فأبت, فهجم عليها هجمة شديدة وهو يصيح: أين المفتاح أيتها العاهر؟ فقالت: أتريد أن تقتلني كما قتلت أبي بالأمس؟ فلم يفهم معنى كلمتها ووقف في مكانه ذاهلا يقول لها: لم أفهم من أمرك شيئا, ماذا تريدين؟ ومن هو أبوك؟ قالت: هو المسيو "كابريني" وكيل مصرفك بالأمس الذي اتهمته ظلما وعدوانا بالسرقة وأنت تعلم أنه رجل شريف مستقيم, لو علم أن شرب الماء يفسد مروءته ما شربه, فكانت نهاية أمره أن مات في سجنه ميتة الأشقياء البؤساء, لا يعوده من أهله عائد، ولا يحتضنه إلى صدره في ساعته الأخيرة محتضن، ولا يوجد بجانب مضجعه من يسمع منه آخر كلماته.
فاصفر وجه "لورين" وظل جسمه يرتعد ارتعادا شديدا, وأخذ يحدق النظر في وجهها ويتراجع شيئا فشيئا ويقول بصوت مضطرب متقطع: إذن أنت لستِ ... فقاطعته وقالت: نعم لست حبيبتك "لوسي" كما تعتقد, بل عدوتك "إيلين" التي تريد أن تنتقم منك لفجيعتها في أبيها وفي نفسها، أنا "إيلين" التي جثت تحت قدميك منذ ستة أعوام تسألك أن ترحم أباها وترحمها فأبيت إلا أن تساومها في عرضها, فلما ضنت به عليك أردت النكاية بها فاتهمتها بتهمة القتل كذبا وافتراء كما صنعت بأبيها من
стр. 842
قبلها فصدق القضاة الأغبياء دعواك, فحكموا عليها بالسجن خمس سنوات كابدتْ فيها من صنوف العذاب وأنواع الآلام ما لا يستطيع أن يحتمله بشر، ثم خرجتْ من سجنها مصفِرة اليد من كل شيء في العالم، من بيتها وأهلها وكرامتها وشرفها وكل ما تملك يدها، حتى من القوت الذي تقيم به صلبها بياض يومها وسواد ليلها، وكان لا بد لها من المغامرة بنفسها في إحدى الهوتين، إما هوة الموت لترتاح من هموم الحياة وآلامها، أو هوة الفساد لتنتقم لنفسها من عدوها الذي نكبها وأفسد عليها حياتها، فآثرت الانتقام على الموت؛ لأن نفسها الطاهرة الطيبة قد استحالت إلى نفس شريرة حاقدة لا تريد أن تسمح لعدوها أن يبني سعادته على أنقاض شقائها, وأن يفلت من العقوبة التي هي النتيجة الطبيعية لجميع الذنوب والآثام، وها هي قد انتقمت لنفسها وروحت عنها همومها وآلامها.
فنكس رأسه مليا ثم رفعه وقال: إذًا ما أحببتني قط يا "لوسي"؟ قالت: نعم، بل ما اتصلت بك إلا لأسوقك إلى هذا المصير الذي صرت إليه اليوم، أنت الآن متألم جدا، بل لا يوجد في العالم كله ألم مثل الألم الذي يعتلج في أعماق نفسك؛ لأنك فقدت في يوم واحد شرفك وكرامتك ومالك وحريتك وموضوع حبك ووجهة آمالك في حياتك، وهذا ما كنت أريده وأرجوه، وهذه
стр. 843
هي الساعة الوحيدة التي شعرت فيها بلذة العيش, وهنائه من بين جميع ساعات حياتي.
فنظر إليها نظرة متضعضعة دامعة وقال: ما كنت لأحفل بخسران شيء في الحياة لو أنني ربحتك يا "لوسي" أما وقد أصبحت يدي صِفرا منك فلا خير في العيش من بعدك، ثم تهافت على مقعد بجانبه وانفجر باكيا ما تهدأ دموعه ولا يفتر نشيجه حتى حضر الجند فاعتقلوه وساقوه إلى سجنه, وهو صامت واجم لا يرفع طرفه ولا يلتفت وراءه, و"إيلين" تشيعه بنظرات السرور والاغتباط حتى انقطع أثره.
٥- نعم, إن الانتقام لذيذ جدا كما يقولون، ولكنه اللذة التي يعقبها الندم والأسف وتأتي على أثرها الحسرات والآلام، وما استطاع منتقم قط أن يزن عمله بميزان العدل والحكمة فتهدأ نفسه ويستريح ضميره بعد فراغه من انتقامه كما تهدأ نفس القاضي العادل بعد صدور حكمه بالعقوبة التي يراها، والفرق بينهما أن القاضي يصدر في رأيه عن نفس هادئة مطمئنة مستمسكة قادرة على الروية والأناة والمقارنة والمقابلة والوزن والتقدير، والمنتقم
стр. 844
يصدر في عمله عن روح هائجة محتدمة لا هم لها إلا أن تلتهم وتستأصل وتأتي على كل ما تستطيع الإتيان عليه، فهو يقضي قضاءه لا ليعاقب المجرم على جريمته، ولا ليدفع عن المجتمع شروره وآثامه، بل ليجرح نفسه ويؤلمها وينال منها أقصى ما يرى أنه كافٍ لشفاء حقده وإطفاء غلته، فيجازي على الشتم بالضرب، وعلى الضرب بالقتل، وعلى القتل بالتشويه والتمثيل، ولا يأبى أن يأخذ البريء بذنب المجرم، والجار بذنب الجار، فالانتقام جريمة كيفما كان الباعث عليه والدافع له، وكل جريمة تترك في نفس صاحبها نصيبا من الألم والحسرة بمقدارها، ما من ذلك بد، ولقد صدق الذي يقول: إن العفو مرارة ساعة ثم السعادة إلى الأبد، وإن الانتقام لذة ساعة ثم الشقاء الدائم الذي لا يفنى.
عادت "إيلين" إلى غرفتها بعد ذهاب "لورين" وكان الليل قد أظلها, فجلست تراجع فهرس حياتها الماضية وتقلب صفحاتها صفحة صفحة, فشعرت بدبيب السآمة والملل في نفسها, وخيل إليها أنها ستعيش بعد اليوم عيشة تافهة مملولة لا طعم لها ولا لذة فيها، ورأت كأن سحابة سوداء من شقاء الحياة وبؤسها تدنو منها شيئا فشيئا، وأخذت تسائل نفسها: هل أصابت فيما فعلت أم أخطأت؟ وهل سعدت بالانتقام أم شقيت؟ وهل كان خيرا لها أن تلقي
стр. 845
بنفسها في عباب الماء عندما فكرت في ذلك يوم خروجها من سجنها, أم تعيش لتضحي عرضها وشرفها وكرامتها في سبيل انتقامها؟ وهل خرجت من المعركة التي خاضتها ظافرة تمام الظفر, أم نالها من الخسران فيها ما يذهب ببهاء ذلك الانتصار الذي انتصرته؟
ولم تزل تسائل نفسها هذه الأسئلة فلا تسمع جوابا يرضيها حتى مضى الليل إلا أقله, فحاولت أن تأوي إلى مضجعها فلم تستطع وأن تسري عن نفسها بعض همومها فأعجزها ما أرادت، فلم تنقض دولة الظلام حتى كانت قد حكمت بنفسها على نفسها أنها مجرمة آثمة، وأنها لم تستفد شيئا من كل ما عملت سوى أنها باعت عرضها بأبخس الأثمان وأدناها، وأنها لم تسئ إلى الرجل الذي أرادت الانتقام منه بقدر ما أساءت إلى نفسها، فعزمت على الالتحاق بأحد المستشفيات الخيرية لتكفر عن ذنبها بخدمة المرضى, ومواساتهم طول حياتها حتى يوافيها أجلها.
٦- دخلت المستشفى وأخلصت إلى الله في عملها, فسهرت على المرضى وأحسنت مواساتهم وبذلت في ذلك من الجهد ما يعجز
стр. 846
غيرها عنه, حتى أصبحت مضرب المثل في صلاحها وتقواها ورحمتها وإحسانها.
وكانت المحكمة قد حكمت على المسيو "لورين" بالسجن عامين, فلقي في سجنه من المتاعب والآلام ما لا طاقة لمثله باحتماله, فسقط مريضا لا يحفل به أحد ولا يواسيه مواسٍ حتى اشتد به المرض وأشرف على الهلاك, فنقلوه إلى المستشفى التي كانت تمرض فيها "إيلين" فعرفته حين رأته رغم تغير صورته واستحالة حالته, فلم تستطع أن تملك عينيها من البكاء ثم حنت عليه وأخذت نفسها بتمريضه والعناية به, وهو ذاهل مستغرق لا يشعر بشيء مما حوله حتى استفاق في بعض الأيام, فرآها واقفة بجانب سريره تمد إليه يدها بالدواء, فظل يحدق النظر في وجهها طويلا حتى عرفها فتناهض من مكانه, وأكب على يدها يقبلها ويسألها العفو عن ذنبه إليها, فازداد نشيجها وبكاؤها وقالت له: إنني أنا التي أسأت إليك وأنا التي أطلب منك العفو والصفح، وكأن حياتها الجديدة التي انتقلت إليها حياة الصلاح والبر قد أنستها حياتها الأولى وأكاذيبها وأباطيلها, فلم يبق في قلبها أثر للبغض ولا للحقد، وأصبحت سريرتها سريرة بيضاء نقية لا تجول فيها غير خواطر الخير والإحسان, ولا تنطوي على غير حب الإنسانية وحب الله.
стр. 847
وكذلك ظلت تعالج هذا المسكين بإخلاص لا تضمر مثله الأم لواحدها وتقوم على خدمته ليلها ونهارها, ما تهدأ ولا تفتر, ولكن الداء كان قد تمكن منه فلم يغن عنه العلاج شيئا، وما هي إلا أيام قلائل حتى حضره الموت فجلست بجانبه تعزيه وتواسيه وتلقي في نفسه أن الله قد غفر له جميع سيئاته في حياته بما كابد فيها من العلل والأسقام والهموم والآلام، وأن جوار الله في دار جزائه خير له من جوار هذه الحياة الباطلة الفانية, حتى أسلم روحه بين ذراعيها.
وفي صباح اليوم الثاني رآها الناس سائرة بهدوء وسكون في طريق الدير, وقد لبست مسوحها وسوادها وعلقت صليبها على صدرها حتى بلغته, ففُتح بين يديها بابه العظيم الذي لا يخرج منه داخله إلى الأبد فدخلته, وكان ذلك آخر عهدها بالعالم وما فيه.
стр. 848
الخطبة الصامتة:
لما بلغ أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير نعي أخيه مصعب بن الزبير أمير العراق, صعد المنبر فجلس عليه ثم سكت فجعل لونه يحمر مرة ويصفر أخرى, فقال رجل من قريش لآخر بجانبه: ما له لا يتكلم, فوالله إنه للخطيب اللبيب؟! فقال له الرجل: لعله يريد أن يذكر مقتل سيد العرب فيشتد ذلك عليه, وغير ملوم إن جزع.
ووقف ليلة أمس سعد باشا زغلول في حفلة تأبين أخيه فتحي باشا زغلول وأراد أن يقول كلمة قصيرة يشكر فيها القائمين بتلك الحفلة, فاختنق بالبكاء وارتُج عليه وهو الرجل الجلد الشجاع الذي ما جزع في حياته قط, والخطيب المفوه الذي ما ارتُج عليه مرة في أصعب المواقف وأحرجها وأذهبها بالعقول والألباب، فما أشبه هذا البطل الباكي بذلك البطل الجازع.
وكذلك عظماء الرجال يضنون بدموعهم على نكبات الدهر وأرزائه أنفة وإباء, حتى إذا نزلت بهم كارثة من الكوارث التي
стр. 849
لا أمر فيها إلا لله وحده, لا يستحيون أن يقفوا بين يديه باذلين من شئونهم ما كانوا يضنون به من قبل.
على أن البكاء الذي حال بين سعد باشا وبين كلمته التي أرادها لم يحل بينه وبين أن يكون أفصح القائلين في ذلك الموقف وأنطقهم، فقد خطب الخطباء وأنشد الشعراء من قبله ساعتين كاملتين فكان كل ما كان لكلماتهم من الأثر في النفوس أن كان السامعون يتهامسون فيما بينهم بالإعجاب بفصاحة الفصيح أو نباهة المؤرخ أو بلاغة الشاعر أو إبداع المبدع في معانيه أو إحسان المحسن في إلقائه, حتى وقف هو وأرسل من جفنيه تلك الدمعة الحارة, فبكى الناس جميعا لبكائه؛ كبارا وصغارا, شيوخا وشبانا, وكان مشهدا مؤثرا لم نر مثله في حفلة تأبين قبل اليوم، فكان لتلك الخطبة القصيرة الصامتة المتفجرة من قلب مصدوع مكلوم من الأثر في النفوس ما لم يكن لتلك الخطب الناطقة الطوال.
ليس الذي يبكي صديقا كان يأنس بحديثة, أو عالما كان ينتفع بعلمه, أو كريما كان يستظل بظلال مروءته وكرمه كمثل الذي يبكي شظية طارت من شظايا قلبه.
стр. 850
اللفظ والمعنى:
لم أر فيما رأيت من الآراء في قديم الأدب وحديثه أغرب من رأي أولئك القوم الذين يفرقون في أحكامهم بين اللفظ والمعنى، ويصفون كلا منهما بصفة تختلف عن صفة الآخر، فيقولون: ما أجمل أسلوب هذه القصيدة لولا أن معانيها ساقطة مرذولة، أو ما أبدع معاني هذه القطعة لولا أن أسلوبها قبيح مضطرب، كأنما يخيل إليهم أن اللفظ وعاء, وأن المعنى سائل من السوائل يملأ ذلك الوعاء، فتارة يكون خمرا، وتارة يكون خلا، ويكون حينا صافيا، وأخرى كدرا، والوعاء باقٍ على صورته لا يتغير، وما علموا أنهما متحدان ممتزجان امتزاج الشمس بشعاعها والخمر بنشوتها، فكما لا يجوز أن نقول: ما أجمل الشمس وأقبح شعاعها، ولا ما أعذب الخمرة وأمر نشوتها، كذلك لا يجوز أن نصف اللفظ بالجمال والمعنى بالقبح، أو نعكس ذلك، فليعلم الناشئ المتأدب أنه ليس للفظ كيان مستقل بنفسه، فجماله جمال معناه وقبحه قبحه، وأن القطع الأدبية التي نصف أسلوبها بالجمال إنما
стр. 851
نصف بذلك معانيها وأغراضها، وأن الذين يزعمون من الشعراء أو الكتاب أن أساليبهم الغامضة الركيكة المضطربة تشتمل على معانٍ شريفة عالية كاذبون في زعمهم, أو واهمون.
لا يضطرب اللفظ إلا لأن معناه مضطرب في نفس صاحبه، ولا يغمض إلا لأن معناه غامض في نفسه، ومحال أن يعجز الفاهم عن الإفهام، ولا المتأثر عن التأثير، ولا المقتنع عن الإقناع، وما البيان إلا المرآة التي ترتسم فيها صورة النفس، فحيث تكون النفس جميلة فهو جميل، أو قبيحة فهو قبيح، أو مضيئة فهو مضيء، أو مظلمة فهو مظلم، فإذا استطعنا أن نتصور مرآة تكذب في تمثيل الصورة الماثلة أمامها، استطعنا أن نتصور بيانا يختلف في وصفه عن وصف نفس صاحبه.
يقول القائلون بمذهب التفريق بين اللفظ والمعنى عن مثل هذه القطعة:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهارَى رحالنا ... ولم يعلم الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
стр. 852
إنها جميلة الأسلوب ولكنها تافهة المعنى مرذولته, لا تشتمل على أكثر من الوصف والتصوير, كأنهم لا يعلمون أن التصوير نفسه من أجمل المعاني وأبدعها، بل هو رأس المعاني وسيدها والغاية الأخيرة منها، وقد رسم الشاعر في كلمته هذه صورة واضحة ناطقة للحجيج في حلهم, ومرتحلهم يسمعها السامع بأذنه وكأنه يراها بعينيه، فقد أتى بأجمل المعاني في أجمل الأساليب.
وإن وصفا قصيرا لحركة صغيرة من حركات النفس كقول الشريف:
وتلفتتْ عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب
لخير ألف مرة من قصيدة طويلة مملوءة بالمعاني الغريبة والخواطر المبتكرة التي لا تمثل الحقيقة, ولا تلتئم مع النفس ومزاجها كقصيدة المتنبي التي مطلعها:
"أيطمع في الخيمة العذل".
ويقولون أيضا عن هذا البيت:
أنى يكون أبا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد
إنه قبيح اللفظ ولكنه جميل المعنى، وهم واهمون فيما يقولون؛ فإن ذلك المعنى الجميل الذي يتوهمونه ليس معنى هذا البيت، بل المعنى الذي خطر على أذهانهم وانبعث في أفئدتهم عند سماعه، فألصقوه به إلصاقا وتوهموه له توهما، أما البيت نفسه فلا معنى له
стр. 853
مطلقا، وهذا شأن جميع المعاني التي يتوهمها متوهموها عند سماع بيت مستغلق أو كلمة غامضة، فهي بأن تكون معاني السامعين، أولى من أن تكون معاني القائلين.
إذا سمعت بيتا من السعر فأطربك أو أحزنك أو أقنعك أو أرضاك أو هاجك وأنت ساكن، أو هدأ روعك وأنت ثائر، أو ترك أي أثر من الآثار في نفسك كما تترك النغمة الموسيقية أثرها في نفس سامعها، فاعلم أنه من بيوت المعاني، وأن هذا الذي تركه في نفسك من الأثر هو روحه ومعناه، وإن مررت ببيت آخر فاستغلق عليك فهمه وثقل عليك ظله وشعرت بجمود نفسك أمامه, وخيل إليك أنك بين يدي جثة هامدة لا روح فيها, فاعلم أنه لا معنى له ولا حياة فيه، فإن وجدت صاحبه واقفا بجانبه يحاول أن يوسوس لك أن وراء هذه الظلمة الحالكة المتكاثفة نورا متوهجا يكمن في طياتها فكذبه وفر بنفسك وأدبك وذوقك منه فرارا لا عودة لك من بعده.
هذا هو الميزان الذي يجب أن تزن به الكلام، ونصيحتي إليك ألا تصدق تعريفا واحدا من تلك التعريفات المتعددة المتناقضة التي يضعها واضعوها من الأدباء لأشعارهم خاصة لا للشعر عامة، واجعل شعور نفسك هو الميزان الذي تزن به ما تسمع،
стр. 854
فكما أنك لا تعتمد على تعريف من تعريفات الجمال ولا تلجأ إلى قانون من قوانينه عند وقوع نظرك على وجه امرأة لمعرفة درجتها من الحسن، كذلك لا تعتمد في استحسان ما تستحسن من الكلام واستهجان ما تستهجن إلا على شعور نفسك, وإلهام حسك.
الشعر نغمة موسيقية قبل كل شيء, ثم يأتي بعد ذلك جمال الوصف وحسن التصوير وتمثيل الحقيقة واستخراج أسرار الكون وتحليل مشاعر النفس وأمثال ذلك من الأغراض والمقاصد على أن تكون تلك النغمة الموسيقية أساسها والروح السارية فيها ليتحقق الفرق بين الشعر والفلسفة، فالفلسفة غذاء العقل برزانتها وهدوئها وحججها وبراهينها، والشعر غذاء النفس برناته ونغماته وأهازيجه ونبراته.
نظم الشعراء الشعر من عهد الجاهلية إلى اليوم فمات جميع ما نظموا, ولم يبق منه إلا البيت الموسيقي الرنان الذي لو لم يغنه مغنيه لغنى وحده، وسيموت شعر جميع الشعراء في هذا العصر ولا يبقى منه في المستقبل إلا كما بقي من الماضي في الحاضر.
стр. 855
الآداب العامة:
يتحدث كثير من الناس عن فئة من المصريين المتعلمين قد ظهروا في هذه الأيام واتخذوا لأنفسهم في حياتهم العامة طريقا غير الطريق اللائقة بهم وبكرامتهم وبمنزلة العلم وشرفه, فأصبحوا متبذلين في شهواتهم، مستهترين في ميولهم، ينتهكون حرمات الأعراض ما شاءوا وشاءت لهم نزعاتهم وأهواؤهم، ويعبثون بها في كل مكان عبث الفاتك الجريء الذي لا يخاف مغبة ولا يخشى عارا، وأهول ما يتحدثون به عنهم في هذا الشأن أنهم يغرون الفتيات الطالبات اللواتي لا يزلن يختلفن إلى مدارسهن أو اللواتي انقطعن عنها منذ عهد قريب إلى منازلهن, وينصبون لهن صنوف الحبائل وأنواع الأشراك لاصطيادهن وإسقاطهن في هوة الإثم والعار، وهذا ما أريد أن أتكلم عنه قليلا.
أصحيح ما يقولون عنكم أيها الفتيان التعسون, أنكم تتخذون صلة العلم التي هي أشرف الصلات وأكرمها صلة فساد بينكم وبين أولئك الفتيات الضعيفات، وأن الحبالة التي تنصبونها لهن
стр. 856
لاصطيادهن إنما هي حبالة القلم الذي هو أفضل أداة للخير, وأعظم وسيلة للفضيلة, وخير واسطة للأدب والكمال؟
أصحيح ما يقولون عنكم, أنكم تكتبون إليهن ليكتبن إليكم, وتهدون إليهن صوركم ليهدين إليكم مثلها, فإذا امتلأت حقائبكم وجيوبكم بصورهن ورسائلهن أخذتم تنشرونها في كل مكان, وتعرضونها في كل معرض, وأخذ بعضكم يفاخر بعضا بكثرة ما يملك منها أو جماله أو رونقه كما يفخر المرء بأفضل المزايا وأشرف الخصال؟
أصحيح أنكم تقفون لهن بكل طريق وتأخذون عليهن كل سبيل وتضايقونهن في مغداهن ومراحهن وحيث ذهبن إلى عمل، أو خرجن لزيارة، أو برزن في مجتمع، فإذا عجزتم عنهن في الطريق أرسلتم وراءهن الرسل في منازلهن يخادعنهن ويخاتلنهن، وربما توسلتم إليهن بأخواتكم وبنات أعمامكم ليسفرن بينكم وبينهن ويداخلنهن مداخلة الأصدقاء حتى يجتذبنهن إلى منازلكم؟
أصحيح أنكم تقضون أكثر لياليكم مكبين على كتابة رسائل الغرام وتهذيبها وتنقيحها, وأكثر أيامكم حوما حول المنازل تنتظرون خدمها الذين اصطنعتموهم لأنفسكم ليحملوا رسائلكم إلى ساكنيها, أو جلوسا على أبوابها بجانب البوابين والحوذيين ترقبون
стр. 857
نوافذها وكواها علّها تنفرج لكم عمن تحبون؟
أصحيح أنكم أصبحتم لا تقنعون في أمر أولئك الفتيات البائسات اللواتي يقعن في مخالبكم بإفساد أخلاقهن حتى تسجلوا عليهن ذلك الفساد تسجيلا موقعا عليه بتوقيعاتهن, مستشهدا عليه بصورهن وخطوطهن لتملكوا عليهن أمرهن بعد ذلك, وتحولوا بينهن وبين التفلت من أيديكم والحياة بعيدا عنكم في جو غير جوكم, وجوار غير جواركم, عذارى أو متزوجات؟
أصحيح أنكم لا تكتفون بإفساد نفوسهن وضمائرهن حتى تفسدوا عليهن عقولهن وصحتهن, فتشركوهن معكم في شرب الخمر وتناول المخدرات سائلها وجامدها, فلا تلبث أن تنتهي حياتهن بما تنتهي به حياة جميع النساء الساقطات اللواتي يلفظن أنفاسهن الأخيرة في أقبية الحانات, أو بين جدران المواخير؟
أصحيح أنكم فقدتم في تلك السبيل التي تسلكونها خلق الرجولة والشهامة, فأصبحتم تتجملون للنساء بأخلاق النساء وتزدلفون إليهن بمثل صفاتهن وشمائلهن, وأصبح الرجل منكم لا هم له في حياته إلا أن يتجمل في ملبسه ويتكسر في مشيته ويرقق من صوته ويلون ابتساماته ونظراته بألوان التضعضع والفتور, ويقضي الساعات الطوال أمام مرآته متعهدا شعره
стр. 858
بالترجيل وبشرته بالتنضير وثناياه بالصقل والجلاء حتى صار ذلك عادة من عاداتكم التي لا تنفك عنكم, وحتى سرى التأنث من أجسامكم إلى نفوسكم فلم يبق فيكم من صفات الرجولة وأخلاقها غير الأسماء والألقاب؟
إن كان حقا ما يقولون كله أو بعضه, فرحمة الله عليكم أيها الفتيان المساكين وسلام على الفضيلة والشرف سلام من لا يرجو عودة, ولا ينتظر إيابا.
إن هذه الفتاة التي تحتقرونها اليوم وتزدرونها, وتعبثون ما شئتم بنفسها وضميرها إنما هي في الغد أم أولادكم وعماد منازلكم ومستودع أعراضكم ومروءاتكم، فانظروا كيف يكون شأنكم معها غدا وكيف يكون مستقبل أولادكم على يدها.
أين تجدون الزوجات الصالحات في مستقبل حياتكم إن أنتم أفسدتم الفتيات اليوم؟ وفي أي جو يعيش أولادكم ويستنشقون نسمات الحياة الطاهرة إن أنتم لوثتم الأجواء جميعها وملأتموها سموما وأكدارا؟
لا تتكون أخلاق الفتاة تكونا صحيحا في طفولتها أو كهولتها أو شيخوختها، بل في عهد شبابها، فإذا سلم لها ذلك العهد سلم لها كل عهد بعد ذلك، فدعوها تجتز هذه المرحلة الوعرة من مراحل
стр. 859
حياتها شريفة طاهرة, تجدوا فيها بعد قليل من الزمان خير زوجة للزوج, وخير أم للولد, وخير سيدة للمنزل.
لا تعجلوا عليها, وانتظروا بها قليلا لتستطيعوا أن تجدوها غدا زوجة طاهرة شريفة في منازلكم بدلا من أن تجدوها فتاة ساقطة مزدراة مطرحة على أعتاب المواخير والحانات.
لا تزعموا بعد اليوم أنكم عاجزون عن العثور بزوجات صالحات شريفات يحفظن لكم أعراضكم, ويحرسن سعادتكم وسعادة منازلكم, فتلك جناية أنفسكم عليكم، وثمرة ما غرست أيديكم، ولو أنكم حفظتم لهن ماضيهن لحفظن لكم حاضركم ومستقبلكم، ولكنكم أفسدتموهن وقتلتم نفوسهن، ففقدتموهن عند حاجتكم إليهن.
إنني لا أفزع في أمركم إلى القانون؛ فالقانون في هذا البلد مدني لا أدبي، ولا إلى الحكومة؛ فالحكومة مشغولة بشأن نفسها عن شأن غيرها، ولا إلى الدين فقد ضعف شأنه في نفوسكم حتى هان أمره عليكم، ولا إلى آبائكم وأولياء أموركم؛ فقد عجزوا عنكم وأصبحوا يبكون مع الباكين عليكم، بل أفزع في أمركم إلى ضمائركم التي هي الأمل الباقي لنا بعد فقد جميع آمالنا فيكم، فأصغوا إلى صوتها ساعة تسمعوا منها هذا الرجاء الذي نرفعه إليكم،
стр. 860
وصوت الضمير أقوى من كل صوت في العالم.
أصغوا إليه تسمعوه يقول لكم: "إن هؤلاء الفتيات اللواتي لا تستحيون أن تمدوا إليهن أعينكم وأيديكم إنما هن أخواتكم الحميمات يجمعكم وإياهن أب واحد وهو النيل, وأم واحدة وهي البلد، وشرف الإخوة هو الملجأ الأمين لأعراض الأخوات".
يجب أن ينفتح قلب الفتاة لأحد من الناس قبل أن ينفتح لزوجها؛ لتستطيع أن تعيش معه سعيدة هانئة لا ينغصها ذكرى الماضي, ولا تختلط في مخيلتها الصور والألوان, ولا أعرف فتاة في هذا البلد بدأت حياتها بغرام قط, فاستطاعت أن تتمتع بعده بحب شريف.
ولا أزال أذكر حتى اليوم حادثة ذلك الفتى الذي أهدت إليه حبيبته رسمها موقعا عليه بتوقيعها, فلما تزوجت وكان لا يحب منها ذلك أراد الانتقام منها فقطع رأس الصورة ووضعها على جسم عار بتلك الطريقة الفنية المعروفة ثم أرسلها مع كتاب وشاية إلى زوجها ليلة عرسها, فما لبثت أن خسرت في لحظة واحدة سمعتها وسعادتها.
وحدثني من أثق به أن كثيرا من الفتيات الفاسدات لا يتزوجن إلا بعد أن يأخذن على أنفسهن عهدا أمام أصدقائهن على
стр. 861
أن يكن لهم بعد الزواج، أي: بعد أن يصبحن مطلقات من قيود العذرة وروابطها، وقلما تتزوج فتاة ذات صلات فاسدة من رجل إلا وردت عليه ليلة البناء بها أو صبيحتها كتب الوشاية بها والسعاية من الأشخاص الذين أحبتهم, وأخلصت إليهم, فانتهى أمرها في حياتها الجديدة بالشقاء والعار.
نحن في حاجة إلى أن نعلم بناتنا؛ لأننا لا نريد أن يعشن جاهلات متأخرات، فتنحوا عن طريقهن أيها الغواة المفسدون ليستطعن أن يختلفن إلى مدارسهن آمنات مطمئنات على أنفسهن وأعراضهن، ولا تزعجوهن بفضولكم وإسفافكم؛ فإننا لم نبعث بهن في تلك السبيل ليفسدن شرفهن وعفتهن، بل ليضفن إلى فضيلة الأدب والكمال فضيلة العقل والعلم.
أفسحوا الطريق لهن وللعاملة الخارجة في طلب رزقها، والأرملة المسترزقة لبنيها، والفقيرة العاجزة عن قضاء حاجتها إلا بنفسها، والذاهبة لصلة رحمها، والسائرة لزيارة قبر فقيدها، ولا تكونوا حجر عثرة في سبيل حرية المرأة وعملها واضطرابها في مذاهب الأرض سعيا وراء رزقها وقضاء حقوقها، فإن أبيتم عليها ذلك فاعترفوا أنكم أعداؤها الألداء المتوحشون؛ لأنكم تأبون
стр. 862
عليها إلا إحدى الخطتين القاتلتين؛ إما الجهل الدائم أو السقوط العظيم.
الفضيلة الفضيلة أيها القوم! فهي العزاء الوحيد لهذه الأمة المسكينة عن جميع آلامها ومصائبها، والأمل الباقي لها إن ضاعت -لا قدر الله- جميع آمالها وأمانيها، والشرف الشرف! فربما جاء يوم لا يبقى لنا فيه شيء سواه.
стр. 863
المؤتمر الإسلامي:
سرني منظر ذلك الرجل١ العظيم والداعي الكريم وهو قادم إلى مصر يتخطى البلدان ويطوي الغبراء طي الكواكب الخضراء، يقوده الأمل ويسوقه الرجاء، وبين جنبيه همة عالية ونفس كبيرة وقلب مشيع وفؤاد في الأفئدة كالنسر في الطير، يحلق في جو الإسلام تحليق من يحاول أن يظلله بجناحيه.
سرني منظره -وإن لم أره- وهو قائم بين جماعة المسلمين يحاول أن يرأب صدعهم، ويلم شعثهم، ويجمع كلمتهم، ويؤلف بين قلوبهم، ويدعو إلى الله تعالى دعوة النبوة الأولى، إلا أن تلك عربية تدعو الأعجمية، وهذه أعجمية تدعو العربية الفصحى.
هنا ذكرت الإسلام ومجده، والإسلام وجنده، والإسلام ودولته، والإسلام وصولته، وذكرت أبا بكر وهو يقاتل أهل
стр. 864
الردة ويقول: والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم عليه، وذكرت عمر وهو واقف في مرابض المدينة في حمارة القيظ يستقبل شبحا أسود يرفعه الآل ويخفضه، ويبديه الأديم ويخفيه، حتى اقترب منه فتبينه, فإذا هو أعرابي قادم من سواد العراق, فجعل يسايره وهو راجل والأعرابي راكب لا يعرفه، وجعل يسأله ما فعل الله بسعد وجنده؟ فيحدثه القادم عن فتح القادسية والمدائن، وما أفاء الله به على المسلمين من عرش كسرى وذخائره وتراث مرازبته ودهاقينه، وعمره لاهٍ عن نفسه سرورا بما سمع, وفرحا بما تم.
وذكرتُ صلاح الدين وهو يقود الجحفل اللجب، والجيش العرمرم، إلى حيث يستنقذ الثغور ويستخلص الأمصار، ويخوض جمرة الحرب المتأججة ليفتدي بنفسه أجساما إن لم تلتهمها النيران فكأن قد، وذكرت محمدا الفاتح وهو يلعب بكرة الأرض لعب الصبي بكرته، ويخترق بسفائن البحر رمال القفر، حتى نزل بالقسطنطينية نزول القضاء من السماء، وسجد في معبد آيا صوفيا سجدة الشكر لله على نعمته وحسن توفيقه، وذكرت صقر قريش وقد طار بمفرده من الشرق إلى الغرب، فأنشأ وحده دولة خضعت لها إفريقيا وبعض أوروبا، وذكرت مع أبطال
стр. 865
الحرب أبطال السلم، فذكرت عمر بن عبد العزيز وعدله، والمأمون وفضله، والغزالي وحكمته، وابن رشد وفلسفته، ومعاوية وسياسته، وعبد الملك وكياسته، وذكرت مدارس بغداد وبخارى والإسكندرية والقاهرة وغرناطة وإشبيلية وقرطبة، وذكرت مترجمي كتب أقليدس وبطليموس وأرسطو، وواضعي علوم الجبر والمقابلة والكيمياء، وذكرت مخترعي البندول والبوصلة "بيت الإبرة" والساعة الدقاقة التي أهداها الرشيد إلى شارلكان ملك فرنسا, ففزع منها سامعوها فزعا شديدا وسموها شيطانا رجيما أو آلة سحرية أو مكيدة عربية، إلى كثير من أمثال هذه الآثار العربية والمفاخر الإسلامية.
ثم ذكرت الإسلام إذ ضربه الدهر بضرباته ورماه بنكباته فأصبح أثرا من الآثار، أو خبرا من الأخبار، وعليلا حار فيه أطباؤه، ومله عواده، وظل متراوحا بين داهيتين، ومترجحا بين غايتين، إما أن يموت موتة أبدية وبالله العياذ، أو يحيا حياة مادية لا حياة أدبية، وينهض جامعة تجارية لا جامعة إسلامية، ما دامت المادة قاعدة الحكومات، وما دامت الحكومات عدوة الأديان، وما دامت الأديان لا تبلغ غايتها إلا في فضاء من الحرية لا يبلغ البصر أطرافه؛ لذلك أحزنني عند سماع خطبة الخطيب
стр. 866
ما يحزن الأشيب من ذكرى الشباب إذا عثر بين أوراقه البالية على رسائل الحب وأناشيد الغرام، وأمضني ما يمض العاشق المفارق، إذا مر بالآثار، وأطلال الديار، فرأى النؤي والأحجار، وموقد النار، ومجال الخيول، ومجر الذيول، فذكر ما كان ناسيا، وهاج من وجده ما كان كامنا، فبكى واستعبر:
وود بجدع الأنف لو عاد عهدها ... وعاد له فيها مصيف ومربع
стр. 867
الجاهليتان:
ليست الجاهلية الأولى بأحوج إلى الإصلاح الديني من الجاهلية الأخرى، بل ربما كانت هذه أحوج من تلك إليه.
كانت الجاهلية الأولى تعبد الأوثان لتقربها إلى الله زلفى، وجاهليتنا تعبد الأحجار والأشجار، والأحياء والأموات، والأبواب والكوى، والقواعد والأعمدة، تبركا أو تقربا، لفظان مترادفان، مختلفان لفظا، متفقان معنى، ومن ظن غير ذلك فقد خدع نفسه.
كانت الجاهلية الأولى متفرقة قبائل وشعوبا، وجاهليتنا متفرقة منازل وبيوتا، بل آحادا وأفرادا، فلا تراحم ولا تواصل، ولا تعارف ولا تعاطف، حتى بين الأخ وأخيه، والأب وبنيه.
كانت جاهليتهم تسفك الدماء في طلاب الأوتار، وجاهليتنا تسفكها في سبيل السرقات وقضاء الشهوات، وكان أفظع ما في جرائمهم وأد البنات، فصار أخف ما في جرائمنا الانتحار، وكان بعضهم يبغي على بعض بسرقة ماله، أو استياق ماشيته، ففعلنا مثل ما فعلوا وفوق ما فعلوا، ثم فضلناهم بعد ذلك بتزوير الأوراق
стр. 868
وتحريف الصكوك وتقليد الأختام والبراعة في النصب والاحتيال، يكاد يستوي في ذلك العالم والجاهل والشريف الهاشمي والفلاح القروي.
وليتنا إذ أخذنا جاهليتهم أخذناها كما هي رذائل وفضائل فيهون على المصلحين أمرها, ولكنا أسأنا الاختيار، فلنا خرافاتهم الدينية وأدواؤهم الاجتماعية، وليس لنا كرمهم ووفاؤهم، وغيرتهم وحميتهم، وعزتهم ومنعتهم، فكيف لا يكون الأمر خطيرا، وكيف لا تكون الجاهلية الأخرى أحوج إلى دعوة كدعوة النبوة من الجاهلية الأولى.
نبئني عن الإسلام أين مستقره ومكانه، وأين مسلكه ومضطربه، وفي أي موطن من المواطن حل ومعهد من المعاهد نزل، أفي الحانات والمواخير التي يغص بها الفضاء، وتئن منها الأرض والسماء، والتي ينتهك فيها المسلمون حرمات دينهم بلا خجل ولا حياء، كأنما هم يشربون الماء الزلال، ويغشون البضع الحلال، ولقد هان عليهم أمر أنفسهم حتى لو وجدوا بينهم من يرى البُقيا في عمله أو التجمل في أمره سموه جبانا جامدا، أو متكلفا باردا، كل ذلك على مرأى ومسمع من الحكومة الإسلامية والمعاهد الدينية والقضاءين الشرعي والنظامي؟
стр. 869
أم في حوانيت الباعة حيث الغش الفاضح والغبن الفاحش، مزخرفا بالأقوال الكاذبة، والأيمان الباطلة؟
أم في مجالس الأحكام حيث للدينار الأحمر السلطان الأكبر على سلطان العدل وسلطان الذمة وسلطان الشرائع، اللهم إلا ما كان من تلك الألواح المكتوب فيها: "العدل أساس الملك" أو ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ؟
أم في المساجد حيث يعتقد المصلون أنه لو كانت الفترة بين الصلاتين مائة عام وكانت تلك الأعوام مملوءة بالآثام والجرائم، والمفاسد والمظالم، لكفت تلك الحركات التي يسمونها صلوات، ويحسبونها حسنات، لغفران تلك السيئات؟
أم في معاهد الدين حيث يتلقى المتعلمون الدين جسما بلا روح، وعلما بلا عمل، كأنما يتلهون بدراسة إحدى الشرائع الداثرة، أو أحد الأديان الغابرة، وحيث يتلقون كشكولا عجيبا وخلقا غريبا من الأكاذيب والترهات، فلا تكاد تسمع من أفواههم إلا حديثا موضوعا، أو قولا مصنوعا، أو خرافة تاريخية، أو بدعة دينية، وحيث يقضون حياتهم في المناظرات والمجادلات، والتحاسد والتباغض، والتقاطع والتدابر، وهي بعينها الأخلاق والرذائل التي ما جاءت الأديان إلا لمحاربتها والقضاء عليها، فهم يهدمون من حيث
стр. 870
يظنون أنهم يبنون، ويسيئون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا؟
أم في مجالس المتصوفة حيث الألعاب الجمبازية، والحركات البهلوانية، والسرقات باسم العادات، وانتهاك الحرمات بعنوان البركات؟
إن أراد المصلحون لأنفسهم نجاحا, وللإسلام صلاحا فليبدءوا عملهم بتهذيب العقائد الدينية وتربية النشء الحديث تربية إسلامية لا تربية مادية، أي: إنهم يدخلون إلى الإصلاح من باب الدين لا من باب الفلسفة، حتى يجمعوا للمسلمين بين صلاح حالهم ومآلهم، ودنياهم وآخرتهم، وحتى يكون الدين هو الزاجر والمؤدب، والمعلم والمهذب، والإسلام وإن كان دين العقل والفطرة والتهذيب والإصلاح إلا أن الخطر كل الخطر على المسلمين أن يكون في نظرهم تابعا للعقل, وأن يكون العقل هو الحكم بينهم وبينه، والخير كل الخير في أن يكون الدين حاكما، والعقل مفسرا ومبينا، فإذا تم ذلك للمصلحين بالرفق والأناة، والحكمة والسياسة، فقد تم لهم كل شيء، وتم للمسلمين ما يريدونه من الجامعتين الدينية والسياسية، كما تم لهم ذلك في العهد الأول من هذا الباب نفسه وفي هذا الطريق المستقيم، فهل يستطيع
стр. 871
دعاة الإصلاح في الجاهلية الأخرى أن يكونوا كدعاته في الجاهلية الأولى؟ وهل يستطيعون أن يخلصوا لله في عملهم جادين مثابرين, لا تأخذهم فيه هوادة ولا عنه سِنة, وأن لا يرى أحدهم لنفسه على أخيه فضلا إلا بالإيمان والتقوى, وأن يرى كل منهم نفسه بمنزلة المجاهد في سبيل الله يتحمل الأذى ويستسهل الوعر ويحتمل الكريهة لا يجعل لليأس إلى قلبه سبيلا, ولا للهوان على نفسه سلطانا؟
هل يستطيع المصلحون أن يكونوا كذلك ليصلحوا في الآخرين ما أصلح المصلحون في الأولين؟
"لست أدري, ولا المنجم يدري".
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله فاعل
стр. 872
في أكواخ الفقراء:
مترجمة
مضى الليل إلا قليلا والظلام مخيم على الكون بأجمعه والكواكب ملتفعة بأردية السحب ما يستشف منها الناظر بصيصا ولا قبسا، والفضاء بحر خضم مترامي الأرجاء إلا أنه ساكن الصفحة، جامد الحركة، يقصر فيه قاب العين، وتضل في تيهه أشعة النظر حتى عن نفسها، والغيوث منهلة متواصلة تهمي بقوة واحدة وقوام واحد، لا تغزر ولا ترقّ، ولا تلتف خيوطها ولا تختلف نغمتها، كأنما هي شباك, ممتدة بين السماء والأرض، وكوخ السماك "فيليب" جاثم في مجثمه بين الأكواخ المحيطة به لا يرى فيه الداخل غير مصباح ضئيل تجاهد ذبالته جهادا شديدا في تمزيق قطع الظلام المتكاثفة حولها، ومجمرة هامدة قد خبت نارها إلا بقايا جمرات شاحبات قد التفت بأكفانها البيضاء، وأخذت طريقها في مدرجة الفناء، وقد يرى
стр. 873
الناظر على ضوء ذلك المصباح الضئيل بضع شباك ومذاود معلقة بالجدران كأنها الأشباح الماثلة، ومنضدة عارية قد نُشرت فوقها بضعة أوانٍ نحاسية تلمع لمعانا ضعيفا في ذلك الحندس كأنها عيون الجنادب، فإذا دار الواقف بنظره حوله رأى حشية مطرحة على الأرض قد اضطجع فوقها ثلاثة أطفال متلاصقين آخذ بعضهم بأعناق بعض كما تتآخذ الأفراخ في أعشاشها، وكما يضم الخوف الضلوع إلى الضلوع، وعلى مقربة من فراشهم امرأة صفراء شاحبة جاثية على ركبتيها تصلي وتبتهل وتدعو الله تعالى بصوت خافت متهافت أن يرد لها زوجها سالما وكان قد خرج كعادته لصيد السمك من البحر, فلم يعد حتى الساعة.
وإنها لكذلك إذ هبت الزوبعة هبوبا عظيما, فاهتزت لها جوانب الكوخ اهتزازا شديدا وأنَّ لوقعها الأطفال في لفائف أغطيتهم فطار قلبها فزعا ورعبا، وخيل إليها أن هدير الأمواج ودمدمة الرعود وزفيف الرياح وقعقعة السقوف والجدران إنما هي نذر السوء تنذرها بمصير زوجها المسكين في أعماق ذلك الأوقياس العظيم، فظلت تردد بينها وبين نفسها: رب إني بائسة مسكينة لا سند لي ولا عضد، وإن هؤلاء الأطفال الصغار عاجزون لا يستطيعون أن يقوتوا أنفسهم, ولا أن يعتمدوا على
стр. 874
حولهم وحيلتهم في شئون حياتهم، فاحفظ لي ولهم حياة ذلك الرجل المسكين الذي أسلم أمره إليك، وأودع حياته بين يديك، وخرج في طلب الرزق من عندك ليعود به على هذه الأسرة الفقيرة المعدمة, فلم يعد حتى الساعة، ولا ندري ما فعلت به يد الأقدار.
ما أعظم بؤسنا وشقاءنا نساء الصيادين وأولادهم!
إنهم يتركوننا وحدنا في هذه الأكواخ الموحشة ويذهبون لطلب العيش في ذلك التيه العظيم الذي لا نهاية لعمقه ولا حد لاتساعه ولا عاصم من مخاطره، ويحاولون انتزاع رزقهم من بين ماضغي تلك الأمواج الموثبة الفاغرة أفواهها كالذئاب الجائعة تحاول التهام كل ما يدنو منها، ولعل القدر الذي نخشاه عليهم في هذه الساعة قد نزل بهم فلم تغن عنهم شيئا تلك الألواح الخشبية الرقيقة التي يسمونها زوارق، ولعلهم لبثوا ساعات طوالا يصارعون الأمواج وتصارعهم حتى غلبتهم على أمرهم فداروا بأعينهم من حولهم ليفتشوا عن زوارقهم المنقلبة فلم يروا منها إلا بقاياها المتطايرة في أيدي الرياح, فحاولوا أن يسبحوا إليها فأفلتت من أيديهم, فنال منهم العياء فهووا إلى ذلك القاع العميق ليصبحوا فيه طعاما للأسماك التي كانوا يظنون منذ ساعة أنها ستصبح طعاما لهم،
стр. 875
هنالك يأتينا نعيهم فنبكي ونندب ونهرع إلى الشاطئ والهين مدلهين, ونقف أمام ذلك العالم المجهول الغامض صائحين أن رد إلينا أيها الوحش المفترس بعولتنا وأولادنا وأفلاذ أكبادنا, أو تكشف عن نفسك قليلا علنا نرى جثثهم في قاعك، فلا نسمع ملبيا ولا مجيبا.
وهنا هدأت الزوبعة قليلا وخفتت أصوات الرياح, فسكن بعض ما بها ونهضت من مكانها فتناولت المصباح, وفتحت باب الكوخ وقلبت وجهها في أفق السماء لترى كم بقي بينها وبين الصباح، وكان الظلام لم يزل حالكا والمطر لم يزل متدفعا, فمدت يدها بالمصباح أمامها لترى هل من مقبل يتقدم أو شبح يتحرك, فلم يقع نوره إلا على كوخ بعيد منفرد لا نور فيه ولا حركة, فتذكرت حينما وقع عليه نظرها أنه كوخ تلك الأرملة المسكينة "جانت" التي مات زوجها غريقا منذ بضعة شهور وخلف لها أطفالا صغارا تقاسي الآلام الشداد والأهوال العظام في تدبير عيشهم وتقويم أودهم، فمر بخاطرها أن تزورها وتتعرف حالها؛ لأنها كانت تعلم أنها مريضة مدنفة, وأنها كابدت ليلة أمس من دائها عناء عظيما، وأقرب ما تكون النفوس إلى النفوس إذا جمعتها في صعيد واحد هموم الحياة وآلامها، فأخذت طريقها
стр. 876
إلى ذلك الكوخ حتى بلغته, فوقفت على بابه وقرعته مرارا كثيرة فلم يرد عليها أحد, فدفعته ففتح فدخلت رافعة مصباحها بيدها فأنار لها ما حولها, فرأت بين يديها للنظرة الأولى ما أرعد فرائصها, واستوقف دقات قلبها, وأمسك الدم عن جريانه في عروقها.
رأت الكوخ يهتز ويضطرب في أيدي الرياح المتناوحة, ورأت مياه الأمطار تسيل من سقفه الواهي الأخرق فتبلل كل شيء فيه، ورأت فراشا قذرا من القش قد رقدت فوقه الأرملة "جانت" رقدة ساكنة جامدة لا حس فيها ولا حركة، فدنت منها فإذا هي ميتة، وإذا قطرات من الماء تنحدر على جبينها ورأسها وغطائها البالي الممزق، فوقفت أمام هذا المنظر المخيف المرعب ذاهلة مشدوهة, ثم صاحت:
هذه نهاية الفقراء على ظهر الأرض، وهذا مصيرهم الذي يصيرون إليه بعد جهادهم في سبيل الحياة زمنا طويلا.
إنهم يعيشون في هذا العالم مجهولين مغمورين لا يعرفهم أحد, ثم يخرجون منه متسللين متلاوذين لا يشعر بخروجهم أحد حتى أهلوهم وذوو أرحامهم.
ما يدريني أن لا يكون مصيري ومصير أولادي غدا هذا المصير الذي أراه الآن، وقد لا تدخل علينا في تلك الساعة
стр. 877
جارة مثلي ترانا, وترثي لحالنا كما أرثي الآن لحال هؤلاء المساكين.
ثم خلعت رداءها فأسبلته على جثة الميتة ودارت بمصباحها في أنحاء الغرفة, فرأت طفليها الصغيرين نائمين على فراشهما وجها لوجه, وعلى ثغر كل منهما ابتسامة صغيرة كأن شبح الموت الهائم حول مضجعهما لا يخيفهما ولا يزعج سكونهما, ورأت رداء أمهما وكانت تعرفه قبل اليوم مسبلا على جسمهما, فخيل إليها أنها ترى منظر تلك المرأة المسكينة قبل ساعة أو ساعتين وهي تعالج في فراشها سكرات الموت ثم تلتفت من حين إلى حين إلى طفليها النائمين, والمطر يتساقط عليهما والبرد يعبث بأعضائهما فتشفق عليهما وترثي لهما حتى ضاقت بها ساحة الصبر, فخلعت عنها رداءها وهي أحوج ما تكون إليه وألقته عليهما, ثم ألقت بنفسها على فراشها وأسلمت روحها.
وقفت ماري أمام هذه المناظر المؤلمة والريح تئن أنين الوالهين المتسلبين والموج يعج عجيج أجراس الموت وقطرات الماء تنحدر من جبين الميتة إلى خديها الشاحبين كأنما هي تذرف دموع الحزن على فراق ولديها، وكان الفجر قد أخذ يمسح عن وجهه صبغة الظلام ويرسل بعض أشعته في جوانب الكوخ, فأطفأت المصباح الذي بيدها ووضعته جانبا, ثم جثت بجانب الميتة وصلت
стр. 878
لها ما شاء الله أن تفعل, ثم نهضت ومشت إلى مكان الطفلين وانحنت عليهما وحملتهما برفق وسكون وسارت بهما حتى بلغت كوخها, فوضعتهما بجانب طفليها وأسبلت عليهم جميعا رداء واحدا.
ثم جلست بجانبهم تقول بينها وبين نفسها: لا أدري أأصبت فيما فعلت أم أخطأت؟ وإنما أدري أن المرأة التي أودع الله قلبها شعور الأمومة ورحمتها لا تستطيع أن ترى طفلين طريحين على فراشهما في كوخ عارٍ من كل شيء إلا من جثة أمهما ثم تتركهما وشأنهما دون أن تعلم ما مصيرهما بعد ذلك.
إن المنظر الذي رأيته ما كان لا يسمح لي بالتفكير في نتيجة العمل الذي أعمله، فإن تبين لي بعد ذلك أني مخطئة، فليس معنى هذا أني كنت أستطيع تجنب الوقوع في هذا الخطأ؛ لأن قلبي من لحم ودم لا من فولاذ وصوان.
نعم, إن زوجي فقير وإن طفليّ معدمان لا يكادان يشبعان من الخبز, وإن عناءنا في تربية أربعة أطفال سيكون ضعف عنائنا في تربية طفلين، ولكن لا يجوز لنا ضنا براحة أنفسنا أن نترك طفلين صغيرين يموتان على مرأى منا, ومسمع بردا وجوعا.
ذلك ما سأقوله لزوجي عند رجوعه، وما أحسبه قاسيا ولا متوحشا فينقم عليّ فعلتي هذه ويأمرني بإلقائهما خارج الباب.
стр. 879
ثم وقفت عن الكلام فجأة؛ لأنها سمعت صرير الباب وهو يدور على عقبه فارتعدت ثم علمت أنها الريح, فأطرقت برأسها ساعة ذهبت فيها بتصوراتها وأفكارها كل مذهب, فبكت وضحكت، وغضبت ورضيت، وأمّلت ويئست، ورحمت وقست، وحمدت فعلتها وندمت عليها, وأحسنت الظن بزوجها وأساءته به، وظل فؤادها نهبا مقسما في يد الهموم والأفكار حتى شعرت بسواد يتقدم نحوها فاستطير قلبها خوفا ورعبا وانتبهت, فإذا زوجها داخل يحمل شبكته وأعواده على ظهره والماء يقطر منها, فنهضت إليه وعانقته ثم ألقت نظرها على وجهه فأنكرت شحوبه وتضعضعه كما أنكر ذلك من وجهها حين رآها, وسألته: كيف كان حظه الليلة؟ وماذا كان شأنه مع العاصفة؟ فألقى بشباكه وقصبه على الأرض وظل يقول: أما الليلة فكانت مزعجة جدا لم أر في حياتي مثلها، وأما الصيد فها هي يدي صفر منه كما ترين، ولولا رحمة الله بي وبكم لهلكت، وما أنا بآسف على شيء ما دمت أراكم بخير، كيف حال الولدين؟ فارتعشت وقالت: هما بخير، قال: ما لي أراك شاحبة صفراء؟ وكيف قضيت ليلتك؟ فأطرقت برأسها وقالت: قضيتها في خياطة قميصين للولدين، وكنت كلما سمعت
стр. 880
صوت العاصفة وهدير الأمواج خفت عليك، أما الآن فقد زال كل شيء والحمد لله، ثم نظرت إليه وبين شفتيها كلمة تحاول أن تنطق بها فلا تستطيع، ثم استنصرت جلدها وقوتها وقالت: وشيء آخر أحزنني جدا، قال: وما هو؟ قالت: قد علمت الساعة قبل رجوعك بقليل أن جارتنا "جانت" توفيت, وأن ولديها الصغيرين قد أصبحا وحيدين في هذا العالم, لا عائل لهما.
فاضطرب عند سماع هذه الكلمة ونهض من مكانه وتمشى قليلا, ثم ألقى بقبعته المبللة بالماء على سريره وظل يعبث بشعر رأسه فيشده أحيانا, ويمسحه أخرى وهي تتبعه بنظراتها لتقرأ صورة نفسه على وجهه، ثم جلس على المنضدة الممتدة في وسط الكوخ وظل يقول بينه وبين نفسه بصوت ضعيف متهدج:
رب, إني وإن كنت رجلا جاهلا فدما وليس في استطاعتي أن أفهم حكمتك في حرمان هذين الولدين البائسين من أمهما, إلا أنني لا أستطيع أن أنكر وجودهما، ولعل الذين يعلمون أكثر مما أعلم يفهمون من شئونك وتصرفاتك أكثر مما أفهم.
نعم, إنني فقير مسكين, أعيش تحت رحمة المصادفات والاتفاقات, وربما مر علي وعلى أولادي عدة أيام لا نجد