← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أن يتحدثوا بها في مجامعهم، ولا فرق بين فهمهم إياها وحديثهم عنها، أو الجبان المستطار الذي يخاف من الوهم ويفرق من رؤية الأشباح، ولو رجع إلى أناته ورويته لعلم أن النقد إن كان صوابا فقد دله على عيوب نفسه فاتقاها، أو خطأ فلا خوف على سمعته ومكانته منه؛ لأن الناس ليسوا عبيد الناقدين ولا أسراهم، يأمرونهم بالباطل فيذعنون، ويدعونهم إلى المحال فيتبعون، ولئن استطاع أحد أن يخدع أحدا في كل شيء فإنه لا يستطيع أن يخدعه في شعور نفسه بجمال الكلام أو قبحه، ولو أن الأصمعي وأبا عبيدة وأبا زيد والمبرد والجاحظ والقالي وقدامة وابن قتيبة والآمدي وأبا هلال والجرجاني بعثوا في هذا العصر من مراقدهم, وتكلفوا أن يذموا قصيدة يحبها الناس من شعر شوقي مثلا لما كرهوها، أو يمدحوا مقالة يستثقلها الناس من نثر "فلان" لما أحبوها، فالحقيقة موجودة ثابتة لا سبيل للباطل إليها، فهي تختفي حينا أو تتنكر أو تتراءى في ثوب غير ثوبها, ولكنها لا تنمحي ولا تزول. فلتنطلق ألسنة الناقدين بما شاءت، ولتتسع لها صدور المنتقدين ما استطاعت، فقد حرمنا الحرية في كل شأن من شئون حياتنا فلا أقل من أن نتمتع بحرية النظر والتفكير.

стр. 772

يوم العيد: أفضل ما سمعت في باب المروءة والإحسان أن امرأة بائسة في باريس وقفت ليلة عيد من الأعياد بحانوت تماثيل يطرقه الناس في تلك الليلة لابتياع اللعب لأطفالهم الصغار, فوقع نظرها على تمثال صغير من المرمر هو آية الآيات في حسنه وجماله, فابتهجت بمرآه ابتهاجا عظيما لا لأنها غريرة بلهاء يستفزها من تلك المناظر الصبيانية ما يستفز الأطفال الصغار, بل لأنها كانت تنظر إليه بعين ولدها الصغير الذي تركته في منزلها, ينتظر عودتها إليه بلعبة العيد كما وعدته، فأخذت تساوم صاحب الحانوت فيه ساعة والرجل يغالي به مغالاة شديدة حتى علمت أن يدها لا تستطيع الوصول إلى ثمنه وأنها لا تستطيع العودة بدونه, فساقتها الضرورة التي لا يقدرها قدرها إلا من حمل بين جنبيه قلبا كقلب الأم وفؤادا مستطارا كفؤادها, إلى أن تمد يدها خفية إلى التمثال فتسرقه من حيث تظن أن الرجل لا يراها ولا يشعر بمكانها، ثم رجعت أدراجها وقلبها يخفق في آن واحد خفقتين

стр. 773

مختلفتين، خفقة الخوف من عاقبة فعلتها، وخفقة السرور بالهدية الجميلة التي ستقدمها بعد لحظات قليلة إلى ولدها، وكان صاحب الحانوت من اليقظة وحدة النظر بحيث لا تفوته معرفة ما يدور حول حانوته, فما برحت مكانها حتى تبعها يترسم مواقع أقدامها حتى عرف منزلها، ثم تركها وشأنها وذهب إلى مخفر الشرطة فجاء منه بجنديين للقبض عليها, وصعدوا جميعا إلى الغرفة التي تسكنها ففاجئوها جالسة بين يدي ولدها تنظر إلى فرحه وابتهاجه بتمثاله نظرات الغبطة والسرور، فهجم الجنديان على الأم فاعتقلاها وهجم الرجل على الولد فانتزع التمثال من يده, فصرح الولد صرخة عظمى لا على التمثال الذي انتزع منه بل على أمه المرتعدة بين يديه، وكانت أول كلمة نطق بها وهو جاثٍ بين يدي الرجل: رحمتك بأمي يا مولاي، وظل يبكي بكاء شديدا، فجمد الرجل أمام هذا المنظر المؤثر وأطرق إطراقا طويلا, وإنه لكذلك إذ دقت أجراس الكنائس مؤذنة بإشراق فجر العيد, فانتفض انتفاضة شديدة وعظم عليه أن يترك هذه الأسرة الصغيرة حزينة منكوبة في اليوم الذي يفرح فيه الناس جميعا، فالتفت إلى الجنديين وقال لهما: إني أخطأت في اتهام هذه المرأة, فإني لا أبيع هذا النوع من التماثيل، فانصرفا لشأنهما، والتفت هو إلى الولد فاستغفره ذنبه إليه وإلى أمه، ثم مشى إلى الأم فاعتذر

стр. 774

إليها عن خشونته وشدته، فشكرت له فضله ومروءته وجبينها يرفضّ عرقا حياء من فعلتها، ولم يفارقهما حتى أسدى إليهما من النعم ما جعل عيدهما أسعد, وأهنأ مما كانا يظنان. لا تأتي ليلة العيد حتى يطلع في سمائها نجمان مختلفان؛ نجم سعود ونجم نحوس، أما الأول فللسعداء الذين أعدوا لأنفسهم صنوف الأردية والحلل ولأولادهم اللعب والتماثيل ولأضيافهم ألوان المطاعم والمشارب, ثم ناموا ليلتهم نوما هادئا مطمئنا تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول أسرتهم تطاير الحمائم البيضاء حول المروج الخضراء، وأما الثاني فللأشقياء الذين يبيتون ليلتهم على مثل جمر الغضى يئنون في فراشهم أنينا يتصدع له القلب, ويذوب له الصخر حزنا على أولادهم الواقفين بين أيديهم يسألونهم بألسنتهم أو بأعينهم ماذا أعدوا لهم في هذا اليوم من ثياب يفاخرون به أندادهم، ولعب جميلة يزينون بها مناضدهم، فيعللونهم بوعود يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها. فهل لأولئك السعداء أن يمدوا إلى هؤلاء الأشقياء يد البر والمعروف, ويفيضوا عليهم في ذلك اليوم السعيد النزر القليل مما أعطاهم الله ليسجلوا لأنفسهم في باب المروءة والإحسان ما سجل لصاحب حانوت التماثيل!

стр. 775

إن رجلا يؤمن بالله ورسله وآياته وكتبه ويحمل بين جنبيه قلبا يخفق بالرحمة والحنان لا يستطيع أن يملك عينه من البكاء, ولا قلبه من الخفقان عندما يرى في يوم العيد في طريقه إلى معبده أو منصرفه من زياراته طفلة مسكينة بالية الثوب كاسفة البال دامعة العين تحاول أن تتوارى وراء الأسوار والجدران خجلا من أترابها وأندادها أن تقع أنظارهن على بؤسها وفقرها ورثاثة ثوبها وفراغ يدها من مثل ما تمتلئ به أيديهن, فلا يجد بدا من أن يدفع عن نفسه ذلك الألم بالحنو عليها وعلى بؤسها ومتربتها؛ لأنه يعلم أن جميع ما اجتمع له من صنوف السعادة وألوانها لا يوازي ذرة واحدة من السعادة التي يشعر بها في أعماق قلبه عندما يمسح بيده تلك الدمعة المترقرقة في عينيها. حسب البؤساء من محن الدهر وصروفه أنهم يقضون جميع أيام حياتهم في سجن مظلم من بؤسهم وشقائهم, فلا أقل من أن يتمتعوا برؤية أشعة السعادة في كل عام مرة أو مرتين.

стр. 776

من الشيوخ إلى الشبان: لا نستطيع أن ننكر عليكم معشر الأبناء أن شبابكم أعظم قوة ونشاطا وأبعد همة وأقوى عزيمة من شيخوختنا، وأن أيدينا الشاحبة المعروقة لا تستطيع أن تصل إلى ما تصل إليه أيديكم الفتية المقتدرة، وأن آراءكم وأفكاركم وجميع تصوراتكم وآمالكم التي تتلون بها شبوبيتكم أكثر حدة وحرارة وأبعد غورا وعمقا من آرائنا وتصوراتنا، ولكن الذي ننكره عليكم ونعتب عليكم فيه أشد العتب هو زرايتكم علينا واحتقاركم لنا ورميكم إيانا بالجمود مرة والخرف أخرى كلما اختلفنا معكم في شأن من الشئون، كما أننا ننعى عليكم كبرياءكم وخيلاءكم واعتدادكم بأنفسكم ذلك الاعتداد العظيم الذي يخيل إليكم معه أن هذه الألوان الجميلة التي تتلون بها حياتكم الحاضرة إنما هي خاصة بكم ووقف عليكم، لم تمر بعصر غير عصركم، ولم يزه بها شباب غير شبابكم، وأنكم أنتم أصحاب الفضل الأول في ابتكارها وافتراع عذرتها، ولو أنكم استطعتم أن تحملوا أنفسكم على الروية والأناة

стр. 777

وأن تنتقلوا بأنظاركم من الحاضر إلى الماضي وإن لم يكن ذلك من طبيعة الشباب ولا من طبيعته لعلمتم أن هذا العهد الذي يمر بكم اليوم والذي تفاخروننا به وتدلون علينا بأحلامه وأمانيه وتصوراته وخيالاته قد مر بنا مثله في زماننا، فقد كان لنا شباب مثل شبابكم نتصور فيه كما تتصورن، ونفكر كما تفكرون، ونردد في أنفسنا وأحاديثنا وكتاباتنا جميع هذه الآراء والأفكار التي ترددونها اليوم حتى انطوى ذلك العهد وزالت معالمه وهدأت على أثره تلك الثورة النفسية الهائلة التي كانت تعترك بين جوانحنا, ودخلنا غمار الحياة الحقيقية حياة الجد والعمل والنظر والتأمل والخبرة والتجربة, فاستطعنا أن نرجع إلى نفوسنا، ونثوب إلى شدنا, وأن نهبط بهدوء وسكون إلى أعماق قلوبنا ونستعرض تلك الآراء والأفكار والأحلام والآمال بإمعان وتدقيق, فاستطعنا أن نميز صالحها من فاسدها، وصادقها من كاذبها، ومعقولها من موهومها، وأن نقلب الأشياء على جميع وجوهها ونرى وجوه الحسن فيها ووجوه القبح ونوازن بين هذه وتلك، فأخذنا بما أربت حسناته على سيئاته، وأطرحنا ما زادت سيئاته على حسناته، فلا فضل لكم في الحقيقة في هذا الذي تزعمون أن لكم الفضل فيه وحدكم من دون الناس جميعا، إنما الفضل للشباب ومزاجه وطبيعته وحدته،

стр. 778

ولا علاقة للعلم والجهل والذكاء والغباوة والتقدم والتأخر بشيء من ذلك، وللشباب خصائص كثيرة وصفات متعددة، وأخص صفاته: قصر النظر وسرعة الحكم والعجز عن إحكام الصلة بين أدوار الزمن الثلاثة: ماضيه وحاضره ومستقبله، فهو لا يستطيع أن يتصور تصورا ثابتا متينا أن الماضي أساس الحاضر ومنبع وجوده، لا يشرق إلا من مطلعه، ولا ينبت إلا في تربته، وأن المستقبل بيد الطبيعة القاسية وقوانينها الصارمة؛ وليس أقرب إليه من أن يتصور أن في استطاعته أن يمحو بيده في لحظة واحدة وجه الكون بأرضه وسمائه ثم يخلقه خلقا جديدا على الصورة التي يريدها ويتصورها، وأن في إمكانه أن يحيل التراب أمواها والأمواه ترابا, وأن يحجب بيده وجه الشمس فلا ينبعث لها شعاع إلا بإرادته, وأن يرغمها متى أراد أن تمزق حجاب الليل وتبرز في سمائه، ولا يزال يتخبط في أمثال هذه التصورات والأحلام التي لا فائدة فيها ولا نتيجة لها حتى تطلع عليه أول طليعة من طلائع الشيخوخة فتهدأ ثورته، وتفتر حدته، ثم لا يلبث أن يسقط جاثيا بين يدي القوة الإلهية والقوى الطبيعية, معترفا بعجزه وقصوره وفراغ يده من كل حول وقوة, هاتفا: إن للكون إلها لا أستطيع محادّته, وللطبيعة سنة لا أستطيع تبديلها.

стр. 779

كنا نفكر كثيرا في شأن المرأة كما تفكرون اليوم، ولا نجد حديثا ألذ ولا أطرب من الحديث عنها، وكنا لشدة إعجابنا بها واهتمامنا العظيم بإرضائها وتدليلها والوقوع من نفسها موقعا جميلا ندافع عنها ضد أنفسنا, ونطلب لها من النفوذ والسيطرة علينا أكثر مما تطلبه لنفسها, ونتمنى بجدع الأنف لو أننا رأيناها متمتعة بالحرية إلى أقصى حدودها, فتتبرج كيف تشاء، وتسفر كما تريد، وتجلس إلى الرجل جنبا لجنب في المجتمعات العامة والخاصة دون أن يعارضها معارض، أو يكدر عليها صفوها مكدر، بل كنا نذهب في مجاملتها ومحاسنتها إلى أكثر من ذلك، فكنا نغتفر لها سيئاتها الأدبية ونسميها سقطات أي: هفوات فردية لا أهمية لها, ونغريها بمحاسبة زوجها حسابا شديدا على خيانته لها ومقابلة فعلاته بمثلها؛ لأننا كنا نقرر لها مبدأ المساواة بينها وبينه ونقول لها: ليس من العدل أن يغضب الزوج من خيانة زوجته إذا كان هو يخونها، وكنا نظن أن هذه الآراء آراء حقيقية راسخة في نفوسنا صادرة من أعماق قلوبنا, ثم علمنا بعد ذلك أننا كنا مخدوعين في أمرها وأنها آراء الشباب وخواطره وألاعيبه ودعاباته وأحلامه وتصوراته، ولا يثقل على الشاب في مفتتح حياته شيء مثل ذلك الحجاب المسبل على وجه المرأة

стр. 780

وذلك الجدار القائم بينها وبينه. وكنا نبتهج بكل جديد كما تبتهجون، وننفر من كل قديم كما تنفرون، ونعد الأول آية الآيات مهما سخف واستبرد، والثاني نكبة النكبات مهما غلت قيمته وعظم قدره، لا لأننا وازنا بينهما وفاضلنا بين مزاياهما فحكمنا عليهما، بل لأننا كنا قريبي عهد بزمن الطفولة, والطفل سريع الملل كثير السآمة لا يصبر على لعبته أكثر من يوم واحد حتى يملها فيكسرها, ويستبدل منها غيرها. وكنا مولعين بالتقليد ولعكم به لا نكاد نعرف لأنفسنا صورة خاصة ترتكز عليها أعمالنا في الحياة، بل كانت تمر بنا جميع الصور على اختلاف أنواعها وألوانها, فنلتقطها بأسرع مما يلتقط "القلم" صوره كأن فضاء حياتنا معمل لتجاريب الحياة واختباراتها. وكان العارف منا بلغة أجنبية لا يلبث أن يفتتن بها وبأصحابها افتتانا شديدا بما حمله على احتقار لغته وتاريخها، فيرتفع عن ذكر رجالها وعظمائها في أحاديثه واستشهاداته ويسخر منهم كلما جرى ذكرهم على لسان أحد غيره, لا لأنه يفهمهم أو يفهم غيرهم, بل لأنه كان بسيطا غريرا يحتقر كل ما في يده ويستعظم كل ما في يد غيره. ولم نعرف إلا بعد زوال ذلك العهد أننا كنا مخطئين في جميع هذه التصورات والأفكار, وأنها لم تكن عقائد راسخة في نفوسنا

стр. 781

بل أشباحا وصورا تتراءى في سماء حياتنا, فنعجب بها ونستطير فرحا وسرورا بجمال منظرها وبهجة ألوانها, فأصبحنا معتدلين في آرائنا متئدين في أحكامنا، نحب حرية المرأة ولكنا نكره فسقها وفجورها، ونأخذ مواد المدنية والرقي من الأمم المتمدينة ولكنا لا نقلدها، ونحب أدب الغربيين وعلمهم ونعجب بأدبائهم وعلمائهم, ولكنا لا نحتقر من أجل ذلك رجالنا وتاريخنا. نحن لا نطلب منكم معشر الأبناء وأنتم في ثورة الشباب ونشوته أن تكونوا معتدلين متئدين في أحكامكم وتصوراتكم, أو هادئين في مطامعكم وآمالكم فليس من الرأي أن نطلب عندكم ما لم نكن نطلبه عند أنفسنا، ولكن أمرا واحدا كنا نحرص عليه في عهدنا أشد الحرص هو الذي نطلب إليكم أن تحرصوا عليه مثلنا, وتضنوا به ضنَّنا: كنا نعتقد مثلكم أننا خير من آبائنا وأجدادنا وأوسع منهم علما وأقوى إدراكا, وربما اعتقدنا في الكثير منهم كما تعتقدون فينا اليوم أنهم جاهلون أو مخرفون أو متأخرون أو جامدون إلا أن ذلك لم يكن يمنعنا من أن نحفظ لهم منزلة الأبوة وكرامتها، فلا نلقبهم بلقب من هذه الألقاب التي تلقبوننا بها, ولا نذكرهم في حضورهم أو غيبتهم بكلمة سوء تنغص عليهم ما قدر لهم أن يقضوه بيننا من

стр. 782

أيام حياتهم، وكان شأننا معهم في برهم وإكرامهم واحترام عقائدهم ومذاهبهم مع اتساع مسافة الخلف بيننا وبينهم شأن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق إذ كان مسيحيا فأسلم وحسن إسلامه، وكان أبوه لا يزال على دينه فطلب إليه أن يبني له بيعة في قصره يقوم فيها بأداء واجباته الدينية, فبناها له كما أراد ولم ينع عليه شأنا من شئونه طول أيام حياته حتى ذهب إلى ربه. ذلك ما نضرع إليكم فيه أن تحفظوه لنا كما حفظناه من قبلكم لآبائنا وأجدادنا، واذكروا أن سيأتي عليكم ذلك اليوم الذي أتى علينا وأنكم ستكرهون فيه أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم، فاتقوا الله فينا أن يعاملكم أبناؤكم وأحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم، فاتقوا الله فينا وفي شيخوختنا, فنحن آباؤكم الذين ولدناكم، وأساتذتكم الذين ربيناكم، ومن أكبر العار عليكم وعلى تاريخكم أن تسبوا أساتذتكم وآباءكم, وأن ترموهم في وجوههم بالجهل والجمود وما هم بجاهلين ولا جامدين، ولكنهم شيوخ عاجزون.

стр. 783

الموتى: "مترجمة" دقت أجراس المساء تنعى اليوم الراحل، وتندب جماله الزائل، وأخذت قطعان الماشية تعود من مراعيها إلى حظائرها، ومشى وراءها رعاتها يهشون عليها بعصيهم لا يريدون بها شرا ولا أذى لأنهم يحبونها وتحبهم, بل يخافون عليها الضلال, فهم يهدونها الطريق، ومد الظلام رواقه الأسود على جسم الطبيعة المنبسطة كأنما ظن أنها تنام كما ينام البشر, فهو يقيها برد الليل وغائلته، وساد سكون رهيب في تلك الأنحاء فلا يسمع إلا صوت البلبل يشكر للقمر ما أهدي إلى جناحيه من أشعة متلألئة, ونعيب اليوم يمد صوته بالشكوى إلى الله تعالى في سمائه، وما شكاته إلا أن بعض السائحين يطئون أرضه وينتهكون حرمة خرباته المقدسة، وهنالك تحت ظلال الأشجار الضخمة اليابسة رقد أسلاف سكان تلك المزرعة تحت أعماق الأرض رقدة طويلة, بل أكثر من

стр. 784

طويلة لأنها لا نهاية لها، فلا نسمات الصباح الباردة، ولا تغريد الطيور الصادحة، ولا صياح الديكة، ولا رنين الأجراس، ولا هتاف الرعاة، يوقظهم من رقدتهم هذه. أسفي عليهم, لقد أمسوا ولا نيران توقد في أكواخهم، ولا زوجات صالحات يذهبن يجئن في تهيئة طعام عشائهم، ولا صبية صغارا يستقبلونهم عند عودتهم ليقبلوهم ويستقبلوا قبلاتهم، أولئك الرقود الهامدون كانوا بالأمس أشداء أقوياء، تمد السنابل أعناقها خاضعة لمناجلهم، ويئن ظهر الأرض وبطنها تحت وطأة محاريثهم، وترتعد جذوع الأشجار الضخمة فرقا من ضربات فئوسهم. أولئك الوجوم الصامتون كانوا بالأمس فرحين مستبشرين يرقصون ويغنون ويجدون السعادة في كل شيء يحيط بهم، فيطربون لوقع حوافر ماشيتهم على الحصباء كأنما يسمعون قيثارة مطربة، ويجدون في ضجعتهم فوق الأعشاب اليابسة الراحة التي يجدها أصحاب الأسرة فوق مهادهم الوثير، ويشعرون في تناولهم اللقمة الجافة السوداء بعد الجوع باللذة التي يشعر بها الأغنياء عند تناولهم ألوان الطعام الشهي حول موائدهم، ويغترفون بأكفهم الماء من الأنهر والخلجان فيتلذذون بارتشافه كأنما يتناولون صافية

стр. 785

الصهباء في كئوس البلور والذهب. أولئك الخاملون المغمورون الذين لم تنصب لهم التماثيل، ولم ترفع فوق قبورهم القباب كانوا في حياتهم شرفاء عظماء؛ لأنهم كانوا متحابين متآخين، لا يحسد فقيرهم غنيهم ولا يبغي قويهم على ضعيفهم، ولا يحقدون ولا يغدرون، ولا يخافون شيئا حتى الموت ولا يعبدون إلها إلا الله. كذلك كانوا بالأمس، واليوم طواهم الرمس، فرحمة الله عليهم يوم كانوا على ظهر الأرض وبعدما أصبحوا في بطنها. فليجْثُ فوق رمال هذه القبور المبعثرة وبين صفائحها المتهدمة المتساقطة أرباب المطامع في الحياة وطلاب المجد والعظمة, خاشعين مستكينين خافضي رءوسهم إجلالا وإعظاما، وليمسكوا قليلا عن الإدلال بعزهم وجاههم والمكاثرة بفضتهم وذهبهم، وليخفوا في أعماق نفوسهم ابتسامات الهزء والسخرية المترقرقة على شفاههم، وليعلموا أن طريق المجد والعظمة التي يسيرون فيها وإن كانت مخضرة جميلة مفروشة بالأعشاب محفوفة بالأزهار الأريجة, فإنها تؤدي في نهايتها إلى هذا المصير الذي صار إليه هؤلاء المقبورون. أيها الناعمون في عيشهم، المدلون بعزهم وجاههم، المفتخرون بقوتهم وجمالهم، لا تحتقروا هؤلاء المقبورين المساكين إن رأيتم

стр. 786

أجداثهم مشعثة بالية وقبابهم متهدمة خاوية، ولم تروا أسماءهم منقوشة بأجمل الألوان وأزهاها على صفائح قبورهم، وأصغوا قليلا تسمعوا آيات مدحهم والثناء عليهم ترددها الجداول والغدران والحقول والمروج والطيور المغردة فوق أعالي الأشجار، والسوائم الهائمة على ضفاف الأنهار، فهم أصحاب اليد التي رصعت التاج للملك وصنعت السيف للقائد ونسجت المسوح للراهب وبنت القصور للأمراء وصاغت الحلى للأميرات وغرست العشب للسائمة ووضعت الحب للطائر وهيأت للأحياء جميعهم ناطقهم وصامتهم طعامهم وشرابهم, ودثارهم ومهادهم. أيها القوم العظماء: لا تخلد التماثيل المنصوبة غير ذكرى ناحتيها, ولا تطمس السطور الذهبية المنقوشة فوق صفائح القبور سطور السيئات التي يخطها التاريخ في صفحاته، ولا تسمع آذان الموت الصماء نغمات الملق المترددة في أناشيد الرثاء. رب يد تحت هذه الأرض لو أتيح لها الحظ في حياتها لكانت يد العازف الذي يشنف الآذان، أو يد البطل الذي يهز العروش ويزعزع التيجان، أو يد الشاعر الذي يثير الأشجان ويبعث إلى القلوب السرور والأحزان، ورب قلب في هذه الحفائر المظلمة لو عاش في جو غير هذا الجو, وعالم غير هذا العالم لكان قلب ملك

стр. 787

عظيم مملوءا بالآمال العظام، والأماني الجسام، أو قلب زعيم جريء يحاسب الظالمين على ظلمهم، ويذود النوم عن أجفانهم، أو قلب نائب كبير يستهوي ببلاغته القلوب ويسترعي الأسماع، فتدوي له بالتصفيق قاعة مجلس النواب أو قاعة مجلس الشيوخ. كم من لؤلؤة لم تعثر يد الغواص بها فظلت دفينة بين صدفتيها، وكم من زهرة أريجة لم تتفتح حتى هبت عليها رياح الصحراء المحرقة فأذبلتها، وكم من ماسة وضاءة عجز المعدنون عن استخلاصها من معدنها فانطفأ نورها في منجم الفجم المظلم، وكم من قريحة وقادة لم تصقلها العلوم والتجاريب فعاشت مغفلة مهملة حتى انطفأت، ولو أنها صقلتها لغيرت وجه الكون وبدلت الأرض غير الأرض. نعم, كان بين هؤلاء القرويين المقبورين من كان له قلب كقلب "همبدن" إلا أن التاريخ لا يعرفه، ومن كان له لسان كلسان "ملتن" إلا أنه لم ينصب له تمثال، ومن كانت له همة كهمة "كرومويل" إلا أنه لم يقد الجيوش، ولكنهم عاشوا في هذه الفلوات المنقطعة عن العلم والحضارة, فدفن الجهل مواهبهم، وأخمد الفقر نار ذكائهم وفهمهم، فمروا بهذه الدنيا لم يشعر بهم أحد، ثم ماتوا ولم يذكرهم أحد. هنيئا لهم جهلهم وخمولهم، فلو أنهم كانوا عظماء لقضوا أيام

стр. 788

حياتهم يسفكون الدماء ويمزقون الأشلاء ويغتالون حقوق الضعفاء؛ سعيا وراء أغراضهم ومطامعهم، لا بل إنهم كانوا عظماء ولكنهم بريئون من آثام العظمة وجرائمها. رحمة الله عليهم, لقد ذهبوا ولم يبق لهم من بعدهم مما يدل عليهم سوى حجر قديم ملقى في طريق مقبرتهم, قد كتب عليه بخط سقيم هذا البيت البسيط من الشعر: أيها المار في هذا المكان احترم تربته ... ولا تطأ بقدميك رفات الموتى هذا كل ما طمعوا فيه من شئون الحياة بعد موتهم، لم يطلبوا تمثالا يقام لهم، ولا قبة ترفع فوق أضرحتهم، ولا صفحة من صفحات التاريخ تخلد فيها أعمالهم، بل لم يطلبوا طاقة زهر تؤنس مضجعهم، ولا قطرة غيث تبل ثراهم، فما كان أقنعهم وأزهدهم.

стр. 789

الزهرة الذابلة: ورد إلي من حضرة صاحب التوقيع الكتاب الآتي: أنا تلميد في السابعة عشرة من عمري تحصلت على شهادة الدراسة الابتدائية ثم تقدمت لامتحان الكفاءة فلم أفلح, غير أني عزمت على الكد للعام المقبل وما دريت ما يخفي الغيب في سره حتى فوجئت بمرض "الحمى" العضال الذي ضعضعني, وما كدت أشفى منه بعد مدة حتى أصابني "الصمم" الكامل فضاعت بذلك آمالي وأظلمت الأرض في وجهي, فرأيت أن أستغيث بك لعلك تسدي إلي جميلك بكلمة تعزية من عندك, وأنا أحق الناس بالعزاء والسلام. ٦ يناير سنة ١٩١٤ ر. م لا أستطيع أن أعزيك عن مصابك يا بني, فهو فوق ما يحتمل المتحمل ويطيق الجلد الصبور، ولو أنني حاولت ذلك منك لكذبتك وغششتك، ولكان شأني معك شأن أولئك الهازلين العابثين من المعزين الذين يختلفون ليلهم ونهارهم إلى منازل المنكوبين والمرزوئين

стр. 790

ليقولوا للثاكل ولده: "لقد قدمت بين يديك شفيعا يشفع لك يوم حسابك بين يدي ربك" وللباكي أباه: "ما مات من خلف مثلك" وللباكي أخاه: "إن في الباقي عزاء عن الماضي" وللباكية زوجها: "الشباب غض والرجال كثير" وللفاقد بصره: "حسبك مما فقدت من نور بصرك ما أبقى الله لك من نور بصيرتك" وللمحتضر المشرف: "إن في لقاء الله عوضا عن لقاء الدنيا" ولمن حلت به نكبة مثل نكبتك: "لقد كفاك الله بما ابتلاك سماع أقوال الكذب, وكلمات السوء" كأنما هم يحسبون أن الفواجع والرزايا صفقات تجارية إذا قاس فيها المرء ربحه بخسرانه ووازن بين دخله وخرجه هان عليه هذا لذاك، واغتفر ما فات لما هو آتٍ، ولا يعلمون أن الحزن على الذاهب المفقود إنما هو زفرة من زفرات الحب أو نفثة من نفثات الوفاء, ولا دخل للحساب والمعاوضة في شيء من ذلك، وأن أقسى الآباء قلبا وأصلبهم فؤادا لو ساومه مساوم في فلذة كبده, ووضع تحت قدميه خزائن الأرض والسماء لكان رأيه في ذلك رأي ابن الرومي في قوله: وما سرني أن بعته بثوابه ... ولو أنه التخليد في جنة الخلد وأن الأم تبكي وحيدها كما تبكي عاشر عشرة من أولادها، والصديق يبكي فراق صديقه وإن كثر أصدقاؤه في كل محلة يحل

стр. 791

بها, والزوجة تبكي زوجها وإن كان تحت كل نافذة من نوافذ منزلها خطيب يترقبها، وأن البائس المسكين الذي يعيش من دنياه في مثل جحر الضب ضنكا وبؤسا يضن بحياته الضن كله إذا أحس بفراقها وإن علم أنه سينتقل منها إلى جنة عرضها السموات والأرض، فهم في الحقيقة يسخرون من مصائب الناس وأرزائهم ويؤلمون نفوسهم فوق ألمها باحتقار أحزانهم وازدرائها وتصغير شأنها في أعينهم, ويلقون في نفوسهم اليأس من أن يجدوا بجانب قلوبهم قلوبا تحس بإحساسها, وتشعر بشعورها من حيث يظنون أنهم يخففون آلامهم ويأخذونهم بنسيانها. وأعوذ بالله أن أكون يا بني من الكاذبين في تعزيتك أو الغاشين لك فيها، ولو أردت نفسي على ذلك لما استطعت، وكيف يستطيع أن يعزيك عن مصابك من لا يستطيع أن يعزي نفسه عن مصابه فيك، فلقد ترك كتابك هذا بين جنبي لوعة من الحزن, لا أحسب أنها دون لوعتك التي تعتلج بين جنبيك من الحزن على نفسك، حتى صرت كأني ابتليتُ بما ابتليتَ به وكأن الذي أصابك من البلاء قد أصابني من دونك، فلقد انقطع عنك بفقد سمعك أيها البائس المسكين كل ما كان بينك وبين

стр. 792

الناس جميعا من سبب وصلة، فأصبحت وأنت في دار الأنس والاجتماع وبين ضوضاء الحياة وضجيجها كأنك تعيش من وحشتك وكآبتك في مدينة متحجرة من مدن التاريخ القديم, لا تأنس فيها بأحد ولا يأنس بك فيها أحد، ولا ترى بين يديك إلا نصبا مائلة وتماثيل جامدة: تحسب العين أنهم جد أحياء ... لهم بينهم إشارة خرس ولا يرفه عن نفسك في ساعة من ساعات ضيقك وضجرك نغمة غناء، ولا رنة حداء، ولا خرير نهر، ولا تغريد طير، ولا حفيف شجر، ولا زفيف ريح، ولا ثغاء شاة، ولا نقيق ضفدع، ولا صرير جندب، سواء لديك ليلك ونهارك، وصبحك ومساؤك، ويقظتك ومنامك، فإن فررت من وحشتك هذه إلى مجتمع من مجتمعات العامة, فجلست إلى الناس ساعة تتفرج١ فيها مما بك لا تسمع شيئا مما يقولون ولا يعنيهم أن يسمعوا شيئا مما تقول، فإن قلبت نظرك في وجوههم لتتسقط حرفا أو كلمة من حركات شفاههم أو إشارات أيديهم أنكروا عليك نظراتك وسخروا منك في أنفسهم، لا بل ربما صارحوك بكلمتهم التي يضمرونها في أنفسهم من حيث لا تعلم، فإن رأوا منك ذلك ورأوا أنك تقتضب

стр. 793

الأحاديث بينهم اقتضابا وتذهب منها في أودية غير أوديتهم, وأنك تحدثهم فلا تحسن تقدير صوتك على مقياس أسماعهم فتعلو به عليها أو تنزل به دونها, وأنك تبتسم في موضع التقطيب وتقطب في موضع الابتسام, أصبحوا ينظرون إليك بتلك العين التي ينظرون بها إلى الأطفال الصغار والبله الأغرار، فإن ألممت بسر نظرتهم هذه إليك ألم بك من الحزن والهم ما لا طاقة لمثلك في سنك وضعف منتك باحتمال مثله, وأصبحت ترتاب بكل نظرة تتجه إليك وكل ابتسامة تتراءى لك واعتادك سوء الظن بكل جالس يجلس إليك من أصدقائك وأقربائك وذوي رحمك، بل من أبويك وإخوتك، فلا يكاد يسلم لك صديق أو يصفو لك حميم. فإن فررت من الناس نجاة بنفسك من لؤمهم وقسوتهم فررت إلى خلوة موحشة قاتمة تتراءى لك فيها خيالات الذكرى المؤلمة كلما وازنت بين حاضرك وماضيك, وقارنت بين ما كنت ترجو لنفسك في أيامك الأولى وما انتهى إليك أمرك في أيامك الأخرى، فلا تنفعك خلوة، ولا يؤنسك اجتماع. وأخوف ما أخاف عليك إن استمر بك هذا الشأن -ولا أسأل الله لك دوامه- وظللت تنطق ولا تسمع، وتقول ولا تفهم ما يقال، أن تصبح في يوم من أيامك لا سامعا ولا ناطقا،

стр. 794

فالسماع مادة النطق التي يستمد منها قوته وحياته، ومن لا يسمع لا يحسن النطق، ومن لا ينطق لا يحسن التفكير. وكثير عليك يا بني وأنت زهرة يانعة في روض الشباب, وابتسامة لامعة في ثغر الآمال, وفجر مشرق في سماء الحياة أن تعلو هذه الربوة الزاهرة المخضلة من ربا الحياة, فلا تلبث فيها إلا قليلا حتى يمر بك فارس الدهر فيختطفك من مكانك, ثم يعدو بك عدو الظليم المذعور حتى يلقيك على هذه الصخرة الصماء. فوا رحمتاه لك يا بني مما بك اليوم ومما يستقبلك به الدهر غدا، فأسأل الله تعالى لك أن يرفع عنك محنتك، أو يمنحك عينا ثرة من الدمع لا ينضب معينها، تسكب منها صباح كل يوم ومساءه سجلا على فؤادك الملتاع فتبرد غلته، وتفثأ لوعته، فالدموع هي الرحمة العامة التي يلجأ إليها المنكوبون والمحزونون يوم لا يجدون لأنفسهم في مذهب من مذاهب الأرض, ولا في شعب من شعاب السماء ناصرا ولا معينا, والسلام عليك من الرائي لك الباكي عليك ورحمة الله.

стр. 795

الوجهاء: جرى بيني وبين أحد الوجهاء المصريين الحديث الآتي: الكاتب: ما هذه الطبقة التي تكسو وجهك, فتحجب منه ما يحجب صفحة السماء من السحب السوداء؟ الوجيه: إن بين جنبي هما يعتلج، وكمدا يذهب باللب ويطير بشظايا القلب، ونارا من الحزن متأججة مضطرمة دخانها هذا الذي تراه. الكاتب: أحق ما تقول وأنت الرجل السعيد بحظه، المغتبط بعيشه؛ قصر غمدان، وخورنق النعمان، وحور وولدان، وظل ظليل، ونسيم عليل، وخزائن تموج بالذهب، موج التنور باللهب، ذلك إلى ما أسبغ الله عليك من صحة البدن، وسلامة الحواس، وأمدك به من الجاه العريض، والكلمة النافذة، والشفاعة المقبولة، فليت شعري ما شكاتك بعد ذلك؟ الوجيه: أشكو الفقر الباطن في الغنى الظاهر، والشقاء المقبل في السعد المدبر، وإني لأرى في السماء غمامة دكناء توشك

стр. 796

أن تنفجر بالصاعقة الكبرى، والكارثة العظمى. الكاتب: ما كنت أحسب أن الشقاء يمر لك ببال بعدما أعطاك الدهر عهدا مكتوبا بتلك الأحرف الذهبية ألا يسدد سهمه إليك، ولا يدور دورته عليك. الوجيه: متى كان للدهر عهد يوثق به أو ذمام يعتمد عليه، فالناس في يده كالكرة ذات الألوان في يد الصبي يديرها فترى الأسود في مكان الأبيض والأبيض في موضع الأسود, وكذلك بقية الألوان تعلو أسافلها وتسفل أعاليها، ودورة السعود والنحوس أسرع في عمر الدهر من لمح الطرف، ولفتة الجيد. الكاتب: هل لك أن تحدثني من أي منفذ نفذ الدهر إليك وما عهدتك شاربا ولا عاهرا، ولا مقامرا ولا مستهترا، وما للدهر مدخل يتسرب منه إلى خزائن الأغنياء غير هذا المدخل؟ الوجيه: أين يذهب بك أيها الصديق، وهل يؤتى الأغنياء في هذا البلد إلا من طريق المجد الباطل والسمعة الكاذبة، وهل يكب العظماء على وجوههم ويلصق بالرغام معاطسهم إلا الشغف بنظرة الأمير، ولفتة الوزير، وزورة المدير، وأنت تعلم أن رجلا مثلي لا يمكن أن يكون له مطمع في المجد الصحيح، فلست بصاحب علم فأفخر به، ولا صاحب قلم فأمت بما يمت به أصحاب

стр. 797

الأقلام من خدمة المجتمع الإنساني وتهذيبه، فلم يبق أمامي غير هذا المجد الكاذب، وهو مجد القربى من الحكام والعمال، ولا سبيل إليه إلا ببذل ثمن غالٍ تقصر عنه خزائن قارون وكنوز ركفلر، وقد أنفقت فوق الطاقة ووراء الفاقة في بناء القصور نزلا للحكام، وغرس البساتين منازه لهم، وإعداد الفرش والآنية الثمينة لمآدبهم وولائمهم، فلما نضب معين الذهب وعيت الأرض أن تثمر فوق ما تثمر لجأت إلى مصرف من المصارف فأثقلني بالديون وأرهقني بالطلب، ففزعت منه إلى آخر، ثم إلى آخر، فكنت كناقش الشوكة بالشوكة، أو غاسل الدم بالدم، ولو كشف لك من أمري ما كشف لي منه لعلمت أن جميع ما كنت أملك من أطيان وعقار، ودور وقصور، لم يبق لي منه إلا تلك الخطوط السوداء المسطورة في جرائد الصبارف، وها أنا ذا اليوم طريد المصارف والغرماء، وغريم القضاءين؛ قضاء الأرض وقضاء السماء. ذلك كل ما يستفيد الوجيه من وجاهته, قبحها الله وقبح كل ما تأتي به، فلا تحسد الوجيه على مظهره الكاذب وزخرفه الباطل، ولا تنفس عليه بؤسه الكامن وشقاءه الخفي، فهو أتعس خلق الله وأكثرهم هما وأثقلهم مئونة وأخسرهم حاضرا ومستقبلا، يكون عنده من الضياع أو الدور جملة لا تثمر له من المال أكثر مما يسع ترفيه

стр. 798

نفسه وتربية أولاده وصلة رحمه, فيسميه الناس وجيها، والوجاهة كلمة صغيرة معناها في نظر الناس كبير كأنما هي عندهم من جوامع الكلم، فالوجيه في اصطلاحهم هو الرجل الذي يمد لكل غريب نزل بلدته مائدة، ويرضخ بالعطاء لكل عابر سبيل مر بحيه، ويشرك في جميع الجرائد والمجلات وإن كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ويبتاع تذاكر حفلات جميع الجمعيات الخيرية على اختلاف مذاهبها وأنواعها وإن كان لا ينتفع بواحدة منها، ويشترك في جمعية الرفق بالحيوان، وجمعيات الرفق بالإنسان، ويبتاع المؤلفات الحديثة التي يكلفه المدير أو المأمور بابتياعها وإن كان عمدة أو شيخ البلد وكان الكتاب في علم الفلسفة، ولا تتم شروط الوجاهة عنده فيأخذ منها بالحظ الأوفر إلا إذا بذل للحكومة المعونة الكبرى في مشاريعها من بناء المستشفيات والمدارس والكتاتيب, وأمثال تلك الضرائب التي تضربها الحكومة علينا ضرب الجزية على أهل الذمة في سالف الأزمان، والتي لا فرق بينها وبين خراج الأطيان وعشور النخيل وعوائد الأملاك. الكاتب: إنها تبرعات ومبرات لا إجبار فيها ولا إلزام، فالحكومة لا تشهر عليكم سلاحا، ولا تعد لكم سجنا، وكل ما في الأمر أن رجالها يخطبون فيكم ويدعونكم إلى هذه الأعمال

стр. 799

الصالحة بالحكمة والموعظة الحسنة. الوجيه: لا أزال أكرر القول, أن رجال الحكومة يضربون علينا ضرائب ليست في شرع ولا قانون، والوجيه في الحقيقة كالعبد في اصطلاح علماء التوحيد مجبور باطنا مختار ظاهرا، أما الظاهر فهو ما ترونه من إقامة المحافل وخطابة الخطباء والتلطف في الطلب وشكر المحسن على إحسانه، وأما الباطن فهو أن الوجيه منا كما علمت مفلس من جميع أنواع المجد إلا مجد الزلفى عند الحكام، والحكام يعرفون ذلك منه فيدخلون عليه من بابه ولا يفتحون له باب القربى منهم إلا على مقدار ما يفتح من أبواب خزائنه بين أيديهم، فمنا من يزوره المدير أو المفتش لأنه وهاب الآلاف، أو المأمور لأنه من أصحاب المئات، ومن لا يزوره أحد منهم ولا ينهض له إذا أقبل ولا يشيعه إذا انصرف لأنه لا يلبي دعوة ولا يحضر مجمعا ولا يكتب رقما في قائمة اكتتاب، فلا يلبث أن يسلس قياده، ويصحب عناده، هذا هو الاستبداد الخفي الذي ترغم الحكومة به أنف الوجهاء من غير أن تشهر عليهم سلاحا أو تعد لهم سجنا، ولكنها تبلغ به في شهر ما كانت تعجز عنه حكومة السجن والكرباج و"الويركو" و"البطانطا"

стр. 800

والعوائد الشخصية في عام، ولقد راجعت صحيفة حسابي في هذا العام عام الأزمة والجدب, فوجدت أني دفعت خراج الأطيان مرة أخرى. الكاتب: هب أن الأمر صحيح كما تقول, فالحكومة لا تودع هذا المال خزائنها, ولا تقضي به أغراضها, وإنما تنفقه فيما ينفع الأمة في تربيتها وتهذيبها وتقدمها وارتقائها. الوجيه: ذلك ما يجب أن تنفق عليه الحكومة من خزائنها التي تملؤها من أموال الأمة لهذه الأغراض التي تذكرها، ولكنها تضن بمال هي في حاجة إليه لإصلاح السودان وبناء العمائر وتشييد القصور وترقية كبار الموظفين خصوصا الأجانب منهم وإقرار عيون السياح الأوروبيين بالمناظر البهجة والآثار الجميلة, فلا ترى لها بدا من حمل تلك الحمالات على أعناقنا بلا رحمة ولا شفقة, ولا نظر إلى ما نتكبده في هذا السبيل مما يذيب الشحم، ويعرق العظم، وليتها كانت تتدرج في الطلب وترتشف المال ارتشافا ولا تعبه عبا, فتدرك في ذلك سياسة الحكومات السالفة المعروفة باستبدادها وإرهاقها، فقد حكي عن أحد رؤسائها أنه علم أن أحد المديرين سلب أهالي مديريته المال دفعة واحدة وأنهم ضاقوا به ذرعا فأحضره في مجلسه, وأمر أن تنزع من لحيته

стр. 801

شعرات متفرقة فما أبه لذلك ولا احتفل به, ثم أمر أن تنتزع من رأسه خصلة من الشعر مرة واحدة فصرخ وتألم، فقال له: هكذا يجب أن يكون أخذ الأموال من الرعية متفرقا تحتمله، لا مجتمعا تتألم له. الكاتب: حسبك من ذلك ثواب الله وأجره على إحسانك, وبذلك المال في سبيله وللآخرة خير وأبقى. الوجيه: من أين يأتيني الثواب والأجر, وهل يثاب المرء إلا على نيته وإخلاصه في عمله، وإني أعترف لك عني وعن جميع الوجهاء أمثالي بما عرفت من أحوالهم، ومارست من طباعهم، أننا لا نريد من بذل ما نبذل إلا رضا الحاكم والتودد إليه وموافاة رغبته لاستكمال أسباب الوجاهة مرة وقضاء المآرب والحاجات أخرى، ووالله لقد أفسد علينا هؤلاء القوم بخطتهم هذه غرائزنا وسجايانا وعودونا من الرياء في الإحسان والنفاق في المعاملة خطة قست معها قلوبنا، واستحجرت أفئدتنا، حتى إن أحدنا لا يكاد يحسن بالدرهم الواحد إلى جاره الفقير البائس إلا أمام قاض فطن وشهود عدول، وحتى زهد فينا الفقراء ولوت المساكين وجوهها عن أبوابنا، وجفانا ذوو الرحم والأقرباء، وأصبحت قصورنا في نظرهم قبورا يستدرون لها الرحمات، لا يرجون منها

стр. 802

الصدقات، وأقفرت "مضايفنا" إلا من عربدة المطربشين ورطانة المبرنطين، فمن أين لثواب الله أن يعرف طريقنا عافاك الله؟ الكاتب: أتغضبك كلمة الحق إن قلتها لك أيها الصديق؟ الوجيه: قل ما تشاء, فقد ملأ الهم ما بين جوانحي فاستحجر قلبي حتى ما يغضبني حق ولا باطل. الكاتب: أعجب ما رأيت من أمرك في حديثك معي أنك تعرف الحق وتتنكر له كأنك لا تعرفه، وتمد يدك إلى الصواب ثم تعجز عنه، فقد زعمت أن مجد القربى من أولياء الأمر مجد باطل، ولقد أصبت فيما تقول, فما شأنك به وما نهوضك إليه ومالك واللصوق بأمر أنت تعلم قلة جدواه وسوء مغبته، ولقد كان لك طريق مختصر إلى المجد الصحيح لو كنت أكبر منك همة, وأصح رأيا, وأقوى عزيمة، فمجد الكرم ليس بأقل شأنا من مجد السيف والقلم، ولا أرى أنك كنت تنفق في سبيله إلا بعض ما أنفقت في هذا المجد الكاذب، وما كان يصيبك في الأول من الشقاء ما أصابك في الثاني، فالكريم معان على أمره, مبارك له في عيشه متى صح له معنى الكرم وكانت الرحمة غريزة من غرائزه تسوقه إلى تفقد الضعفاء، ومواساة الفقراء، من حيث لا يبتغي على ذلك أجرا سوى ما وعد الله به المحسنين من

стр. 803

حسن المثوبة والأجر ورفع الذكر في الآخرة والأولى، ولكنكم بخلتم بأموال الأمة عليها واحتجنتموها دونها, وأبت لكم همتكم الضعيفة أن يكون لكم كما لأمثالكم من أغنياء الأمم الأخرى آثار في بناء المدارس والملاجئ والمستشفيات تسمى بأسمائكم وتعد من أعمالكم، فتنالون بها ما تريدون من مجد الدنيا والآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بأن سلط عليكم من يعبث بعقولكم، ويلعب بأهوائكم، ويرغمكم على الإحسان إرغاما من حيث يكون له الغنم وعليكم الغرم، فلا ذكرا حصلتم، ولا مالا حفظتم، ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

стр. 804

جرجي زيدان: لا أعلم أين تذهب نفس الإنسان بعد موته، ولا أين مكانها الذي تستقر فيه بعد فراق جسدها، ولا ما هي الصلة التي تبقي بين المرء وبين الحياة الدنيا بعد رحيله عنها، فإن كان صحيحا ما يقولون من أن ساكن القبور يستطيع أن يجد بين صخورها وصفائحها منفذا يشرف منه على هذه الدار فيسره ما ترك وراءه فيها من ذكر جميل وثناء عاطر وسيرة صالحة ومجد باقٍ فإن نصيب جرجي زيدان اليوم من الهناء والغبطة بما ترك في حياته الأولى من جليل الآثار, وصالح الأعمال أوفر الأنصبة وأجزلها. ما أنعم الله على عبده نعمة أسنى قيمة ولا أغلى جوهرا ولا أحسن أثرا من نعمة الاعتقاد بالجزاء الصالح على العمل الطيب، فهو يعتقد أنه مجزى على عمله مكافأ به, مؤمنا كان أو ملحدا, معترفا بنعيم الآخرة أو منكرا له، فإن كان الأول ساقه إلى العمل الصالح شغفه بجنة الخلد وحورها وولدانها، ولؤلئها ومرجانها، وروحها وريحانها، وإن كان الثاني ساقه إليه شغفه بالذكر الجميل والسيرة

стр. 805

الصالحة والحياة الباقية في ألسنة الأجيال وبطون التواريخ، ولولا هاتان الجنتان جنة المؤمنين وجنة الملحدين ما جد في هذه الحياة جاد, ولا عمل فيها عامل. إن ميدان الحياة الدنيا أضيق من أن يسع بين غايتيه العمل الصالح والجزاء عليه معا، وكيف يسعهما والمرء لا يكاد يفرغ في حياته من عمله الذي يتوقع عليه الجزاء قبل أن تنطفئ ذبالة حياته وتحترق فحمة شبابه حيث تموت في قلبه لذة العظمة وتنضب في فؤاده شهوة المجد, فإن فرغ منه قبل ذلك لا يترك له حساده ومنافسوه ساعة من ساعات فراغه يستطيع أن يسكن فيها إلى نفسه ليستشعر برد الراحة ولذة الجزاء، فلا بد أن يكون للجزاء حياة أخرى غير هذه الحياة، إما حياة الأجر، أو حياة الذكر. مات جرجي زيدان فنحن نبكيه جميعا، أما هو فيبتسم لبكائنا ويرى في تفجعنا عليه والتياعنا لفراقه منظرا من أجمل المناظر وأبهاها؛ لأنه يعلم أن هذه الدموع التي ترسلها أجفاننا وراء نعشه أو فوق ضريحه إنما هي ألسنة ناطقة بحبه وإعظامه والاعتراف بفضله والثناء على عمله، وأنها المدد الإلهي النوراني الذي تُكتب به في صحيفة تاريخه البيضاء آيات مجده الخالد وعظمته الباقية، وذلك ما كان يريد أن يكون.

стр. 806

مات جرجي زيدان فبكاه صديقه؛ لأنه كان يحمد وده وإخاءه، وبكاه جاره لأنه كان يجد في جواره لذة الأنس وجمال العشرة, وبكاء معتفيه لأنه كان ينتفع بماله، وبكاه صنيعته لأنه كان ينتفع بجاهه، وبكاه قارئ كتبه لأنه كان يجد فيها من غزارة المادة وجمال الأسلوب وسهولة التناول ما لا يجد السبيل إليه في غيرها، وبكاه قارئ رواياته لأنه كان يجد في خيالها وبراعة تصوراتها عونا له على هموم الحياة وأزرائها، أما أنا فبكيته لأمر فوق ذلك كله. تطلع الشمس صباح كل يوم من مشرقها على هذه الكائنات؛ ناطقها وصامتها, ساكنها ومتحركها, جامدها وسائلها, فتستمد جميع ذراتها منها مادة حياتها التي تقومها أو صورتها التي تتشكل بها، وتأخذ منها النباتات نماءها والأزهار ألوانها والنار حرارتها والأجسام الحية قوتها والأجسام الجامدة صورتها والأجواء طهارتها ونقاءها، والآفاق جمالها وبهاءها، وكذلك كان جرجي زيدان في سماء هذا البلد. كان بطلا من أبطال الجد والعمل والهمة والنشاط، يكتب أحسن المجلات ويؤلف أفضل الكتب وينشئ أجمل الروايات, ويناقش ويناضل ويبحث وينقّب ويستنتج ويستنبط, ويجيب السائل ويفيد الطالب في آن واحد، لا يشغله أمر من تلك الأمور عن أمر غيره، ولا يشكو مللا ولا ضجرا ولا يحس بخور ولا فتور،

стр. 807

فكان القدوة الحسنة بين فريق المستنيرين من المصريين، يتعلمون منه أن قليلا من العلم يتعهده صاحبه بالتربية والتنمية ثم يقوم على نشره وإذاعته بين الناس, أنفع له ولأمته من العلم الكثير والعمل القليل. ولو شئت أن أقول لقلت: إن جرجي زيدان كان رئيس البعثة العلمية السورية التي وفدت إلى مصر في أواخر القرن الماضي, فغيرت وجه العالم المصري تغييرا كليا, وغرست في صحرائه القاحلة المجدبة أغراس الجد والعمل والشجاعة والإقدام والهمة والاستقلال، وعلمت أبناءه كيف يؤلفون ويترجمون وينشئون الجرائد والمجلات وكيف يتخذون من هذا العمل الشريف صناعة يقومون بها حياتهم المادية وحياة أمتهم الأدبية، ويتقون بها مذلة الوقوف على أبواب الدواوين صباح مساء يتكففون رؤساءها, ويسألونهم أن يتخذوهم عبيدا لهم يخدمونهم على موائد عزهم وسعادتهم التي يجلسون عليها، فإما عطفوا عليهم فألقوا إليهم بالنزر القليل الخسيس من فتات تلك الموائد, وإما طردوهم منها كما يطردون الكلاب الجرباء. وكان شريف النفس بعيد الهمة, متجملا بصفات المؤرخ الحقيقي الذي لا يتعصب ولا يتحيز ولا يداهن ولا يجامل ولا يترك

стр. 808

لعقيدته الدينية مجالا للعبث بجوهر التاريخ وحقائقه، فكتب وهو المسيحي الأرثوذكسي تاريخ الإسلام في كتبه ورواياته كتابة العالم المحقق الذي لا يكتم الحسنة إذا رآها، ولا يشمت بالسيئة إذا عثر بها، فاجتمع بين يديه في مجلس علمه من أبناء الأمة الإسلامية, خواصها وعوامها عربها وعجمها جمع لم يجلس مثله بين يدي عالم من عالم الإسلام, ولا مؤرخ من مؤرخيه في هذا العصر، فأقام بهذا العمل العظيم لهذا الدين القويم حجته أمام أولئك المتعصبين من الأوروبيين الذين لا يثقون في خبر من أخباره ولا في بحث من أبحاثه بحديث شيعته وأبنائه، وكان في تسامحه هذا القدوة الصالحة للمؤرخ يتعلم منه كيف يكتب التاريخ بلسان التاريخ لا بلسان الدين والمثل الأعلى للعالم, يتعلم منه كيف يستطيع أن يتجرد من عواطفه وميول نفسه وخواطر قلبه أمام الأمانة للعلم, والوفاء بحقه. وكان مستقيما في عمله أمينا في علائقه, لا يكذب ولا يتلون ولا يخيس بعهده ولا ينكث وعده, ولا يكسو بضاعته لونا غير لونها ليزخرفها على الناس ويجمّلها في عيونهم، فتعلم منه العاملون أن الكذب في المعاملة ليس شرطا من شروط الربح, ولا سببا من أسباب النجاح. وكان واسع الصدر فسيح رقعة الحلم, وقف له في طريق

стр. 809

حياته كما وقف لغيره من قبله ومن بعده فريق المقاطعين في هذا البلد الذين لا ينطقون, ولا يسكتون عن مقاطعة الناطقين, فلبسوا ثوب الانتقاد ليشتموه، وكمنوا وراء أكمة الدين ليرموه فيصموه، وقالوا: إنه شوه وجه التاريخ الإسلامي وعبث بحقائقه، ولم يسألوه من أين نقل ولا كيف استند، بل سألوه لِمَ لم يكتب كما كتبوا، ويستنتج مثلما استنتجوا، كأنما لم يكفهم منه أن يروه بينهم مسيحيا متسامحا حتى أرادوا منه أن يكون مسلما متعصبا يكتب التاريخ بلسان الدين كما يكتبون، وينهج فيه كما ينهجون، فلما لم يجدوه حيث أرادوا رموه بسوء القصد في عمله وخبث النية في مذهبه ولم يستطيعوا أن يروضوا أنفسهم الجامحة على أن يقولوا: إن الرجل باحث مستنتج يخطئ مرة ويصيب أخرى، أو يقولوا: إن له في تاريخ الإسلام حسنات تصغر بجانبها سيئاته فيه فلنغتفر هذه لتلك، وما أحسب أن واحدا منهم يعتقد شيئا مما يقول، ولكنهم كانوا يرون أن الدين سلعة تباع وتشترى وأن سلعته ملك لهم ووقف عليهم, لا يجب أن تعرض في حانوت غير حانوتهم، وكانوا يظنون أن الرجل تاجر مثلهم يريد أن يفتح بجانب حانوتهم الحانوت التي يخافونها فاستوحشوا منه وأنكروا مكانه واستثقلوا ظله، وقالوا مرة: إنه مسيحي لا يؤمَن على الإسلام, ولا على تاريخه كأنما ظنوا

стр. 810

أنه ينقل حوادث التاريخ ووقائعه من العهد القديم أو العهد الجديد، وقالوا أخرى: إنه سوري دخيل, وفد إلى هذا البلد مسترزقا أو متجرا فما هو بمخلص ولا بأمين، وفاتهم عفا الله عنهم أنه إن كان ضيفا فليس من أدب الضيافة ولا من خلال المروءة والكرم أن يمن المضيف على ضيفه بيده عنده وأن يعد عليه لقيماته التي يطعمها على مائدته، وإن كان تاجرا فقد باعهم بهذا النزر الخسيس من متاع الدنيا وزخرفها جوهر عقله وينبوع ذكائه ومادة حياته، فما كانوا من الخاسرين، ولا كان من الرابحين. ووالله ما أدري كيف تتسع صدورهم للخمار الرومي واللص الإيطالي والقواد الأرمني أن يفتح كل منهم في كل موطئ قدم من مدنهم وقراهم حانة يسلب فيها عقولهم, أو مقمرا يسرق فيه أموالهم, أو ماخورا يهتك فيه أعراضهم فلا يطاردونه ولا يحاربونه ولا يسمونه دخيلا ولا واغلا, ثم يضيقون ذرعا بالعالم الشرقي ينزل أرضهم نزول الديمة الوطفاء بالصحراء المحرقة فيعلمهم العلم ويهذب نفوس أبنائهم ويثقف عقول ناشئتهم ويبعث في نفوس ضعاف العزائم منهم روح الهمة والنشاط والشجاعة والإقدام. ذلك هو شقاء الأمم، وهذا جواب السائلين عن أسباب سقوطها وانحطاطها.
следующие страницы →