفتاة قد علقت بحبه علوقا لا نجاة لها من بعده إلى يوم يبعثون. هنالك يبذل لها ما تشاء من نفسه وشرفه وماله، ويرى أن ذلك قليل في جانب ما تبذل له من دقائق تقضيها بين يديه، وابتسامات تجود بها عليه.

стр. 639

لقد كذبتك نفسك أيها الرجل, فها هي المرآة بجانبك فهل ترى فيها منظرا رائعا، أو جمالا ساطعا، يأسر أقسى النساء قلبا، وأعصاهن عنانا؟ إن الفتاة التي أسمعتك كلمة الحب قد أسمعتها قبلك وستسمعها بعدك كل صاحب جيب مثل جيبك، وعقل مثل عقلك. إن كنت في شك مما أقول, فأمسك عن فتح الزجاجات لحظة قصيرة, ثم انظر بعد ذلك أين مكانك من نفسها، وموقعك من قلبها، فإن لم تمطر عليك سحائب اللعنات، وتجعلك غرضا لسهام التهكمات، فأنت أصدق الصادقين، وأنا أكذب الكاذبين. رأيت هنالك كل حاسة من الحواس قد لبست منظارا يكبر المنظورات، ويضاعف المسموعات، تغني المغنية بصوت مضطرب النغمات، بارد الترجيعات، ثقيل الحركات والسكنات، فتمتلئ أرجاء القاعة بالآهات، وتدوي فيها الصيحات المزعجات، وتطل العجوز الدردبيس على الناس بوجه مغضّن، وجفن مقرح، وسن بارز، وخد غائر، فتطير حولها القلوب، وتتحلب لها الأفواه، وتترامى تحت أقدامها الوجوه, فقلت في نفسي: أهذا هو المرقص الذي تخرب فيه البيوت العامرة، وتذبل فيه الرياض الزاهرة؟! أهذا هو الذي تتدفق فيه الأموال الغزار، تدفق الأنهار

стр. 640

في البحار، وتقبر فيه نفوس الكرام قبل أن تقبر تحت الرغام، والله لا يبلغ العدو منا بخيله ورجله، وأساطيله وقنابله، ولا تبلغ السماء منا بصواعقها ورجومها، ولا الأرض بزلازلها وبراكينها، ما يبلغ منا المرقص ببغاياه. قال المحدث: والحق أقول: إني دخلت المرقص وأنا أحسب أني أنفّس عن نفسي كربة, فرأيت ما زاد نفسي هما، وملأ قلبي غيظا، فقلت لصاحبي: هل لك في القيام؟ فقام وقمت وأنا أقول: والله ما أدري ما ترك هذا المكان للبيمارستان.

стр. 641

البعث: هي قصة خيالية, الغرض منها تمثيل أبي العلاء المعري في أخلاقه وآرائه لم يكتب منها غير هذه الأيام الثلاثة، وقد نشر في الذيل من كلام أبي العلاء عند المناسبات ما يميز بين الحقائق التاريخية والتصورات الخيالية. "اليوم الأول": نبا بي مضجعي ليلة لهمّ نزل بي والهم رسول من رسل الشر ينزل بأهداب العيون, فلا يزال يسعى سعيه حتى يوقظ الفتنة بين أشياعها، فظللت أساهر الكوكب حتى ملني ومللته وضاق كل منا بصاحبه ذرعا، فلما تقضى الليل إلا أقله ولم يبق إلا أن تنفرج لمة الظلام عن جبين الصباح سمعت طارقا يدق الباب دقا ضعيفا ما كدت أتبينه لولا هدوء الليل وسكونه، فقلت: من الطارق؟ قال: غريب حائر ضل به سبيله في هذه الرقعة السوداء, وأعوزه المأوى يطلب كريما يعتمد عليه، ومضجعا يأوي إليه، وقد أعد لمن يسدي إليه تلك النعمة ذخيرة صالحة من شكر لا يبلى ودعاء لا يخيب، فأعجبت بعابر سبيل يمر بعفو

стр. 642

لسانه من فصيح القول وصحيحه ما يعيا على جهد المتكلفين، وتزويق المزورين١، وقلت في نفسي: ما لهذا الرجل بد من شأت وفتحت الباب فإذا شيخ كنتيّ٢ من حملة أعباء الدهر, قصير القامة ناحل الجسم زري الهيئة قد نيف على الثمانين من عمره, فخيل إلي أن ظهره المحدودب قوس وأن عصاه التي يعتمد عليها وتر قد شد إلى تلك القوس, وأنه قد أعد من هذه وتلك سلاحا يذود به عن نفسه عادية المنون٣، فلما شعر بمكاني رفع رأسه إلي ورماني بنظرة خلت أنها نفذت إلى موضع الأسرار من قلبي وأحاطت بما بين قمة رأسي وأخمص قدمي, فرأيت وجها أسمر اللون قد انتثرت في أكنافه حفائر الجدري٤ وأسارير

стр. 643

تنطوي تارة على عبر القرون وحوادث الدهور وتنفرج أخرى عن أنوار الصلاح والتقوى، ولحية بيضاء إلا أنها شعثاء، وعينين كبيرتين مستديرتين ينبعث منهما نور ساطع خفاق لا يراه الرائي حتى يطرق له إجلالا وإعظاما، وسحنة غريبة لا عهد لي بمثلها في حمراء الأمم وسودائها وأحسب أن لو كان بين يدي مثال من صور الناس في القرون الغابرة لنسبتها١, فمشيت إليه مشية الهائب الوجل وقلت: على الرحب والسعة يا سيدي, لقد حللت بمنزل أنت صاحبه وولي الأمر فيه، ثم قدمت إليه يدي فمشى معي يتوكأ, ويتحامل ويهمس بهذه الكلمة: ما أوسع الموت يستريح به الجسـ ... ـم المعنى ويخفت اللجب حتى وصلنا إلى غرفة الأضياف, فأعاد النظر إلي وقال: اذهب لشأنك فأنا في حاجة إلى الانفراد بنفسي، فتركته وذهبت إلى غرفة منامي وقد أخذ منظر الرجل مكانا من قلبي وشغلني من أمره ما كاد ينسيني هموم نفسي, فلم أزل أقلب النظر في حاله وأذهب المذاهب في استبطان سره حتى أخذ عيني نوم ثقيل لم أستيقظ منه إلا في صفرة الأصيل. سألت الخادم عن الضيف, فعلمت أنه أخذ حظه من المطعم

стр. 644

والمشرب والمضجع والمستحمّ وأنه لا يزال في مصلاه, فهبطت إليه في خلوته أهيب ما أكون له, فرأيته جالسا إلى قبلته يقلب وجهه في السماء، ويكرر هذا الدعاء: "اللهم لا راد لقضائك، ولا سخط على بلائك، أمرت فأطعنا وابتليت فرضينا، فأمطرنا غيث إحسانك, وأذقنا برد رحمتك، وألهمنا جميل صبرك، وثبت قلوبنا على طاعتك، فلا عون إلا بك، ولا ملجأ إلا إليك، إنك أرحم الراحمين وأعدل الحاكمين"١. ثم أطرق بعد ذلك إطراقا طويلا خلتُ أنه وصل فيه إلى مقام التجريد, وأن الذي أراه بين يدي جسد هامد قد أسرى بروحه إلى الملأ الأعلى, فجعلت أختلس الخطا إليه حتى صاقبته، فرفع رأسه إلي ذاهلا، وقال: أنت هنا؟ قلت: نعم، قال: في أي سنة نحن من تاريخ الهجرة؟ فعجبت لسؤاله وقلت: في السنة

стр. 645

التاسعة والعشرين بعد الثلاثمائة والألف، قال: ما اسم هذا المصر الذي تعمرونه؟ قلت: القاهرة المعزية، قال: أفي هذه الأمة كثير مثلك؟ قلت: لم أفهم ما تريد يا سيدي، قال: لقد استفتحت هذه الأبواب التي تليك فلم أجد من ورائها إلا ضعيفا لا يلبث أن يراني حتى يرعد مني فرقا فيوصد بابه في وجهي، أو ضنينا يرى بؤسي وشكاتي فيزوي ما بين حاجبيه ثم ينصرف عني، أو أعجميا لا يفهم ما أقول ولا أفهم ما يقول، قلت: ما في هذه الحلة التي تراها أعجمي قال: إنهم خاطبوني بلحن لا أعرفه وإن شئت أعدته عليك كما سمعته، ثم أخذ يسرد علي الكلمات العامية التي سمعها من الناس في طريقه إلي سردا متواصلا كما تسرد الببغاء كلماتها، فقلت: إنك قد أعدت يا سيدي بذكائك هذا عهد أبي العلاء المعري, فإنهم يتحدثون عنه أنه كان إذا سمع أعجميا يتكلم حفظ كلامه بدون أن يفهم معناه١ فما سمع كلمتي هذه حتى اضطرب جسمه وانكفأ لونه٢ ورأرأ بمقلتيه٣ وزحف إلي حتى اصطكت ركبتانا، فعجبت لأمره وما رأيت من استحالة حاله، ثم قال لي: من هو هذا المعري الذي حدثوك عنه؟ قلت: رجل

стр. 646

من علماء الأمة العربية وشعرائها, عاش في القرن الرابع والخامس من الهجرة, نقرأ سيرته في كتب التاريخ والأدب ونعجب بفهمه وعلمه وذكائه كل الإعجاب، قال: وما ظنكم به؟ قلت: إن الناس في أمره مختلفون، ومن يرفضه أكثر ممن يتشيع له، قال: ومن أيهم أنت؟ قلت: ممن يتشيع له، فقد قرأت كتبه قراءة مستثبت مستبصر فما شككت في مذهبه ودينه، قال: أكنت تؤثر أن تكون في عصره أو أن يكون في عصرك حتى تراه؟ قلت: ما أعدل بهذه الأمنية غيرها، قال: قد بلغك الله طلبتك، قلت: لم أفهم يا سيدي شيئا مما تقول، قال: أكاتم أنت علي سري؟ قلت: نعم، قال: أتقسم؟ قلت: إن للوفاء عندي حرمة مثل حرمة القسم ولو كنت متهما نفسي لأقسمت، قال: الآن عرفتك, أنا أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري، فما قرعت هذه الكلمة مسمعي حتى أُسقط في يدي وعلمت أني قد هلكت، وكان أول ما كان مني أن التفت ناحية الباب لأرى هل أجد السبيل إلى الهرب إن عرض لي من هذا المجنون عارض سوء، وكأنه ألم بما في نفسي فقال: لا ألومك على ما ظننت فقد قدرت قبل أن ألقي إليك كلمتي هذه أنها بالغة منك ما بلغت فهل تؤمن بالله؟ قلت: نعم، قال: وتؤمن بالبعث؟ قلت: نعم، قال: وما يريبك من رجل

стр. 647

أماته الله ثم بعثه بعد موته؟ قلت: ذلك يوم يبعثون، قال: هبها قصة إبراهيم إذ قال له ربه: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ وبعد, فوالله يا بني ما كفرت مذ آمنت, ولا كذبت مذ عرفت أن الصدق منجاة من النار, ولا استرد الله مني نعمة العقل بعدما منحني إياها ولو كذبت الناس جميعا ما كذبتك, فقد أسلفت إلي من أياديك ما لا أحتاج بعده إلى كذبة أتنفّق بها عليك، أو أزدلف بها إليك، وإني قاص عليك قصتي فأصخ لها ولك بعد ذلك حكمك، فسري عني قليلا ما كان ألم بنفسي من القلق, فأقبلت عليه بوجهي فأنشأ يقول: لا أزال يا بني حتى الساعة أشعر بمرارة الحساب في فمي, فقد حوسبت حسابا غير يسير على الكبير والصغير والدقيق والجليل والقومة والقعدة والخطرة واللمحة وكل ما وجدته حاضرا بين يدي في صحائفي, فكادت حسناتي تكافئ في الميزان سيئاتي لولا تلك الكلمات التي كنت أرددها في حياتي الأولى في تزهيد الناس في النسل والزواج١, فقد دخلت بها في زمرة المفسدين

стр. 648

الذين تنكروا لإرادة الله وأغفلوا حكمته في خلق النوع البشري, وطال حسابي عليها وحجاجي فيها, وكان لا بد من العقاب ففزعت

стр. 649

إلى الروح الشريفة المحمدية مستشفعا بها لا أريد رد القضاء, ولكن أريد اللطف فيه، فتعلق محمد ﷺ بقوائم العرش الإلهي وقال: "اللهم إنك تعلم أن عبدك هذا عاش في تلك الدار كارها لها متبرما بها, متسخطا عليها حابسا نفسه في كسر بيته فرارا من أهلها, يترقب فراقها في جميع آنائه وفيناته حتى لو رأى الشمس طالعة لتمنى ألا يرى مغربها ولو رآها غاربة لتمنى ألا يرى مشرقها، وقد قضى قضاؤك الذي لا مرد له ولا محيص عنه أن تعاقبه على ما اجترح من السيئات في دار العمل, فأسألك بقلمك النوراني الذي تمحو به في لوحك ما تشاء وتثبت أن تقي جسمه الذي طهره في الحياة الدنيا بالزهد في شهواتها ولذائذها والصبر على آلامها

стр. 650

وأهوالها من عذاب النار١, وأن تجعل عذاب قلبه فداء عذاب جسمه, فعاقبه بإرجاعه إلى تلك الدار التي كانت جحيمه ومستقر عذابه، وحسبه من العقاب أن يلقى فيها آخرا ما لقي فيها أولا, إنك بعبادك لطيف خبير". فقبل الله شفاعة نبيه, وقضى أن أعود إلى الدار الأولى لأقضي فيها من الأيام بعدد ما قضيت فيها من السنين, وقد علم أني كنت في العهد الأول أحمده على العمى كما يحمده غيري على البصر, فرد إلي بصري لتنفذ مشيئته في عقابي وتعذيبي, فله الحمد على سرائه وضرائه. هذه قصتي قصصتها عليك, وهذا أول يوم من الأيام التي سأقضيها في داركم هذه, فاكتم علي أمري حتى ينقضي أجلي, وكن لي خير معين على هموم الحياة وبأسائها, فقد اغتبطت بك مذ رأيتك وعلمت أن الله ما قيضك لي إلا وهو يريد أن يخفف

стр. 651

عني العذاب مرة أخرى. فما أتم قصته حتى ابتدرتُ يديه لثما وتقبيلا, وعلمت أني قد أحرزت في بيتي كنزا لا أعدل به كنوز الأرض ظاهرها وباطنها, وشعرت بما أضاء بين جوانحي من سرور ما كان يكدره علي إلا خوف انقضائه. ثم ما زلنا نتحدث حتى كادت تحترق فحمة الليل, فوضعت يدي في يده وعاهدته على كتمان سره, ثم ودعته وتركته في خلوته على أن نلتقي غدا. "اليوم الثاني": ما كنت أجهل قبل اليوم رأي الشيخ في الطعام وما يحب منه وما يكره, ولكنني ظننت أنه بعث بطبيعة غير طبيعته ورأي غير رأيه فقدمت إليه في طعام العشاء دجاجات ربلات١ كنت أعددتهن للضيفان من قبل، فلما أخذ بصره المائدة صار ينظر إليها مرة وإلي أخرى ثم قال: ما اسم هذا الطعام الذي تقدمه إلي؟ قلت: إنهن دجاجات لم يكن للخادم الصغرى عندي

стр. 652

شأن غير رعايتهن والقيام عليهن والحدب بهن، فكانت تؤثرهن بأفضل ما نؤثرها به من طعام وشراب, وتنزلهن من نفسها منزلة الواحد من أمه حتى امتلأن واكتنزن١ واستدرن للذبح، وكنت أبقي عليهن كلما طرقني طارق إبقاء على الفتاة أن ينفجر صدرها حزنا على أترابها الصغيرات، أما اليوم فلم أر من ذلك بدا فذبحتهن إكراما لك, فسال من دموع الفتاة عليهن أكثر مما سال من دمائهن. فوجم الشيخ, ثم أطرق إطراقا طويلا سمعته يهينم٢ فيه بهذه الكلمات: وا رحمتاه، ألا تزال هذه المُدى موكلة بهذه الأعناق، ألا يزال الحيوان الناطق ينكر على الحيوان الصامت حتى حسه ووجدانه ويأبى إلا أن ينظمه في سلك الجمادات الصم؛ لأنه صامت لا ينطق وأخرس لا يبين٣, ربما كان زقاء الديك وقوقأة الدجاجة وصرصرة البازي وهديل الحمام وزقزقة العصفور وثغاء

стр. 653

الشاة ومواء الهرة وخوار الثور وحنين النيب١ بكاء بغير دموع وشكوى بغير لسان، وربما كان يكتم ذلك الذبيح في نفسه من الوجد والبرحاء ما لو استطاع أن يبين عنه لأبكى العيون دماء, وفجر الصخر عيونا. ثم رفع رأسه إلي وقال: أما سمعت الدجاجات يقلن لك شيئا عندما أردت ذبحهن؟ قلت: لا يا مولاي ومتى قلن للناس شيئا فيقلن لي، فنظر إلي نظرة شزراء لا أنسى سهمها الواقع في قلبي ما حييت ثم قال: أما لو أن الله منح ذابح الدجاجة من نور البصيرة ما منحه من نور البصر لسمعها تقول له: مهلا رويدا أيها القاتل السفاك, لا تدن مني ولا تمدد يدك إلي, فلا شأن لك معي ولا ترة٢ لك عندي. أنا صاحبة الحق المطلق في حياتي وأنا لا أريد أن أموت ولا رغبة لي في فراق الحياة؛ لأن ورائي أفراخا صغارا هن إلى حياتي أحوج منك إلى مماتي, وليس من الرأي أن أكل أمرهن إليك من بعدي؛ لأنك شره طماع, لا يشبع بطنك ولا تهدأ مديتك. أنت لا تملك أن تعطيني الحياة فلا تملك أن تسلبني إياها

стр. 654

كل ما تستطيع أن تمن به علي أنك كنت تطعمني وتسقيني فهل تعلم أنك ما كنت تطعمني إلا فتات مائدتك ولا تسقيني إلا غُسالة يديك, وأنك ما كنت تصنع ذلك رحمة بي ولا إحسانا إلي, بل لتهيئ لنفسك ما يسد شهوتها ويطفئ لوعتها، وهل تعلم أنك أنت الذي سجنتني في أقفاصك وحلت بيني وبين رزق الله أطعمه أنى ذهبت وأين حللت من حيث لا يساومني فيه مساوم, ولا يحاسبني عليه محاسب! أمن أجل تلك الخشارة١ القذرة والجرعة الكدرة تسلبني حياتي, وتفجع بي أفراخي ولا ذنب لي ولا لهن عندك إلا أنا كنا زينة بيتك, ولعبة أطفالك, وحماة آلك من بنات الأرض٢ وهوامها, ورسل الفجر المنير إليك. لا تظلم السبع بعد اليوم ولا تنقم منه وحشيته وافتراسه؛ فكلاكما وحش وكلاكما مفترس لا فرق بينك وبينه إلا أنه لا يحسن الذبح والطبخ كما تحسن, فهو يبقر البطون بأظافره وأنت تفري الأوداج بمُداك، لا بل إن جريمتك أكبر من جريمته وعذرك أضعف من عذره؛ لأنه يفترس ليشبع بطنه

стр. 655

وأنت تفترس لترفّه نفسك, ولأنه يعجز عن الاحتيال لقوته وأنت على ذلك من القادرين١. استضعفتني فبرزت إليَّ, فهلا برزت لشبل الأسد أو ديسم الدب أو فرعل الضبع أو حرش الحية أو هيثم النسر أو ناهض العقاب٢؟ ما أخبثك أيها الإنسان عاجزا وما أظلمك قادرا, وما أشقاك بنفسك وأشقى العالمين بشقائك. ذلك ما كان يسمعه الذابح من ذبيحته لو أن الله وهبه أذنا كالآذان وبصيرة كالبصائر, ولكن الناس لا يعلمون. هيه يا صاحب الدجاجات, حدثني عنك ألم يكن لك في جميع ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها منادح لإكرامى والقيام بحقي, وأنت تعلم أنني رجل سلخت في دنياكم هذه من حياتي الأولى نيفا وأربعين سنة لم أذق فيها لحم

стр. 656

الحيوان ولا ثماره ولا نتاجه, فحميت نفسي حتى عسل النحل وبيض الدجاج وألبان ذوات الأثداء وأقنعتها بالبلسن طعاما والبلس حلوى١؛ لأني كنت أعلم أن النبات طعامي الذي لا يلائمني غيره ولا يشبهني سواه, وأن لحم الحيوان إنما خلق للشفاه الغليظة والأنياب العريضة والأظفار الحادة والجلود المزأبرة٢ والأعضاء المتوثبة والهامات الضخمة، وكنت أرى أن أكلة اللحوم إنما يخادعون أنفسهم فيها ويجترُّونها إلى طبائعهم اجترارا؛ لأنهم لا يأكلونها إلا إذا عالجوها بالطبخ والصف٣ والتقديد والشي والقلي ومزجوها بالخضر والتوابل والأبازير والأقزاح٤ مزجا يكاد يخرج بها عن جوهرها إلى جوهر النبات حتى إذا نزل بهم عارض مرض نزعوا عنها وبرئوا إلى الله منها, وفزعوا إلى النبات في طعامهم وشرابهم وعقاقيرهم كأنما يطلبون شفاءهم في الرجوع إلى غذائهم الطبيعي الذي خلقوا له.

стр. 657

وأعجب ما كنت أعجب له من أمرهم أنهم كانوا ينكرون علي رأيي في ترك ذلك الطعام ويمعنون في مساءلتي عنه وحجاجي فيه وحملي عليه, ويلحون في ذلك إلحاحا شديدا حتى ظننت أنهم قاتليّ من دونه١ كأنما يزعمون في ضوضائهم هذه أنهم إنما يأكلون لحم الحيوان باسم الشريعة الدينية لا باسم القرم والجعم٢, أو أن الله تعالى أنزل عليهم قرآنا ألا يقيم لهم يوم القيامة وزنا ولا يقبل منهم صرفا ولا عدلا إلا إذا قدموا عليه ببطون بجر٣ مكتظة بلحوم الحيوان تتقدم بين أيديهم في منصرفهم من الحساب لتفتح لهم أبواب الجنان، وكأنهم فرغوا من أداء ما افترض الله عليهم أن يؤدوه وترك ما أمرهم أن يتركوه, فلم يبق

стр. 658

بين أيديهم من أبواب العبادة إلا باب التورع عن أكل اللحم مخافة أن ينقلب المباح بإعراضهم عنه حراما كما ترك النبي ﷺ صلاة التراويح بعد أدائها مخافة أن تنقلب سنتها باستمراره عليها فريضة١. وأحسب أن لو كنت فيهم من أكلة السحت أو الميتة والدم ولحم الخنزير أو أموال الناس بالباطل لأوسعوا لي في صدورهم من العذر ما لم يوسعوا في ترك مباح ما تركته نقمة على الشريعة أو تبرما بها أو تمردا عليها, ولكنني كنت امرأ جزوعا يزعجني منظر الشرائح الحيوانية على مائدتي؛ لأنه يذكرني بمنظر الذبيحة وارتياعها وولهها بين حبل الذابح وسكينه وكنت فقيرا بائسا لا أملك في كل عام من الرزق إلا نيفا وعشرين دينارا, لا يتسع مثلها لمثل ما يتسع له عيش الناعمين المترفين٢ وما كنت

стр. 659

أجد السبيل إلى غيرها إلا من طريق الكدية والتكفف, أي: بقبول صلات الأمراء وصدقات المحسنين، وقد علم الله من شأني أنني رجل لو علمت أني إن أذلت ما صان الله من ماء وجهي على عتبة أمير أو قدم وزير أمطرت السماء علي ذهبا, واستحالت الحصباء تحت قدمي درا ما فعلت ضنا بنفسي على هذا الموقف المستوبل, وإيثارا للرضاء بقضاء الله وقدره في قسمة أرزاقه بين عباده١.

стр. 660

فلم أر خيرا من ترك طعام لو اشتهيته لما قدرت عليه, ولو قدرت عليه لما اشتهيته من حيث لا يكون للتحريم والتحليل, ولا للإيمان والزندقة في ذلك مدخل. وما زال المتورعون من السلف الصالح يتركون ما هو لهم حلال مطلق من لذائذ هذه الحياة وشهواتها ويجزعون من ملامسته والدنو منه جزعهم من اجتراح السيئات وانتهاك الحرمات، فقد كان النبي ﷺ يجيع نفسه من غير عوز, وكانت عائشة ﵂ تقول: إن رسول الله لم يمتلئ قط شبعا, وربما بكيت رحمة له مما أرى به من الجوع, فأمسح بطنه بيدي وأقول: نفسي لك الفداء, لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك، فيقول: "يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا, فمضوا على حالهم فقدموا على

стр. 661

ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم" وكان يقول: "شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة"١ وعلا عمر ﵁ ولده عبد الله بن عمر بالدرة٢ إذ دخل عليه فرآه يجمع في طعامه بين الثريد والشواء, وكان بعض الصالحين يعد الجمع بين الخبز والملح شهوة فيتجنبها، وكان بعضهم يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم يأكله قائلا كسرة وملح حتى يتهيأ في الآخرة الشواء، ومنهم من لم يأتدم في حياته لا بالجوذاب٣ والكباب ولا بالخل والزيت. فهل كان واحد من هؤلاء بطرا بنعمة الله أو محرما ما حلل الله؟ لا فما كل من أبغض حلالا حرمه ولا كل من أحب حراما حلله فقد اعتقد صاحب أبي حنيفة بحل النبيذ, فلما أريد عليه قال: لو قطعت إربا إربا ما حرمته، ولو قطعت إربا إربا ما شربته، وعلم النبي ﷺ بحل الطلاق ثم قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" بل لو تبينت لعلمت أن قاعدة التحريم والتحليل في الشرائع الدينية مصادرة النفوس في ميولها

стр. 662

وشهواتها والنفوس لا تنفر إلا مما حل لها, ولا تشتهي إلا ما حرم عليها. فويل لي من هؤلاء الناس شركتهم في دنياهم فقالوا: شره طماع, وصدفت لهم عنها فقالوا: زنديق ملحد, فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون١. وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى بلغ منه الجهد أو كاد فتفصد جبينه عرقا واستسر حديثه حتى ما يكاد يبين, فرثيت له مما به وأمرت برفع المائدة من بين يديه, وقدمت له مقترحه من الطعام فلبثنا نأكل صامتين حتى فرغنا فأردت أن أرفّه عليه ما ألم به من الهم فقلت له: يا مولاي إن للحيوان اليوم شأنا غير ذلك الشأن الذي تعرفه له من قبل, فقد ذهب كثير من الناس مذهب الرفق به والإحسان إليه واجتمع في كل مدينة من مدن العالم قوم من الراحمين المحسنين يأخذون أنفسهم بمناظرة المدارج والسبل والأسواق العامة, فإذا وجدوا من يحمل على دابته فوق ما تحتمل أو يسوطها سوطا عنيفا٢ رفعوا إلى

стр. 663

الحاكم أمره أو رأوا حيوانا هزيلا أو مهيضا١ حملوه إلى مكان خاص بمعالجة أمراض الحيوان, فعالجوه إن وجدوا إلى الرجاء فيه سبيلا وإلا قتلوه رحمة به, وإشفاقا عليه. قال: لقد أحسنوا في الأولى وأساءوا في الأخرى ومن لهم بعلم ما استتر وراء حجب الغيب من كوامن الأقدار في تحديد الآجال، وها نحن نرى في كل يوم مريضا يئل بعد إشرافه وبكاء الباكيات حوله وصحيحا يخترم في اجتماع قوته واستكمال فتوته وغليان ماء الشباب في وجهه كما تخترم الثمرة الغضة من غصنها الناضر, فهلا وكلوه إلى منيته تأتيه هادئة مطمئنة حيث يسوقها القدر إليه٢. ما أحسب هؤلاء الراحمين الذين تحدثني عنهم إلا مرائين مصانعين, ولا هذه الرحمة التي ينتحلونها لأنفسهم إلا حبالة من الحبائل نصبوها لاصطياد العقول واختتال النفوس, ولا أنهم أرادوا بما فعلوا إلا أن يقول الناس عنهم: إنهم رحموا الحيوان فأحرى أن يرحموا الإنسان، فمثلهم كمثل المرائين في الدين الذين يتورعون عن

стр. 664

التمرة حلالا تذرعا إلى البدرة حراما. يا بني آدم دعوا النوق في مراحها والشاء في زروبها والوحش في كناسه والضب في جحره والذئب في وجاره والقطا في أفاحيصه, ولا تزعجوا العصافير في أعشاشها ولا الحمام عن محاضنها ولا اليعاسيب عن خلاياها ولا الأسماك عن مسارحها١, وجنبوها فخاخكم وشباككم وقتركم وزباكم٢ ومداكم وشفاركم, فإن لها نفوسا كنفوسكم ووجدانا كوجدانكم ورجاء في الحياة كرجائكم, واعلموا أن الله تعالى ما أغرى بعضكم ببعض ولا سلط قويكم على ضعيفكم ولا أجرى هذه الينابيع من الدماء بين أحيائكم إلا بعد أن ضريتم٣ بهذه اللحوم ضراء السباع بفرائسها, وقطعتم إلى المتعة بها ما شئتم من الحلاقيم والغلاصم والأوداج والأباهر٤ فارحموها ترحموا أنفسكم واعصموا دماءها يعصم الله دماءكم، إنكم

стр. 665

إلى الرحمة محتاجون، وإلى الله راغبون١.

стр. 666

ثم سكت بعد ذلك سكوت المجهد المتعب, وكان الظلام قد أظلنا بجناحيه فشعرت أن سنة من النوم قد رنقت١ في عينيه, فانسللت من بين يديه وتركته في مضجعه على أن ألقاه غدا. "اليوم الثالث": أصبحت في اليوم الثالث فإذا الشيخ قد فارق خلوته إلى حديقة المنزل فافترش ترابها، وتوسد أعشابها، وأنشأ يردد النظر بين أزهارها وأنوارها، ويبسم للعصافير تتنقل بين أنجمها٢ وأشجارها، ويصغي إلى سرار الحديث بين حصبائها ومائها؛ فعرفت المدخل إلى قلبه والوسيلة إلى سروره وغبطته, فاقترحت عليه البروز إلى ضاحية البلد ليرفه عن نفسه ما ألم بها من الحزن والألم, فخرجنا يتوكأ على يدي مرة وعلى عصاه أخرى حتى وصلنا إلى وادٍ أفيح يهتزّ بصنوف الأشجار وأفانين الأزهار، ويتراءى في ألوان من النبات، مشتبهات وغير مشتبهات، من هائج

стр. 667

وعميم، وبارض وجميم١, وكروم وأعناب، وسنابل وأعشاب، وتفيض أرجاؤه بالجداول والغدران، والقنى والخلجان، مطردات ومنعطفات، ومجتمعات ومفترقات، يفضي أولاها إلى أخراها، ويتصل أقصاها بأدناها، ويعطف كبيرها على صغيرها، وقويها على ضعيفها، فكأنها صلال رقشاء قد فرت من حر الظهيرة إلى هذا الروض الأريض تبترد بين روابيه وأكماته، ومصاعده ومنحدراته، فهي تنقبض وتنبسط، وتنساب وتتمعج٢، وتقبل وتدبر، وتقوم وتقعد، وتتواثب وتتراجع، وتتواصل ثم تتقاطع، وكأن حفيف أوراقه وخرير مائه وتغريد أطياره وضجيج نواعيره وعجيج سائمته أنغام مختلفات يتألف من مجموعها لحن بديع يسمعه السامع, فيخيل إليه أنه هابط من أبواب السماء، أو أن سكان الألمب٣ فوق عروشهم يغنون، وسكان الأرض بين أيديهم يستمعون.

стр. 668

هنالك وقف الشيخ أمام هذا المشهد المؤثر وقفة الحائر المشدوه، وقد ملكت عليه مشاعره وحيل بينه وبين نفسه, فجمد في مكانه كأنه نصب من الأنصاب, ووقفت وراءه أعجب لجموده وسكونه حتى فنيت كما فني في مشهده الذي بين يديه, فلم أرجع إلى نفسي حتى سمعته يقول: للمليك المذكرات عبيد ... وكذاك المؤنثات إماء فالهلال المنيف والبدر والفر ... قد والصبح والثرى والماء والثريا والشمس والنار والنثـ ... ـرة والأرض والضحى والسماء هذه كلها لربك ما عا ... بك في قول ذلك الحكماء ثم التفت إلي وقال: كل الناس يطلبون الحقيقة وكلهم عاجزون عنها؛ لأنهم يطلبونها من صحائف التاريخ والمؤرخون يصانعون ويدهنون، أو من أفواه الفقهاء والفقهاء تجار يرتزقون، لا هداة يرشدون، أو من خطرات عقولهم وقد أفسدها عليهم القائلون والكاتبون١, والحقيقة موجودة ولكنهم لا يعرفونها؛ لأنهم

стр. 669

لا يعرفون الطريق إليها، قلت: وأين تجدها؟ قال: في هذه الأودية الفيحاء، تحت تلك القبة الزرقاء، بين ذلك الظل والماء. هنا يرى الإنسان ربه في الغريسة, يلقي بها غارسها في التربة فإذا هي نبتة زاهرة مستوية على سوقها تعجب الزراع، ويراه في الحبة الدقيقة في الصرة المستديرة في النواة الصغيرة التي لا تلبث أن تأخذ مكانها من مغرسها حتى تصير نخلة سحوقا, تملأ الأرض خيرا بجذوعها وسعفها وجريدها وقنواتها وعثاكيلها وطلعها وبلحها وبسرها، ويراه في الكواكب الماثلة في السماء، والأسماك

стр. 670

السابحة في الماء، والأجواء المملوءة بالهواء، والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، فيمتلئ قلبه يقينا صافيا رائقا لا تعبث به المناظرات، ولا تشوه جماله المجادلات، ولا يحتاج بعده إلى متكلم يعلمه النظر، ولا فقيه يلقنه الجدل، فلا دليل على الله غيره، ولا هادي إليه سواه١.
следующие страницы →