Полный текст (1 016 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
إلى ذلك الكوخ حتى بلغته, فوقفت على بابه وقرعته مرارا كثيرة فلم يرد عليها أحد, فدفعته ففتح فدخلت رافعة مصباحها بيدها فأنار لها ما حولها, فرأت بين يديها للنظرة الأولى ما أرعد فرائصها, واستوقف دقات قلبها, وأمسك الدم عن جريانه في عروقها.
رأت الكوخ يهتز ويضطرب في أيدي الرياح المتناوحة, ورأت مياه الأمطار تسيل من سقفه الواهي الأخرق فتبلل كل شيء فيه، ورأت فراشا قذرا من القش قد رقدت فوقه الأرملة "جانت" رقدة ساكنة جامدة لا حس فيها ولا حركة، فدنت منها فإذا هي ميتة، وإذا قطرات من الماء تنحدر على جبينها ورأسها وغطائها البالي الممزق، فوقفت أمام هذا المنظر المخيف المرعب ذاهلة مشدوهة, ثم صاحت:
هذه نهاية الفقراء على ظهر الأرض، وهذا مصيرهم الذي يصيرون إليه بعد جهادهم في سبيل الحياة زمنا طويلا.
إنهم يعيشون في هذا العالم مجهولين مغمورين لا يعرفهم أحد, ثم يخرجون منه متسللين متلاوذين لا يشعر بخروجهم أحد حتى أهلوهم وذوو أرحامهم.
ما يدريني أن لا يكون مصيري ومصير أولادي غدا هذا المصير الذي أراه الآن، وقد لا تدخل علينا في تلك الساعة
стр. 877
جارة مثلي ترانا, وترثي لحالنا كما أرثي الآن لحال هؤلاء المساكين.
ثم خلعت رداءها فأسبلته على جثة الميتة ودارت بمصباحها في أنحاء الغرفة, فرأت طفليها الصغيرين نائمين على فراشهما وجها لوجه, وعلى ثغر كل منهما ابتسامة صغيرة كأن شبح الموت الهائم حول مضجعهما لا يخيفهما ولا يزعج سكونهما, ورأت رداء أمهما وكانت تعرفه قبل اليوم مسبلا على جسمهما, فخيل إليها أنها ترى منظر تلك المرأة المسكينة قبل ساعة أو ساعتين وهي تعالج في فراشها سكرات الموت ثم تلتفت من حين إلى حين إلى طفليها النائمين, والمطر يتساقط عليهما والبرد يعبث بأعضائهما فتشفق عليهما وترثي لهما حتى ضاقت بها ساحة الصبر, فخلعت عنها رداءها وهي أحوج ما تكون إليه وألقته عليهما, ثم ألقت بنفسها على فراشها وأسلمت روحها.
وقفت ماري أمام هذه المناظر المؤلمة والريح تئن أنين الوالهين المتسلبين والموج يعج عجيج أجراس الموت وقطرات الماء تنحدر من جبين الميتة إلى خديها الشاحبين كأنما هي تذرف دموع الحزن على فراق ولديها، وكان الفجر قد أخذ يمسح عن وجهه صبغة الظلام ويرسل بعض أشعته في جوانب الكوخ, فأطفأت المصباح الذي بيدها ووضعته جانبا, ثم جثت بجانب الميتة وصلت
стр. 878
لها ما شاء الله أن تفعل, ثم نهضت ومشت إلى مكان الطفلين وانحنت عليهما وحملتهما برفق وسكون وسارت بهما حتى بلغت كوخها, فوضعتهما بجانب طفليها وأسبلت عليهم جميعا رداء واحدا.
ثم جلست بجانبهم تقول بينها وبين نفسها: لا أدري أأصبت فيما فعلت أم أخطأت؟ وإنما أدري أن المرأة التي أودع الله قلبها شعور الأمومة ورحمتها لا تستطيع أن ترى طفلين طريحين على فراشهما في كوخ عارٍ من كل شيء إلا من جثة أمهما ثم تتركهما وشأنهما دون أن تعلم ما مصيرهما بعد ذلك.
إن المنظر الذي رأيته ما كان لا يسمح لي بالتفكير في نتيجة العمل الذي أعمله، فإن تبين لي بعد ذلك أني مخطئة، فليس معنى هذا أني كنت أستطيع تجنب الوقوع في هذا الخطأ؛ لأن قلبي من لحم ودم لا من فولاذ وصوان.
نعم, إن زوجي فقير وإن طفليّ معدمان لا يكادان يشبعان من الخبز, وإن عناءنا في تربية أربعة أطفال سيكون ضعف عنائنا في تربية طفلين، ولكن لا يجوز لنا ضنا براحة أنفسنا أن نترك طفلين صغيرين يموتان على مرأى منا, ومسمع بردا وجوعا.
ذلك ما سأقوله لزوجي عند رجوعه، وما أحسبه قاسيا ولا متوحشا فينقم عليّ فعلتي هذه ويأمرني بإلقائهما خارج الباب.
стр. 879
ثم وقفت عن الكلام فجأة؛ لأنها سمعت صرير الباب وهو يدور على عقبه فارتعدت ثم علمت أنها الريح, فأطرقت برأسها ساعة ذهبت فيها بتصوراتها وأفكارها كل مذهب, فبكت وضحكت، وغضبت ورضيت، وأمّلت ويئست، ورحمت وقست، وحمدت فعلتها وندمت عليها, وأحسنت الظن بزوجها وأساءته به، وظل فؤادها نهبا مقسما في يد الهموم والأفكار حتى شعرت بسواد يتقدم نحوها فاستطير قلبها خوفا ورعبا وانتبهت, فإذا زوجها داخل يحمل شبكته وأعواده على ظهره والماء يقطر منها, فنهضت إليه وعانقته ثم ألقت نظرها على وجهه فأنكرت شحوبه وتضعضعه كما أنكر ذلك من وجهها حين رآها, وسألته: كيف كان حظه الليلة؟ وماذا كان شأنه مع العاصفة؟ فألقى بشباكه وقصبه على الأرض وظل يقول: أما الليلة فكانت مزعجة جدا لم أر في حياتي مثلها، وأما الصيد فها هي يدي صفر منه كما ترين، ولولا رحمة الله بي وبكم لهلكت، وما أنا بآسف على شيء ما دمت أراكم بخير، كيف حال الولدين؟ فارتعشت وقالت: هما بخير، قال: ما لي أراك شاحبة صفراء؟ وكيف قضيت ليلتك؟ فأطرقت برأسها وقالت: قضيتها في خياطة قميصين للولدين، وكنت كلما سمعت
стр. 880
صوت العاصفة وهدير الأمواج خفت عليك، أما الآن فقد زال كل شيء والحمد لله، ثم نظرت إليه وبين شفتيها كلمة تحاول أن تنطق بها فلا تستطيع، ثم استنصرت جلدها وقوتها وقالت: وشيء آخر أحزنني جدا، قال: وما هو؟ قالت: قد علمت الساعة قبل رجوعك بقليل أن جارتنا "جانت" توفيت, وأن ولديها الصغيرين قد أصبحا وحيدين في هذا العالم, لا عائل لهما.
فاضطرب عند سماع هذه الكلمة ونهض من مكانه وتمشى قليلا, ثم ألقى بقبعته المبللة بالماء على سريره وظل يعبث بشعر رأسه فيشده أحيانا, ويمسحه أخرى وهي تتبعه بنظراتها لتقرأ صورة نفسه على وجهه، ثم جلس على المنضدة الممتدة في وسط الكوخ وظل يقول بينه وبين نفسه بصوت ضعيف متهدج:
رب, إني وإن كنت رجلا جاهلا فدما وليس في استطاعتي أن أفهم حكمتك في حرمان هذين الولدين البائسين من أمهما, إلا أنني لا أستطيع أن أنكر وجودهما، ولعل الذين يعلمون أكثر مما أعلم يفهمون من شئونك وتصرفاتك أكثر مما أفهم.
نعم, إنني فقير مسكين, أعيش تحت رحمة المصادفات والاتفاقات, وربما مر علي وعلى أولادي عدة أيام لا نجد
стр. 881
فيها ما نأتدم به, ولكن ماذا أصنع وقلبي يتألم لحال هذين اليتيمين الصغيرين أكثر مما يتألم من الجوع والسغب؟
ثم التفت إلى زوجته, وقال لها: إنني متألم جدا يا مدلين, ويخيل إلي أن روح تلك المرأة المسكينة واقفة الآن أمام هذا الباب تقرعه وتضرع إلينا أن نأخذ ولديها إلينا, ونكفلهما من بعدها، ولكن كيف العمل يا إلهي؟
فقالت: إني أكاد أسمع هذا الصوت الذي تسمعه يا فيليب, وإن ألمي عظيم كألمك.
فصمت هنيهة ثم انتفض انتفاضة شديدة ودنا منها وقال لها: ألم يمت لنا طفلان في العامين الماضيين يا مدلين؟ قالت: بلى، قال: ماذا كنا نصنع لو أنهما بقيا حيين حتى اليوم؟ قالت: لا شيء سوى أننا نفزع إلى الله في أمرهما، قال: فلنفزع إلى الله في أمر هذين الطفلين اليتيمين وكأن ولدينا بقيا حيين حتى اليوم، أو كأنهما بعثا من قبرهما بعد موتهما.
اذهبي إليهما يا مدلين وأحضريهما؛ فربما استيقظا بعد هنيهة من نومهما فرأيا منظر أمهما الميتة في فراشها, فماتا خوفا ورعبا.
اذهبي إليهما واحمليهما برفق وهدوء دون أن توقظيهما
стр. 882
وأضجعيهما على فراش ولدينا, فسيكون منظرهم جميعا غريبا جدا حينما يستيقظون من نومهم وينظر بعضهم في وجوه بعض، وحرام علي النبيذ واللحم بعد اليوم حتى أستطيع أن أقوم بنفقة هذه الأسرة الكبيرة التي أصبحتُ سيدها وعائلها، اذهبي يا مادلين وثقي أن الله سيملأ علينا بيتنا خبزا وفحما ببركة هؤلاء الأطفال الطاهرين.
فتهلّل وجهها بشرا وسرورا, ونهضت من مكانها ومشت إلى مضجع الأطفال فرفعت عنهم الغطاء, ونظرت إلى زوجها صامتة لا تقول شيئا, فما وقع نظر "فيليب" على هذا المنظر الغريب حتى استطير فرحا وسرورا, وهرع إلى زوجته واحتضنها إلى صدره وقال لها: ما أشرف قلبك يا مادلين!
"يا سكان القصور"
ليتكم من سكان الأكواخ؛ لتستطيعوا أن تكونوا من المحسنين.
стр. 883
الشيخ محمد عبده بين العلماء:
ما قام عظيم من العظماء في أمة جاهلة متأخرة يحاول إصلاح ما فسد من أمرها وعلاج ما عضل من دائها والأخذ بضبعيها والإنافة بها على اليفاع والنهوض بها من أرض الجمود والموت إلى سماء الحركة والحياة إلا انقسم أفرادها في شأنه قسمين ضرورة انقسامهم إلى أغبياء وأذكياء؛ ففريق وهو الأكثر عددا وجهلا والأقل إدراكا وفهما أطفأ الله نور عقله وأقام بين بصيرته وبين الحق حجابا كثيفا من الجهل والجمود يعترض نفاذها ويسد سبيلها, فلا يزال نائما فوق قديمه نوم الشحيح على ماله كلما سمع نأمة غريبة وأحس نبأة لم يعرفها من قبل فزع قلبه وطار لبه وصاح صياح الممرور المختبل "قديمي قديمي" فلا يزال قديمه هذا قيدا في رجليه يمنعهما من الحركة والانطلاق, وسدا في أذنيه يحجب عنهما نداء الحق وغشاوة في عينيه لا يرى من دونها غير الظلام المتكاثف
стр. 884
وسلاحا في يديه يحارب به ذلك المصلح الذي يريد به خيرا مما يريد بنفسه, وأنى له بعد أن نال منه قديمه ما نال أن يرى ويسمع فيعلم ما هذا الذي يدعى إليه أخير هو أم شر، وفريق آخر وهو الأقل عددا والأوفر ذكاء وعقلا يدعى إلى الحق فيجيب ويقاد إلى الخير فيتبع, لم تفسده عصبية ولم تقعد به هجمية ولم تضق به بصيرته أن يتبين عند بزوغ فجر الدعوة بياض الحق من سواد الباطل، أولئك هم أعوان المصلح وأنصاره لا يزال الحرب سجالا بينهم وبين أعدائه, حتى يصنع الله لهم فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
وعظيم الأمة الإسلامية ومصلحها اليوم هو سيد العلماء وواحد الأتقياء الأستاذ الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، وما منّ الله على هذه الأمة في كثير من قرونها الماضية كما منّ عليها به اليوم ولا ابتلي عظيم من العظماء في أمته كما ابتلي في هذه الأمة هذا الرجل العظيم الذي نظر إليها نظر الطبيب الحاذق إلى عليله، فرأى بعد ما بين سابقها ولاحقها وانقطاع ما بين حاضرها وماضيها, فعلم أن داءها داء دوي وبلاءها بلاء عظيم, ورأى أجزاء جسمها تتحلل إلى ذرات ثم تتلاشى, ورأى صفرة الموت تجول في وجهها وأغربة الفناء تحلق فوق رأسها
стр. 885
وقد أوشكت أن تملأ الفضاء نعيبا، فلم يكد يملك نفسه من البكاء على أمة ضربها الدهر بضرباته, ورماها وهي محلقة في سماء عزها ومجدها بسهم نفذ ما بين جنبيها فهوت من مدار الأجرام إلى مقر الرغام، تشكو فلا تجد مشتكى، وتستغيث فلا ترى مغيثا ولا معينا، فراعه من أمرها ما راعه وكاد ينقطع خيط الرجاء في قلبه لولا أن وهبه الله نفسا قوية وعزيمة ثابتة وجنانا لا تحوم حوله الأوهام ولا تأخذ منه نكبات الأيام، وأودع ما بين جنبيه قلبا مصوغا من الشفقة والرحمة، فنظر في حال هذه الأمة البائسة نظر العاقل البصير وتلمس موضع دائها وسبب سقوطها, فوجد أن داء أدوائها وعلة عللها إغفالها أمر دينها الذي عرفه سابقوها وعلقوا بحبله فكان سر ارتقائهم وتقدمهم وعلوهم فوق علياء الأكاسرة والقياصرة وامتداد فتوحاتهم في قليل من السنين إلى ما لم تمتد إليه يد من قبل، وأهملته هي فودعها مجدها وفارقها عزها ووصلت إلى حيث تضرب بذلتها الأمثال وحيث أصبحت أكلة الآكلين، ونهبة الطامعين، وعلم -حفظه الله- أنه إن صلح لها دينها صلح لها كل شيء من آخرتها وأولاها, فأخذ نفسه بالدعوة إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة, مخلصا لله في عمله مستعينا بحوله وقوته مصدقا وعده في قوله :
стр. 886
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
هذا هو الشيخ محمد عبده وهذه هي مقاصده ومذاهبه, فما الذي تنقمون منه أيها العلماء الأعلام كما يلقبكم غوغاؤكم أو كما تلقبون أنفسكم؟ وما هذه الضجة التي سددتم بها منافذ الفضاء؟ وما هذه الثائرة التي طمستم بها وجه السماء؟ وما هذه النار التي تتأجج في صدوركم من البغضاء؟ ومتى كان عهدكم بلعن فرعون وهامان فتلعنوا رجلا هو أصدقكم إيمانا وأثبتكم يقينا وأكرمكم خلقا وأعلاكم همة وأشرفكم نفسا وأعفكم لسانا ويدا وخيركم لنفسه وللناس؟ أنسيتم يوم "هانوتو" يوم وقف أمامه وقوف الشجاع المستبسل يذود عن دينه ودينكم ويناضل دونه حتى قهر قرينه وأطفأ فتنة كادت تحترق في نار شبهاتها ألوف من المسلمين وأنتم صامتون مستسلمون لا تحيرون جوابا؟ أنسيتم كتابه الإسلام والنصرانية الذي انتصف به للإسلام من أعدائه فرضي به الله والمسلمون، وخرست به ألسنة الجاحدين المتخرصين؟ أنسيتم رسالة التوحيد التي أظهر فيها الدين الحنيفي جوهرا خالصا ممحصا من شوائب البدع والخرافات التي شوهتم بها وجهه أنتم وأمثالكم فلما رآها مسيحي أوروبي قال: "إن كان الإسلام كما وصفه الشيخ
стр. 887
محمد عبده في رسالته, فأنا مسلم منذ اليوم لولا أني أخاف أن يكون الرجل قد خدعنا ببلاغته" فقد عرف المسيحي الأعجمي من شأن الرسالة ما لم تعرفوا، وأدرك من فضل صاحبها ما لم تدركوا، ومن قابل بين هذه القصة وقصة رسالة الرد على هانوتو يوم ذهب ناشرها بنسخ منها ليقدمها إلى مشيخة الأزهر, فأبت قبولها بحجة أن كاتبها قد أثم باهتمامه بشأن الرد على رجل من القوم الكافرين رأى منظرا عجيبا ونادرة من أغرب النوادر ما رأى قبلها الراءون ولا سجل مثلها في تواريخ الماضين، أنسيتم مقامه فيكم سنين عدة يعلمكم أخلاق العلماء وما يجب عليهم في عفة أيديهم وطهارة أنفسهم والعلو بأنفسهم عن مواطن الذل والضيم والنبو بها عن مظان الشبه والريب ويرشدكم كيف تؤدون وظيفتكم التي عهد الله بها إليكم والتي هي أوسع ميدانا وأفسح مجالا من جلستكم جلسة الذليل الضارع وراء أعمدتكم الحجرية, تختلفون إليها صباح مساء حتى تموتوا فتموت معكم آثاركم وأعمالكم, فلا أنتم في دنياكم تذكرون, ولا أنتم في أخراكم تؤجرون، ولو أراد الله بكم خيرا لوفقكم إلى اتباع سبيله والاهتداء بهديه والتأدب بآدابه والتخلق بأخلاقه, فهي ملاك السعادة ومناط العزة وملتقى
стр. 888
خيري الدنيا والدين، ولكنها الأقدار يسعد بها أقوام ويشقى بها آخرون, ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
إنكم والله ما تنقمون منه زيغا في عقيدة ولا سعيا في فساد كما تزعمون, ولا يعنيكم حرم الربا أم حل, ثبتت الشفاعة أم لم تثبت, قام الدين أم قعد, فنحن أدرى منكم بكم وأعلم بمنزلة الدين والفضيلة من نفوسكم وإنما عز عليكم أن تروا بجانبكم رجلا نبت في تربتكم ودرج من عشكم واستقى من وردكم الذي منه استقيتم ثم ما لبثت الأيام أن دارت دورتها, فإذا هو شمس تتلألأ في سماء المجد والشرف بما وهبه الله من علم واسع وبصيرة نافذة تكاد تخترق حجب الغيب ونفس سماوية محصتها الفضيلة فلم تعلق بها الرذائل, ولا طارت حوله المفاسد والأطماع, وذكر بعيد تردده الأقطار وتتهاداه الأمصار، وجلال تطأطئ له الهامات وتغضي من مهابته الأبصار، وحب مبرح تنعقد عليه قلوب الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإذا أنتم لا تزالون في أرض خمولكم لاصقين بها لصوق الجسد بصدوركم، فثقل جواره عليكم، وألهب منظره نار الغل والحقد في أفئدتكم، حتى لوددتم لو افتديتم أنفسكم من جواره بجوار مالك في الجحيم, وقد فعلتم.
стр. 889
عواطف البنين:
أنا لا أعجب لشيء عجبي لهذا الإنسان الذي يغضب الغضب كله إذا أحس أن مخادعا يخدعه في شأن من شئونه, وهو يخدع نفسه بنفسه في جميع ساعاته ولحظاته.
حضرت تمثيل رواية عواطف البنين في دار التمثيل العربي, وعرفت أن الشيخ سلامة ليس هو الكونت دي موراي وأن الممثلة "ميليا" ليست الكونتس زوجته, وأنها لم تطرد من منزلها ولم تتهم في عرضها ولم يمر بخاطرها الحزن على هجر زوجها أو فراق ابنتها، وعرفت أن الممثلة "متيل" ليست قتاتهما، وأن الهم لم يقسم فؤادها شطرين شطرا لأبيها وشطرا لأمها, ولكنني خدعت نفسي ورثيت لمصاب تلك الأسرة الكريمة وحزنت لحزنها حزنا لم أملك معه دموعي التي طالما غلبتها في أحرج المواقف على أمرها, حتى غلبتني في أهون المواقف على أمري.
إن نفسي أعز عليّ من كل شيء في هذه الحياة، فهيهات أن أخدعها أو أصور لها من الوهم شبحا يحزنها أو خيالا يبكيها،
стр. 890
وإنما خدعني هؤلاء الممثلون البارعون, فقد طاروا بي في فضاء الخيال وما زالوا يأخذون على نظري حتى محوا صورهم الحقيقية من ذاكرتي, فلم أر أمامي غير زوج حزين وزوجة مظلومة وفتاة تبكي على أبويها بكاء الحزين إثر الحزين.
الممثل البارع هو الذي يستطيع أن يتجرد من نفسه, وأن يتقمص شخصا غير شخصه حتى يكاد ينكره عارفوه، وكذلك كان شأن هؤلاء الممثلين في رواية عواطف البنين، فقد أجاد كل منهم تمثيل دوره المحزن المؤثر وبلغ من الإحسان الغاية التي لا غاية وراءها، حتى رأيت العيون شاخصة والأنفاس معلقة والدموع مرسلة, وحتى خيل إلي أني أسمع خفقان القلوب بين الجوانح.
أما الرواية فإنها تشتمل على عبر كثيرة, أذكر منها ما يأتي:
١- لا يستطيع أن يبلغ الإنسان منزلة الوفاء إلا إذا لقي في هذا السبيل شقاء كثيرا, وعذابا أليما.
٢- المرائي يبني بيته على شفير هار, فلا يكون بينه وبين الانهيار إلا أن تهب عليه بعض العواصف المجتاحة.
٣- إن الذي يلد ولدا في غير مهده يجني عليه جناية كبرى؛ لأنه يرمي به في بحر زاخر لا يقوى على السباحة فيه, ولا يرى حوله من يمد له يدا لنجاته, أو يسوق إليه
стр. 891
زورقا لخلاصه؛ لأنه لا يعرف أحدا ولا يعرفه أحد، فهو إما أن يعيش طريد الهلاك، أو يموت فريسة الأسماك.
٤- لو علمت المرأة أن ساعات السرور التي تقضيها مع عشيقها ستنقلب في مستقبل الأيام أعوام حزن عليها وعلى عشيرتها, لما سئمت الوحدة في مضجعها, ولا استوحشت لانفرادها في غرفتها, ولا لذ لها أن تطلب هذا الإنس الكاذب والسرور الموهوم.
هذه عبرة الرواية, وهذا مبلغ تأثيرها في النفوس، فشكرا للكاتب ما كتب وللمعرب ما عرب وللممثل ما مثل.
стр. 892
الرشوة:
كان المرحوم الشيخ محمد عبده يقرأ في مسجد الأزهر درسا عنوانه التفسير, وحقيقته البحث في كل ما يتعلق بالمرء في حياتيه الآخرة والأولى، فكان الرجل في ذلك الدرس مفسرا للقرآن وراويا للحديث ومعلما وواعظا, بل كان كل ما يستطيع امرؤ أن يكون.
ولقد حدثنا فيما كان يرويه لنا في دروسه من وقائعه ومشاهده أنه ركب القطار في إحدى لياليه كعادته إلى بلدته "عين شمس" فلم يستقر به المقام في مجلسه من القطار حتى وقف أمامه شيخ معمم ملتحٍ فسأله ماذا يريد فقال له: أنا يا سيدي من طلاب الامتحان في الأزهر وقد جئتك أطلب إليك أن تساعدني عليه، قال: إن كنت تريد أن أساعدك بمنع الظلم عنك فاعلم أني لا أترك يدا تمتد إليك بظلم، قال: يا سيدي, أنا رجل فقير وإنك لن تجد أحدا هو أحق بالإحسان مني، قال: لو كنت طالب إحسان لما منعتك شيئا مما أقدر عليه, ولكنك على ما أظن
стр. 893
تريد مني أمرا جللا ليس في استطاعتي أن أمنحك إياه, ولو استطعت ما تركت أحدا يمكنك منه، إنك تريد أن أكون شاهد زور في قضيتك هذه وما كانت شهادة الزور في وجه من وجوهها حسنة من الحسنات، إن في الأزهر خمسمائة طالب مثلك يتقدمون للامتحان، فإن منحتك الشهادة من دونهم فأين العدل، وإن منحتكم جميعا فأين الامتحان.
وما وصل الشيخ من حديثه إلى هذا الحد حتى وصل القطار إلى المحطة, فنزل وترك الرجل مكانه فما مشى إلا قليلا حتى شعر بمشيته وراءه, فالتفت إليه وقال له: إنك قد فهمت كل ما يمكنني أن أقوله لك وكفى، فاقترب منه وقال له: إن معي هدية يا سيدى أريد أن أقدمها إليك وأن تتفضل بقبولها، ففهم الشيخ غرضه وأراد العبث به فقال: كم تريد أن تعطيني؟ قال: ثلاثين جنيها، قال: ذلك قليل، قال: سأعطيك ثلاثين أخرى عن صاحب لي يريد منك ما أريده, ورجاؤنا إليك يا مولاي ألا تقسو علينا؛ فنحن قوم فقراء وأنت من القوم المحسنين، وهنا غضب الشيخ غضبته المعروفة ونظر إلى الرجل شزرا وقال: يا شيخ إنني إن احتملت منك كل شيء, فإنني لا أستطيع أن أحتمل من طالب من طلبة الشريعة الإسلامية أن يسمي الرشوة وفساد الذمة إحسانا وكرما، ثم حمل عليه بعصاه وضربه
стр. 894
ضربة ولى من بعدها على عقبه إلى حيث لا مطمع في أوبته.
قص علينا الشيخ ﵀ هذه القصة في درسه, ولم يذكر لنا من شأن الرجل ولا من صفاته ما يدل عليه، ثم أطرق برأسه واستمر على ذلك ساعة خيل لنا فيها أنه يكاتمنا دمعة تترقرق في عينيه, ثم رفع رأسه وأنشأ يتكلم بنغمة محزنة مؤثرة ما تركت في مكامن المحاجر دمعة إلا أسالتها وقال:
لقد خضت غمرات هذه الحياة وما بلغت العشرين, وها أنا قد نيّفت اليوم على الخمسين ولا أعلم أني طمعت في يوم من أيام حياتي في شيء مما زواه الله عني, كما لا أعلم أني نظرت إلى زخرف هذه الحياة وزبرجها نظر المتشهي المتمني الذي يشتد في أثرها عدوا ويقتل نفسه وراءها صبرا، ولقد مرت بي في كثير من أيامي الماضية ساعات كان لي فيها من الدالة على أصحاب هذا المصر وأربابه وذوي الجاه والسلطان فيه ما يملأ بيتي فضة وذهبا, ورحابي عبيدا وخولا لو ابتغيت السبيل إلى ذلك، فعافت كل ذلك نفسي ولا أكتمكم أني كنت أعالج من مجاهدة هذه الشهوات ومدافعتها ما يجب أن يعالجه كل من نشأ منشئي بين قوم شرهين طامعين، وكنت أحسب أن قد انتشر لي بين الناس من الذكر بالعفة والشرف وإباء النفس ما يثلج به صدري
стр. 895
وتطمئن إليه نفسي، فلما رأيت من حال هذا الرجل أمس ما رأيت علمت أنه لا يزال يوجد في الناس من يظن بي ظن السوء, ويتوهم أني من سفلة الناس وجهلائهم الذين لا يطلبون الوظائف إلا ليرتشوا, ولا يرتشون إلا ليظلموا.
لقد مرت على هذه القصة سنون عدة, والله يعلم أني أصبحت لا أسمع بواقعة من وقائع الرشا التي اسودت بها رقعة الارض, واحمر لها وجه السماء إلا ذكرتها فأجم وجوم الحزين المتألم, وأتماسك تماسك المتجلد المتثبت إبقاء على مدامعي أن يستثيرها الحزن فيرسلها, ولله الأمر من قبل ومن بعد.
стр. 896
القضية المصرية من مايو ١٩٢١ إلى مارس سنة ١٩٢٢
العاصفة
...
القضية المصرية: من مايو سنة ١٩٢١ إلى مارس سنة ١٩٢٢
العاصفة:
إن قلبي يرتعد خوفا وفرقا، أسمع قعقعة في جوف السماء فهل هي نذير العاصفة التي يريد الله أن يرسلها علينا؟ أرى الوجوه شاحبة والعيون حائرة والجباه عابسة, فهل شعر الناس بويل مقبل انقبضت له صدورهم, واقشعرت له جلودهم؟
ما هذا المنظر المرعب المخيف؟ ما هذه الضوضاء المرتفعة بالمجادلات والمناقشات في المجتمعات العامة والخاصة؟ ومن هم هؤلاء الذين يتصارعون ويتجاذبون ويبغي بعضهم على بعض؟ إن كانوا مصريين فويل لمصر وأهلها ومستقبل الحياة فيها بعد اليوم، كذلك كان شأن الأمم البائدة في أدوار سقوطها واضمحلالها, وفي ساعة وقوفها على حافة الهوة العميقة.
لقد ظننت في ساعة من ساعات حياتي أنني قد أمنت على مصر أبد الدهر, وكان قلبي يستطير فرحا وسرورا كلما سمعت تلك "الجوقة" الموسيقية الجميلة تتغنى في أرجائها بنغمة واحدة وتوقيع واحد، وكنت أصغي إليها بسرور واغتباط إصغاء العاشق الولهان إلى تغريد الحمائم المترنمة فوق أفنانها، ثم ما لبثت أن شعرت
стр. 897
أن النغمة قد اختلفت، والتوقيع قد اضطرب، فذُعرت وارتعبت ورفعت رأسي فإذا أنا في "بيزنطية" وإذا الناس جميعا في كنيسة أيا صوفيا يتناقشون ويتجادلون جدالا شديدا في مسألة الطبيعة والطبيعتين, وأبواب المدينة تقعقع تحت ضربات معاول العدو, فلا يسمعون لها صوتا.
كنا جميعا وكان الشمل منتظما، وكان كل ما يعزينا عن بؤسنا وشقائنا منظر تلك الوحدة الجميلة التي كنا نشرف على روضتها الزاهرة الغناء من نوافذ سجننا فتهون علينا همومنا وآلامنا، ولم يكن منظر في العالم أجمل ولا أبدع من منظر تلك الدموع الرقراقة التي كانت تتلألأ في عيوننا جميعا؛ لأنها كانت في الحقيقة دموع السرور والاغتباط باتحادنا واتفاقنا, ووحدة كلمتنا وقوة جامعتنا.
لا تزال العاصفة تدوي وتعصف، ولا يزال البناء يضطرب ويهتز، فليت شعري هل يتماسك ويعود إلى سكونه واستقراره؟ أم قدر له السقوط كما قدر لأمثاله من البنى في عهود التاريخ الغابرة؟
ها هو ذا سعد يمسك البناء بيده أن يتداعى ويتهدم, ولكنه قد تعب جدا ونال منه الجهد والنصب لأن الحمل ثقيل, ولأن الهادمين من خصومه المصريين معتزون بالقوة الخارجية وقوتهم لا تفنى، فهل تستطيع الأمة أن تمد يدها إليه وتعينه على عمله الشاق؟
стр. 898
هنالك قوتان هائلتان جدا؛ قوة العدو الخارج مستترة، وقوة العدو الداخل ظاهرة، وهما تعملان معا بنظام واحد وفكرة واحدة لغرض واحد، هو أن تسلمنا أخراهما لأولاهما، فلنتقدم نحوهما بقوة أعظم من قوتهما شأنا وأكبر خطرا وهي قوة العقيدة الراسخة والإيمان الثابت والثقة بالنفس والأمل الواسع والثبات على المبدأ نظفر بهما ونقض عليهما, فلا يبقي لهما عين ولا أثر.
إن الساسة الإنجليز يريدون أن يمزقوا شمل وحدتنا الوطنية التي بذلنا في سبيلها الشيء الكثير من ذات أنفسنا, وذات أيدينا ليستثمروا شقاءنا وآلامنا, فهل نسمح لهم بذلك؟!
لا، فقد أصبحت الأمة غير الأمة والعقول غير العقول والأفهام غير الأفهام، وليست هذه النهضة التي نهضناها اليوم ترديدا لأصوات القائلين، أو تقليدا لحركات الناهضين، أو فصلا تمثيليا، أو لعبة بهلوانية، وإنما هي عقيدة راسخة في النفس رسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين، فليطلبوا لهم مرتزقا غير هذا المرتزق، في سوق غير هذه السوق، فما نحن بسلع تباع وتُشرى، ولا بمأدبة عامة يهوي إليها الغادون والرائحون.
إننا لم نجاهد يوم جاهدنا من أجلهم، بل من أجل وطننا، ولم نغنم في معاركنا التي أدرناها هذه الوحدة الشريفة لنضعها يوم
стр. 899
نظفر بها في أيديهم يمزقون شملها, ويشوهون صورتها, ويلعبون بها لعب الصوالج بالأكر.
محال أن نسمح لهم بها طائعين مختارين، فهي حياتنا وروحنا وأثمن ما تملك أيدينا وخير ما استفدنا من جهادنا، بل كل ما استفدناه منه, وسنذود عنها ذود الأم الرءوم عن واحدها، والعذراء العفيفة عن عرضها، وسنبذل في سبيل استبقائها في أيدينا فوق ما بذلنا في سبيل الحصول عليها.
ليس من السهل علينا ولا مما تحتمله أطواقنا أن يتحدث الناس عنا -وقد بدءوا يتحدثون- أن تلك النهضة التي نهضناها إنما كانت رواية تمثيلية، خلبنا بها عقول المتفرجين ساعة من الزمان، حتى إذا نزل الستار عليها إذا الوجوه الوجوه والصور الصور، وإذا الداء القديم والمرض العضال.
إن الشرق لم يشق بالجهل ولا بالضعف كما يقولون، فلطالما عاش الضعفاء والجهلاء أحرارا مستقلين بفضل اتحادهم وقوة جامعتهم، بل لأنه يوجد في كل شعب من شعوبه أقوام أمثال هؤلاء الأقوام الذين ابتلينا بهم في مصر, خبثاء الأغراض والمقاصد موتى العواطف والمشاعر، لا يتألمون إلا لأنفسهم، ولا يبكون إلا على نقص في أموالهم وثمراتهم.
стр. 900
والشعب المصري أول شعب شرقي نهض نهضة سياسية في هذا العصر ثم مشت الشعوب الشرقية بعد ذلك على أثره، فيجب أن يكون أول شعب يعرف كيف يمحق الدسيسة الكامنة بين أحشائه لتتعلم منه الشعوب الأخرى كيف تمحق الدسائس الكامنة بين أحشائها فيعود بالفخرين، ويلبس التاجين.
إنا لا نريد أن نحارب المنشقين والخارجين، فالقوة التي لا قبل لنا بها من ورائهم تحميهم، ولا أن نجادلهم، فإن لهم تحت جلدة وجوههم ذخيرة من السماجة والصفاقة كافية لإنكار أن الأرض أرض والسماء سماء, وأن هناك فرقا بين لون الليل ولون النهار، بل نريد أن نقي أنفسنا شر دسائسهم ومكائدهم ولا سبيل لنا إلى ذلك إلا إذا أعرضنا عنهم وصنا أنظارنا عن رؤية وجوههم، وأسماعنا عن سماع أصواتهم، كما يتعوذ المتعوذ من الشيطان الرجيم، فإن فعلنا فقد انتصرنا انتصارا عظيما لم نوفق إلى مثله في جميع أدوار تاريخنا من عهد "سيزستريس" حتى اليوم، وإلا فما خلق الله في العالم خلقا أهون على الله, وعلى الناس منا.
стр. 901
حكم القوة:
اكتبوا يا أنصار سعد عرائض الثقة به عشرات ومئات وألوفا وعشرات الألوف, فإن ذلك لا يجديكم نفعا ولا يغني عنكم شيئا؛ لأن القوة أصدرت حكمها بأنكم من أنصار الحكومة وأوليائها. ألفوا الوفود العظيمة من جميع مدنكم وقراكم وعزبكم وكفوركم حتى يبلغ مجموع عددها ثلاثة عشر مليونا وتسعمائة وتسعة وتسعين ألفا, فأنتم جميعا حمقى لا قيمة لكم، ولا عبرة برأيكم، ولا يوجد فيكم عاقل ولا رشيد غير تلك الألف الواحدة التي تخلفت عنكم، وانفصلت عن صفوفكم.
املئوا الأرض صراخا وعويلا بالشكوى من الافتيات عليكم في أمركم الخاص بكم وبمستقبل حياتكم وحياة أولادكم وأحفادكم, فإن رجلا فضوليا من رجالكم لا شأن له ولا قيمة هو الذي عبث بعقولكم وأغراكم بهذا السخط والغضب والصراخ والعويل، ولو أنه ترككم وشأنكم لاستحال بكاؤكم ضحكا وابتهاجا، وخوفكم وقلقكم سكونا وارتياحا، ولأسلمتم بلدكم إلى أعدائكم راضين مغتبطين.
стр. 902
اجمعوا جموعكم الهائلة في أي مكان تريدون, واهتفوا بجميع ما يمر بخواطركم من أمانيكم الوطنية ورغباتكم القومية حتى تبح أصواتكم, وتنشق حلوقكم فأنتم في نظر الساسة الإنجليز لصوص مجرمون ما خرجتم مخرجكم هذا إلا لسرقة الحوانيت ونقب الجدران واختطاف الأمتعة من أيدي المارة وتكدير صفاء الناس والإخلال بالأمن العام.
لا تتركوا وسيلة من الوسائل تعلمون أنها تعبر عن مشاعركم وخوالج نفوسكم إلا واتخذوها وتذرعوا بها, فهي جميعها مظاهر كاذبة ومناظر تمثيلية؛ لأن القوة قد حكمت بذلك، وحكم القوة هو الحكم العادل الشريف الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هذا هو ما يجري الآن في جو مصر، وهذا ما سيجري في جوها غدا ما بقيت الوزارة في مركزها, أو خلفتها وزارة مثلها.
اقتطعت السياسة الإنجليزية قطعة صغيرة من الضعفاء عن الوفد والأمة وسمتها "الأمة" بعد أن عجزت عن ذلك عامين كاملين، فهي تتعهدها بالعناية والرعاية وتحوطها بالصور والتهاويل تعظيما لشأنها وتفخيما لأمرها, وتصقل في كل يوم صفحتها وتجلوها ليكون لها بريق يخطف الأبصار ويختلب الأنظار, تفعل
стр. 903
ذلك كله لتتخذها تكأة تتكئ عليها في الثقة بالمفاوضين الرسميين اليوم والتصديق على المعاهدة المنتظرة غدا، وما هي إلا رواية واحدة تعرض فصولها على مسرح التمثيل فصلا فصلا, حتى ينزل الستار على الفصل الأخير منها.
أما الأمة نفسها فهي في نظر الصحف الإنجليزية أقلية ضعيفة جدا أو مجموعة خاملة بلهاء لا عقل لها ولا فكر، فإن نطقت فنطقها مصطنع، وإن بكت فبكاؤها مكذوب، وإن احتجت فاحتجاجها عصيان، وإن صاحت فصياحها ثورة، وإن صمتت فصمتها تسليم وإذعان، وإن رفضت أن توقع على صك شقائها فلا قيمة لرفضها أو قبولها؛ لأن الأمة شيء سواها.
آه ماذا نعمل، لقد بحت أصواتنا وحفيت أقدامنا ونضبت محابرنا وجفت أقلامنا في سبيل الشكوى من هذا الحال, فلم نجد راحما ولا معينا حتى من أبناء وطننا الذين يفهمون لغتنا ويدركون شعورنا ويحسنون قراءة البؤس والألم المسطور على جباهنا، كأن العالم كله ألب علينا وكأن قد سدت من دوننا أبواب السماء فلا تصعد شكوى, ولا ينفذ دعاء.
ولقد كنا نستطيع أن نحمل أنفسنا على الرضا بما قدره الله لنا في مستقبل حياتنا لو أن ذلك الذي يراد بنا لا يجري
стр. 904
باسمنا ولا يطبع بطابعنا, فتستمر حجتنا قائمة ما دامت الأرض أرضنا والسماء سماء، ولكن من لنا بالراحة وهدوء النفس واستقرارها, وها هي وفود الثقة بالحكومة تفد إليها من جميع أنحاء البلاد، وها هي عرائض تأييدها ونصرها تملأ دفاترها وسجلاتها, ولا يعلم غيرنا طريقة التوقيع عليها.
وعدتنا الوزارة بالنزول على رأينا في مبدأ تأليفها فلم تفعل، فاقترحنا عليها إشراك وفدنا معنا في العمل فاعتذرت، فطلبنا منها التخلي عن مركزها فأبت، فسألناها عقد الجمعية الوطنية لأخذ رأيها في اختيار المفاوضين الرسميين فامتنعت، فسألناها أن تذهب للمفاوضة باسمها لا باسمنا وألا تجعل ثقتنا بها أساس مفاوضتها فرفضت.
لقد سدت السبل علينا جميعها، وانقطع الرجاء بنا، ولم يبق بين أيدينا إلا رجاء واحد هو أن نمد يد الضراعة إلى إخواننا الخارجين علينا من أعضاء الوفد وغيرهم, قائلين لهم: الرحمة الرحمة أيها الأصدقاء بأنفسكم وبأمتكم, فنحن جميعا أبناء وطن واحد, تقلنا أرض واحدة وتظلنا سماء واحدة, فعودوا إلى صفوفنا وضعوا أيديكم في أيدينا, فلا سبيل لعدونا أن ينال منا قلامة ظفر إن أنتم عدتم إلينا، ولا يوجد
стр. 905
شيء في العالم كله يحول بينه وبين إهلاكنا جميعا إن بقيتم خارجين علينا.
تعالوا إلينا لنسعد معا إن قدرت لنا السعادة في مستقبل حياتنا أو نشقى معا إن كانت الأخرى، بل لنعيش سعداء في كلتا الحالتين، فلا سعادة في الدنيا غير سعادة الحب والسلام، ولا شقاء غير شقاء الانقسام والانشقاق.
إننا لا نتهمكم بخيانة ولا ممالأة؛ لأن الدم المصري لا يحمل بين كراته كرة اللؤم والغدر, ولكنا نعتقد أنكم مخدوعون وأنكم ما أتيتم من ناحية الخيانة والممالأة بل من ناحية السذاجة والبساطة وضعف القلب وغرارة النفس والثقة العمياء بوعود أولئك القوم الذين ما صدقوا في وعد من وعودهم مرة واحدة، ولا عجزوا عن أن يجدوا من يصدقهم في كل مرة يكذبون فيها، فالوعود سلعتهم التي يتجرون فيها، والخلف ربحهم الذي يربحونه منها.
ولو أنكم روأتم في الأمر قليلا ونظرتم إلى المسألة بعيونكم لا بعيونهم, لعلمتم أن لا استقلال هناك ولا شبه استقلال ولا شيء مما يعدوننا به ويمنوننا، وكل ما في الأمر أنهم يريدون وضع الحماية الرومانية موضع الحماية الإنجليزية، وهي التي كان يبسطها الرومان
стр. 906
في تاريخهم القديم على الأمم الضعيفة باسم المحالفة والمعاهدة، أي: إنهم يريدون أن نصدق لهم على الحماية التي بسطوها علينا في سنة ١٩١٤ بعد أن عجزوا عن ذلك سبعة أعوام، ونحن لا نريد أن يكون حظنا معهم حظ ذلك الرجل الذي انتزع منه بعض المغتصبين آنية فضية فذهب إليه ليستردها منه, وهدده برفع أمره إلى الشرطة إن لم يفعل، فقال له: لا أعطيك إياها حتى تكتب لي صكا بأن الآنية هدية منك إلي حتى آمن غدرك بي فيما بعد، فكتب له الصك الذي أراد وأعطاه إياه، فاحتفظ بالصك ولم يعطه الآنية.
تعالوا أيها الأصدقاء إلى صفوفنا, ولا تصدقوا أن أعداءنا يعطوننا متفرقين ما يعطوننا مجتمعين، فإن كان لا بد لنا من أن نستمر في مفاوضتهم وكان قد بقي لنا شيء من الأمل فيهم فلنذهب إليهم جميعا صفا واحدا تحت قيادة قائد واحد نلقي إليه قيادنا، ونمنحه نصرنا وتأييدنا، فإن نجحنا فذاك، وإلا فحسبنا من الفخر والشرف أننا أول أمة شرقية قد نجت من حبائل المستعمرين, ومكائدهم.
سيكتب التاريخ صفحاته غدا, والتاريخ لا يجامل ولا يحابي ولا يقبل هوادة ولا عذرا, ولا يصدق كلمة واحدة من هذه
стр. 907
الكلمات التي تعتذرون بها اليوم عن أنفسكم، ولا يستطيع أن يكتب إلا أن الأمة المصرية كانت يدا واحدة وقوة واحدة، ولم يكن بينها وبين نجاحها في قضيتها إلا أيام قلائل فخرجتم من صفوفها فانتقض عليها أمرها وأفلت النصر من يدها، فاحذروا أن يكتب التاريخ عنكم هذه الكلمة المخزية، واتقوا يوما يفتح فيه أولادكم وأحفادكم هذه الصحيفة السوداء من تاريخكم فيطرقون حياء وخجلا حينما يرون أن هذه الأسماء التي يقرءونها إنما هي أسماء آبائهم وأجدادهم.
стр. 908
إلى خصوم سعد باشا:
١- سعد باشا خصم السياسة الإنجليزية في مصر وعدوها الألد ما في ذلك شك ولا ريب، فجميع خصومه السياسيين من المصريين أصدقاء لتلك السياسة وأعوان لها على أمتهم.
هذا الذي أستطيع أن أفهمه ويفهمه الناس جميعا، ولا فرق عندي بين أن توضع في عنقي جامعة أقاد بها إلى دار المارستان لأقضي فيها بقية أيام حياتي, وبين أن أفهم غير ذلك.
فاشتموا يا خصوم سعد سعدا ما شئتم، وتفننوا في النيل من كرامته ما أردتم، فلا معنى لذلك عندنا إلا أنكم آلة صماء في يد السياسة الإنجليزية، تتولون بالنيابة عنها زحزحة العقبة الكبرى التي تعترض طريقها وتعرقل مساعيها، وتقف سدا حائلا دون تنفيذ تلك الفكرة الجهنمية الهائلة، فكرة تسجيل الحماية الإنجليزية على مصر، واحلفوا بالله جهد أيمانكم أنكم وطنيون مخلصون ما خلق الله بين أرضه وسمائه خلقا أطهر قلبا ولا أنقى سريرة ولا أنبل مقصدا منكم، وأنكم لا تريدون بما تفعلون إلا خير الوطن وأهله، وهناء الأمة وسعادتها، فليس
стр. 909
بمغنٍ عنكم عندنا شيئا؛ لأن الوطني لا يحارب الوطني ولا يبتغي له الغوائل، ولا ينصب الحبائل لهدمه وإسقاطه.
دعوى الوطنية كلمة بسيطة تصدر من الفم بسهولة، كما يتنفس المتنفس ويتنهد المتنهد، وقد نطق بها جميع الناس في مصر حتى "سكينة" مجرمة الإسكندرية، فقد زعمت أنها إنما كانت تخدم الوطن بقتل النساء العاهرات ليعتبر بمصرعهنّ الحرائر الشريفات, فلا يسقطن في مثل ما سقطن فيه، فهي دعوى محتاجة دائما إلى برهان، وبرهانها الوحيد الذي نستطيع أن نتعقله بلا تكلف ولا تعمل ولا فلسفة ولا حذلقة هو مجافاة السياسة الإنجليزية والانحراف عنها والتجهم لها وسلوك كل طريق غير طريقها، وما دمتم متفقين معها في اعتبار سعد باشا خصما سياسيا خطرا يجب هدمه وإسقاطه, فأنتم أعوانها وأنصارها ومحال أن تكونوا أعواننا وأنصارنا.
السياسة الإنجليزية تخنق الحرية السياسية في مصر, وتضرب على أيدي الكاتبين وألسنة الناطقين وعقول المفكرين، وتأبى إلا أن تسوق الناس جميعا في طريق السياسة التي ترضاها لنفسها، وسعد باشا يحتج كل يوم على ذلك ويصرخ الصرخات المزعجات التي ترتجف
стр. 910
لها جوانب الأرض وتهتز لها أركان السماء، وأنتم سكوت صامتون، لا تحتجون ولا تغضبون، فهو الوطني المخلص من دونكم.
بيننا وبينكم أمر واحد إن أنتم فعلتموه نلتم ما شئتم من حبنا ورضانا وإكرامنا وإجلالنا، ونزلتم من نفوسنا المنزلة التي ينزلها الوطنيون المخلصون، هو أن تعقدوا اجتماعا عاما تكتبون فيه احتجاجا شديد اللهجة إلى الحكومة الإنجليزية على بقاء الأحكام العرفية في مصر حتى اليوم، وعلى القوانين الاستثنائية وقانون المطبوعات، وتقييد حرية الخطابة والكتابة، ومنع المظاهرات السلمية والاجتماعات السياسية، واعتبار الوطنية جريمة تعاقب عليها المحاكم العسكرية والنظامية، ثم تختمون احتجاجكم بهذه الكلمة: "إنا لا نقبل مفاوضة سياسية تجري بين فريقين؛ أحدهما سجين في سجن مظلم ضيق لا يستطيع التنفس فيه ولا الحركة، والآخر سجان قاسٍ مستبد يجرد على رأسه سيف القوة والقهر, ويملي عليه ما يريد ويشتهي".
هذا هو البرهان الوحيد الذي تستطيعون أن تقنعونا من طريقه بوطنيتكم وإخلاصكم لأمتكم ووطنكم، وأنكم قوم أحرار أباة متشبعون بروح العدل والشرف.
فإن لم تفعلوا فأذنوا لنا -ولنا العذر الواسع في ذلك-
стр. 911
أن نعتبركم أعداءنا وأعداء حريتنا واستقلالنا، وأن نتمسك بالإخلاص للرجل الذي يذود عنا, ويجاهد في سبيلنا, ويحارب ظالمينا.
أتدرون متى نتخلى عن سعد باشا ونخذله ونرتاب في صدقه وإخلاصه؟ يوم ترضى عنه السياسة الإنجليزية، وتذود عنه الصحف الإنجليزية, وتثني عليه الدوائر الإنجليزية، وتدافع عنه القوة الإنجليزية، وتستحيل نفسه إلى نفس إنجليزية يحس بإحساسها ويشعر بشعورها، ويتحرك بحركتها، ويسكن بسكونها، ويوم تضمه الحكومة الإنجليزية إلى صدرها، وتحنو عليه حنو الوالدة المشفقة على طفلها الصغير، معتقدة أن حياتها في حياته، وموتها في موته، وما دام سعد باشا باقيا في صفوفنا لم يفارقنا ولم يتخل عنا، فمن الخبل والسفاهة وسقوط النفس أن نفارقه ونتخلى عنه، فإن عجز عن أن ينفعنا بشيء في قضيتنا فلا أقل من أن يشفي غليلنا بتنغيص ظالمينا، ولا شيء في العالم ألذ للنفوس ولا أشهى إليها من تنغيص الظالمين.
ليست الفضيحة أيها القوم أن يعلم أعضاء مجلس النواب الإنجليزي أن رجال الإدارة المصرية لا إرادة لهم أمام السلطة الإنجليزية وسيطرتها كما تقولون، فليس في العالم كله لا في إنجلترا ولا في غيرها من بلاد العالم من يجهل ذلك أو يستنكره، إنما الفضيحة الكبرى
стр. 912
أن يعلم الناس عنا أن السياسة الإنجليزية قد استطاعت أن تضحك على ذقون فئة من عظماء المصريين ووجوههم، وتتخذ منهم عصا حديدية تضرب بها الوحدة المصرية وتمزقها، وأن جماعة من الذين كانوا يعبدون سعدا بالأمس ويقدسونه قد أصبحوا اليوم يشتمونه وينالون من كرامته لا لشيء سوى أنهم يدورون مع القوة حيث دارت، ويسيرون وراء المصلحة حيث سارت.
أنتم تعلمون أن اليد الإنجليزية الخفية هي التي تدير شئون مصر السياسية والإدارية والقضائية منذ أربعين عاما، وتقهر رجال حكومتها من وزرائها إلى خفرائها على تنفيذ أوامرها والخضوع لسياستها، ولم يطرأ حتى اليوم طارئ جديد يغير هذا النظام ويبدله، ولولا ذلك ما شكونا ولا تألمنا ولا نهضنا لطلب الحرية والاستقلال، بل ولا سافرت البعثة الرسمية في المهمة التي سافرت فيها، وتعلمون أن تلك اليد القاهرة هي التي تولت أمر اغتصاب الثقة بالوزارة الحاضرة, وقهرت رجال الإدارة على الاشتراك معها فيها تمهيدا للاتفاق المنتظر الذي تريد أن تلبسه صورة الرضا والاختيار من أساسه إلى ذروته، كما هو شأنها في سياستها دائما، وكما هي قاعدتها التي تجري عليها في جميع أعمالها.
стр. 913
فدفاعكم عن رجال الإدارة في هذه المسألة إنما هو دفاع عن السياسة الإنجليزية نفسها وتبرئة لذمتها من سوء النية والقصد في إدارة الشئون المصرية ومساعدة لها على أن تجري في مسألة الانتخابات المقبلة للجمعية الوطنية على مثال الطريقة التي جرت عليها بالأمس في مسألة العمال المتطوعين، من حيث لا تعلق بها تهمة، ولا يتجه إليها لوم ولا عتاب، فأنتم لم تغضبوا لرجال الإدارة ولا لسمعة مصر والمصريين كما تزعمون، بل تخافون أن تفشل السياسة الإنجليزية في تنفيذ المعاهدة المنتظرة فتتخلى القوة عنكم فتصبحوا أمام الأمة وجها لوجه, وما أضمرتم بين جوانحكم من البغضاء لسعد باشا لأنه أهان رجال الإدارة أو جرح عواطفهم, بل لأنه الزعيم الوطني الوحيد الذي يستطيع أن يفسد كل سياسة خبيثة يراد بها اغتصاب رضا المصريين واستخذاؤهم لتلك الكارثة العظمى التي تسمونها استقلالا لا شك فيه، ونسميها حماية لا ريب فيها.
ماذا تنقمون من سعد باشا أيها القوم، وأي جناية جناها عليكم في أنفسكم أو في أمتكم فتحملوا له بين جوانحكم هذه الموجدة وهذا البغضاء؟!
ليس سعد باشا هو الذي اغتصب بلادكم واستأسر أوطانكم وأذل أعناقكم وأرغم أنوفكم وخنق الحرية السياسية
стр. 914
في مجامعكم العامة, ومجالسكم الخاصة فما يستطيع أن ينطق ناطق, ولا أن يكتب كاتب إلا إيماء وتعريضا.
ليس سعد باشا هو الذي لعب بعقول فريق من أعضاء الوفد, وأغراهم بالانفصال عن الجامعة الوطنية والخروج عليها ليتوصل بذلك إلى تمزيق شمل الأمة وتفريق وحدتها، وليس هو الذي استثمر بدسائسه ومكائده طمع الطامعين وجبن الجبناء وغباوة الأغبياء ليستعين بهم على خراب وطنه, ودماره.
ليس سعد باشا خصمكم، بل خصومكم أولئك الذين يغرونكم به ويسلطونكم عليه؛ لأنهم يعلمون أن الأمة لا تفلح بغير زعيم، وأن لا زعيم فيها يعنى عناءه ويسد مكانه، فإن ظفروا به فقد ظفروا بالأمة جميعها وحلوا العقدة التي عجزوا عن حلها أربعين عاما، فحولوا سهامكم إلى خصومكم، ووجهوا ضرباتكم إلى المرقب الذي تتساقط منه السهام عليكم.
ارحموا أمتكم ولا تثيروا حفيظتها بإهانة زعيمها ونصيرها الباقي لها بعد تخلي جميع أنصارها وأعوانها عنها، ولا تنتهزوا فرصة ضعفها وعجزها فتدفعوها إلى إحدى السوءتين، إما الغضب الذي ليس من مصلحتها، وإما الذل الذي فوق طاقتها، واذكروا
стр. 915
كيف يكون شأنكم غدا أمام أنفسكم وأمام ضمائركم إن تمت لأعدائكم الغاية التي يرومونها من مصر على أيديكم، لا قدر الله ولا سمح، بل كيف يكون بكاؤكم وعويلكم على وطنكم وبلادكم حينما تستيقظون من رقدتكم, وتستفيقون من سكرتكم, فتعلمون أن العدو قد اقتحم البلد وأنكم أنتم الذين فتحتم له أبوابه بأيديكم.
следующие страницы →