← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكانت هذه الخلافات تؤدي في بعض الأحيان إلى الشحناء والقطيعة بين العلماء، حتى إن السلطان كان يتدخل في ذلك للإصلاح بينهم، ويَحْكِي ابن كثير ﵀ موقفاً من هذه المواقف - وكان حاضره - فيقول: "وجلس نائبُ السلطة في صدر المكان، وجلسنا حوله، فكان أول ما قال: كنا نحن الترك وغيرنا إذا اختلفنا واختصمنا نجيء بالعلماء فيصلحون بيننا، فصرنا نحن إذا اختلفتِ العلماءُ واختصموا فمن يصلح بينهم؟ وشرع في تأنيب من شنَّع على الشافعيّ" ١. وقد كانت العقائد المختلفة المخالفة لعقيدة أهل السنة منتشرة حينذاك، وربما أدت إلى وقوع الخلاف والفتن أيضاً؛ ففي المحرم من سنة ٧١٦هـ (وقعت فتنة بين الحنابلة والشافعية بسبب العقائد، وترافعوا إلى دمشق، فحضروا بدار السعادة عند نائب السلطنة تنكز، فأصلح بينهم) ٢. كما يقول الحافظ ابن كثير ﵀. ولعله ﵀ يشير بهذه الحادثة إلى الخلاف بين الأشعرية٣ - الذين كانوا جمهور الشافعية وقتئذ - وبين الحنابلة أهل الحديث والأثر، فالخلاف بينهم في ذلك الوقت معروف، والنزاع بينهم

стр. 37

مضطرم "زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد، واعتماد الأشاعرة على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي في دراستها" ١. ولقد كان لابن القَيِّم ﵀ موقفه الواضح في هذه القضية، من: الانتصار لعقيدة أهل السنة والجماعة، والوقوف في وجه الأشاعرة، كما يتضح ذلك من مؤلفاته العديدة في هذا الصدد. هذا عن النزاعات العقدية والمذهبية في ذلك الوقت، التي كانت - ولاشك - من عوامل الفوضى الدينية، والتفرق والاختلاف. كما انتشرت في ذلك الوقت بعض الفرق الضالة التي تنتسب - كذباً - إلى الإسلام، مع شدة عداوتها وحربها لأهله، وعلى رأس هذه الفرق: الرَّافِضَة٢، والنُّصَيْرِيَّة٣ وغيرهما، وما كان لهذه الفرق

стр. 38

من أثر في زعزعة الاستقرار الديني في المجتمع، والكيد للمسلمين، وقد تقدم ما فعلته الرافضة بالمسلمين أثناء غزو التتار. ولقد كان هؤلاء الرافضة - ولله الحمد - يُقَابَلُون بالقتل والتنكيل عندما يُصرِّح أحدهم بكفره؛ ففي سنة (٧٤٤هـ) "وفي صبيحة يوم الاثنين الحادي والعشرين منه قتل بسوق الخيل حسن بن الشيخ السكاكيني على ما ظهر منه من الرَّفض الدال على الكفر ... ) ١. ووجد رجل آخر، اسمه محمود بن إبراهيم الشيرازي يسب الصحابة ويقول: كانوا على الضلالة، (فعند ذلك حُمِلَ إلى نائب السلطنة، وشهد عليه قوله: كانوا على الضَّلالة، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه، وأحرقته العامة، قَبَّحَهُ الله"٢. ولم تكن النُّصَيْرِيَّة أخف شرّاً ولا أقل ضرراً من أولئك الرافضة، بل إنهم خرجوا في سنة (٧١٧هـ) عن الطاعة، وادَّعوا الألوهية لعليِّ، وكفَّروا المسلمين، ودخلوا مدينة (جَبَلَة) وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها، وسَبُّوا الشيخين، وخربوا المساجد واتخذوها خَمَّارَات إلى أن "جُرِّدَت إليهم العساكر، فهزموهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً... وقتل المهدي أضلهم"٣. وإلى جانب وجود هذه الفرق المعادية للإسلام والسنة وأهلها، وجدت في أوساط الناس البِدَعُ والخرافات، والاعتقاد في الأشخاص من

стр. 39

المشعوذين والدجالين، وقد كان لانتشار فرق الصوفية حينذاك دورٌ كبيرٌ في شيوع هذه الخرافات والترويج لها، وزاد الأمر سوءاً: تشجيع بعض الأمراء لهم، بل والعناية بأمرهم، والإنفاق عليهم، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الاعتقاد فيهم؛ كما كان من أمر الظاهر بيبرس؛ إذ كان له شيخ اسمه الخضر بن أبي بكر العدوي، وكان الظاهر "يعظمه تعظيماً زائداً، وينزل إلى عنده إلى زاويته في الأسبوع مرة أو مرتين، ويستصحبه معه في كثير من أسفاره، ويكرمه ويحترمه ويستشيره فيشير عليه برأيه ومكاشفات صحيحةٍ مطابقةٍ؛ إما رحمانيةٍ أو شيطانية ... " ١. وشيخ آخر اسمه ناصر الدين بن إبراهيم العثماني "كان لنائب السلطنة الأفرم فيه اعتقاد، وَوَصَلَهُ منه افتقاد" ٢. كما انتشر الْمُنَجِّمُون، وكثر قصد الناس لهم، حتى كانت سنة (٧٣٣هـ) "أمر السلطان بتسليم المُنَجِّمِين إلى والي القاهرة، فضربوا وحبسوا؛ لإفسادهم حال النساء" ٣. أما البدع التي سادت المجتمع في ذلك الوقت فكثيرة، كبدعة الوَقِيْد في المسجد الأموي بدمشق في ليلة النصف من شعبان، وذلك أن الناس يشعلون في هذه الليلة في المسجد قناديل زيادة عما فيه، ويعتقدون أنهم إن لم يفعلوا ذلك في عام مات السلطان، مع إحياءِ هذه الليلة، وفي سنة (٧٥١هـ) - عام وفاة ابن القَيِّم ﵀ – "بطل الوقيد بجامع

стр. 40

دمشق، فلم يزد في وقيده قنديل واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد والمنة، وفرح أهل العلم بذلك وأهل الديانة، وشكروا الله -تعالى- على تبطيل هذه البدعة الشنعاء، التي كان يتولد بسببها شرور كثيرة بالبلد" ١. كما سادت المجتمع ألوانٌ من الشركيات؛ كالتبرك بالأحجار والجمادات ونحو ذلك، من ذلك ما حكاه ابن كثير ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ﵀، من أنه في شهر رجب سنة (٧٠٤هـ) : "راح الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيَّة إلى مسجد التاريخ، وأمر أصحابه - ومعه حَجَّارون - بقطع صخرة كانت بنهر قَلُوطٍ تزار ويُنْذَر لها، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن الناس شبهة كان شرُّهَا عظيماً" ٢. كما انتشرت المعاصي والمنكرات بين الناس: من شرب للخمر والحشيش، واحترافِ بعض النساء للبغاء وغير ذلك، حتى إن جماعة من مجاوري الجامع بدمشق جاءوا في سنة (٧٥٨هـ) "إلى أماكن مُتَّهَمَةٍ بالخمر وبيع الحشيش، فكسروا أشياء كثيرة من أواني الخمر، وأراقوا ما فيها، وأتلفوا شيئاً كثيراً من الحشيش وغيره"٣. بل قد وُجِدَ من الأمراء من يضمن هذه المنكرات والفواحش نظير

стр. 41

أجر معلوم يأخذه على ذلك، كما كان من حال سيف الدين قَبْجَق١ نائب دمشق؛ فإنه "ضَمِنَ الخَمَّارات ومواضع الزنا من الحانات وغيرها، وجُعِلَت دار ابن جَرَادة ... خَمَّارَة وحانة أيضاً، وصار له على ذلك في كل يوم ألف درهمٍ، وهي التي دمَّرته ومحقت آثاره"٢. ومن المنكرات التي سادت المجتمع أيضاً: الغناء والطرب، وقد أعلن ابن القَيِّم ﵀ حرباً لا هوادة فيها على الغناء وأهله، وبَيَّنَ شَبَهَهُم، ودحض مزاعمهم في استحلال ذلك، حتى إنه أفرد لذلك مؤلفاً كما سيأتي، كما اعتنى بذلك في مؤلفاته الأخرى، وبخاصة (إغاثة اللهفان) ، وما ذلك إلا دليلٌ على شيوع هذا البلاء في زمنه، واستفحال أمره. تلك هي أهم مظاهر الفساد الديني في ذلك الوقت، ولا شك أن مثل هذه البيئة وما فيها من مفاسد ومخالفات شرعية، من أكبر العوامل التي تُحَرِّكُ الدعاة المخلصين، والعلماء العاملين، للقيام بمجابهة هذه المنكرات، والتحذير منها، والتنبيه على خطرها، ومحاولة الأخذِ بأيدي الناس إلى الطريق القويم، والصراط المستقيم. ولقد كان لابن القَيِّم ﵀ في هذا الباب جهد مشكور؛ فإنه يُعَدّ واحداً من أبرز علماء هذه الأمة الذين حملوا راية الإصلاح الديني في ذلك العصر، ولا يزال صدى دعوته وأثرها يعمل عمله في الناس إلى يومنا هذا، وسيظل كذلك إن شاء الله.

стр. 42

المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية لا شك أن وضع الناس في المجتمع وما يسودهم من عادات وتقاليد، وما يحكم معاملاتهم وعلاقاتهم، يخضع - بصورة مباشرة - لما يعيشه هذا المجتمع من ظروف سياسية، داخلية كانت أم خارجية. فالحروب المتتابعة التي تعرضت لها البلاد في تلك الفترة أدت إلى عدم الاستقرار في المجتمع، وكثرة الانتقال والترحال - الهجرة الداخلية - وذلك فراراً من خطر القتل، مع ما يصاحب ذلك: من فقدان المأوى، وتعطلِ الأعمال، وكساد التجارات، وقلة الأقوات. ويُصَوِّرُ ابن كثير ﵀ شيئاً من ذلك عندما عزم هولاكو على غزو دمشق، فيقول: "فانزعج الناصر - صاحب دمشق - لذلك، وبعثَ بحريمه وأهله إلى الكَرْك لِيُحَصِّنَهم بها، وخافَ أهل دمشق خوفاً شديداً - ولاسيما لَمَّا بلغهم أن التتار قد قطعوا الفرات - سافر كثير منهم إلى مصر في زمن الشتاء، فمات ناسٌ كثيرٌ منهم ونهبوا" ١. وما يقال عن أثر الحروب الخارجية، يقال - أيضاً - عن أثر السياسة الداخلية لحكام البلاد، وما كان بينهم من منازعات مستمرة. كما أننا نلمح ارتباطاً وثيقاً - كذلك - بين حالة البلاد الدينية، والحالة الاجتماعية؛ فإنَّ الفَهْمَ الصحيح للإسلام، والتطبيق السليم لأحكامه، والالتزامَ الصادقَ بتعاليمه، كل ذلك له أثر طيب على أفراد

стр. 43

المجتمع، وعاداتهم وتقاليدهم؛ فيسود المجتمع الاستقرار والأمن، ويعُمُّه الخير والرخاءُ. وعلى العكس تماماً، فإن الانسلاخ من أحكام الدين وشرائعه، وتضييع تعاليمه وشعائره، من أهم أسباب شيوع الفوضى وعدم الاستقرار في المجتمع، وفساد الأخلاق، وضياع القِيَم. أما عن أهم السمات التي ميَّزت حالة المجتمع، والأوضاع التي سادت أفراده، فإنها تتلخص فيما يلي: أولاً: التفاوت الواضح بين طبقات المجتمع وفئاته، مع عدم المساواة بين أفراده. فطبقة الحكام والأمراء في المقدمة، تحظى بكل الخيرات والنعم، وتستأثر بالإقطاعات الواسعة، وتحوز الأموال الطائلة، التي بلغت - على سبيل المثال - عند أحد الأمراء (ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار) من الذهب، عدا الأموال والأملاك والإقطاعات الأخرى، هذا ما كان يملكه الأمير سيف الدين بشتك١، وأمثاله كثيرون. ثم تلي هذه الطبقة: طبقة الجنود من أتباعهم على اختلاف رتبهم ومقاماتهم، إذ كان الأمراء يولون هذه الفئة عناية فائقة، وذلك كسباً لولائهم، ليكونوا سنداً لهم عند نزول المحن. ثم يلي هؤلاء: بقية فئات المماليك، الذين كانوا يرون لهم ميزةً على سائر أبناء الشعب أصحاب البلاد الأصليين.

стр. 44

ثم تأتي بعد ذلك سائر فئات الشعب، يتقدمهم العلماء والفقهاء، وغيرهم من المثقفين، وقد كانت هذه الطبقة تحظى باحترام الأمراء والسلاطين أكثر من غيرها. ثم في آخر هذا الترتيب الطبقي: عامة الناس من عمال، وفلاحين، وغيرهم من أصحاب الحرف الأخرى، الذين كانوا يشقون ويكدحون لراحة غيرهم مع ما هم فيه من الفقر والحرمان١. ثانياً: تَعَرُّض الكثيرين من أبناء الشعب لألوان من الظلم: من ضرائب ومُكُوسٍ٢ باهظة، وهضم للحقوق، وغير ذلك. ففي شهر جمادى الأولى من سنة (٧١١هـ) (قُرِّرَ على أهل دمشق ألف وخمسمائة فارس، لكل فارس خمسمائة درهم، وضُربت على الأملاك والأوقاف فتألم الناس من ذلك تَأَلُّمًا عظيماً) ٣. أما في سنة (٧١٢هـ) - بعد ذلك بعام - فقد "تكلم وزير السلطان في البلد، وطلب أموالاً كثيرة، وصادر وضرب بالمقارع٤، وأهان جماعة من الرؤساء" ٥.

стр. 45

ويَحْكي الحافظ ابن كثير ﵀ في أحداث سنة (٧٤٥هـ) أنه "دخل الشيخ أحمد١ الزُّرَعِيُّ على السلطان الملك الصالح، فطلب منه أشياء كثيرة: من تبطيل مظالم ومُكُوسات ... " ٢. ومن الحوادث التي وقعت إبَّان الغزو التتريّ، والتي ترسم لنا صورةً واضحةً عن مدى الظلم الواقع على أفراد الشعب، مع ما كان يتمتع به جنود المماليك من جاهٍ ونعمةٍ: ما حكاه ابن كثير ﵀: من أن التتار لما جاوزوا نهر الفرات واقتربوا من حلب عُقِد مجلس بين يدي المنصور بن المعز التركماني، "وحضر قاضي مصر بدر الدين السِّنْجَاريُّ٣، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وتفاوضوا الكلام فيما يتعلق بأخذ شيء من أموال العامة لمساعدة الجند، وكانت العهدة على ما يقوله ابن عبد السلام، وكان حاصل كلامه أنه قال: إذا لم يبق في بيت المال شيء، ثم أنفقتم أموال الحوائص٤ المذهبة وغيرها من الفضة والزينة، وتساويتم أنتم والعامة في الملابس - سوى آلات الحرب - بحيث لم يبق للجندي سوى

стр. 46

فرسه التي يركبها، ساغ للحاكم حينئذٍ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم ... " ١. ومثل ذلك: موقف الإمام النووي ﵀ حين أَخَذَ الظاهر بيبرس موافقة علماء الشام على أخذ مال من الرعية يستنصر به على قتال التتر، وامتنع النووي عن الكتابة له بذلك، فسأله عن سبب امتناعه، فقال له: أنا أعرف أنك كنت في الرِّقِّ للأمير بندقدار، وليس لك مالٌ، ثم منَّ الله عليك وجعلك ملكاً، وسمعت أن عندك ألف مملوك، وكل مملوك له حياصةٌ من ذهب، وعندك مائتا جارية، لكل جارية حقٌّ من الحُلِيِّ، فإذا أنفقت ذلك كله، وبقيت مَمَاليكُكُ بالبنود الصوف بدلاً من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحُلي، أفتيتك بأخذ المال من الرعية ... " ٢. وفي هاتين القصتين أيضاً: بيان لما كان يتمتعُ به الأمراء ومماليكهم من نعمة وأموال دون سائر الناس، كما سبق التنبيه على ذلك. ثالثاً: انتشار بعض الأمراض الاجتماعية الخطيرة، والعادات السيئة بين أفراد المجتمع، ومن أبرزها: أ- الرشوة في الولاية وغيرها: ويبدو أن هذا الأمر قد استشرى في المجتمع، وعمَّت به البلوى، حتى كانت سنة (٧١٢هـ) "وفيها قدم كتاب من السلطان إلى دمشق:

стр. 47

أن لا يُوَلَّى أحدٌ بمالٍ ولا برشوة، فإن ذلك يفضي إلى ولاية من لا يستحق الولاية، وإلى ولاية غير الأهل... وكان سبب ذلك الشيخ تقي الدين ابن تَيْمِيَّة ﵀" ١. ومن ذلك أيضاً: ما حكاه الحافظ ابن كثير في أحداث (٧١٤هـ) ، فقال: "وفي يوم الخميس سابع ذي القعدة قَدِم القاضي بدر الدين بن الحداد٢ من القاهرة متولِّياً حِسْبَة دمشق، فَخُلِع عليه عوضاً عن فخر الدين سليمان البُصْراويِّ٣، عُزِلَ، فسافر٤ سريعاً إلى البَرِّيَّة ليشتري خيلاً للسلطان يُقَدِّمُهَا رشوة على المنصب المذكور، فاتفق موته في البَرِّيَّة"٥. ب- الحيل المحرمة التي اتخذت وسيلة للتخلص من الأحكام الشرعية، والتلاعب بالدين.

стр. 48

وعلى رأس الحيل التي انتشرت آنذاك: التحليل، وأُعلن ذلك حتى صارت له حوانيت يَتَرَزَّقُ منها أصحابها. وقد أعلن ابن القَيِّم ﵀ الحرب على هذه الحيلة الشنيعة، فلم يترك مناسبة إلا بين شَرَّها، وحكم الشرع فيها، وخطرها على المجتمع، ويصف ﵀ هذه العادة القبيحة، والحيلة الشنيعة التي انتشرت في مجتمعه فيقول: "فلو شاهدتَ الحرائر الْمَصُوناتِ، على حوانيت المحللين متبذلات، تنظر المرأة إلى التيس نظر الشاة إلى شفرة الجازر ... حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت، نهضا واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل بالتَّخَفِّي والكتمان"١. ج- سفور النساء وتبرجهن، وانتشار ذلك، وعموم الشر بسببه: إلى أن "نادى مناد من جهة نائب السلطنة - حرسها الله تعالى - في البلد: أن النساء يمشين في تَسَتُّر، ويلبسن أُزْرهنَّ إلى أسفل من سائر ثيابهن، ولا يُظْهرن زينة ولا يداً، فامتثلن لذلك ولله الحمد والْمِنَّة"٢. رابعاً: انعدام الأمن في أنحاء المجتمع. وقد أدى ذلك إلى انتشار السرقة والنهب وقطع الطريق، فقد أمر نائب السلطان مرة "بجماعة انتهبوا شيئاً من الباعة، فقطعوا أحد عشر منهم، وسمر عشرة تسميراً، تعزيراً وتأديباً"٣.

стр. 49

وفي سنة (٧٤٦هـ) وفي عشية يوم الاثنين رابع عشر جمادى الأولى (قطع نائب السلطنة - ممن وجب قطعه في الحبس - ثلاثة عشر رجلاً، وأضاف إلى قطع اليد قطع الرِّجْلِ من كل منهم، لِمَا بلغه أنه تكرر من جناياتهم) ١. ولقد كان يكثر السطو والنهب والسرقة في أوقات الفتن والقلاقل والاضطرابات الداخلية، أكثر من غيرها من الأوقات. خامساً: نزول الْجَدْبُ والقحط والجفاف بالمجتمع، ونقصُ السلع والأقوات، وغلاء الأسعار. وكثيراً ما كان يحدث ذلك، حتى إن بعض السلع بيعت بأضعاف أضعاف ثمنها الحقيقي؛ فإنه في شهر ذي الحجة من سنة (٧٤٣هـ) (غلا السعر جداً، وقل الخبز، وازدحم الناس على الأفران زحمة عظيمة، وبيع خبر الشعير المخلوط بِالزُّوَانِ٢ والنُّقَارَةِ٣ ... فإنَّا لله وإنا إليه راجعون) ٤. وفي سنة (٧٤٨هـ) (عُمِلَت ليلة النصف على العادة من إشعال القناديل ولم يشعل الناس لما هم فيه من الغلاء وتأخر المطر وقلة الغَلَّة) ٥.

стр. 50

ولا شك أن هذا الغلاء والضَّنَك، والنقص في الأقوات والأرزاق، يرجع إلى إغراق الناس في المعاصي، وتضييعهم حقوق الله سبحانه، وتعديهم حدوده. سادساً: انتشار الأمراض والأوبئة الفَتَّاكة التي كانت تهلك الآلاف من الناس. ولعل أشد ما رأته البلاد من ذلك، هو الطاعون العام - أو الطاعون الأعظم - في سنة (٧٤٩هـ) ؛ ففي ربيع الأول منه (كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزاد الأموات كل يوم على المائة... وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم) ١. وفي شهر رجب من السنة نفسها (بلغ الْمُصَلَّى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة وخمسين وأكثر من ذلك، خارجاً عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد ... أما حواضر البلد وما حولها فأمرٌ كثيرٌ، يقال إنه بلغ ألفاً في كثير من الأيام) ٢. (واستهل شهر شعبان والفناء في الناس كثيرٌ جداً، وربما أَنْتَنَت البلد) ٣. وكان ذلك قبل وفاة ابن القَيِّم ﵀ بعامين. ولعل شدة هذا الوباء، وعظم أمره، من العوامل التي جعلت ابن القَيِّم ﵀ يؤلف كتاباً في (الطاعون) كما ستأتي الإشارة إليه٤ عند سرد مؤلفاته.

стр. 51

ويربط ابن القَيِّم ﵀ بين هذه الأوبئة الفتاكة وبين شيوع بعض المنكرات التي تسود المجتمع، وبخاصة: تبرج النساء واختلاطهن بالرجال - وقد مضت الإشارة إلى شيء من ذلك في المبحث الماضي - فيقول ﵀: "ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كلِّ بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة ... واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة" ١. تلك هي أبرز الأوضاع التي سادت المجتمع في عصر ابن القَيِّم، والتي تَأَثَّر بها، وسَخَّر جهده ووقته وعلمه لبيان مخاطرها، وطرق علاجها، ووضع الحلول لها، وذلك كله في ضوء ما جاءت به الشريعة المطهرة، وأرشد إليه كتابُ الله وسُنَّةُ رسوله ﷺ .

стр. 52

المبحث الرابع: الحالة العلمية والثقافية بالرغم من أن الحياة السياسية، والدينية، والاجتماعية في عصر ابن القَيِّم كانت مظلمة ومضطربة في غالبها كما مضى، إلا أن الحالة العلمية للبلاد كانت مشرقةً إلى حد كبير. فإنه لا يخفى على المتتبع للحركة العلمية وسيرها في العالم الإسلامي: أن مصر والشام قد ازدهرت فيهما الحياة العلمية في تلك الفترة، وأصبحتا مقصداً لكثير من أهل العلم الوافدين من سائر أقطار العالم الإسلامي، ولا أدلَّ على صدق ذلك من هذا التراث العلمي الهائل الذي أَثْمَرَتْهُ جهود العلماء في تلك الحِقْبَة. ويشير الحافظ الذهبي ﵀ إلى ازدهار الحركة العلمية، وكثرة العلم في دمشق - أيام ابن القَيِّم وشيوخه - فيقول: "وتَنَاقَصَ العلم بها في المائةِ الرابعة والخامسة، وكَثُرَ بعد ذلك، ولاسيما في دولة نور الدين ... ثم كثر بعد ذلك بابن تَيْمِيَّة، والمزي وأصحابهما ولله الحمد"١. عوامل ازدهار الحركة العلمية آنذاك: هناك بعض العوامل التي كان لها دورٌ كبيرٌ في هذا الازدهار العلمي، فمن أهم تلك العوامل: ١- رعاية سلاطين الدولة وملوكها للعلم وأهله، وتشجيعهم

стр. 53

للنهضة العلمية؛ فقد كان الملك الأشرف ﵀ (شَهْماً، شُجَاعاً كَرِيماً جواداً لأهل العلم، لا سيما أهل الحديث ... وقد بنى لهم دار حديثٍ بالسفح) ١. وأما الملك الكامل: فإنه كان (يحب العلماء ويَسْأَلهم أسئلةً مشكلةً) ٢. بل إنه قد وجد من سلاطين المماليك وأمرائهم من اشتغل بالفقه والحديث، حتى تصَدَّر بعضهم للإقراء والتدريس٣. وقد كان للملك الكامل (كلام جيد على صحيح مسلم) ٤. ٢- سقوط الخلافة الإسلامية، وضياع بغداد - عاصمة الخلافة الإسلامية - وخرابها، الأمر الذي أدى إلى انتقال النشاط العلمي إلى مصر والشام، وَحَلَّت القاهرة - آنذاك - محل بغداد في تَبَوُّء هذه المكانة. ٣- ذهاب صفوة علماء الأمة الإسلامية ومفكريها في أثناء هذه الهجمة التترية الغاشمة، وكذا ضياع كثير من الكتب والمؤلفات القيمة في تلك الهجمة، الأمر الذي وَلَّدَ شعوراً لدى علماء الأمة - في ظل دولتهم الجديدة - بضرورة تحمل المسؤولية في إحياء ما فقدته أمتهم من تراث ومعرفة، فتنافسوا - لأجل ذلك - في التأليف والإبداع.

стр. 54

٤- وقد يكون من أسباب هذه النهضة العلمية أيضاً: انتقال كثير من علماء الإسلام ومفكريه إلى مصر والشام آنذاك، فقد جذبتهم تلك النهضة العلمية المرعية من حكام البلاد، وذلك الجو العلمي المشجع، فكان لهم - ولا شك - دور فعال في إثراء الحياة العلمية في ذلك الوقت. تلك من أبرز العوامل التي لعلها ساهمت بدور هام في تلك النهضة العلمية في مصر والشام آنذاك. مظاهر ازدهار الحركة العلمية وتقدمها آنذاك: أما عن أهم مظاهر الحركة العلمية وازدهارها فيتمثل فيما يلي: أولاً: كثرة معاهد العلم ودوره. وقد اهتم بإنشائها ورعايتها الملوك والسلاطين وغيرهم من الأعيان والموسرين، فكانوا يبنون تلك الدور ويقفون الأوقاف للإنفاق على مدرسيها، وطلابها، وخدَّامها، وقد تمثلت هذه المعاهد والدور فيما يأتي: أ- المدارس: لقد كان للمدارس في ذلك الوقت دور فعال في خدمة العلم وطلابه، وتخريج نخبة من خيرة العلماء آنذاك، وذلك أن تلك المدارس كان يقوم عليها أكابر علماء الوقت، والصفوة منهم في كل فن، مع تفرغ طلابها تفرغاً كاملاً لطلب العلم وتحصيله، إذ كانت تجري عليهم الرواتب والأرزاق، مما أتاح لهم فرصة أكبر للتفرغ لتحصيل العلم، فتخرج من هذه المدارس علماء جهابذة.

стр. 55

ولم يكن حضور الدروس بهذه المدارس قاصراً على عوام الطلبة، بل ربما حضرها كبار الناس والأعيان، بل والعلماء، من ذلك ما يحكيه ابن كثير ﵀ عن المدرسة الشامية البرَّانِية، وأنه لما درَّس فيها القاضي جمالُ الدين بن قاضي القضاة تقي الدين السبكي "حضر عنده القضاة والأعيان وجماعة من الأمراء والفقهاء" ١. وقد كان من هذه المدارس بالشام آنذاك عدد كبير، وسأكتفي بالتعريف بمدرستين فقط من مدارس دمشق، وهما: المدرسة الْجَوزِيَّة، والمدرسة الصَدْرِية، وذلك لما لابن القَيِّم ﵀ من علاقة بهما. ١- المدرسة الْجَوزِيَّة: وهي منسوبة إلى واقفها: محي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين ابن أبي الفرج بن الجوزي، المولود (٥٨٠هـ) . وقد كان من أهل العلم والفضل، وعظ في موضع أبيه بعد وفاته فأجاد وأفاد، ثم لم يزل متقدماً في المناصب حتى وليَ أستاذ دار الخلافة، ثم قتل مع الخليفة المستعصم بالله على يد التتار - قبحهم الله - سنة (٦٥٦هـ) ٢. قال عنها الحافظ ابن كثير ﵀ –: "وهي من أحسن المدارس"٣. وقال الشيخ بكر أبو زيد: "وهي من أعظم مدارس الحنابلة بدمشق الشام"٤.

стр. 56

وقد كان والد ابن القَيِّم ﵀ قيِّماً على هذه المدرسة، وقد أمَّ ابن القَيِّم ﵀ للصلاة بها كما سيأتي. ولا يزال محل هذه المدرسة معروفاً حتى الآن بدمشق حي (البزورية) الذي كان يعرف قديماً بسوق القمح١، ثم اختلسَ جيرانها مُعْظَمَها وبقيت منها بقية، ثم صارت محكمة في سنة (١٣٢٧هـ) ٢، ثم أقفلت مدة إلى أن فتحتها جمعية الإسعاف الخيري وجعلتها مدرسة لتعليم الأطفال. وقد احترقت في أول الثورة السورية ضد الفرنسيين، ثم أعيد بناؤها مرة أخرى٣. ولكنها لم تعد مدرسة بعد إعادة بنائها، وإنما (جُدِّدَ مكانها مخازن ومُصَلَّى بسيط) كما يقول محقق كتاب (الدارس في تاريخ المدارس) ٤. ويؤكد ذلك محقق (زاد المعاد) ٥ فيقول: "ولم تزل كذلك - يعني محترقة - حتى أعمرت حوانيت، وجُعِلَ فوقها مسجد صغير تقام فيه بعض الصلوات إلى يومنا هذا". فتبين من ذلك: أن هذه المدرسة لم يعد باقياً منها إلا مكانها فقط.

стр. 57

٢- المدرسة الصدرية: نسبة إلى واقفها: صدر الدين أسعد بن المنجاة بن بركات بن مُؤمَّل التنوخي المغربي، ثم الدمشقي، الحنبلي، "أحد المعدلين، ذوي الأموال والمروءات، والصدقات الدارّة البارة". كما يقول ابن كثير ﵀، وقد وقفها للحنابلة، وكانت وفاته سنة (٦٥٧هـ) ١. وقال صاحب (منادمة الأطلال) ٢: "كانت بدرب يقال له: دَرْب الرَّيْحَان، بجوار تُرْبة القاضي جمال الدين المصري، ويؤخذ من كلام الذهبي: أن محلها كان داراً للواقف، فجعلها مدرسة ووقف لها أوقافاً ودُفِن بها. قلت: وتربة الجمال المصري هي عند القبور التي يزعم الناس: أن من جملتها قبر معاوية، ولا مدرسة هناك اليوم. والْمُحَقَّق: أن الصَّدْرِية مُحِيت آثارها وصارت دُوراً". وقد دَرَّسَ بهذه المدرسة ابن القَيِّم ﵀ كما سيأتي عند ذكر وظائفه، وكذا درَّس ولداه: عبد الله، وإبراهيم، كما سيأتي بيان ذلك عند الترجمة لهما. ب- الجوامع: لم تكن الجوامع تقل أهمية عن المدارس في الإسهام في ازدهار الحركة العلمية آنذاك. وما قيل عن اهتمام الملوك والأمراء ببناء المدارس، ورعاية أمرها،

стр. 58

والإنفاق عليها، يقال مثله بالنسبة للجوامع والمساجد التي كانت كثيرة منتشرة في ذلك العصر بدمشق. ويحدثنا ابن كثير ﵀ عن اهتمام السلاطين ببناء الجوامع، فيقول في أحداث سنة (٦٣٢هـ) : "فيها خرَّب الملك الأشرف بن العادل خان الزنجاري الذي كان بالعقبية فيه خواطيء وخمور ومنكرات متعددة، فَهَدَمَه وأمر بعمارة جامع مكانه، سمي: جامع التوبة"١. ويقول في أحداث سنة (٧١٧هـ) : "وفي صفر شُرع في عمارة الجامع الذي أنشأه ملك الأمراء تنكز نائب الشام ظاهر باب النصر ... على نهر بانياس بدمشق"٢. وأما عن أشهر الجوامع بدمشق في ذلك الوقت فهو: (الجامع الأموي) ويعرف أيضاً بـ (جامع بني معاوية) ، وإذا أُطْلِقَ (جامع دمشق) فلا يراد إلا هو، كما يَسْتَعمل ذلك كثيراً مؤرخو هذه الفترة، وهو من أعظم جوامع دمشق. وقد كان لهذا الجامع في عصر ابن القَيِّم أثرٌ كبيرٌ في الحركة العلمية، ويذكر صاحب (منادمة الأطلال) ٣ أنه كان بهذا الجامع:

стр. 59

- عدة مدارس، منها: الغزالية، والأسدية، والقوصية، والسيفية وغيرها. - وكان له تسعة أئمة. - وإحدى عشرة حلقة للتدريس في الفنون المختلفة. - وثلاث حلقات للاشتغال بالحديث. - وكان به بيت للخطابة، وبه خزانة للكتب. ويذكر الحافظ ابن كثير ﵀ شيئاً من النشاط العلمي، ومجالس الوعظ في هذا الجامع، وذلك في مناسبات عديدة من كتابه (البداية والنهاية) ، حتى إنه يذكر أيضاً أخبار عمارته وصيانته١، وشيئاً من البدع التي كانت فيه وأُبْطِلَت بفضل الله ومَنِّه٢، إلى غير لك من الأمور التي تدل بوضوح على عظم المكانة العلمية والدينية لهذا الجامع آنذاك. ومن الأخبار العلمية التي أشار إليها ابن كثير في هذا الجامع: ما ذكره في ترجمة الشيخ محب الدين عبد الله بن أحمد المقدسي الحنبلي٣، من أنه (كانت له مجالس وعظ من الكتاب والسنة في الجامع الأموي) ٤.

стр. 60

ويقول عن الشيخ إبراهيم بن المحب١: "كان يحدث بالجامع الأموي ... وكان مجلسه كثير الجمع لصلاحه وحسن ما كان يؤديه من المواعيد النافعة"٢. إلى غير ذلك من أخبار هذا الجامع، التي توجد منثورة في الكتب التي تناولت الأحداث التاريخية الإسلامية، خاصة في البيئة الدمشقية. هكذا كانت المدارس والجوامع منتشرة في تلك الفترة بشكل ملحوظ، مع قيامها بواجبها في تخريج العلماء، ونشر المعرفة والعلوم النافعة على أتم وجه، فكانت بذلك عنواناً صادقاً على ازدهار الحركة العلمية آنذاك. ثانياً: كثرة المؤلفات النافعة القيمة في ذلك العصر. فقد كان من مظاهر ازدهار الحركة العلمية - أيضاً - واتساع نطاقها، وعظم شأنها: تلك المؤلفات النافعة القيمة التي أنتجتها جهود العلماء في تلك الفترة. فلقد كانت تلك الفترة التي عاش فيها ابن القَيِّم ﵀ فترة ذهبية في حياة الأمة الإسلامية، من حيث وفرة الإنتاج العلمي وغزارته، مع تنوع الفنون التي تناولتها المؤلفات آنذاك.

стр. 61

ولم تكن هذه الحصيلة المباركة من هذه المؤلفات، إلا نتيجة لما زخر به ذلك العصر من علماء أفذاذ، وجهابذة حفاظ: في الحديث، والفقه، والتفسير، واللغة، والتاريخ وغير ذلك، ولقد كان ابن القَيِّم ﵀ واحداً من أعلام هذا العصر المبارك، الذين أَمَدُّوا المكتبة الإسلامية بقدر هائل من المؤلفات النافعة في شَتَّى الفنون. ولقد اتسمت مؤلفات ذلك العصر - إلى حد كبير - بالشمول والجمع والاستيعاب. فوجدت في ذلك العصر كتب الشروح الحديثية، كـ (شرح البخاري) لقطب الدين الحلبي (ت٧٣٥هـ) ، و (شرح الترمذي) لابن سيد الناس (ت٧٣٤هـ) وكلاهما لم يكمل. ووجدت كتب الرجال، وعلى رأسها (تهذيب الكمال) للحافظ الْمِزِّي (ت٧٤٢هـ) ، و (الميزان) للحافظ الذهبي (ت٧٤٨هـ) . وكذا وجدت كتب الأطراف الحديثية، وأهمها في ذلك العصر: (تحفة الأشراف) للحافظ الْمِزِّي. ووجدت الكتب التاريخية التي جمعت حوادث تلك الفترة وتواريخها وما قبلها، وعلى رأسها (البداية والنهاية) للحافظ ابن كثير (ت٧٧٤هـ) - تلميذ ابن القَيِّم - رحمهما الله تعالى. كما أُلِّفَت كتب جامعة في اللغة، وأهمها: (لسان العرب) للعلامة ابن منظور (ت٧١١هـ) . إلى غير ذلك من المؤلفات الكثيرة النافعة. ولعل ابن القَيِّم ﵀ يكون قد أسهم بمؤلفات جامعة

стр. 62

نافعة في تلك الفترة، وذلك بكتابه النافع: (تهذيب سنن أبي داود) ؛ إذ إنه بَسَطَ فيه الكلام في مواضع عديدة بسطاً واسعاً، وكذلك كتابه (زاد المعاد) الذي يعد مرجعاً متكاملاً في السيرة النبوية، والأحكام الفقهية وغير ذلك. وقد وجدت - إلى جانب ما تقدم - بعض المختصرات، وكذا كتب النكت والتعليقات، إلى جانب ما وُضِعَ في بعض العلوم من منظومات، إلى غير ذلك من فنون التصانيف المختلفة. تلك هي أهم مظاهر النهضة العلمية في تلك الفترة التي تَمَثَّلَت في: - دور العلم ومعاهده الكثيرة في مصر والشام على وجه الخصوص. - ثم في هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين خَرَّجَتْهُم تلك المعاهد. - ثم في ذلك التراث الخالد، وتلك المؤلفات النافعة التي خَلَّفَها علماء تلك الفترة، والتي لا يزال الانتفاع بها مستمراً إلى يومنا هذا. وبعد، فهذه هي أوضاع العصر الذي عاش فيه ابن القَيِّم وأحواله، وتلك هي ظروفه: السياسية، والدينية، والاجتماعية، والعلمية. وقد ظهر أن الحالة العلمية للبلاد في تلك الفترة كانت أحسن تلك الأحوال كلها، كما ظهر لنا أيضاً: أثر هذه الأحوال مجتمعة على نهج ابن القَيِّم وتوجهاته: في دعوته، وكتاباته؛ فلقد أثرت تلك الأحوال الْمُتَرَدِّية على المنهج الذي سلكه ابن القَيِّم ﵀ في دعوته الإصلاحية، وَأَثَّرَ ذلك بالتالي على مؤلفاته والموضوعات التي تناولتها تلك

стр. 63

المؤلفات، تماماً كما كان للحالة العلمية - على وجه الخصوص - أثر طيب على شخصيته وتكوينه العلمي. وإنني أود في نهاية حديثي عن الأحوال المميزة لعصر ابن القَيِّم ﵀، أن أؤكد أمراً مهماً، وهو: أنه بالرغم مما غلب على تلك الأحوال من سوءٍ في عهد الحكم المماليكي، إلا أنه وجدت جوانب حسنةٌ وصورٌ مشرقةٌ في تاريخ تلك الدولة، فمن ذلك: - تلك الغيرة الدينية على حرمات الإسلام ومُقَدَّسَاتِه، التي كانت - بتوفيق الله وتأييده - وراء دفع خطرين عظيمين عن الأمة الإسلامية، وهما: خطر التتار وخطر الصليبين. - الغيرة على حدود الله، ففي أحيان كثيرة كانوا يواجهون المفسدين - على اختلاف أنواعهم - فَيُنْكِّلون بهم، ويطبقون الحدود الشرعية عليهم، وقد مضى ذكر شيء من ذلك. - احترامهم للعلماء - في الكثير الغالب - وتوقيرهم، والنزول عند آرائهم، وعدم قضاء كثير من الأمور المهمة إلا في حضرتهم، مما كان له أكبر الأثر في قيام العلماء بدور مهم في تلك الفترة. - رعايتهم للعلم وأهله، حتى أثَمْرَ ذلك الاهتمام هذه النهضة العلمية التي قدمنا الحديث عنها.

стр. 64

الفصل الثاني: حياة ابن القيم المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده . ... المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده ١- اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه: هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَرِيز، الزُّرَعِي الأصل، ثم الدمشقي، الحنبلي، المشهور بابن قَيِّم الجوزية، شمس الدين، أبو عبد الله. وقد اتفقت أكثر المصادر على الوصول إلى جده الثالث (حريز) ١، بينما وقف بعضها عند جده الأول (أيوب) ٢. وقد زاد الشيخ بكر أبو زيد في اسمه جَدّاً رابعاً، فقال: " ... ابن حريز بن مكي زين الدين". وذكر الشيخ أنه قد تحصل له ذلك من ترجمة أخي ابن القَيِّم عبد الرحمن في (الدرر الكامنة) ، حيث زاد فيه هذه الزيادة٣. وأما أبوه: فالجميع ذكروا أنه (أبو بكر) ، لم يسمه أحد بغير ذلك، فعلى هذا تكون كنيته اسمه. ويؤكد ذلك: أن ابن القَيِّم نفسه في

стр. 65

قصيدته الميمية في التضرع١لم يسم أباه إلا بأبي بكر، بل كان يكتب ذلك بخطه٢. وأما ضبط (حريز) - جده الأعلى-: فقد استظهر الشيخ بكر أبو زيد أنه: بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين، وبعدهما ياء منقوطة باثنتين من تحت، ثم الزاي المعجمة في آخره، على وزن (فَعِيل) ، وأن هذا الضبط هو الأكثر والأشهر على ألسنة أهل العلم٣. وأما (الزُّرَعِيُّ) : فنسبة إلى قرية (زرع) وقد ذكر ياقوت في (معجم البلدان) ٤ - نقلاً عن أبي القاسم الدمشقي-: أنها كانت تسمى (زُرَّا) ، فقال: "علي بن الحسين. .. الزُّرِّي الإمام، من أهل زُرَّا، التي تدعى اليوم: زرع، من حوران"٥. فَعُلِم من ذلك: أنها كانت في القديم تعرف بـ (زُرَّا) وكانت النسبة إليها: الزُّرِّي، ثم عرفت بعد بـ (زُرَع) فصار المنسوب إليها يقال له: (الزُّرَعِيُّ) .

стр. 66

وأفاد الدكتور أحمد عبيد: أن (زرع) هذه هي التي تعرف اليوم بـ (إِزْرَع) ١. ويوافق الأستاذ أحمد قدامة الأستاذ أحمد عبيد على ذلك، ويزيد الأمر إيضاحاً، فيقول عند كلامه على (إزرع) : "بلدة في محافظة درعا٢، هي مركز منطقة إزرع، ومركز الناحية، تبعد عن درعا ٣٢كم، وعن دمشق ٩٦كم، كانت قديماً تسمَّى: (زرافة) ثم: (زرع) . سكانها: ٣٢٢٦ نسمة"٣. فتلخص من ذلك كله: أن هذه القرية التي ينسب إليها ابن القَيِّم: كانت قديماً تسمى: (زرا) - وزرافة على كلام الأستاذ أحمد قدامة - ثم عرفت بعد بـ (زرع) ، ثم أصبحت الآن عند العوام: (إِزْرَع) . ولكن المؤكد عندنا: أنها في أيام ابن القَيِّم ﵀ وإلى آخر حياته لم تكن تعرف إلا بـ (زرع) ؛ فقد ذكر ابن كثير ﵀– في أحداث سنة (٧٤٨هـ) : أنه نزل المطر، وامتلأت الأودية والغدران، "وامتلأت بركة زرع بعد أن لم يكن فيها قطرة"٤. كما أن جماعة كثيرين من أهل العلم قد عرفوا بهذه النسبة في عصر ابن القَيِّم وأيامه٥. وقد وقعت زيادة في نسبته، وذلك في ترجمة أخيه عبد الرحمن، حيث قال صاحب (الجوهر المنضد) ٦: " ... ابن أيوب بن سعد بن حريز اليمامي، الزُّرَعِي، ثم الدمشقي".

стр. 67

ولم أر أحداً من الذين ترجموا له ذكر في نسبته (اليمامي". وأما شهرته ﵀ بابن قَيِّم الجوزية: فقد أجمعت على هذه الشهرة كل المصادر التي ترجمته، وبها عُرِف بين أهل العلم قديماً وحديثاً. وأما عن سبب هذه الشهرة وأصلها: فلأن والده كان قَيِّماً١ على المدرسة (الجوزية) ٢ التي كان ابن القَيِّم إمامها. ومع أن وظيفة القِوامة في (المدرسة الجوزية) لم تكن حكراً على أبي بكر - والد ابن القَيِّم - وحده، بل لا بد أن يكون قد تولاها غيره - إما قبله أو بعده - إلا أن الواضح: أن والد ابن القَيِّم كان أشهر من تولى هذا المنصب، فصار هو المراد عندما يقال: (قيم الجوزية) ، وغلبت - بالتالي - هذه الشهرة على ابنه، حتى صار لا يُعرف إلا بها. وقد يكون الأب اكتسب هذه الشهرة بسبب شهرة ابنه شمس الدين، الذي ذاع صيته آنذاك. وهذا كثير عند أهل العلم، ينسبون الرجل إلى وظيفة أو صنعة أبيه أو جَدِّه، كما كان الحافظ الذهبي ﵀ يعرف بـ (ابن الذهبي) نسبة إلى صنعة الذهب التي مارسها أبوه٣.

стр. 68

والمشهور الآن بين أهل العلم وطلابه، وأكثر الناس قولهم: (ابن القَيِّم) بحذف المضاف إليه اختصاراً وجعل (ال) عوضاً عنه، وهذا الاختصار لا مانع منه؛ فقد صار هو المقصود عند الإطلاق لشهرته، ومع ذلك ينبغي التنبه من التباسه بغيره، فقد وقع في ترجمة محمد بن رافع السلامي - صاحب (الوفيات) ، المتوفى سنة ٧٧٤هـ -: أنه سمع من ابن القَيِّم١، هكذا بدون إضافة، ومع ذلك فليس هو ابن قَيِّم الجوزية الذي نترجم له، وإنما هو: علي بن عيسى بن سليمان بن رمضان، الثعلبي، المصري، الشافعي، بهاء الدين، أبو الحسن، مولده ٦١٣هـ. تَفَرَّد بالرواية عن الفخر الفارسي، وليَ نظر الأوقاف، وكان ديِّنَاً، خيِّراً، متواضعاً. توفي سنة ٧١٠هـ٢. فإذا قيل: إن ابن رافع سمع من ابن القَيِّم، توهم من لم يمعن النظر أنه ابن قَيِّم الجوزية، وبخاصة أن ابن رافع دخل دمشق مراراً، وأخذ عن جماعة هم في طبقة ابن قَيِّم الجوزية، فاحتمال التباسه غير بعيد، ولذا أردت التنبيه، والله أعلم. ومما ينبغي التنبيه عليه أيضاً: ما يسمع على ألسنة البعض من قولهم: (ابن القَيِّم الجوزية) بالجمع بين (أل) والإضافة، ومعلوم أنهما لا يجتمعان في التعريف.

стр. 69

كنيته: اتفق كل من ذكر كنيته من مترجميه على أنها (أبو عبد الله) ، وذلك تكنية له باسم ولده عبد الله، وهو أصغر ولديه كما سيأتي في ترجمته. لقبه: واتفقت مصادر ترجمته - أيضاً - على تلقيبه بـ (شمس الدين) ، ولقبه السيوطي بـ (الشمس) ١، بجعل (ال) عوضاً عن المضاف إليه، ومنه قولهم: (التقى ابن تَيْمِيَّة والشهاب ابن حجر) ، أي: تقي الدين وشهاب الدين. وقد كانت هذه الألقاب وأمثالها منتشرة بين أهل العلم في عصره ﵀، وربما لقبه بذلك أبوه - أو غيره - تفاؤلاً بأن ينفع الله به، وأن يجعله من العلماء العاملين، الذين تضيء آثارهم طريق العباد هداية ونوراً، فجاء اللقب - بتوفيق الله - مطابقاً للحقيقة، وانتفع القاصي والداني بأنوار علومه، وكان - بحق - شمساً بين أقرانه، نفع الله به البلاد والعباد. ٢- مولده: اتفقت الكتب التي ترجمت لابن القَيِّم ﵀ على أن مولده كان في سنة إحدى وتسعين وستمائة (٦٩١هـ) .

стр. 70

وذكر الصَّفَدِي - من بينهم - يوم ولادته وشهرها، فقال: "مولده سابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة"١. وتابعه على ذلك: السيوطي٢، ثم الداودي٣. أما عن مكان ولادته: فلم ينص أحد ممن ترجم له على ذلك، وقد تقدم أنه منسوب إلى (زرع) أولاً، ثم (دمشق) ثانياً، فقال ابن ناصر الدين ﵀: " ... الزرعي الأصل، ثم الدمشقي"٤. فهل يعني ذلك أنه ولد في (زرع) ، ثم انتقل إلى دمشق؟ أم أن الانتقال حصل لأبيه أو أحد أجداده، وأن مولده كان في دمشق؟ كلا الأمرين محتمل، وعلى كلٍّ فإن الأمر في ذلك سهل؛ إذ إن مكان ولادته لا يخرج عن أحدهما. ثم رأيت بعد ذلك الأستاذ أحمد قدامة يجزم بأنه مولود في دمشق٥، فالله أعلم.

стр. 71

المبحث الثاني: أسرته ونشأته الأولى لاشك أن لأسرة الرجل وأهل بيته دوراً كبيراً في تكوينه الخُلُقِي، وتنشأته وتوجيهه، وذلك بحسب ما يكون عليه أفرادها من أخلاق وقيم وعادات، وبحسب ما يولون أولادهم من عناية ورعاية واهتمام. فإن الأسرة التي يغلب على أفرادها الصلاح والتمسك بتعاليم الإسلام وتقوى الله عزوجل، ينشأ أولادها - في الغالب - كذلك، وإذا كان الأمر على خلاف ذلك، فقلَّ أن يرجى من أبناء هذه الأسرة خير. من أجل ذلك، كان علينا - ونحن نصف حياة ابن القَيِّم - أن نتعرف على أسرته وأهل بيته، الذين كان لهم الفضل الأكبر - بعد الله سبحانه - في توجيهه الوجهة الصحيحة، وسلوكه طريق العلم وأهله. ولم يتيسر لي الوقوف على شيء من أخبار هذه الأسرة عن طريق ابن القَيِّم نفسه؛ إذ لم يتعرض لشيء من ذلك - فيما أعلم - مثلما يفعل بعض العلماء، غير أنه أمكن التقاط بعض تلك الأخبار عن هذه الأسرة من خلال بعض الكتب التي تُعنى بالحوادث والتاريخ، وعلى رأسها: (البداية والنهاية) لابن كثير ﵀ تلميذ ابن القَيِّم، وصاحبه المقرب- فقد ذكر جملة من الأخبار عنهم، كما كان للشيخ الفاضل بكر بن عبد الله أبي زيد - حفظه الله - فضل السبق في ذلك؛ إذ ذكر طرفاً من أخبار هذه الأسرة المباركة١.

стр. 72

وَالِدُهُ: هو الشيخ: أبو بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، الحنبلي، قَيِّم المدرسة (الجوزية) بدمشق، كما مضى ذكر ذلك. أما عن أخلاقه وعبادته: فيقول ابن كثير ﵀: "كان رجلاً صالحاً، متعبداً، قليل التكلف، وكان فاضلاً"١. وقد جاء أنه ﵀ اشتهر بكثرة عبادته، ولذلك ترجمه ابن كثير بقوله: "الشيخ العابد: أبو بكر". ولا شك أن ذلك كان له أثر كبير على ولده ابن القَيِّم ﵀، فأخذ عنه كثرة عبادته، كما سيأتي ذكر ذلك عنه إن شاء الله. وأما عن طلبه للعلم: فيقول ابن كثير ﵀: "سمع شيئاً من دلائل النبوة على الرشيدي العامري"٢. ولا شك أن عمله في قوامة المدرسة الجوزية والقيام بشأنها، قد أتاح له أن يحيا في جو علمي، وأن يكون على اتصال دائم بالعلم وأهله، وبخاصة أن هذه المدارس كان يوضع في وظيفة التدريس بها أكابر العلماء وأفاضلهم. وأما عن علومه وإفاداته: فقد كان بارعاً في علم الفرائض، بل كان له فيها اليد الطولى، حتى إن ابنه - ابن القَيِّم - تلقاها عنه، ودرسها عليه٣.

стр. 73

وفاته: توفي ﵀ فجأة ليلة الأحد، تاسع عشر ذي الحجة، من سنة (٧٢٣هـ) ، وذلك بالمدرسة الجوزية مقر عمله، وصُلِّيَ عليه بعد الظهر من الغد بالجامع - يعني الجامع الأموي- ودفن بباب الصغير١٢. ولأجل سيرة الوالد الحسنة، وأخلاقه الفاضلة، فقد اكتسب حب الناس ومودتهم، فلما مات ﵀ "كانت جنازته حافلة، وأثنى عليه الناس خيراً"٣. وعلى هذا، فإن ابن القَيِّم ﵀ كان عند وفاة أبيه في أواسط عمره، وريعان شبابه، إذ كان آنذاك في الثانية والثلاثين من العمر، وبذلك يكون ﵀ قد نال حظاً وافراً من رعاية والده وعنايته قبل رحيله عن الحياة الدنيا. فرحم الله أبا بكر - قيم الجوزية - رحمة واسعة، فقد جمع بين: حسن الخلق، والصلاح والعبادة، مع الاشتغال بالعلم ونشره، مما كان له أكبر الأثر على حياة الولد - ابن القَيِّم - حيث جمع هذه الصفات كلها وزيادة، كما سيأتي الكلام على ذلك.

стр. 74

َأخُوه: وقد بورك للشيخ أبي بكر في ذُرِّيَّتِه وبنيه، فكان لابن القَيِّم أخ يصغره بحوالي عامين، وكان هو الآخر من المشتغلين بالعلم. ولا عجب في ذلك، فإن أباهما كان من أهل العلم-كما سلف- فحبب الله ذلك إلى بنيه، مع ما كان يمارسه الأب من حسن التوجيه، وجميل التربية. أما عن هذا الأخ، فهو: الشيخ القدوة، أبو الفرج، عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب ... مولده سنة (٦٩٣هـ) ١ بعد أخيه ابن القَيِّم بحوالي عامين. وقد ذكره ابن رجب الحنبلي في (مشيخته) ٢، وقال: "سمعت عليه كتاب (التوكل) لابن أبي الدنيا، بسماعه على الشهاب العابر٣. وتفرد بالرواية عنه"٤. وقال ابن حجر: "تفرد بالرواية عن الشهاب العابر"٥. توفي ﵀ ليلة الأحد، عشرين من ذي الحجة سنة (٧٦٩هـ) ، ودفن بباب الصغير٦. وقد كَمُلَ له من العمر ست وسبعون سنة، فتكون وفاته قد تأخرت عن ابن القَيِّم أخيه بحوالي ثماني عشرة سنة.

стр. 75

أولادُه: ولما كانت هذه الشجرة المباركة الطيبة، ثابتة الأصول ضاربة بجذورها الخيرة إلى أعماق بعيدة، فقد كانت دائمة الأُكُل، مستمرة العطاء. فقد رزق الله ابن القَيِّم ﵀ أولاداً صالحين، عالمين عاملين، فكانوا خير خلف لخير سلف. وممن وقفت على تراجمهم وبعض أخبارهم من هؤلاء الأبناء: ١- عبد الله، الفقيه الفاضل الْمُحَصِّل، جمال الدين، ابن الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية. مولده سنة (٧٢٣) ١، وهي سنة وفاة جده أبي بكر. قال الحافظ ابن كثير ﵀: "الشيخ ... الفاضل المحصل، جمال الدين عبد الله بن العلامة شمس الدين ... كانت لديه علوم جيدة، وذهنه حاضر خارق، أفتى ودَرَّسَ وأعاد وناظر، وحج مرات عديدة، ﵀ وَبَلَّ بالرحمة ثراه"٢. وقال ابن حجر: " ... اشتغل على أبيه وغيره، وكان مفرط الذكاء، حفظ سورة الأعراف في يومين، ثم دَرَسَ (المحرر) في الفقه،
следующие страницы →