المجلد الأول
مقدمة
...
ابن قَيِّم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها
تأليف: د. جمال بن محمد السيد
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠، ٧١] .
أما بعد: فإن الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على جميع الأديان، وَأَيَّدَهُ بالحجج القاهرة والمعجزات الظاهرة التي من أعظمها معجزة القرآن، وَتَكَفَّلَ - سبحانه - بحفظ هذا الكتاب الكريم
стр. 2
حتى تقوم حجته على الثقلين من الإنس والجان، وأسند إلى نبيه ﷺ مهمة التبليغ للقرآن والبيان، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
فَقَامَ ﷺ بهذه المهمة أحسن قيام، وَنَصَحَ للخلق وأرشدهم إلى الطريق الموصلة إلى طاعة الرحمن، وَحَذَّرَهُم من سلوك سبل الغِوَايَة والخسران، فقامت به الحجة، وتمت به النعمة والمنة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] .
وقد كان بيانه ﷺ وَسُنَّتُهُ وحياً من الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣، ٤] ، فالله عزوجل قد أرسله بالكتاب والسنة جميعاً، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِه﴾ [البقرة:٢٣١] . فالحكمة: هي السُّنَّةُ المبينةُ على لسان رسول الله ﷺ مرادَ الله بما لم ينص عليه في الكتاب١.
وقال ﷺ : "ألا إني أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ.." ٢.
فَدَلَّ ذلك على أنه أوتي السُّنَّةَ كما أوتي القرآن، وأن الكتابَ والسنةَ قرينان لا ينفصلان، وبذلك تكون السنةُ داخلةً في الوعد الذي
стр. 3
قطعه الله على نفسه بحفظ هذا الذكر، حيث قال سبحانه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ١.
وكان من مظاهر حفظ الله سبحانه لسنة نبيه ﷺ : أن هيأ لها خير قرون هذه الأمة، فتلقوها عنه ﷺ ، وحفظوها في صدورهم، "وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصاً صافياً، وكان سندهم فيه - عن نبيهم ﷺ ، عن جبريل، عن رب العالمين - سنداً صحيحاً عالياً، وقالوا: هذا عهدُ نَبِيِّنَا إلينا، وقد عَهِدْنَا إليكم، وهذه وصيةُ رَبِّنَا وفرضُهُ علينا، وهي وَصِيَّتُهُ وفرضه عليكم. فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم ... ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد ... "٢.
ومع مرور الأيام، وتعاقب الأزمان، دخل في هذا الشأن من ليس من أهله، فوقع الوهم والغلط في الرواية، بل وظهر الكذب على النبي ﷺ .
فحينئذٍ أقام الله سبحانه طائفة من الأئمة الحفاظ، فاجتهدوا في جمع الأحاديث والآثار في الصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع، والمعاجم، وغيرها؛ فلم ينقض القرن الرابع الهجري إلا وقد استوعبت مصنفاتهم أحاديث رسول الله ﷺ وآثار أصحابه، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم، كما صنفت كتب الجرح والتعديل وبيان أحوال الرواة، فَعُرِفَ الثقة الثبت من المجروح العليل، مما مَكَّنَهُم من النظر في أسانيد الأحاديث والآثار، وتمييز الصحيح من الضعيف والسليم من المعلول من تلك
стр. 4
الأخبار، وهم مستمرون على ذلك على مر الدهور والأعوام، وحتى قيام الساعة إن شاء الله؛ فإن الله سبحانه يقيِّض في كل زمان وعصر وفي كل قُطْرٍ ومصر من العلماء الْمُبَرِّزين من يَذُبُّ عن سنته ﷺ ، ويحمي حوزة الدين من كل مُبْتَدَعٍ ودخيل، وهم ظاهرون على الحق، قائمون بأمر الله "لا يَضُرُّهُم من خَذَلَهُم أو خَالَفَهُم حتى يأتيَ أمر الله وهم ظاهرون على النَّاس" ١.
ومن أولئك الأعلام الأفذاذ: الإمام العلامة، ناصر السنة، وقامع البدعة، شمس الدين بن قَيِّم الجوزية ﵀، فقد كان شوكة في حلوق المنحرفين والمبتدعين، وحرباً على المتعصبين والمقلدين، وذلك بدعوته للتمسك بسنة سيد المرسلين، ونبذ ما سوى ذلك من بدع المبتدعين.
فَنَصَرَ اللهُ به السُّنَّةَ المحمدية، وأحيا به الطريقة السَّلفيَّة، وقمع به كثيراً من الطرق البدعية، والانحرافات العقدية.
فقد عاش ﵀ حياته مجاهداً بلسانه وقلمه في سبيل تحقيق هذه الغاية الجليلة، لا يخشى في الله ملامة اللائمين، ولا يصده عن مواصلة جهاده كثرة الشانئين والحاقدين، حتى لقي الله على ذلك.
وكانت حياته العلمية ﵀ حافلة بالبذل والعطاء في كل فن من فنون الشريعة الإسلامية، فلم يدع منها باباً إلا طرقه، ولا سيما الحديث وعلومه، حيث إن دعوته قامت - في المقام الأول - على
стр. 5
نصوص الكتاب، وما ثبت من السنة، فبذل لأجل ذلك جهداً مشكوراً في العناية بالحديث، وتمييز صحيحه من سقيمه، وبيان الأحاديث الموضوعة التي اعتمد عليها أهل التعصب وأرباب البدع في ترويج باطلهم، فوقف لهم بالمرصاد، يفضح أمرهم، ويكشف كذبهم.
وقد وُجدت له - في أثناء ذلك - مشاركات قيمة، وأقوال نافعة في قواعد الحديث وأصوله، كما وجدت له أحكام موفقة في نقد الرجال وبيان أحوالهم جرحاً وتعديلاً.
ولما كانت جهود ابن القَيِّم ﵀ في خدمة هذا الدين على درجة كبيرة من الأهمية، وكانت علومه وآثاره تحظى - لدى الموافق والمخالف - بمكانة عَلِيَّة: كان ﵀ جديراً بأن تتجه إليه جهود الدارسين والباحثين، ترجمةً لحياته، وإبرازاً لجوانب مهمة في شخصيته، وإحصاءً لآثاره، وتقريباً لفقهه، وجمعاً لإفاداته المهمة في كل فن، واستخلاصاً لأفكار ومبادئ تربوية هادفة من كتبه، إلى غير ذلك من جوانب مهمة طالتها كتابات الباحثين حول شخصية ابن القَيِّم وعلومه١.
وقد كانت لدي رغبة قوية في إبراز شيء من جهد ابن القَيِّم في الحديث وعلومه، وبخاصة بعد أن وقفت على تلك البحوث القيمة - في الحديث وعلومه - في كتابيه: (الفروسية) ، (وتهذيب السنن) ، وذلك
стр. 6
حينما قرأنا دروساً من الكتابين في السنة المنهجية التحضيرية، بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية شرفها الله.
ولما كنت بصدد تسجيل موضوع لنيل درجة (الدكتوراه) ، وجدت الفرصة مناسبة لتحقيق هذه الرغبة، وبعد البحث والتتبع، وسؤال المختصين من مشايخي وأساتذتي وزملائي، علمت أن أحداً لم يتعرض لهذا الموضوع، ولمست منهم تشجيعاً وتأييداً للكتابة فيه، فزادت لدي الرغبة - حينئذ - وقويَ العزم على الكتابة في هذا الجانب من حياة هذا الإمام العلم، فتقدمت بهذا الموضوع أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في السنة النبوية وعلومها، وكان عنوانه: (ابن قَيِّم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها) .
وكنت أسعى من خلال الكتابة في هذا الموضوع إلى تحقيق هدفين:
أولهما: بيان مكانة ابن القَيِّم في الحديث وعلومه، وذلك من خلال الكشف عن آرائه وإسهاماته العلمية في هذا الجانب، والقيام بدراستها وتحليلها، ومن ثَمَّ مقارنتها بآراء أئمة هذا الشأن، ليعرف مكان ابن القَيِّم ﵀ بينهم.
ثانيهما: جمع أكبر قدر ممكن من هذه الآراء وتلك الإسهامات من بطون كتبه ومؤلفاته العديدة، وعرضها في ترتيب موضوعي، مما يسهل على طالب هذه الفوائد الوصول إليها، بعد أن كانت منثورة في أماكن متفرقة من كتبه، لا يُهْتَدى إليها إلا بتتبع كل مؤلفاته، والمرور عليها بحثاً بحثاً، ولا يخفى ما في ذلك من صعوبة ومشقة.
стр. 7
وفي ضوء تحديد هذين الهدفين: تبرز قيمة الموضوع، وتتضح أهميته في تقريب جهد ابن القَيِّم في الحديث وعلومه.
وقد قمت - من أجل تحقيق ذلك - بقراءة وجرد كل ما نشر من مؤلفات لابن القَيِّم ﵀، والتي تزيد على ثلاثين كتاباً، تتراوح ما بين كبير في خمس مجلدات كـ (زاد المعاد) ، وصغيرٍ ذاتِ وريقات كـ (رسالته إلى أحد إخوانه) وغيرها.
стр. 8
مخطط البحث وأقسامه
وقد جعلت رسالتي هذه في: مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
أما المقدمة: فقد ذكرت فيها فكرة عن الموضوع، وأهميته، والهدف منه، وعملي فيه.
وأما الباب الأول: فقد خصصته لدراسة شخصية ابن القَيِّم، وحياته العلمية، ثم مؤلفاته التي تركها، وذلك في فصول أربعة:
الفصل الأول: في الكلام على عصر ابن القَيِّم. وفيه مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الدينية.
المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.
المبحث الرابع: الحالة العلمية والثقافية.
الفصل الثاني: في حياة ابن القَيِّم. وفيه مباحث:
المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده.
المبحث الثاني: أسرته ونشأته الأولى.
المبحث الثالث: أخلاقه وصفاته الشخصية.
المبحث الرابع: زهده وعبادته.
المبحث الخامس: نبل أهدافه، ونقاء آرائه.
المبحث السادس: مِحَنُه ووفاته.
стр. 9
الفصل الثالث: في سيرته العلمية. وفيه مباحث:
المبحث الأول: نبوغه وتقدمه في العلم، وشهادة الأئمة له، وثناؤهم عليه.
المبحث الثاني: في ذكر شيوخه.
المبحث الثالث: اهتمامه باقتناء الكتب وذكر مكتبته.
المبحث الرابع: أسفاره ورحلاته.
المبحث الخامس: أعماله العلمية ومناصبه.
المبحث السادس: في ذكر تلاميذه.
الفصل الرابع: في الكلام على مؤلفاته. وفيه مباحث:
المبحث الأول: منهج ابن القَيِّم في التأليف، وخصائص مؤلفاته.
المبحث الثاني: ذكر مؤلفات ابن القَيِّم.
المبحث الثالث: مصادر ابن القَيِّم في مؤلفاته.
المبحث الرابع: دراسة بعض مؤلفات ابن القَيِّم.
الباب الثاني: ويشتمل على آراء ابن القَيِّم ومنهجه في الحديث وعلومه. وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: آراؤه في علوم الحديث. وفيه مباحث:
المبحث الأول: أقسام الخبر.
المبحث الثاني: الحديث الصحيح.
стр. 10
المبحث الثالث: الحديث الحسن.
المبحث الرابع: المرفوع والموقوف.
المبحث الخامس: المرسل.
المبحث السادس: تعارض الوصل والإرسال، أو الوقف والرفع.
المبحث السابع: المنقطع.
المبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس.
المبحث التاسع: الشاذ.
المبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد.
المبحث الحادي عشر: الموضوع.
المبحث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد.
المبحث الثالث عشر: رواية المجهول.
المبحث الرابع عشر: كيفية سماع الحديث وتحمله.
المبحث الخامس عشر: ناسخ الحديث ومنسوخه.
المبحث السادس عشر: مختلف الحديث.
المبحث السابع عشر:معرفة من اختلط من الرواة الثقات.
الفصل الثاني: آراء ابن القَيِّم ومنهجه في الجرح والتعديل. وفيه مبحثان:
المبحث الأول: آراء ابن القَيِّم في الجرح والتعديل. وفيه مطالب:
стр. 11
المطلب الأول: في جواز الجرح، وأنه ليس من الغيبة المحرمة.
المطلب الثاني: هل يثبت الجرح والتعديل بقول الواحد؟
المطلب الثالث: بماذا تثبت العدالة؟
المطلب الرابع: إذا خالف رأي الراوي روايته، هل يوجب ذلك القدح في روايته؟
المطلب الخامس: هل يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل؟
المطلب السادس: في تعارض الجرح والتعديل.
المطلب السابع: حكم رواية المبتدع.
المطلب الثامن: ذكر فوائد متفرقة في الجرح والتعديل.
المبحث الثاني: منهج ابن القَيِّم في الجرح والتعديل. وفيه مطالب:
المطلب الأول: مكانة ابن القَيِّم في نقد الرجال.
المطلب الثاني: منهج ابن القَيِّم في نقد الرجال.
المطلب الثالث: بعض الأساليب التي استعملها ابن القَيِّم في الجرح والتعديل.
المطلب الرابع: ذكر بعض الفوائد المتفرقة في الرجال.
стр. 12
الفصل الثالث: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث والحكم عليه. وفيه مبحثان:
المبحث الأول: منهج ابن القَيِّم في تخريج الحديث وعزوه.
المبحث الثاني: منهجه في الحكم على الحديث.
الفصل الرابع: منهج ابن القَيِّم في شرح الحديث، وبيان معانيه واستخرج أحكامه. وفيه مباحث:
المبحث الأول: منهجه في شرح الحديث، وبيان معانيه.
المبحث الثاني: منهجه في بيان غريب الحديث.
المبحث الثالث: منهجه في التعريف بالأماكن والبقاع.
المبحث الرابع: منهجه في الاستدلال بالنصوص الحديثية على آرائه.
المبحث الخامس: منهجه في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض.
الباب الثالث: في دراسة جملة من الأحاديث المختارة مما تكلم عليه ابن القَيِّم.
وجمعت في هذا الباب جملة من الأحاديث التي حكم عليها ابن القَيِّم ﵀ بتصحيح أو تضعيف أو غير ذلك، وَبَيَّن عللها، مع دراسة تلك الأحكام في ضوء أقوال الأئمة وأحكامهم على الأحاديث نفسها، ومن ثَمَّ بيان إصابة ابن القَيِّم أو عدم إصابته فيما حكم به.
وقد أطلت النَّفس في هذا الباب، فتوسعت في تخريج هذه الأحاديث بحسب أصول التخريج المعروفة؛ لكون التخريج علماً جامعاً
стр. 13
وممارسة عملية لعلوم الحديث المختلفة؛ كقواعد علم المصطلح، ومباحث الجرح والتعديل وتاريخ الرواة، وعلم العلل؛ وذلك لاستجلاء معالم الشخصية العلمية لهذا الإمام العَلَم الفَذِّ، وإبراز جهوده في هذا المجال من بين مسالك هذه الدراسة، فكان هذا الباب تطبيقاً عملياً على ما سبق عرضه من آراء وأقوال لهذا الإمام العَلَم فيما يتعلق بعلوم الحديث.
وذكرت في الخاتمة: أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي حول ابن القَيِّم وعلومه.
ثم ذيلت البحث بالفهارس التفصيلية التي لا غنى عنها للمطالع في هذا الكتاب.
منهجي في هذا البحث
أما منهجي وطريقة سيري في هذا البحث فيمكنني تلخيص ذلك فيما يلي:
أولاً: لقد اعتمدت في كل كلمة نقلتها عن ابن القَيِّم على كتبه مباشرة، دون أي كتاب آخر قد يوجد فيه كلامه.
ثانياً: عندما يكون كلام ابن القَيِّم في المسألة طويلاً، فإنني أُلَخِّصُ المراد منه، وقد فعلت ذلك في قسم دراسة الأحاديث أكثر من غيره.
ثالثاً: ربما أضطر في بعض الأحيان إلى مراجعة طبعات أخرى لبعض المصادر، غير الطبعة التي اعتمدتها في سائر المواضع، فما وقع لي من ذلك نبهت عليه في الحاشية، وهو قليل.
стр. 14
رابعاً: لم ألتزم في كل مسألة تعرضت لها بذكر جميع ما وقفت عليه من كلام لابن القَيِّم حول هذه المسألة، بل أختار من ذلك ما أراه كافياً في الدلالة على المراد، وذلك تجنباً للإطالة. وقدر أشير في الحاشية إلى شيء من المواضع التي تركتها، حتى يراجعها من شاء. وأما إذا كان كلامه مختصراً فإنني أذكره من كل المواضع التي ورد فيها.
خامساً: في حالة عدم موافقتي لابن القَيِّم في رأي أو حكم، فإنني أُنَبِّه على ذلك، مُبَيِّناً ما استندت إليه في اختيار خلاف قوله، مع مناقشة اختياره إن لزم الأمر، وذلك كله في ضوء كلام أهل العلم في المسألة.
سادساً: قمت بشرح بعض الكلمات الغريبة مما تدعو الحاجة إلى شرحه، وتحديد بعض الأماكن والتعريف بها، واقتصرت بالنسبة للأماكن: على غير المشهور، أو ما كان له تعلق مباشر بالكلام عن ابن القَيِّم.
سابعاً: استعملت بالنسبة لبعض الكتب رموزاً للدلالة عليها، وذلك على سبيل الاختصار.
وهذه الرموز هي:
د: لأبي داود في "السنن".
ت: للترمذي في "جامعه".
س: للنسائي في "السنن".
جه: لابن ماجه في "سننه".
стр. 15
طأ: لمالك في "الموطأ".
حم: لأحمد في "المسند".
مي: للدارمي في "السنن".
طس: للطيالسي في "المسند".
يع: لأبي يعلى في "المسند".
خز: لابن خزيمة في "صحيحه".
حب: لابن حبان في "صحيحه".
كم: للحاكم في "المستدرك".
طب: للطبراني في "معاجمه"، مع التقييد بالمراد من معاجمه الثلاثة.
قط: للدارقطني في "السنن".
هق: للبيهقي في "السنن".
عق: للعقيلي في "الضعفاء".
وبقية المصادر ترد مذكورة باسمها الصريح.
وبعد؛ فهذا ما يَسَّرَ الله لي جمعه حول الإمام العلامة ابن قَيِّم الجوزية ﵀، وأرجو الله - سبحانه - أن أكون قد وفقت في ذلك للحقِّ وهديت للصواب والرشد، والله لم يجعل قول أحد من خلقه كله صواباً، إلا قول المعصوم ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، ولا يقول إلا وحياً.
стр. 16
وحسبي أني لم أَدَّخِر جهداً في سبيل إخراج هذا البحث بالصورة اللائقة بمكانة هذا الإمام العلم، فما كان فيه من صواب وخير فمن فضل الله وهو الموفِّق إليه، فله الحمد، وما كان فيه من خطأ وتقصير ونقص فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله منه.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بوافر الشكر وجميل الثناء لكل من قدَّم لي مساعدة أو أسدى إليَّ نصحاً، أو تفضَّل عليَّ بتوجيهٍ أثناء إعدادي لهذا البحث، من المشايخ الفضلاء، والزملاء الأعزاء، وأخصُّ بالذكر: شيخي وأستاذي الفاضل الشيخ الدكتور ربيع بن هادي المدخلي، الذي أشرف على هذه الرسالة، وبذل من جهده ووقته الكثير في سبيل خروجها بهذه الصورة، أسأل الله - سبحانه - أن يجزيه عني خير الجزاء، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته، آمين.
وأُثَنِّي بالشكر للأستاذين الفاضلين: فضيلة الدكتور عبد المنعم عطية، وفضيلة الدكتور عاصم القريوتي اللذين تجشما عناء قراءة هذا البحث - رغم كبر حجمه - وأتحفاني بملحوظاتهما المفيدة وتوجيهاتهما السديدة، أثناء مناقشتهما لي، مما أعانني على إصلاح كثير من الخلل، واستدراك كثير من النقص والزلل، فجزاهما الله عني خير الجزاء، وبارك في علمهما، ونفع بهما آمين.
وأُثَلِّثُ بالشكر الوافر والثناء الجميل العاطر، للأستاذين الفاضلين اللذين قوَّما هذه الرسالة، مُكَلَّفين من قِبَل عمادة البحث العلمي، فقاما
стр. 17
بقراءتها مشكورين مأجورين، وأتحفاني بملحوظات نفيسة قيمة، وفوائد سديدة مؤيَّدة، أفدت منها كثيراً في إكمال ما بقي من نقص، وإصلاح ما خفي - قبلُ - من خطأ، فجزاهما الله خير الجزاء.
والشكر موصول لعمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، ممثلة في عميدها فضيلة الأستاذ الدكتور/ محمد بن خليفة التميمي، وكافة منسوبي العمادة، على جهودهم المباركة الميمونة في نشر الكتب النافعة بين أهل العلم وطلابه. وما نشر هذا الكتاب الذي بين يديك - أخي القارئ الكريم - إلا ثمرة من ثمار هذه الجهود المخلصة الموفقة.
كما أشكر القائمين على الجامعة الإسلامية على ما يبذلونه من جهود حثيثة في سبيل إعداد الدعاة المؤهلين الذين يقومون بواجب الدعوة إلى الله في كافة أنحاء المعمورة، متسلحين بالعقيدة الصافية، والعلم الشرعي الأصيل، والذين كانوا بحق مشاعل نور وهداية لكثير من المتعطشين إلى الدعوة الإسلامية الصحيحة الخالصة، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وكتبه: محمد جمال بن محمد السيد
المدينة النبوية الشريفة
في الحادي عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وأربعمائة وألف للهجرة
стр. 18
الباب الأول: حياة ابن القيم، وسيرته العلمية وآثاره
الفصل الأول: عصر ابن القيم وبيئته .
المبحث الأول: الحالة السياسية
...
مصادر ترجمة ابن القَيِّم:
وقد رأيت أن أمهد بين يدي هذا الباب بالكلام على المصادر التي ترجمت لابن القَيِّم ﵀، فأعطي فكرة عنها، مع تحليل للمادة التي احتواها كل مصدر منها، وذكر ما تميز به بعضها عن الآخر.
وذلك: لأن ما سيأتي من وصفٍ لابن القَيِّم، وسردٍ لأحداث حياته، مأخوذٌ من هذه المصادر بالدرجة الأولى، فيحتاج الناظر في هذه الترجمة أن يتعرف على هذه المصادر.
وقد ترجم لابن القَيِّم جماعةٌ من معاصريه فمن بعدهم، فمن هؤلاء:
الحافظ الذهبي١ (ت٧٤٨هـ) ، وتلميذه الصَّفَدِي٢ (ت٧٦٤هـ) ، وأبو المحاسن الحُسَينيُّ٣ (ت٧٦٥هـ) ، وتلميذاه: ابن كثير٤ (ت٧٧٤هـ) ، وابن رجب٥ (ت ٧٩٥هـ) .
وتتفاوت هذه التراجم فيما بينها من حيث: طولها وقصرها، ونوع المادة والمعلومات التي قدمتها كل ترجمة منها.
فأطول هذه التراجم وأوفاها: ترجمة تلميذيه الصَّفَدِي، وابن رجب؛ إذ استوعبا أهمَّ المعلومات المتعلقة بحياة ابن القَيِّم - وبخاصة
стр. 19
العلمية منها - فقد كان للصَّفَدِي جهد طيب في محاولة استقصاء شيوخ ابن القَيِّم في كل فن، وأما ابن رجب فقد بذل جهداً كبيراً في محاولة استقصاء أكبر قدر من مؤلفات ابن القَيِّم ﵀. كما أبرزَ الكثيرَ من صفاته الشخصية، وأخلاقه، وعبادته.
ويليهما في ذلك: الحافظ ابن الكثير، وقد أبرز اجتهاد ابن القَيِّم في الطلب، وتفوقه وتقدمه في علوم عديدة، وكذا أحواله في عبادته وزهده، وما تحلى به من أخلاق حميدة.
وأما الذهبي، وأبو المحاسن الدمشقي: فقد جاءت ترجمتهما مختصرة جداً؛ حيث وقعت في أسطر معدودة، ومع ذلك فإن ترجمة الذهبي تضمنت معلومات دقيقة ومفيدة على وجازتها، حتى إن أكثر من جاء بعده نقل من ترجمته. وقدم أيضاً - أعني الذهبي - رأيه الشخصي في ابن القَيِّم؛ إذ وصفه بأنه: (معجب برأيه، جرئ على الأمور) . وسيأتي رد الشوكاني على ذلك.
وأما المترجمون له ممن جاء بعده، فهم:
ابن ناصر الدين١ (ت٨٤٢هـ) ، والمقريزي٢ (ت ٨٤٥ هـ) ، وابن حجر٣ (ت٨٥٢هـ) ، وابن تَغْرِي بَرْدِي٤ (ت٨٧٤ هـ) ،
стр. 20
والسخاوي١ (ت٩٠٢هـ) ، والسيوطي٢ (ت٩١١هـ) ، والنعيمي٣ (ت ٩٢٧هـ) ، والداودي٤ (ت ٩٤٥هـ) ، وابن العماد٥ (ت١٠٨٩هـ) ، والشوكاني٦ (ت١٢٥٠هـ) ، وصديق حسن٧ (ت ١٣٠٧هـ) ، والآلوسي٨ (ت١٣١٧هـ) ، وابن بدران٩ (ت ١٣٤٦هـ) ، والشطي١٠ (ت ١٣٧٩هـ) ، وأحمد قدامة١١ (قَدَّمَ لكتابه سنة ١٣٨٥هـ) ، وعمر رضا كحَّالة١٢ وغيرهم.
ولم تقدم هذه المصادر زيادة على المصادر السابقة، بل إن أكثرها ينقل عن تلك المصادر.
إلا أننا - مع ذلك - يمكن أن نلمح بعض الأمور التي تستحق التنبيه عليها في بعض هذه المصادر المتأخرة؛ فقد أفاد المقريزي مثلاً: أن ابن القَيِّم ﵀ قدم القاهرة مراراً. وأما ابن حجر: فقد قَدَّمَ رأيه
стр. 21
الشخصي عن بعض الجوانب في حياة ابن القَيِّم العلمية، فرأى أن ابن القَيِّم مع جودة تصانيفه وعذوبة أسلوبها، فإنها لا تخرج عن أقوال شيخه ابن تَيْمِيَّة، مع تصرفه في ذلك ١.
وأما الشوكاني ﵀: فقد تضمنت ترجمته دفاعاً قوياً عن ابن القَيِّم ﵀، وبخاصة في الرد على ما قاله الذهبي، كما سيأتي ذكر ذلك.
وفي مقابل ذلك نجد الكتب الأخرى لم تقدم أي جديد؛ فابن تغري بردى - مثلاً - مع أنه ترجم لابن القَيِّم في ثلاثة من كتبه، إلا أنه لم يضف جديداً، فنقل في (المنهل الصافي) كلام شيخه الصَّفَدِي بحروفه، ولم يزد على ذلك شيئاً، واختصر ذلك في سطرين في (الدليل الشافي) . وهكذا باقي المترجمين.
وبذلك تبقى المصادر المتقدمة هي الأصل في استيفاء مقاصد ترجمة ابن القَيِّم ﵀، وبخاصة: الصَّفَدِي، وابن كثير، وابن رجب.
стр. 22
بعض الدراسات الحديثة عن ابن القَيِّم:
من المناسب في هذا المقام - ونحن بصدد الحديث عن مصادر ترجمة ابن القَيِّم - أن نشير إلى بعض الدراسات التي قام بها بعض المعاصرين حول ابن القَيِّم وجهوده العلمية المختلفة.
فمما وقفت عليه من ذلك:
١- (ابن قَيِّم الجوزية: حياته وآثاره) للشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد.
وهو من أجمع وأنفع ما كتب حول ابن القَيِّم وآثاره العلمية، مع قيامه - أثناء الكتاب - بالرد على كثير من الشبه والافتراءات التي أثارها بعض الحاقدين على ابن القَيِّم.
والكتاب مطبوع عدة طبعات.
٢- (ابن القَيِّم وموقفه من التفكير الإسلامي) للدكتور عوض الله حجازي، وقد نال به درجة الدكتوراه سنة ١٩٤٧م.
قال عنه الشيخ بكر أبو زيد: "ومع أنه خَلَفِيُّ العقيدة، فإن كتابته هي أرق وأغزر رسالة درست حياة ابن القَيِّم ﵀"١.
٣- (ابن القَيِّم: من آثاره العلمية) لأحمد ماهر محمد البقري.
حصل به الباحث على درجة الدكتوراه من قسم اللغة العربية، بجامعة الإسكندرية، وطبع سنة ١٣٩٧هـ.
стр. 23
وقد تناول فيه المؤلف جوانب عدة من حياة ابن القَيِّم العلمية: في اللغة، والتفسير وغيرهما، مع مباحث أخرى حول ثقافة ابن القَيِّم، وآثاره.
٤- (ابن قَيِّم الجوزية: عصره ومنهجه وآراؤه في الفقه والعقائد والتصوف) للدكتور عبد العظيم عبد السلام شرف الدين، طبع للمرة الثالثة سنة ١٤٠٥هـ وقد بذل فيه مؤلفه جهداً ظاهراً.
٥- (ابن قَيِّم الجوزية: جهوده في الدرس اللغوي) للدكتور طاهر سلمان حموده. طبع بالإسكندرية، سنة ١٣٩٦هـ.
وقد بحث فيه المؤلف الجانب اللغوي عند ابن القَيِّم، فدرس منهجه في: النحو والإعراب، ثم في: المعنى. مع كتابته ترجمة جيدة لابن القَيِّم.
٦- (ابن القَيِّم وحسه البلاغي في تفسير القرآن) للدكتور عبد الفتاح لاشين، وهو مطبوع.
٧- (ابن قَيِّم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف) للدكتور عبد الله محمد جار النبي. حصل به المؤلف على درجة الدكتوراه، من جامعة أم القرى، بمكة المكرمة. وطبع بمكة سنة ١٤٠٦هـ.
وقد أبرز فيه المؤلف جهود ابن القَيِّم في الدفاع عن عقيدة السلف، وذلك بعرض آراء المخالفين لعقيدة السلف، ثم إيراد رد ابن القَيِّم عليهم من خلال أبحاثه التي طرقها في أكثر كتبه.
٨- (الفكر التربوي عند ابن القَيِّم) للدكتور حسن على الحجاجي، حصل به المؤلف على درجة الدكتوراه من كلية العلوم الاجتماعية، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وطبع سنة ١٤٠٨هـ بجدة.
стр. 24
وقد عرض فيه المؤلف آراء ابن القَيِّم التربوية في أسلوب شيق، وترتيب ممتع، مستشهداً في كل قضية بكلام ابن القَيِّم في كتبه المختلفة.
والكتاب نافع جداً ومفيد في بابه.
٩- (منهج ابن القَيِّم في التفسير) لمحمد أحمد السنباطي.
ذكر فيه آراء ابن القَيِّم في التفسير، وهو مطبوع.
تلك هي أبرز الدراسات التي وقفتُ عليها حول ابن القَيِّم ﵀ في عصرنا الحاضر.
وقد اشتملت كل هذه الدراسات على ترجمة لحياة ابن القَيِّم الشخصية والعلمية، وكان أوفاها في ذلك: كتاب الشيخ بكر أبي زيد حفظه الله، وقد استفدت منه كثيراً في دراستي لابن القَيِّم.
وبالإضافة إلى هذه الدراسات، فقد ترجم لابن القَيِّم أغلبُ المحققين لكتبه١.
стр. 25
الفصل الأول: عصر ابن القَيِّم وبيئته
لا شك أن هناك علاقة وثيقة، وصلة وطيدة بين المرء وبيئته التي عاش وترعرع فيها، وبين الصفات التي تميز شخصيته، ولذلك فإنه من الضروري عند دراسة شخصية من الشخصيات إلقاء الضوء على الزمان والمكان اللذين وُجِدت فيهما تلك الشخصية، وبخاصة أولئك الذين يعيشون أحداث عصرهم، ولهم صلة بمشكلاته، وعلى رأس هؤلاء: الدعاة، والمصلحون، والعلماء.
فكما أن لهؤلاء العلماء أثراً واضحاً في مجتمعاتهم وأهل عصرهم: تربيةً، وإصلاحاً، ونشراً للخير والفضيلة، فإن للعصر وأحداثه - أيضاً - تأثيراً بالغاً فيهم، وذلك من حيث: نوع المشكلات والأدواء التي يهتمون بمعالجتها، والطريقة التي يسلكونها في ذلك، وما يرونه أولى بصرف العناية إليه من غيره، وكذا من ناحية نظرة حُكَّام ذلك العصر للعلم وأهله، ومدى تجاوبهم مع رسالة العلماء، إلى غير ذلك من الأمور التي لها أثر مباشر على أهل العلم ودعوتهم.
وقد رأيت أن يكون هذا الفصل مشتملاً على بيان لكل من: الحالة السياسية، والدينية، والاجتماعية، والعلمية لهذا العصر، وذلك ضمن مباحث أربعة:
стр. 26
المبحث الأول: الحالة السياسية
لقد عاش ابن القَيِّم ﵀ في الشام في أواخر القرن السابع ومنتصف القرن الثامن الهجري (٦٩١ - ٧٥١هـ) .
ولو عدنا إلى ما قبل مولد ابن القَيِّم ﵀ بفترة ليست بالبعيدة، لوجدنا أن العالم الإسلامي قد مني بكارثة مروعة، وذلك حين اجتاح التتار العالم الإسلامي، واستولوا على بغداد عاصمة الخلافة، وقتلوا خليفة المسلمين المستعصم بالله، حتى (بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التُّلُول) ١. وذلك في سنة (٦٥٦هـ) .
ثم ما كان بعد من لطف الله - سبحانه - بالعباد والبلاد، حين رد كيد هؤلاء الغزاة، وهزمهم شر هزيمة على يد الملك المظفر قطز٢ - سلطان مصر - وذلك بعد أن استولى التتار على معظم مدن الشام، وفي عزمهم الزحف إلى مصر وكانت هزيمتهم في سنة (٦٥٨هـ) (وجاءت البشارة، ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه) ٣.
стр. 27
كما أن العالم الإسلامي تعرض -أيضاً- للغزو الصَّليبي الحاقد، فاستولى الصليبيون على كثير من ديار المسلمين، واستمرت الحروب بينهم وبين المسلمين قرنين من الزمان، يصيبون من المسلمين، ويصيب المسلمون منهم، إلى أن منَّ الله سبحانه - وله الحمد - بتطهير البلاد منهم في سنة (٦٩٠هـ) - قبل مولد ابن القَيِّم بسنة - على يد الملك الأشرف خليل بن قلاوون١، فما حَلَّت سنة (٦٩٠هـ) إلا وقد (فتحت عكا وبقية السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مُدَدٍ متطاولة، ولم يبق لهم فيها حجر واحد، ولله الحمد والمنة) ٢.
تلك أهم المؤثرات السياسية الخارجية التي تعرض لها العالم الإسلامي - وبخاصة مصر والشام - في ذلك العصر، وما تركته تلك الحروب من آثار على العالم الإسلامي آنذاك، كان من أهمها:
- إحياء روح الجهاد في نفوس الأمة، والرغبة في التضحية وبذل النفس في سبيل الله سبحانه.
- توحيد الصفوف عند نزول المحن والشدائد، وبخاصة إذا كان الخطر المحدق يهدد الإسلام والمسلمين.
- كشفت هذه الحروب عن بعض المنافقين أعداء الإسلام وأهله،
١ خليل بن قلاوون، الملك الأشرف بن الملك المنصور - قلاوون - وليَ السلطة بعد موت أبيه المنصور في سنة ٦٨٩هـ، وكان شجاعاً مهاباً كريماً، مات مقتولاً سنة ٦٩٣هـ.
стр. 28
من: الرافضة، والنصارى، وغيرهم ممن كانوا عوناً لأعداء الإسلام، وكان أشرّ هؤلاء جميعاً الرافضة، وعلى رأسهم ابن العلقمي - وزير الدولة حينذاك - حيث إنه اجتهد في (صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان ... إلى أن لم يبق منهم سوى عشرة آلاف - وقد كانوا مائة ألف - ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعاً في أن يزيل السُنَّةَ بالكُلِّيَة، وأن يُظْهِرَ البدعة الرافضيَّة، وأن يقيمَ خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتين ... ) ١.
وبالرغم من أن هذه الأحداث سابقة لمولد ابن القَيِّم ﵀، إلا أنه أفاد منها واستوعب دروسها جيداً، فكان يحذر المسلمين من هؤلاء المنافقين الذين يتربصون بالإسلام وأهله الدوائر، ويُبَيِّنُ خطرهم على الإسلام وأهله، يقول ﵀ في حق الرافضة:
"وهل عاثت سيوف المشركين عباد الأصنام من عسكر هولاكو وذويه من التتار إلا من تحت رؤوسهم؟ وهل عطلت المساجد، وحرقت المصاحف، وقتل سروات٢ المسلمين وعلماؤهم وعُبَّادهم وخليفتهم إلا بسببهم ومن جَرَّائهم؟ ومُظَاهَرَتُهُم للمشركين والنصارى معلومة عند الخاصة والعامة" ٣.
هكذا أفاد ابن القَيِّم من أحداث التاريخ في دعوته، ومن هنا يتأكد
стр. 29
لنا: إلى أي حد كان ابن القَيِّم ﵀ متأثراً بأحداث عصره، وإلى أي حدٍّ استطاع أن يُسَخِّر دروس هذه الأحداث في خدمة أهدافه ومبادئه، وكيف اشتعلت غيرته الدينية ﵀ على حرمات الإسلام التي انتهكت، وعلى صفوة علمائه وعُبَّادِه الذين راحوا ضحية حقد الرافضة وكيدهم للإسلام وأهله.
تلك أبرز الآثار التي تركتها هذه الحروب على المسلمين في ذلك العصر.
وإذ قد استعرضنا أهم المؤثرات الخارجية في الظروف السياسية للدولة، يحسن أن نتعرف - كذلك - على أوضاع الدولة وسياستها الداخلية في تلك الفترة.
حكم المماليك لمصر والشام:
خضعت مصر والشام لحكم المماليك فترة طويلة من الزمن، والمماليك: أصلهم من الرقيق الذين كان حكام الدولة الأيوبية - ومن قبلهم العباسيون - يشترونهم، حتى جاء عهد الملك نجم الدين أيوب، فاستكثر منهم، واتخذهم جنوده وأعوانه١.
أما عن قيام دولتهم: فإنه لما توفي الملك الصالح أيوب في سنة (٦٤٧هـ) متأثراً بمرضه- فيما كان منشغلاً بقتال الفرنج عند المنصورة- استُدْعِيَ ابنه المعظم تورانشاه من الشام، وبويع له بالملك، وقاتل الفرنج قتالاً عظيماً، إلا أن مماليك أبيه قتلوه، وأقاموا عليهم عزَّ الدين أيبك
стр. 30
التركماني، ولقبوه: بالملك المعز١، وكان ذلك في سنة (٦٤٨هـ) .
وقد قضى المماليك بذلك على آخر سلاطين الدولة الأيوبية، وأقاموا أول سلاطين دولتهم: عز الدين أيبك٢.
وفور سماع الأمراء الأيوبيين في الشام بمقتل تورانشاه، ثارت ثورتهم، وأخذوا يستعدون لغزو مصر والقضاء على دولة المماليك الناشئة، وظل الأمر مُتَوتِّرًا حتى تم الاتفاق بين المماليك والأيوبيين على اقتسام السلطة بينهم: مصر، وفلسطين حتى نهر الأردن، مع غزة والقدس للماليك، وبقية بلاد الشام للأيوبيين، وذلك في سنة (٦٥١هـ) ٣.
ثم لما هزم الله التتار على يد المماليك كما مضى - بعد أن فر الأيوبيون من أمامهم - استقرت الأمور نسبياً للماليك في بلاد الشام، وأصبح نوَّابُ الشام - بالرغم من تمتعهم بالسلطان والنفوذ - تابعين لسلطة المماليك بالقاهرة، التي كانت عاصمة الدولة ومقر الحكومة آنذاك٤. وبذلك أصبحت الشام - موطن ابن القَيِّم - خاضعة في حكمها لسلطة المماليك، والسلطان يستنيب عليها من شاء من الأمراء.
ويصف الدكتور صفوح خير الوضع آنذاك بقوله: "ثم أصبح مماليك مصر سادة الشام بعد انتصارهم الكبير على المغول في عين
стр. 31
جالوت ... وأصبحت سوريا بكاملها - اعتباراً من هذا التاريخ - مقاطعة ملحقة بدولة مصر، وعلى رأس هذه الدولة: المماليك الترك الذين ثاروا على سادتهم سلاطين الأيوبيين" ١.
إحياء الخلافة العباسية:
ثم إنه تم على يد المماليك إعادة منصب الخلافة، وذلك بعد أن ظل شاغراً منذ مقتل الخليفة المستعصم على أيدي التتار سنة (٦٥٦هـ) .
ففي سنة (٦٥٩هـ) خرج المستنصر بالله أحمد بن الظاهر من معتقله ببغداد، ثم قدم على الظاهر بيبرس في مصر، وبعد ثبوت نسبه بايعه الملك الظاهر، والقاضي، والوزير، والأمراء، وخُطِبَ له على المنابر، وضرب اسمه على السِّكَّة٢، ثم قُلِّدَ الظاهر بيبرس السلطة في السنة نفسها٣، فكان ذلك بمثابة اعترافٍ رسمي بشرعية حكم الدولة المملوكية آنذاك.
ولكن هل كان لمنصب الخليفة هذه المرة قيمة فِعْلِيَّة؟ أم أن ذلك لم يكن إلا أمراً شكلياً يضفي على سلطة المماليك وحكمهم للبلاد الصبغة الشرعية فحسب؟
الواقع أن الأمر لم يكن إلا شكلاً، مع خلوه عن كل مضمون حقيقي لصفة الخليفة، وممارسته لصلاحياته في حكم البلاد.
стр. 32
ولقد أحسَّ ابن القَيِّم ﵀ بمرارة هذا الأمر، وتأسف لما وصل إليه حال الخليفة في تلك الأيام، فأخذ يُعَبِّرُ عن ذلك في مؤلفاته وكتاباته، فقال مرة - في معرض ذَمِّهِ للمعرضين عن نصوص الوحي، الْمُقَدِّمين عليها آراء الرجال: "أنزلوا النصوص منزلة الخليفة العاجز في هذه الأزمان، له السِّكة والخطبة، وما له حكم نافذ ولا سلطان"١.
وهكذا يتأثر ابن القَيِّم ﵀ مرة أخرى بأحداث مجتمعه، فلا يجد إلا قلمه يصوِّر به بعض تلك الأحداث، لافتاً بذلك الأنظار إلى وضع خاطئ، ومرض يحتاج إلى علاج.
والواقع أن الأمر بالنسبة للخليفة لم يقف عند مجرد إهماله، وتدبير الأمر دونه، بل تعدَّى ذلك إلى إهانة السلطان له، بل واعتقاله وتشريده؛ فقد استهلت سنة (٧٣٧هـ) "والخليفة المستكفي بالله قد اعتقله السلطان الملك الناصر، ومنعه من الاجتماع بالناس) ٢. ولم تستهل السنة التي بعدها إلا والخليفة المستكفي (منفيٌّ ببلاد قوص، ومعه أهله وذووه، ومن يلوذ به ... "٣. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
التنافس والتناحر بين سلاطين المماليك:
أما عن الأمراء والسلاطين الذين حكموا البلاد في تلك الفترة: فقد كانوا في حالة يرثى لها من التناحر، والتطاحن، والتنافس، والتقاتل فيما بينهم.
стр. 33
فإن هؤلاء المماليك - الذين كانوا أرقَّاء في خدمة السلاطين - قد وصل أكثرهم إلى مناصب مرموقة، وكثر اتخاذ الأمراء منهم، ومن ثَمَّ أصبح كل واحد منهم يتطلع إلى الجلوس على كرسي السلطة، ولا يرى لغيره ميزة في التقدم عليه، واعتلاء السلطة دونه.
فأخذ كل واحد منهم يقوِّي من أمر نفسه، ويكثر من المماليك حوله، حتى إذا سنحت له فرصة انقض على السلطان القائم فقتله، أو سجنه، أو نفاه، ثم يحل محله في حكم البلاد.
ولم يكن الطمع في السلطة وحده هو الدافع إلى التخلُّص من السلطان القائم، بل إن مجرد عدم رضى الأمراء عن السلطان، أو خوفهم من بطشه بهم، كان مسوِّغاً - كذلك - لإقصائه أو التخلص منه.
ومن يستعرض تاريخ تلك الدولة يجد من ذلك عجباً، إذ إن العَدْوَ على السلطان القائم، وقتله أبشع قتلة، لم يكن أمراً مستغرباً آنذاك، حتى إن كلَّ واحد منهم كان يتوقع أن يأتي دوره في أية لحظة، وكان لا يستبعد ذلك، فالأمراء الذين قتلوا المظفر قطز - ظلماً وعدواناً - قيل: إنهم لما قتلوه "حار الأمراء بينهم فيمن يُوَلُّون المُلْك، وصار كلُّ واحد منهم يخشى غائلة ذلك، وأن يصيبه ما أصاب غيره سريعاً ... " ١.
فقد اعتلى كرسيَّ السلطنة في الفترة (٦٤٨ - ٧٨٤هـ) - وهي ستة وثلاثون عاماً، هي فترة حكم دولة المماليك الأولى - تسعةٌ وعشرون حاكماً، قُتِل أكثرهم أو خُلِع، وقليل منهم توفي أو اعتزل٢.
стр. 34
تلك هي أبرز السمات المميزة للناحية السياسية التي عاشتها تلك الدولة:
- أخطار خارجية محدقة بالدولة، تمثلت في حروب التتار والصليبيين ضد الدولة.
- ومناوشات وعداوات بين المماليك في مصر والملوك الأيوبيين في الشام، عقب قضاء المماليك على آخر ملوكهم.
- وتناحر وتقاتل بين سلاطين الدولة أنفسهم.
- مع ضياع سلطة الخليفة في وسط هذه الأحداث، وعدم تمكينه من القيام بأعباء الخلافة، أو تصريف شيء من أمور الدولة.
ولا يخفى ما خلَّفَتْه هذه القلاقل والاضطرابات من آثار على الناس في ذلك الوقت: من عدم الأمن والاستقرار، وارتفاع الأسعار وغلاء الأقوات، مع حرمان الناس من المشاركة في حكم بلادهم؛ إذ كان ذلك لطائفة المماليك دون غيرهم، إلى غير ذلك من الأوضاع السيئة التي كان لها أسوأ الأثر على حياة الناس حينذاك.
стр. 35
المبحث الثاني: الحالة الدينية
في ظل هذا الوضع السياسي المتردي، وهذه الظروف غير المستقرة، ساءت الحالة الدينية في البلاد، وضعف الوازع الديني في نفوس الكثيرين، وَاْرْتُكِبَت الكثير من المحرمات، وشاعت المنكرات.
ولقد كان الكثيرُ من الأمراء والسلاطين قدوةً سيئة في هذا الجانب، وذلك بما شانوا به أنفسهم من حياة اللهو والبذخ والانحلال والترف، فنجد أحدهم - وهو الملك المنصور - قد "صدر عنه من الأفعال التي ذكر أنه تعاطاها من شرب المسكر، وغشيان المنكرات، وتعاطي ما لا يليق به ... "١.
هذا إلى جانب سفك كل واحد منهم دم الآخر طمعاً في المنصب والسلطة كما تقدم.
ولقد انتشر حينذاك التعصب المذهبي، وأدى إلى كثير من الخلافات بين العلماء أنفسهم، فضلاً عن بقية الناس، حتى إن الجامع الأموي في دمشق كان يوجد به إمام لكل مذهب، ولكل إمام محراب، ويشير الحافظ ابن كثير ﵀ إلى شيء من الاختلاف في الجامع، فيقول: "وأمر الكاملُ في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة أئمة الجامع أن لا يصلي أحدٌ منهم المغرب سوى الإمام الكبير، لِمَا كان يقع من التشويش والاختلاف بسبب اجتماعهم في وقت واحد، وَلَنِعْمَ ما فعل"٢.
стр. 36
وكانت هذه الخلافات تؤدي في بعض الأحيان إلى الشحناء والقطيعة بين العلماء، حتى إن السلطان كان يتدخل في ذلك للإصلاح بينهم، ويَحْكِي ابن كثير ﵀ موقفاً من هذه المواقف - وكان حاضره - فيقول: "وجلس نائبُ السلطة في صدر المكان، وجلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنا نحن الترك وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفتِ العلماءُ واختصموا فمن يصلح بينهم؟ وشرع في تأنيب من شنَّع على الشافعيّ" ١.
وقد كانت العقائد المختلفة المخالفة لعقيدة أهل السنة منتشرة حينذاك، وربما أدت إلى وقوع الخلاف والفتن أيضاً؛ ففي المحرم من سنة ٧١٦هـ (وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية بسبب العقائد، وترافعوا إلى دمشق، فحضروا بدار السعادة عند نائب السلطنة تنكز، فأصلح بينهم) ٢. كما يقول الحافظ ابن كثير ﵀.
ولعله ﵀ يشير بهذه الحادثة إلى الخلاف بين الأشعرية٣ - الذين كانوا جمهور الشافعية وقتئذ - وبين الحنابلة أهل الحديث والأثر، فالخلاف بينهم في ذلك الوقت معروف، والنزاع بينهم
стр. 37
مضطرم "زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد، واعتماد الأشاعرة على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي في دراستها" ١.
ولقد كان لابن القَيِّم ﵀ موقفه الواضح في هذه القضية، من: الانتصار لعقيدة أهل السنة والجماعة، والوقوف في وجه الأشاعرة، كما يتضح ذلك من مؤلفاته العديدة في هذا الصدد.
هذا عن النزاعات العقدية والمذهبية في ذلك الوقت، التي كانت - ولاشك - من عوامل الفوضى الدينية، والتفرق والاختلاف.
كما انتشرت في ذلك الوقت بعض الفرق الضالة التي تنتسب - كذباً - إلى الإسلام، مع شدة عداوتها وحربها لأهله، وعلى رأس هذه الفرق: الرَّافِضَة٢، والنُّصَيْرِيَّة٣ وغيرهما، وما كان لهذه الفرق
стр. 38
من أثر في زعزعة الاستقرار الديني في المجتمع، والكيد للمسلمين، وقد تقدم ما فعلته الرافضة بالمسلمين أثناء غزو التتار.
ولقد كان هؤلاء الرافضة - ولله الحمد - يُقَابَلُون بالقتل والتنكيل عندما يُصرِّح أحدهم بكفره؛ ففي سنة (٧٤٤هـ) "وفي صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرَّفض الدال على الكفر ... ) ١. ووجد رجل آخر، اسمه محمود بن إبراهيم الشيرازي يسب الصحابة ويقول: كانوا على الضلالة، (فعند ذلك حُمِلَ إلى نائب السلطنة، وشهد عليه قوله: كانوا على الضَّلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه، وأحرقته العامة، قَبَّحَهُ الله"٢.
ولم تكن النُّصَيْرِيَّة أخف شرّاً ولا أقل ضرراً من أولئك الرافضة، بل إنهم خرجوا في سنة (٧١٧هـ) عن الطاعة، وادَّعوا الألوهية لعليِّ، وكفَّروا المسلمين، ودخلوا مدينة (جَبَلَة) وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها، وسَبُّوا الشيخين، وخربوا المساجد واتخذوها خَمَّارَات إلى أن "جُرِّدَت إليهم العساكر، فهزموهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً... وقتل المهدي أضلهم"٣.
وإلى جانب وجود هذه الفرق المعادية للإسلام والسنة وأهلها، وجدت في أوساط الناس البِدَعُ والخرافات، والاعتقاد في الأشخاص من
стр. 39
المشعوذين والدجالين، وقد كان لانتشار فرق الصوفية حينذاك دورٌ كبيرٌ في شيوع هذه الخرافات والترويج لها، وزاد الأمر سوءاً: تشجيع بعض الأمراء لهم، بل والعناية بأمرهم، والإنفاق عليهم، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتقاد فيهم؛ كما كان من أمر الظاهر بيبرس؛ إذ كان له شيخ اسمه الخضر بن أبي بكر العدوي، وكان الظاهر "يعظمه تعظيماً زائداً، وينزل إلى عنده إلى زاويته في الأسبوع مرة أو مرتين، ويستصحبه معه في كثير من أسفاره، ويكرمه ويحترمه ويستشيره فيشير عليه برأيه ومكاشفات صحيحةٍ مطابقةٍ؛ إما رحمانيةٍ أو شيطانية ... " ١. وشيخ آخر اسمه ناصر الدين بن إبراهيم العثماني "كان لنائب السلطنة الأفرم فيه اعتقاد، وَوَصَلَهُ منه افتقاد" ٢.
كما انتشر الْمُنَجِّمُون، وكثر قصد الناس لهم، حتى كانت سنة (٧٣٣هـ) "أمر السلطان بتسليم المُنَجِّمِين إلى والي القاهرة، فضربوا وحبسوا؛ لإفسادهم حال النساء" ٣.
أما البدع التي سادت المجتمع في ذلك الوقت فكثيرة، كبدعة الوَقِيْد في المسجد الأموي بدمشق في ليلة النصف من شعبان، وذلك أن الناس يشعلون في هذه الليلة في المسجد قناديل زيادة عما فيه، ويعتقدون أنهم إن لم يفعلوا ذلك في عام مات السلطان، مع إحياءِ هذه الليلة، وفي سنة (٧٥١هـ) - عام وفاة ابن القَيِّم ﵀ – "بطل الوقيد بجامع
стр. 40
دمشق، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد والمنة، وفرح أهل العلم بذلك وأهل الديانة، وشكروا الله -تعالى- على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد" ١.
كما سادت المجتمع ألوانٌ من الشركيات؛ كالتبرك بالأحجار والجمادات ونحو ذلك، من ذلك ما حكاه ابن كثير ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ﵀، من أنه في شهر رجب سنة (٧٠٤هـ) : "راح الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيَّة إلى مسجد التاريخ، وأمر أصحابه - ومعه حَجَّارون - بقطع صخرة كانت بنهر قَلُوطٍ تزار ويُنْذَر لها، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن الناس شبهة كان شرُّهَا عظيماً" ٢.
كما انتشرت المعاصي والمنكرات بين الناس: من شرب للخمر والحشيش، واحترافِ بعض النساء للبغاء وغير ذلك، حتى إن جماعة من مجاوري الجامع بدمشق جاءوا في سنة (٧٥٨هـ) "إلى أماكن مُتَّهَمَةٍ بالخمر وبيع الحشيش، فكسروا أشياء كثيرة من أواني الخمر، وأراقوا ما فيها، وأتلفوا شيئاً كثيراً من الحشيش وغيره"٣.
بل قد وُجِدَ من الأمراء من يضمن هذه المنكرات والفواحش نظير