يساومه في ذمته إني أحبك ولكني أحب الحق أكثر منك فكثر أعداؤه وقل أصدقاؤه.
أما الثاني فأقل سيئاته أنه لا يفي بوعده يعده ولكنه يحسن الاعتذار عن إخلاف الوعود، فلا يسميه أحد مخلافًا، وما رآه الناس في يوم من يوم من أيامه عاطفًا على بائس أو منكوب ولكنه يبكى لمصاب البائسين والمنكوبين ويستبكى الناس لهم، فعُدَّ من الأجواد السمحاء، وكثيرًا ما أكل أموال اليتامى وأساء الوصاية عليهم ولكنه لا يزال يسمح رءوسهم ويحتضنهم إلى صدره في المجامع والمشاهد كأرحم الرحماء وأشفق المُشفقين، فسُمي الوصي الرحيم، ولا يفتأ ليله ونهاره ينال من أعراض الناس ويستنزل من أقدارهم إلا أنه يخلط جده بالهزل ومرارته بالحلاوة فلم يعرف الناس عنه شيئًا سوى أنه الماجن الظريف.
ذلك هو الأدب الذي أصبح في هذا العصور رأيًّا عامًّا يشترك فيه خاصة الناس وعامّتهم وعقلاؤهم وجهلاؤهم ويعلمه الوالدُ ولدَه والأستاذ تلميذه ويقتتل الناس اقتتالًا شديدًا على انتحاله والتجمل به كما يقتتلون على أعز الأشياء وأنفسها حتى تبدلت الصور وانعكست الحقائق وأصبح الرجل الصادق المُخلص أحرج الناس بصدقه وإخلاصه صدرًا وأضلهم بهما سبيلًا، لا يدرى أيكذب
стр. 737
فيسخط ربه ويرضي الكاذبين، أم يصدق فيرضي نفسه ويسخط الناس أجمعين، ولا يعلم أيهجر هذا العالم إلى عزلة منقطعة يقضي فيها بقية أيام حياته غريبًا شريدًا، أم يبرز للعيون فيموت هَمًّا وكمدًا.
يجب أن يكون أدب النفس أساس أدب الجوارح، وأن يكون أدب الجوارح تابعًا له وأثرًا من آثاره، فإن أبى الناس إلا أن يجعلوا أدب الحركات والسكنات أساس أعمالهم وعلائقهم وميزان قيمهم وأقدارهم فليعلموا أن العالم كله قد استحال إلى مسرح تمثيل وأنهم لا يؤدون فيه غير وظيفة الممثلين الكاذبين.
стр. 738
إيفون الصغيرة ١:
"مترجمة"
ماتت وكأنها لم تمت، ليس على وجهها أثر واحد من آثار الآلام التي قاستها في مرضها، يحسبها الرائي نائمة نومًا هادئًا لذيذًا ويخيل إليه أنه يسمع صوت أنفاسها المترددة، ويرى هبوط صدرها وارتفاعه.
أين صفرة الموت ونحوله، أين آلام النزع وشدائده، أين الغضون التي خلفتها الأوجاع فوق جبينها، والخطوط الزرقاء التي رسمتها حول جفنيها.
стр. 739
لقد مات كل ذلك بموتها فعاد لها رونقها وبهاؤها، وأصبحت كأنما قد خلقت الساعة ولما تنبعث الروح في جسدها.
بهذا الوجه الجميل المشرق كانت جالسة منذ أيام قلائل أمام المدفأة باسمةً مطمئنة تلاعب هرتها، وبهذا الفم الأرجواني القاني كانت تغني أمام قفص عصفورها أنشودة السعادة والحياة وبهاتين اليدين البيضاوين اللينتين كانت تقطف أزهار الربيع وتقدمها هدية إلى أبيها الشيخ.
أما اليوم فقد انقضى ذلك كله؛ لأن حياتها قد انقضت.
آخر كلمة نطقت بها قبل موتها: "سأموت الساعة فأتوني بعصفوري أودعه" فأتوها بقفص عصفورها وعلقوه بقائم سريرها فظلت تنظر إليه باسمة متطلقة، وظل العصفور يلعب ويغرد تغريدًا شجيًّا، وهو لا يعلم أنه ينشد فوق رأسها أنشودة الموت.
وهنا وقف الشيخ الذي تبناها بجانب فراشها واجمًا حزينًا مشرّد اللب ذاهل العقل ومد يده إلى يدها الضعيفة الواهية التي كانت بالأمس عكاز شيخوخته وسند حياته, فأخذها ووضعها على صدره كأنما يريد أن يمد حياتها بتلك البقية الباقية في قلبه من الحياة لتعيش من بعده ولو ساعة واحدة, حتى لا يراها تموت بين يديه، وظل على حالته تلك هنيهة ثم التفت فجأة إلى
стр. 740
أصدقائه وقال لهم: ها هي الحرارة قد بدأت تدب في جسمها شيئًا فشيئًا، فنظروا إليه آسفين محزونين، ثم نكسوا أبصارهم وأسلبوا مدامعهم، فظل يريد بينهم عيونًا حائرة وينتقل بنظراته ههنا وههنا كأنما يسألهم المعونة على أمره، ومن ذا يعين على القدر أو يعترض سهم المنية القاتل دون رميته:
وما هي إلا لحظة قصيرة حتى شعر أن يدها تجذب يده فانتفض وحنا عليها فطوقته بذراعيها الضعيفتين وضمته ضمة كانت فيها نفسها.
إنا لله وإنا إليه راجعون: ماتت إيفون الصغيرة، ماتت الطفلة الوديعة الجميلة، ماتت الفتاة الرزينة الصابرة، في سبيل الله نجم تلألأ في سماء الحياة لحظة ثم هوى، وغصن أزهر في روض المنى ساعة ثم ذوى، وقدح من البلور لم تكد تلمسه الشفاه حتى انكسر، وعقد من اللؤلؤ لم ينتظم في سمطه حتى انتثر.
هذه الغرف التي طالما أنارتها بابتساماتها حتى في الساعة التي تختفي فيها جميع الابتسامات، والحديقة التي كانت تقضي فيها كل يوم بضع ساعات من ليلها أو نهارها تلاعب أطيارها وتقطف أزهارها وتتعهد أشجارها، والمماشي التي كانت تخطر على حصبائها فيصيرها شعاع خديها ياقوتًا ومرجانًا، قد خلت جميعها منها،
стр. 741
وهيهات أن يسعدها الحظ برؤيتها بعد اليوم.
كانت إيفون جميلة الخلق طيبة النفس نقية الضمير تحب الأحياء جميعهم ناطقهم وصامتهم، فلا تبذل من ودها لهرتها المريضة أقل مما تبذل منه لأبيها الشيخ العجوز، ولا تتودد إلى الشيوخ الفانين أصدقاء أبيها وجلسائه أكثر مما تتودد إلى وافد غريب يهبط قريتها للمرة الأولى في حياته، وما علموها قط اختلفت مع فتى أو فتاة من تلاميذ مدرستها؛ لأنها كانت تستهوي الطيب منهم بلطفها وأدبها، والخبيث بعفوها وصفحها، وهي وإن لم تكن تعلم أنها لقيطة ولكن من كان ينظر في عينيها ويرى ذبولهما وانكسارهما ولمعانهما الذي يشبه لمعان الدمع الرقراق يخيل إليه أنها قد أُلهمت ما كتمه الناس عنها وإنها كانت تعلم أنها لا تعيش في بيت أبيها بوصاية جدها كما كانوا يقولون لها بل في بيت محسن كريم لا يعرف من تاريخها ولا من أمر ميلادها شيئًا، وكانت لا تزال تتراءى بين شفتيها ابتسامة حلوة هي الرقية التي كانت تفتح بها أقفال القلوب ثم تنزل فيما تشاء منها المنزلة التي تريدها، ولم تكن ابتسامتها ابتسامة التصنع والتكلف التي يرثها أكثر الفتيات عن أمهاتهن، بل ابتسامة الحب والاخلاص والحنو والعطف.
لذلك عجل الموت إليها؛ لأن سكان السماء لا يستطيعون أن
стр. 742
يعيشوا على ظهر الأرض زمنًا طويلًا.
دقت أجراس الكنيسة تنعاها فلم تسمعها، ولو سمعتْها لاهتزت لها في سريرها شوقًا ولهفة كما كان شأنها في حيلتها، ثم جاءت ساعة الدفن فحملوها على أيديهم ومشوا بها حتى وصلوا إلى الكنيسة فوضعوا نعشها في ركن من أركانها ثم اجتمعوا حولها يودعونها الوداع الأخير، فبكاها الشيوخ الذين كانوا يحبونها ويأنسون بها والفتيان والفتيات من تلاميذ مدرستها، والنساء اللواتي كن يحببنها من أجل حبها أبناءهن، وبكاها أكثر من هؤلاء جميعًا ذلك الشيخ العجوز المسكين؛ لأنها كانت كل دنياه فخسرها في ساعة واحدة.
وظل كثير من الوقوف يرددن ذكراها فيقول أحدهم: طالما رأيتها في هذا الركن نفسه جالسة وحدها وبيدها الكتاب المقدس تتلو آياته، ويقول الآخر: لقد دخلت الكنيسة ليلة فرأيتها هائمة وحدها في الظلام الحالك تحت هذه الأقبية فعجبت لصلاحها وتقواها، وتقول امرأة: لقد عثرت ابنتي يومًا من الأيام في منصرفها من مدرستها ببعض الأحجار عثرة برحت بها فاحتملتها على ظهرها حتى جاءت بها إلى المنزل، وتقول أخرى لقد كنت أراها تمر كل يوم بجارتنا فلانة المسكينة فتعطيها رغيفًا
стр. 743
من طعامها ثم تستمر أدراجها إلى مدرستها.
وهكذا ظل كل منهم يذكر ما يعرف عنها حتى حانت ساعة الدفن فعلت الأصوات بالبكاء ثم غيبوها في قبرها وحثوا عليها التراب، وكان الليل قد أظل المكان بجناحيه وساد فيه سكون موحش رهيب فانصرفوا مطرقين واجمين يقولون: "وارحمتاه لها لقد خرجت من الدنيا غريبة كما وفدت إليها".
стр. 744
الملاعب الهزلية:
كنت آليت على نفسي مذ أعلنت هذه الحرب قبحها الله وقبح كل ما تأتي به ألا أكتب كلمة في صحيفة سيارة في أي شأن من الشئون العامة خيرها وشرها حتى ينقضى أجلها وأن أترك هذا القلم في مرقده هادئًا مطمئنًا مدرجًا في ذلك الكفن الأبيض الرقيق المنسوج من خيط العنكبوت حتى يأتي ذلك اليوم الذي يستطيع فيه أن ينبعث كما يريد لا كما يُراد منه، ولكن نازلًا عظيمًا نزل بهذا المجتمع المصري منذ عامين أو ثلاثة لم أحفل به في مبدئه ولم ألق له بالًا وعددته في النوازل الصغيرة المترددة التي لا تلبث غيومها أن تنعقد في سماء البلد حتى تهب عليها نسمة من نسمات الروح الإلهي فتنقشع، ولكن ها قد مضى العام والعامان والثلاثة وهو باقٍ في مكانه لا يتحول ولا يتحلحل بل تزداد قدمه على الأيام ثباتًا ورسوخًا، وأحسبه سيبقى في مستقبل أيامه أضعاف ما بقى في ماضيها إن لم نُثرْ عليه معشر الكتاب حربًا شعواء تهز جدرانه هزًّا وتدكها دكًّا وتلحق أعاليها بأسافلها.
стр. 745
لذلك كتبت هذه الكلمة غير مبالٍ بتلك الألِيَّة التي كنت آليتها فلعل أصدقائي من أفاضل الكتاب يساعدونني في هذا الشأن الذي إن عجزنا عنه اليوم فما نحن بقادرين عليه غدًا.
نزلت بالأمة المصرية نازلة تلك المقاذر العامة التي يسمونها الملاعب الهزلية وما هي في شيء من الهزل ولا الجد ولا علاقة لها بالتمثيل والتصوير ولا بأي فن من الفنون الأدبية فأقبل عليها الناس إقبالًا عظيمًا، وأغرموا بها غرامًا شديدًا، فليقبلوا عليها ما شاءوا، وليفتتنوا بها ما أرادوا، ولكن فريقًا واحدًا من الأمة هو الذي نضن به على تلك المواطن الساقطة أن تطأها قدمه، أو يظلل رأسه سماؤها؛ لأنا نضن به على كل منقصة في العالم تزري به أو تنال من كرامته.
ذلك الفريق المضنون به وبكرامته هو أنتم معشر الطلبة المصريين أخوتنا وأبناءنا، وعنوان مجدنا وشرفنا وصورة وجودنا وحياتنا، ومناط آمالنا وأمانينا، فائذوا لكاتب من كتابكم وصديق من أصدقائكم أن يحادثكم قليلا في هذا الشأن كما يحادث الأب ولده أو الأخ لا قاسيًا ولا متجبرًا بل عاتبًا متلطفًا، وأمله عظيم أن ينتهي الحديث بينه وبينكم على ما يحب لكم وما يعتقد أنكم تحبون لأنفسكم.
стр. 746
الحق أقول, إن الحياء يكاد يعقد لساني بين أيديكم, فلا أدري كيف أحدثكم، ولا ماذا أقول لكم؟
أأعظكم في أمر أنتم تعلمون من نتائجه وآثاره وسوء عقباه مثل ما أعلم، أو أدعوكم إلى اجتناب سيئة لا أحسب أن بين كباركم وصغاركم من يجهل أنها السيئة العظمى التي لم ترزأ الأمة بمثلها في حاضر تاريخها أو ماضيه، أو أقول لكم: إن هذه الأماكن التي تطؤها أقدامكم إنما هي مقابر المجد والشرف, ومدافن الفضائل والأخلاق، ومصارع الأعراض والحرمات، وهل غاب علم ذلك عن أحد منكم فأعلمكم منه ما لا تعلمون؟
لا يجهل أحد منكم شيئا مما أقول، ولكنه الشباب ما زال يغري الضعيف الذي لا يقوى على احتمال سلطانه وسيطرته بالإقدام على تلك المخاطر المهلكة فيمضي إليها قدما لا يجهل مكان الخطر منها, ولكنه يعجز عن مغالبة نفسه ومثاورتها حتى يتردى فيها وربما كان هذا هو كل الفرق بيني وبينكم.
إنني لا أرى في هذه المجامع التي تفتتنون بها, وتتهافتون عليها حسنة تغتفر سيئة أو جمالا يفي بقبح أو خيرا يعزي عن شر، فتمثيلها سخيف بارد لا يستطيع من أوتي حظا قليلا من الذوق الأدبي أن يصبر نفسه ساعة واحدة على النظر إليه، وملحها
стр. 747
ثقيلة مستبشعة لو نطق بها ناطق في مجتمع من المجتمعات الخاصة ثم قلب نظره في وجوه الجالسين من حوله لرأى في ابتسامات السخرية المترقرقة في شفاههم ما يذيبه حياء وخجلا، وأناشيدها سوقية مبتذلة في موضوعها وصورة أدائها لا يطرب لمثلها إلا أصحاب الأذواق العامية الخشنة الذين يطربون لنشيد الأذكار وطبول الزار وتعداد النائحات في المآتم والمناحات، فماذا بقي فيها من وجوه الحسن بعد ذلك؟
بقي فيها الهزء والسخرية بالطبقات الشريفة العاملة في الأمة كالفلاحين آبائنا وأولياء نعمتنا والشيوخ حفظة ديننا وأئمة لغتنا والمحامين والأطباء والمعلمين أفاضل الأمة وعيونها وغيرهم من طبقات الأمة كالصناع والعمال والأكارين والباعة والمسترزقين.
بل بقي ما هو شر من هذا جميعه، وهو تمثيل الشهوات البدنية والنفسية بجميع ألوانها وضروبها على مشهد من رجالنا ونسائنا وأطفالنا, وتصويرها بتلك الصورة القبيحة التي ترخى على مثلها الستور وتقام من حولها الدعائم والجدران.
فلو أن غريبا وفد إلى هذا البلد وهو لا يعلم من شأنه شيئا, فذهب إلى مكان من تلك الأمكنة ليرى في مرآته صورة الأمة ممثلة في مسارحها الوطنية لقضى عليها للنظرة الأولى بأنها أحط الأمم وأدناها.
стр. 748
ذلك إلى ما يسمعه السامع فيها من ألفاظ السب والشتم وجمل الفحش والهجر التي لا يطرق أذنه مثلها في أي موقف من مواقف حياته أو مشهد من مشاهدها إلا إذا قدر له أن يتغلغل بنفسه يوما من الأيام في تلك الأحياء العامية الساقطة حتى يصل إلى "عرب اليسار" أو "عشش الترجمان" فيسمعها هناك في مشاجرات القرادين, ومهاترات الشحاذين.
ولقد قال لي أحد الأصدقاء الظرفاء مرة: إن شتائم "أم شولح" قد انتقلت إلى بيتي ولا أعرف كيف انتقلت إليه، فإني أسمع الكثير منها يتردد في أفواه الأطفال هازلين، وفي أفواه الخدم جادين.
أتدرون أيها الأصدقاء من هم أولئك القوم الذين يسمون أنفسهم ممثلين، ويسمون ما يهذون به على مسارحهم روايات، والذين يدعونكم معشر المتعلمين الراقين إلى حضور مجامعهم باسم الآداب والفنون؟
لو أن جماعة من الزامرين وآخرين من الطبالين وآخرين من القرادين وجماعات غيرهم من الرمالين والمداحين والصفاعين والبهلوانية والحواة والرقاة وبقية السائلين المستجدين الذين يمرون بأبواب منازلنا كل يوم ضاجين صارخين فلا نلقي لهم بالا, ولا نعيرهم أذنا اتفقوا فيما بينهم على أن يكونوا جماعة واحدة تعمل
стр. 749
يدا واحدة في مكان واحد لكانوا هم بعينهم جوق كشكش والبربري وشرفنطح لا فرق بينهم وبينهم سوى أن أولئك يقفون بأبوابنا ضارعين مبتهلين يقنعون باللقمة ويجتزئون بالشربة, وهؤلاء يأبون إلا أن نقف على أبوابهم ونتعلق بأستارها فلا يفتح لنا حجابهم إلا إذا دفعنا الإتاوة المضروبة علينا.
وألطف كلمة سمعتها في هذا الشأن قول بعض المفكرين: "كان الشر مفرقا في أنحاء البلد, فجمعه الريحاني في مكان واحد".
فهل تسمح لكم نفوسكم أيها الأصدقاء, وأنتم عيون الأمة اليقظة وعقولها المفكرة أن تنخدعوا بألاعيب هؤلاء الخبثاء المحتالين فترفعوهم بأيديكم إلى هذه المرتبة العالية التي لم يخلقوا لها, ولم يمتوا إليها بسبب من أسباب العلم أو الذكاء أو الشرف أو الخلق، وها هم نوابغ الممثلين في أمتكم أشقياء بؤساء لا يكاد يجد أكثرهم بين ظهرانيكم ما يقيمون به أود عيشهم, أو يعينهم على ما هم بسبيله من خدمة الفن والقيام عليه؟
من ذا الذي يذهب لمشاهدة التمثيل الجدي في مسارح أبيض ورشدي وعكاشة وأمثالهم إن كنتم أنتم لا تذهبون إليها؟ ومن هو أولى بها من بعدكم إن قطعتم صلتكم بها؟
أيعجبكم ألا يرى الزائر لتلك المسارح الشريفة حين
стр. 750
يزورها غير العامة والسوقة والأميين والجاهلين, فإذا فتش عنكم في مكان آخر غيرها رآكم مزدحمين في مراقص كشكش والبربري وشرفنطح, راضين عن مقامكم فيها, مغتبطين بسفاسفها وهذياناتها؟
ألا تخشون أن يستنتج مستنتج منهم بعد ذلك وقد راعه هذان المشهدان الغريبان -مشهدكم في الأجواق الهزلية الساقطة ومشهد العامة والسوقة في الأجواق الجدية الشريفة- أن الأمة المصرية أمة غريبة الشأن يفسدها العلم ويصلحها الجهل، أو أن يتطرف متطرف منهم في رأيه فيقول: ليت الأمة عاشت جاهلة عمياء موفورا لها حظها من الأخلاق والآداب, فذلك خير لها من علم يهوي بها في مهواة الشقاء والعار.
لقد رأيت في حياتي صنوف الحيل والكيد وضروب السماجة والوقاحة, فلم أر بين المحتالين والمتوقحين من هو أعظم كيدا, ولا أسمج وجها من هؤلاء القوم.
إنهم يحاولون دائما أن يلبسوا مفاسدهم وشرورهم ثوب الفضيلة والجد, وهو وإن كان ثوبا شفافا ينم عما وراءه إلا أنه يكفيهم للذود عن أنفسهم في مواقف الجدل والمناظرة كما يكفي البرقع الشفاف المرأة المتهتكة للدخول في سلك المتحجبات.
стр. 751
يمثلون الفلاح أقبح تمثيل ولا يتركون مفسدة من المفاسد, ولا رذيلة من الرذائل إلا ويلصقونها به، وينشدون مختلف الأناشيد في السخرية به والهزء بصفاته وأعماله, ثم لا يخجلون أن يقولوا بعد ذلك في بعض تلك الأناشيد: "ما دام بلادنا زراعية، حبوا الفلاح إن كنتوا تحبو وطنكم".
وينتقدون في رواياتهم فساد الرجال وخلاعة النساء, وينقمون على المصري تبديد أمواله في سبيل شهواته وليس للنساء في مسارحهم عمل سوى إغراء الشبان وإغوائهم وإفساد عقولهم وابتزاز أموالهم, خصوصا في الساعة التي تمثل فيها هذه الروايات.
ويهدمون اللغة العربية هدما بهذه اللغة العامية الساقطة التي يكتبون بها رواياتهم وينظمون بها أناشيدهم وينشرونها في كل مكان ويفسدون بها الملكات اللغوية في أذهان المتعلمين, ثم يزعمون بعد ذلك أنهم أنصار اللغة العربية وحماتها, فيقولون بتلك اللهجة العامية الساقطة: "ما لها لغتنا العربيه، آل همجيه، يا دي المصيبه يا دي العار، فشر دي لغة المدنيه، اتمسكوا بها صغار وكبار".
ولا يستحيون أن يجمعوا في نشيد واحد من رواية واحدة
стр. 752
بين قولهم: "دانا أبيع هدومي عشان بوسه، من خدك القشطه يا ملبن، يا حلوة زي البسبوسه، يا مهلبيه تمام واحسن" وبين قولهم: "مصر يحميك ربك، ما تشوفي إلا أيام سعدك" أي: إنهم يصفعون الأمة على وجهها هذه الصفعات المؤلمة, ثم يحاولون أن يترضوها بعد ذلك بترديد كلمات "الوطنية" و"حب وطنك" و"مت في سبيل الأوطان" وأمثالها من الكلمات العذبة الجميلة التي لا معنى لها في أفواههم, إلا أنهم يعتقدون أن المصريين قد بلغوا من الغفلة والبله مبلغا لا يبلغه أطفال المكاتب, ولا سكان المارستانات.
لا أرى لكم معشر الطلبة المصريين أمام هذه النازلة العظمى التي نزلت بنا إلا أن ينتدب فريق من عقلائكم نفسه لنصيحة إخوانه بالامتناع عن الذهاب إلى تلك الملاعب وشرح مضارها وسيئاتها لهم، فإن امتناع فريق منكم يؤثر على فريق آخر, وهكذا حتى يصبح في عرفكم جميعا أن الدخول إلى تلك الأماكن عار يخجل مرتكبه من الظهور به بين أصدقائه, ومعارفه.
نحن في حالة نحتاج فيها إلى أن يعلم الناس عنا في كل مكان أننا أمة أخلاق وآداب, وأن في نفوس أفرادنا من الصفات والمزايا ما يرفعنا إلى مصاف الأمم العظيمة، ومقياس عظمة الأمم في نظر العالم إنما هو بصفاتها ومزاياها قبل أن يكون بأي شيء غير
стр. 753
ذلك، فإن فات آباءنا أن يورثونا خلق العظمة والإباء في عهدهم, فلنتخلق به نحن لنورِّثه أبناءنا من بعدنا.
إنكم لا تذهبون في الحقيقة إلى هذه الأماكن وحدكم, بل يذهب إليها معكم إخوتكم وأخواتكم وبقية أفراد أسركم؛ لأنكم تقصون عليهم عند عودتكم منها ما شاهدتم وتروون لهم ما سمعتم، فكأن سكان البلد جميعا رجالا ونساء, كبارا وصغارا يجتمعون في هذه البؤر الفاسدة في ساعة واحدة، فهل يستطيع أن يتصور متصور خطرا على الأمة وعلى أخلاقها وآدابها أعظم من هذا الخطر؟!
إنني لا أدعوكم إلى الامتناع عن الإلمام بهذه المقاذر العامة من أجل أنفسكم فقط, بل من أجل إخوتكم وأخواتكم اليوم، ومن أجل أبنائكم وأحفادكم غدا، ومن أجل مستقبل الأمة المصرية كلها الذي أعتقد أنه أمانة في أيديكم, ووديعة موكولة إلى كرم نفوسكم, وشرف ضمائركم.
اهدموا هذه الأماكن هدما بالإعراض عنها واحتقارها وازدرائها, ثم قفوا بعد ذلك على أطلالها البالية هاتفين, صائحين صياح الظافر المنتصر, قائلين: ها قد نجت الأمة من خطر عظيم, وها نحن قد قمنا جميعا بالواجب علينا.
стр. 754
الشيخ علي يوسف:
هكذا تقوم القيامة، وهكذا ينفخ الصور، وهكذا تطوى السماء طي السجل للكتاب.
أفيما بين يوم وليلة يصبح هذا الرجل الذي كان ملء الأفئدة والصدور, وملء الأسماع والأبصار، وملء الأرجاء والأجواء، جثة نحيلة ضئيلة مدرجة في كفن, ملحدة في مهوى من باطن الأرض سحيق؟!
ما أعظم الفرق بين الحياة والموت! تغرب الشمس فلا تلبث أن تطلع من مشرقها، وتتراكم السحب من دونها فلا تلبث أن تنفرج عنها حينما تهب عليها الرياح الباردة، وتعرَى الأشجار عن أوراقها ثم تعود إلى جمالها مخضرة نضرة حينما تهب عليها نسمات الربيع، وينام الأحياء في مضاجعهم حتى إذا طلع عليهم الكوكب النهاري وعبثت أشعته بأهداب جفونهم, قاموا من مراقدهم وذهبوا في سبلهم التي خلقوا لها، ويموت الميت فلا ينتظره منتظر، ولا يؤمل أوبته آمل، فكأن ما صار إليه العدم الذي لم يسبقه وجود.
стр. 755
اللهم إنا نعلم أن الموت غاية كل حي، وأن مقاديرك التي تجريها بين عبادك ليست سهاما طائشة ولا نياقا عشواء، وأن زهرة الحياة لا يمكن أن تنبت إلا في التربة التي نبتت فيها أشواك الموت، ولكننا لا نستطيع أن نملك عيوننا من البكاء ولا قلوبنا من الجزع إذا فارقنا عزيز علينا؛ لأن ساحة الصبر التي منحتنا أضيق من أن تسع نازلة البلاء الذي ابتليتنا، فاغفر اللهم لنا حنيننا وبكاءنا على الهلكى والذاهبين.
اللهم إنك تعلم أنا نسير من حياتنا هذه في صحراء محرقة ملتهبة لا نجد فيها ظلا نستظل به ولا أكمة نأوي إليها, وأن الصديق الذي نعثر به في حياتنا هو بمنزلة الدوحة الخضراء التي ننتهي إليها في تلك الصحراء بعد الأين والكلال وطول السير والسرى, فنترامى في ظلالها الوارفة ناعمين هادئين، فإذا هبت ريح عاصفة على تلك الدوحة فاقتلعتها من جذورها وطارت بها في جو السماء, وأصبحنا من بعدها ضاحين بارزين, فإنا لا نجد بدا من البكاء والجزع؛ لأن من الشقاء ما لا يستطاع احتماله ولا يطاق تجرع كأسه.
لقد كان هذا الرجل العزاء الباقي لنا عن كل ذاهب، والنجم المتلألئ الذي كنا نتنوره من حين إلى حين في هذه السماء
стр. 756
المظلمة المدلهمة المقفرة من الكواكب والنجوم، والدوحة الخضراء التي كنا نلوذ بظلالها من لفحات هذه الحياة وزفراتها، فنحن إن بكيناه فإنما نبكي الأمل الذاهب والسعادة الراحلة والحياة الطيبة، ومن هو أولى بالتفجع والبكاء من سعادتنا وآمالنا!
ما كنا نرجو لهذه الأمة غير هذين الرجلين؛ ميت الأمس الشيخ محمد عبده، وميت اليوم الشيخ علي يوسف، فقد كانا لها طودين شامخين رابضين على أكنافها، يمسكها الأول أن تزل بها مزالق المدنية الخالبة فيذهب دينها، ويمسكها الثاني أن تطير بها أحلام السياسة الكاذبة فتذهب جامعتها، واليوم لا نرجو لها من بعدهما أحدا، فويل للأمة في دينها، وويل لها في جامعتها.
العلماء والخطباء والكتاب في هذه الأمة كثير، ولكن الرجال قليل.
إنما ينفع الأمة ويضطلع بخطوبها ويحمل أعباءها على عاتقه الرجل الذي يشعر من نفسه بأنه ينزل منها منزلة رئيس الأسرة من أسرته التي يعلم أنه مأخوذ بالقيام عليها والسعي لها, فيقوم لها بكل ما تريد ويسعى لها سعي الكادح المجد, ويرحم صغيرها ويحنو على كبيرها, ويحتمل مغارمها ويغتفر عبث أطفالها وجهل شيوخها, ويرى لها في كل شأن من شئونها خيرا مما ترى لنفسها، أرضاها
стр. 757
ذلك أم أغضبها، من حيث لا يمن عليها بذلك ولا يطلب عندها جزاء ولا أجرا، بل من حيث لا تعلم ما يلاقي بينه وبين نفسه من آلام الحياة, وما يعالج من شدائدها في سبيلها.
وكذلك كان شأن الشيخ علي يوسف في أمته، فقد مات بموته آخر من بقي لها من الرجال.
لقد كان الذين يعرفونه أقل من الذين يجهلونه؛ لأن الذين ينظرون ببصائرهم أقل من الذين ينظرون بأبصارهم، ولأن الحقيقة الكامنة في سويداء قلبه كانت أعمق مكانا وأدق مسلكا من أن تتناولها النظرة الأولى، ولأنه كان مخلصا متحنثا يعمل في سره أكثر مما يعمل في علانيته، ثم لا يدل بنفسه في كلتا الحالتين على نفسه.
رأيته في حادثة الأزهر في تلك الأيام التي كان يظن فيها كثير من الناس أنه حرب على الأزهر والأزهريين, يقضي كثيرا من لياليه مترددا على أبواب القائمين بالأمر, ضارعا إليهم أن ينيلوا هؤلاء القوم مطالبهم أو بعض ما يريدون, قائلا عنهم ما كان يقوله النبي ﷺ عن فئة حنين: $"اللهم إن تهلك هذه الفئة, فلن تعبد بعد اليوم على ظهر الأرض أبدا" فلا يقف في سبيله إلا حماقة أولئك الذين كان يظن هؤلاء المساكين أنهم أصدقاؤهم, وهم أعدى أعدائهم.
стр. 758
ورأيته يضم إلى كنفه كثيرا من أصدقائه الذين نبا بهم الدهر بعد سقوط دولة عبد الحميد, وتنكر لهم الناس جميعا خصوصا أولئك الذين كانوا يزدلفون إليهم أيام إقبالهم, ويمسحون وجوههم على أعتاب قصورهم، وكان يلاقي في سبيل ذلك من عتب العاتبين عليه ولوم اللائمين له ما لا يستطاع احتماله، فلم يبال بشيء من ذلك.
ورأيت كثيرا من أعدائه الذين كانوا في بعض أيام حياتهم حربا عليه وشقاء له يعودون إلى حظيرته واحدا بعد واحد يستغفرونه فيجلس إليهم, ويتحدث معهم حديث المودة والإخاء كأنما كانوا معه على ميعاد.
وما رأيته في يوم من أيام حياته حاقدا ولا واجدا، ولا منتقما ولا طالبا بثأر ولا ذائدا عن نفسه إلا في الساعة التي يعلم فيها أن قد جد الجد, وأن قد أصبح عرضه وشرفه على خطر، ولم أر سائلا دخل إليه يشكو حاجة من الحاج صادقا كان فيها أم كاذبا, ويسأله المعونة عليها من ماله أو جاهه إلا أعانه عليها ما وجد إلى ذلك سبيلا، رحمة وإشفاقا، لا رياء ونفاقا، وكان يرى الرأي ويرى الناس جميعا غيره فلا يثنيه عنه ثانٍ حتى ينحدر ستر الغيب عن وجه المستقبل, فإذا هو مصيب وإذا الناس جميعا مخطئون.
ففي سبيل الله يا علي ما فقدنا بفقدك، وفي ذمة الله وجواره
стр. 759
تلك الروح الطيبة الطاهرة التي عاشت ما عاشت في هذه الدنيا سرا كامنا بين أحناء ضلوعك, لا يدركه ولا يكتنه باطنها إلا قليل من الناس، فما رآها الناس جميعا رأي العين إلا وهي طائرة في جو السماء إلى ربها، وكذلك شأن هذه الأمة البائسة المحدودة لا ترى رجالها ولا تعرف مكانهم ولا تشعر بعظمتهم إلا وهم ذاهبون إلى قبورهم حيث تنقطع الصلة بينها وبينهم، فمثلنا ومثلهم كمثل صاحب الدار الذي يجهل أن في أرضها كنزا مخبوءا حتى إذا باعها ممن يستخرج ذلك الكنز منها جلس إلى ظل حائطها, يبكي بكاء البائس المحزون.
لقد كنت يا علي مِثل الحقيقة ينتفع الناس بوجودها ولا يفهمونها، بل كنت أفضل من الحقيقة؛ لأن الحقيقة يخدمها أعداؤها وأصدقاؤها، أما أنت فكنت تخدم أصدقاءك وأعداءك، أما الأولون فلأنك كنت تحسن إليهم بجاهك أو بمالك أو برأيك، وأما الآخرون فقد كانوا يقتاتون من تلك القطرات من الدماء التي كانوا يستقطرونها من عرضك وشرفك، فويل للفريقين معا من بعدك، وكنت القطب الذي تدور حوله رحى الأقلام في هذا البلد، فقد كانت وظيفة الكتاب أن يشرحوا آراءك أو يفسروا كلماتك أو يكتنهوا مقاصدك أو يوافقوك أو يخالفوك أو يمدحوك
стр. 760
أو يذموك، فإن كتبوا في شأن من الشئون غير هذا فتروا واستبردوا، فوا ضيعة الأقلام وما أضيق مذاهب الكتاب بعد رحيلك، وكنت العصمة التي تعتصم بها الأمة في مواقف بؤسها وشقائها، ومواطن خطوبها وكروبها، وما أحسب إلا أن الدهر يدخر لها من ذلك في مستقبل أيامها أكثر مما ادخر لها في ماضيها، فما أكثر شقاءها وبلاءها بعد اليوم.
أيها الراحل الكريم, لقد كنت أرجو أن أجد بين جنبي بقية من الصبر أغالب بها هذا الحزن الذي أعالجه فيك حتى يبلى على مدى الأيام كما يبلى الكفن, لولا قدر أبعدني عن موطنك في آخر أيام حياتك فأحرمني جلسة أجلسها بجانب سريرك أسمع فيها آخر كلمة من كلماتك, وأرى آخر نظرة من نظراتك, وحال بيني وبين خطوة أخطوها تحت نعشك أجزيك فيها ببعض ما مشيت لي من الخطوات في حياتك، ووقفة أقفها عند قبرك ساعة دفنك أذرف فيها على تربتك أول دمعة يذرفها الباكون عليك، فلئن بكيت موتك يوما فسأبكي حرماني وداعك أياما طوالا حتى يجمع الله بيني وبينك.
стр. 761
العظمة:
إن رأيت شاعرا من الشعراء أو عالما من العلماء أو نبيلا في قومه أو داعيا في أمته قد انقسم الناس في النظر إليه وتقدير منزلته انقساما عظيما, وانفرجت مسافة الخلف بينهم في شأنه فافتتن بحبه قوم حتى رفعوه إلى رتبة الملك, ودان ببغضه آخرون حتى هبطوا به إلى منزلة الشيطان, فاعلم أنه رجل عظيم.
العظمة أمر وراء العلم والشعر والإمارة والوزارة والثروة والجاه، فالعلماء والشعراء والنبلاء كثيرون والعظماء منهم قليلون، وإنما هي قوة روحية موهوبة غير مكتسبة تملأ نفس صاحبها شعورا بأنه رجل غريب في نفسه ومزاج عقله ونزعات أفكاره وأساليب تفكيره, غير مطبوع على غرار الرجال ولا مقدود على مثالهم ولا داخل في كلية من كلياتهم العامة، فإذا نزلت نفسه من نفسه هذه المنزلة أصبح لا ينظر إلى شيء من الأشياء بعين غير عينه, ولا يسمع بأذن غير أذنه, ولا يمشي في طريق غير الطريق التي مهدها بيده لنفسه, ولا يجعل لعقل من العقول مهما عظم شأنه
стр. 762
وشأن صاحبه سلطانا عليه في رأي أو فكر أو مشايعة لمذهب أو مناصبة لطريقة, بل يرى لشدة ثقته بنفسه وعلمه بضعف ثقة الناس بنفوسهم أن حقا على الناس جميعا أن يستقيدوا له وينزلوا على حكمه ويترسموا مواقع أقدامه في مذاهبه ومراميه, فترى جميع أعماله وآثاره غريبة نادرة بين آثار الناس وأعمالهم، تبهر العيون وتدهش الأنظار وتملأ القلوب هيبة وروعة، فإن كان شاعرا كان مبتكرا في معانيه أو طريقته، أو كاتبا أخذ على النفوس مشاعرها وأهواءها، أو فقيها هدم من المذاهب قديما وبنى جديدا، أو ملكا شغل من صفحات التاريخ ما لم يشغله ملك سواه، أو وزيرا ساس أمته بسياسة جديدة لا عهد لهم بمثلها، أو قائدا ضرب الضربة البكر التي تردد الآفاق صداها.
تلك هي العظمة، وهذا هو الرجل، ومن كان هذا شأنه كان فتنة الناس في خلواتهم ومجتمعاتهم ومعترك أنظارهم وأفهامهم ومثار الخلف والشقاق فيما بينهم في استكناه أمره وتقدير منزلته؛ فيعجب به الذين فطروا على الإعجاب بكل غريب, والافتتان بكل جديد حتى ينتقل بهم الإعجاب به إلى الافتتان بأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته, والإغراق في حبه والمشايعة له والسير بعجائبه وغرائبه في كل صقع ونادٍ، فيقع ذلك من نفوس مناظريه وحاسديه والمتمردين
стр. 763
على عبقريته ونبوغه موقعا غير جميل, فلا يجدون لهم بدا من مقابلة الإغراق في حبه بالإغراق في بغضه على قاعدة المشادة والمعاندة، وهنالك تحتدم المعركة الهائلة بين أنصاره وخصومه فيهاجمه هؤلاء يحاولون استلاب عظمته منه, ويناضل عنه أولئك يريدون استبقاءها في يده وهو واقف بينهم يدير أنظاره فيهم, هانئا مغتبطا لا يحزن ولا يبتئس؛ لأنه يعلم أن جميع هذه الأصوات الصارخة المختلطة حوله إنما هي أبواق شهرته وعظمته.
لا أريد أن أقول: إن الرجل العظيم مصيب في كل ما يرى وما يفعل وما ينتهج لنفسه وللناس من سبل الحياة, فربما كان من هو أضعف منه قوة وأخمل ذكرا أسد منه رأيا وأصدق نظرا، وإنما أريد أن أقول: إن أحدا من الناس لا يستطيع أن يشغل أقلام الكتاب وعقول المفكرين وألسنة الناطقين وقلوب المحبين والمبغضين إلا الرجل العظيم.
أحب عليا قوم حتى كفروا بحبه وأبغضه آخرون حتى كفروا ببغضه، وسمى بعض الناس أبا بكر وعمر شيخي المسلمين وأنكر بعضهم صحبتهما وإخلاصهما، وعاش محيي الدين بن العربي بين فئة تراه قطب الأولياء وأخرى تراه شيخ الملحدين، واغتبط فريق من المسلمين بابن رشد فسموه فيلسوف الإسلام ونقم
стр. 764
عليه فريق فملئوا وجهه بصاقا في المسجد الجامع، وسمى قوم صاحب كتاب الإحياء حجة الإسلام ومزق آخرون كتابه ونثروه في مهاب الريح، وعاش المعري بين رضا الراضين عنه ونقمة الناقمين عليه، يلثم الأولون مواطئ قدميه ويسحبه الآخرون على وجهه في الطرقات العامة، وشرب سقراط كأس السم بين أفواه باسمة شماتة به وعيون دامعة حزنا عليه، وجرت الأقلام بمدح المتنبي تارة فإذا هو سيد الشعراء وبذمه أخرى فإذا هو أكبر المتكلفين، ورفع قوم شكسبير إلى مرتبة الكمال الإنساني فقالوا: نابغة الدهر وهبط به آخرون إلى أدنى منازل الخسة والدناءة فقالوا: المنتحل الكذاب، وافتتن المفتتنون بنابليون الأول فعلوا به إلى رتبة الأنبياء، وتنكر له خصومه وأعداؤه فسلكوه في سلك الحمقى والممرورين، وذاق كل من لوثر وكالفين وجليلو وفولتير ونيتشه وتولستوي كأسي الحب والبغض في حياته وبعد مماته إلى القطرة الأخيرة منهما، وما انقسم الناس في هذا البلد في هذا العصر في شأن رجل من الرجال انقسامهم في شأن جمال الدين ومحمد عبده وسعد زغلول ومصطفى كامل وقاسم أمين.
وما كان واحد من هؤلاء جميعا بالمنزلة التي يرفعه إليها المغرقون في حبه، أو ينزل به إليها الغالون في بغضه، ولكنهم كانوا
стр. 765
قوما عظماء, فانقسم الناس في شأنهم وذهبوا في أمرهم هذه المذاهب البعيدة المترامية، ولا ينقسم الناس هذا الانقسام العظيم إلا في شأن الرجل العظيم.
ليس معنى الوجود في الحياة أن يتخذ المرء لنفسه فيها نفقا يتصل أوله بباب مهده, وآخر بباب لحده ثم ينزلق فيه انزلاقا من حيث لا تراه عين ولا تسمع دبيبه أذن حتى يبلغ نهايته كما تفعل الهوام والحشرات والزاحفات على بطونها من بنات الأرض، وإنما الوجود قرع الأسماع واجتذاب الأنظار وتحريك أوتار القلوب واستثارة الألسنة الصامتة وتحريك الأقلام الراكدة وتأريث نار الحب في نفوس الأخيار وجمرة البغض في قلوب الأشرار، فعظماء الرجال أطول الناس أعمارا وإن قصرت حياتهم، وأعظمهم حظا في الوجود وإن قلت على ظهر الأرض أيامهم.
العظمة كالحقيقة يخدمها أعداؤها وأصدقاؤها، ويحمل أحجار هيكلها على رءوسهم هادموها وبُناتها، فحيث ترى سواد الأعداء فهناك سواد الأصدقاء، وحيث ترى الفريقين مجتمعين في صعيد واحد فاعلم أن العظمة ماثلة على عرشها العظيم فوق أعناقهم جميعا.
العظمة قصر مشيد مرفوع على سارتين منحوتتين من حب
стр. 766
الناس وبغضائهم، فلا يزال ذلك القصر ثابتا في مكانه لا يتزعزع ولا يتحلحل ما بقيتا في مكانهما، فإذا سقطت إحداهما عجزت الأخرى عن الاستقلال به فسقطت بجانب أختها؛ فسقط هو بسقوطهما.
لا يعجبنك أن يتفق الناس جميعا على حبك؛ لأنهم لا يتفقون إلا على حب الرجل الضعيف المهين الذي يتجرد لهم من نفسه وعقله ورأيه ومشاعره, ثم يقعي على ذنبه تحت أقدامهم إقعاء الكلب الذليل يضربونه فيصطبر لهم, ويعبثون به فيبصبص بذنبه طلبا لرضاهم، ويهتفون به فيقترب، ويزجرونه فيزدجر.
ولا يعجبنك أن يتفقوا على بغضك؛ لأنهم لا يتفقون إلا على بغض الخبثاء الأشرار الذين لا يحبون أحدا من الناس, فلا يحبهم من الناس أحد.
وليعجبنك أن يختلفوا في شأنك وينقسموا في أمرك ويذهبوا في النظر إليك وتقدير منزلتك كل مذهب، فتلك آية العظمة وذلك شأن الرجل العظيم.
كن القائد الذي تعترك الجيوش حوله من بين ذائد عنه وعادٍ عليه، ولا تكن الجندي الذي يسفك دمه ليسقي به دوحة العظمة التي ينعم في ظلالها القائد العظيم.
كن الناطق الذي تحمل الريح صوته إلى مشارق الأرض
стр. 767
ومغاربها، ولا تكن الريح التي تختلف إلى آذان الناس بأصوات الناطقين من حيث لا يأبهون لها, ولا يعرفون لها يدها عندهم.
كن النبتة النضرة التي تعتلج ذرات الأرض في سبيل نضرتها ونمائها، ولا تكن الذرة التي تطؤها الأقدام، وتدوسها الحوافر والأخفاف.
كن زعيم الناس إن استطعت، فإن عجزت فكن زعيم نفسك، ولا تطلب العظمة من طريق التشيع للعظماء والتلصق بهم أو مناصبتهم العداء والوقوف في وجههم، فإن فعلت كنت التابع الذليل، وكانوا الزعماء الأعزاء.
стр. 768
حرية الانتقاد:
سألني بعض الأصدقاء عن رأيي في الانتقاد وشروطه وحدوده وآدابه وواجباته، ورأيي فيه ألا شروط له ولا حدود ولا آداب ولا واجبات، وأن لكل كاتب أو قائل الحق في نقد ما يشاء من الكلام، مصيبا كان أم مخطئا، محقا أم مبطلا، صادقا أم كاذبا، مخلصا أم غير مخلص؛ لأن النقد نوع من أنواع الاستحسان والاستهجان، وهما حالتان طبيعيتان للإنسان لا تنفكان عنه من صرخة الوضع إلى أنة النزع، وكل ما هو طبيعي فهو حق لا ريبة فيه ولا مراء، فإن أصاب الناقد في نقده فقد أحسن إلى نفسه وإلى الناس، وإن أخطأ فسيجد من الناس من يدله على موضع الخطأ فيه ويرشده إلى مكان الصواب منه، فلا يزال يتعثر بين الصواب والخطأ حتى يستقيم له الصواب كله.
فإن أبينا عليه أن ينتقد إلا إذا كان كفؤا في علمه, ومخلصا في عمله كما يشترط عليه ذلك أكثر الناس فقد أبينا عليه أن يخط سطرا واحدا في الانتقاد، وقضينا على ذهنه بالجمود والموت،
стр. 769
لأنا لا نعرف لهاتين الصفتين حدودا معينة واضحة، فكل ناقد يزعمهما لنفسه، وكل منتقد عليه يجرد ناقده منهما، ومتى سمح الدهر لعامل من العاملين بالإخلاص المجرد في عمله فيسمح به لجماعة الناقدين!
على أن الناقد الناقم لا تمنعه نقمته من أن يكون مصيبا في بعض ما يقول؛ لأنه لم يأخذ على نفسه عهدا أن يختلق جميع المآخذ التي يأخذها وألا يكتب إلا الباطل والمحال، وإنما هو رجل عياب بالحق وبالباطل فهو يفتش عن السيئات الموجودة حتى يفرغ منها فيلجأ إلى السيئات المختلفة، ولقد كُتب أول نقد في التاريخ بمداد الضغينة والحقد، فقد كانت توجد في عهد اليونان القديم طائفة من الشعراء يجوبون البلاد, ويتغنون بالقصائد الحماسية والأناشيد الوطنية في الأسواق والمجتمعات وبين أيدي الأمراء والعظماء, فيكرمهم الناس ويجلونهم إجلالا عظيما ويجزلون لهم العطايا والهبات فنفس عليهم مكانتهم هذه جماعة من معاصريهم من الذين لا يطوفون في البلاد طوافهم، ولا يحظون عند الملوك والعظماء حظوتهم، فأخذوا يعيبونهم ويكتبون الكتب في نقد حركاتهم وأصواتهم ومعاني أشعارهم وأساليبها، وكان هذا أول عهد العالم بالنقد، والفضل في ذلك للضغينة والحقد، فلرذيلة الحقد
стр. 770
الفضل الأول في وجود الانتقاد, وبزوغ شمسه المنيرة.
كذلك لا يمنع الجاهل جهله من أن يكون رأيه في مثل هذا الموضع رأيا صائبا، لا بل ربما كان شعوره بحسن الكلام وقبحه -متى رزق حظا من سلامة الذوق واستقامة الفهم- أصح من رأي الأديب المتكلف الذي يتعمل النقد تعملا، ويتعمق التعمق كله في التفتيش عن حسنات الكلام وسيئاته حتى يضل عنها، ورب ابتسامة أو تقطيبة يمران بوجه السامع العامي عفوا أنفع للأديب حين يراهما وأعون له على معرفة مكان الحسنة والسيئة من كلامه من مجلد ضخم يكتبه عالم مضطلع بالأدب واللغة في نقد شعره أو نثره، وإذا كان من الواجب على كل شاعر أو كاتب أن ينظم أو يكتب للأمة جميعها خاصتها وعامتها, فلِمَ لا يكون من حق كل فرد من أفرادها متعلما كان أو جاهلا أن يدلي برأيه في استحسان ما يستحسن من كلامه, واستهجان ما يستهجن منه؟
وهل رفع العظماء من رجال الأدب إلى مواقف عظمتهم وسجل لهم أسماءهم في صحف المجد إلا منزلتهم التي نزلوها من نفوس السواد الأعظم من الأمة, والمكانة التي نالوها بين عامتها ودهمائها؟
وبعد, فلا يتبرم بالنقد ولا يضيق به ذرعا إلا الغبي الأبله الذي لا يبالي أن يفهم الناس سيئاته بينهم وبين أنفسهم، ويزعجه كل الإزعاج
стр. 771
أن يتحدثوا بها في مجامعهم، ولا فرق بين فهمهم إياها وحديثهم عنها، أو الجبان المستطار الذي يخاف من الوهم ويفرق من رؤية الأشباح، ولو رجع إلى أناته ورويته لعلم أن النقد إن كان صوابا فقد دله على عيوب نفسه فاتقاها، أو خطأ فلا خوف على سمعته ومكانته منه؛ لأن الناس ليسوا عبيد الناقدين ولا أسراهم، يأمرونهم بالباطل فيذعنون، ويدعونهم إلى المحال فيتبعون، ولئن استطاع أحد أن يخدع أحدا في كل شيء فإنه لا يستطيع أن يخدعه في شعور نفسه بجمال الكلام أو قبحه، ولو أن الأصمعي وأبا عبيدة وأبا زيد والمبرد والجاحظ والقالي وقدامة وابن قتيبة والآمدي وأبا هلال والجرجاني بعثوا في هذا العصر من مراقدهم, وتكلفوا أن يذموا قصيدة يحبها الناس من شعر شوقي مثلا لما كرهوها، أو يمدحوا مقالة يستثقلها الناس من نثر "فلان" لما أحبوها، فالحقيقة موجودة ثابتة لا سبيل للباطل إليها، فهي تختفي حينا أو تتنكر أو تتراءى في ثوب غير ثوبها, ولكنها لا تنمحي ولا تزول.
فلتنطلق ألسنة الناقدين بما شاءت، ولتتسع لها صدور المنتقدين ما استطاعت، فقد حرمنا الحرية في كل شأن من شئون حياتنا فلا أقل من أن نتمتع بحرية النظر والتفكير.
стр. 772
يوم العيد:
أفضل ما سمعت في باب المروءة والإحسان أن امرأة بائسة في باريس وقفت ليلة عيد من الأعياد بحانوت تماثيل يطرقه الناس في تلك الليلة لابتياع اللعب لأطفالهم الصغار, فوقع نظرها على تمثال صغير من المرمر هو آية الآيات في حسنه وجماله, فابتهجت بمرآه ابتهاجا عظيما لا لأنها غريرة بلهاء يستفزها من تلك المناظر الصبيانية ما يستفز الأطفال الصغار, بل لأنها كانت تنظر إليه بعين ولدها الصغير الذي تركته في منزلها, ينتظر عودتها إليه بلعبة العيد كما وعدته، فأخذت تساوم صاحب الحانوت فيه ساعة والرجل يغالي به مغالاة شديدة حتى علمت أن يدها لا تستطيع الوصول إلى ثمنه وأنها لا تستطيع العودة بدونه, فساقتها الضرورة التي لا يقدرها قدرها إلا من حمل بين جنبيه قلبا كقلب الأم وفؤادا مستطارا كفؤادها, إلى أن تمد يدها خفية إلى التمثال فتسرقه من حيث تظن أن الرجل لا يراها ولا يشعر بمكانها، ثم رجعت أدراجها وقلبها يخفق في آن واحد خفقتين
стр. 773
مختلفتين، خفقة الخوف من عاقبة فعلتها، وخفقة السرور بالهدية الجميلة التي ستقدمها بعد لحظات قليلة إلى ولدها، وكان صاحب الحانوت من اليقظة وحدة النظر بحيث لا تفوته معرفة ما يدور حول حانوته, فما برحت مكانها حتى تبعها يترسم مواقع أقدامها حتى عرف منزلها، ثم تركها وشأنها وذهب إلى مخفر الشرطة فجاء منه بجنديين للقبض عليها, وصعدوا جميعا إلى الغرفة التي تسكنها ففاجئوها جالسة بين يدي ولدها تنظر إلى فرحه وابتهاجه بتمثاله نظرات الغبطة والسرور، فهجم الجنديان على الأم فاعتقلاها وهجم الرجل على الولد فانتزع التمثال من يده, فصرح الولد صرخة عظمى لا على التمثال الذي انتزع منه بل على أمه المرتعدة بين يديه، وكانت أول كلمة نطق بها وهو جاثٍ بين يدي الرجل: رحمتك بأمي يا مولاي، وظل يبكي بكاء شديدا، فجمد الرجل أمام هذا المنظر المؤثر وأطرق إطراقا طويلا, وإنه لكذلك إذ دقت أجراس الكنائس مؤذنة بإشراق فجر العيد, فانتفض انتفاضة شديدة وعظم عليه أن يترك هذه الأسرة الصغيرة حزينة منكوبة في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعا، فالتفت إلى الجنديين وقال لهما: إني أخطأت في اتهام هذه المرأة, فإني لا أبيع هذا النوع من التماثيل، فانصرفا لشأنهما، والتفت هو إلى الولد فاستغفره ذنبه إليه وإلى أمه، ثم مشى إلى الأم فاعتذر
стр. 774
إليها عن خشونته وشدته، فشكرت له فضله ومروءته وجبينها يرفضّ عرقا حياء من فعلتها، ولم يفارقهما حتى أسدى إليهما من النعم ما جعل عيدهما أسعد, وأهنأ مما كانا يظنان.
لا تأتي ليلة العيد حتى يطلع في سمائها نجمان مختلفان؛ نجم سعود ونجم نحوس، أما الأول فللسعداء الذين أعدوا لأنفسهم صنوف الأردية والحلل ولأولادهم اللعب والتماثيل ولأضيافهم ألوان المطاعم والمشارب, ثم ناموا ليلتهم نوما هادئا مطمئنا تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول أسرتهم تطاير الحمائم البيضاء حول المروج الخضراء، وأما الثاني فللأشقياء الذين يبيتون ليلتهم على مثل جمر الغضى يئنون في فراشهم أنينا يتصدع له القلب, ويذوب له الصخر حزنا على أولادهم الواقفين بين أيديهم يسألونهم بألسنتهم أو بأعينهم ماذا أعدوا لهم في هذا اليوم من ثياب يفاخرون به أندادهم، ولعب جميلة يزينون بها مناضدهم، فيعللونهم بوعود يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها.
فهل لأولئك السعداء أن يمدوا إلى هؤلاء الأشقياء يد البر والمعروف, ويفيضوا عليهم في ذلك اليوم السعيد النزر القليل مما أعطاهم الله ليسجلوا لأنفسهم في باب المروءة والإحسان ما سجل لصاحب حانوت التماثيل!
стр. 775
إن رجلا يؤمن بالله ورسله وآياته وكتبه ويحمل بين جنبيه قلبا يخفق بالرحمة والحنان لا يستطيع أن يملك عينه من البكاء, ولا قلبه من الخفقان عندما يرى في يوم العيد في طريقه إلى معبده أو منصرفه من زياراته طفلة مسكينة بالية الثوب كاسفة البال دامعة العين تحاول أن تتوارى وراء الأسوار والجدران خجلا من أترابها وأندادها أن تقع أنظارهن على بؤسها وفقرها ورثاثة ثوبها وفراغ يدها من مثل ما تمتلئ به أيديهن, فلا يجد بدا من أن يدفع عن نفسه ذلك الألم بالحنو عليها وعلى بؤسها ومتربتها؛ لأنه يعلم أن جميع ما اجتمع له من صنوف السعادة وألوانها لا يوازي ذرة واحدة من السعادة التي يشعر بها في أعماق قلبه عندما يمسح بيده تلك الدمعة المترقرقة في عينيها.
حسب البؤساء من محن الدهر وصروفه أنهم يقضون جميع أيام حياتهم في سجن مظلم من بؤسهم وشقائهم, فلا أقل من أن يتمتعوا برؤية أشعة السعادة في كل عام مرة أو مرتين.