عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء١، عن عمه شعيب بن خالد، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن العباس بن عبد المطلب ﵁ به بإسقاط الأحنف بن قيس، ونَبَّهَ ابن أبي شيبة في حديثه على ذلك، فقال: "ولم يَذْكُر عبد الرزاق في حديثه الأحنف".
وقد أخرجه الحاكم٢ مرة أخرى بالإسناد نفسه، فذكر فيه الأحنف بن قيس! وقد وقع عندهم أن المسافة بين السماء والأرض خمسمائة سنة.
وهذه المتابعة في إسنادها يحيى بن العلاء الرازي، وقد كذبه بعضهم، ورمي بالوضع.
ولذا لما قال الحاكم عقبه: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"! تَعَقَّبَهُ الذهبي ﵀، فقال: "يحيى واهٍ". وقال ابن الجوزي ﵀ بعد أن أخرجه من طريق الإمام أحمد -: "هذا حديث لا يصحُّ، قال بعض الحفاظ: تَفَرَّدَ به يحيى بن العلاء، قال أحمد، هو كذاب يضع الحديث. وقال يحيى: ليس بثقة ... "٣. وقال الذهبي - بعد أن أخرجه أيضاً من طريق أحمد -: "ويحيى بن العلاء متروك الحديث"٤.
стр. 1367
فإذا عُرف حالُ هذه المتابعة، وأن مدارها على يحيى هذا، فإنَّه لا قيمةَ لها في تقوية رواية الوليد بن أبي ثور، إذ وجودها - والحالة هذه - كعدمها.
٤- شريك: وأشار إلى روايته الترمذي، فقال: "وروى شريك، عن سماك بعض هذا الحديث، وأوقفه ولم يرفعه".
قلت: أخرج رواية شريك هذه: ابن خزيمة في (التوحيد) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢ من طرق، عن شريك، عن سماك بإسناد الوليد ابن أبي ثور الماضي، إلى العباس ﵁ في قوله : ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] قال: "ثمانية أملاك، على صورة الأوعال، بين أظلافهم إلى ركبهم مسيرة ثلاث وستين سنة". وفي رواية ابن خزيمة: "قال شريك مرة: ومناكبهم ناشبة بالعرش".
قال أبو عبد الله الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي! وفيه نظر؛ فإن عبد الله بن عميرة لم يخرج له مسلم كما تَقَدَّم في ترجمته.
فهذه المتابعاتُ للوليد بن أبي ثور يزول بها ما يخشى من التَّفَرُّدِ في هذا الحديث عن سماك بن حرب.
стр. 1368
ولكن هل يصحُّ إسناد هذا الحديث بعد وجود هذه المتابعات؟ كلاّ فإنه لا يزال مُعَلاًّ.
وبيان ذلك: أن مدار هذا الحديث على عبد الله بن عميرة، وقد تَفَرَّد عنه سماك بن حرب، لم يرو عنه أحد غيره، ولم يوثقه مع ذلك أحد إلا ابن حبان١، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه، فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً٢. ولذلك قال عنه إبراهيم الحربي: "لا أعرفه"٣ وقال الذهبي: "فيه جهالة"٤. وقال مرة: "لا يعرف"٥. وتوثيق ابن حبان هنا لا ينفعه شيئاً، لما عرف من عادته في توثيق المجهولين، علماً بأنه قد اشتبه عليه رجل بآخر؛ فإنه جعل "عبد الله بن عميرة القيسي أبا المهاجر"، هو نفسه "عبد الله بن عميرة الكوفي" الذي معنا، وهما عند البخاري٦، وابن أبي حاتم٧ اثنان، فلينظر في ذلك. وقد قال فيه الحافظ ابن حجر "مقبول" يعني: حيث يُتَابع، ولم يتابع هنا، فهو لين الحديث.
فالحاصلُ: أن الرَّجُلَ مجهول، وبذلك أَعَلَّ الذهبي الحديث، فقال: "تَفَرَّدَ به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة"٨.
стр. 1369
فإذا أُضِيف إلى ذلك: تَفَرُّدُ سماك عنه، كانت تلك عِلَّة أخرى، فقد قال الإمام النسائي ﵀ في حق سماك: "إذا انفرد بأصل لم يكن حُجَّةً؛ لأنَّهُ كان يُلَقَّنُ فيتلقن"١. وقال يعقوب بن شيبة: "ومن سمع منه قديماً، مثل: شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم"٢. وليس هذا الحديث من رواية واحد من هؤلاء القدامى عن سماك، وكان قد اختلط بآخره كما مَرَّ.
وثمةَ عِلَّةٌ أخرى في هذا الإسناد أيضاً، قال البخاريُّ ﵀ في ترجمة عبد الله بن عميرة هذا: "لا نعلم له سماعاً من الأحنف"٣. فإذا ثبت ذلك، فإنه يكون منقطعاً.
وأيضاً قد اختلف في ألفاظ هذا الحديث، فروى "إما واحدة، أو اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة" وروي: "خمسمائة سنة" وروي: "ثلاث وستين سنة". ووقع عند أبي الشيخ: "والله فوق ذلك بعلمه ... " وغيره لا يذكر هذه اللفظة. هذا مع رواية بعضهم له عن سماك موقوفاً، وهذا لا شك اختلاف يورث ضعفاً في الحديث.
فتلخص من ذلك: أن هذا الحديثَ ضعيفُ الإسنادِ، لا يثبت مثله، ولم يُصِبْ ابنُ القَيِّم ﵀ في تصحيحه إياه أو حتى تحسينه؛ إذ قد تَبَيَّن من خلال هذه الدراسة أن الأمرَ على خلاف ذلك،
стр. 1370
وقد ضَعَّفه الذهبي كما مضى، وضَعَّفَ ابن الجوزي بعض طرقه١، وأورده العقيلي في (ضعفائه) ٢ في ترجمة ابن عميرة، ونقل كلام البخاري في عدمِ سماعه من الأحنف. وقال الشيخ الألباني: "إسناده ضعيف"٣ والله أعلم.
стр. 1371
٢ - باب آخر منه
١٢٥- (٢) عن جبير بن مطعم ﵁، أن النبي ﷺ قال: " ... إِنَّ عرشه على سمواته لهكذا" وقال بأصبعه مثل القبة عليه. "وإنَّه لَيَئِطُّ١ به أطيط الرَّحْلِ بالراكبِ".
تناول ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (تهذيب السنن) ٢، وتَوَسَّعَ في الكلام عليه، والردِّ على من ضَعَّفَهُ، والجواب عن العلل التي أُعِلَّ بها، وخلص إلى القول بثبوت الحديث، وأنه حديث حسن. وستأتي أجوبته ﵀ أثناء هذا البحث إن شاء الله تعالى.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٣، عن أحمد بن سعيد٤ وجماعة واللفظ لأحمد.
وأخرجه ابن أبي عاصم في (السنة) ٥، واللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) ٦، والبيهقي في (الأسماء والصفات) ٧، والذهبي
стр. 1372
في (العلو) ١ كلهم من طريق: أحمد بن الأزهر٢.
وأخرجه الدارقطني في (الصفات) ٣، والطبراني في (الكبير) ٤، من طريق: علي بن المديني، ويحيى بن معين كليهما.
وأخرجه الدارقطني في (الصفات) ٥ - أيضاً - من طريق: محمد ابن يزيد المعروف بأخي كَرْخَويه - قال الدارقطني: "وكان من الثقات"-
وأخرجه ابن خزيمة في (التوحيد) ٦ من طريق: محمد بن بشار٧. كلهم عن:
وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن يعقوب ابن عتبة٨، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم٩، عن أبيه١٠، عن
стр. 1373
جده جبير بن مطعم ﵁.
وأخرجه الآجري في (الشريعة) ١ عن حفص بن عبد الرحمن٢، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بالإسناد السابق إلى جبير بن مطعم.
ولفظه: أتى رسول الله ﷺ أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت العيال ... فذكر حديث الاستسقاء، وفيه قوله ﷺ : "ويحك!! أَتَدْرِي ما الله؟ إن عرشه على سمواته لهكذا" - وقال بأصبعه مثل القُبَّة عليه - "وإنه ليئطُ به أطيطَ الرَّحْلِ بالرَّاكِبِ". هذا سياق أبي داود، وعند ابن خزيمة: "إن الله على عرشه، وعرشه على سمواته، وسمواته على أرضه هكذا ... ". ولفظ الآجري: " إنه لفوق سماواته، وهو على عرشه"، وقريب منه لفظ البيهقي. وجاء عند اللالكائي مختصراً بدون ذكر القبة والأطيط، ولفظه: "إنه لفوق سماواته على عرشه".
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ على وجه آخرَ، فأخرجه أبو داود في (سننه) ٣ عن: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وعبد الأعلى. وابن أبي شيبة في كتاب (العرش) ٤ عن: عبد الأعلى. وأبو الشيخ في (العظمة)
стр. 1374
عن: محمد بن المثنى. وابن أبي عاصم في (السنة) ١ عن: ابن المثنى، وعبد الأعلى. والدارمي في (الرد على بشر المريسي) ٢ عن: ابن بشار. كلهم عن: وهب بن جرير بالإسناد السابق، لكنهم قالوا فيه: عن: محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، وجبير بن محمد، كلاهما عن محمد بن جبير به. وجاء عند الدارمي مختصراً ليس فيه قصة الأعرابي.
قال أبو داود - عقب إشارته إلى هذا الخلاف في إسناده -: "والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح - يعني: عن يعقوب، عن جبير - وافقه عليه جماعة، منهم: يحيى بن معين وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضاً"٣. وَصَوَّبَ الدارقطني - أيضاً - ما صَوَّبَه أبو داود هنا٤، وكذا صَوَّبَه المزي٥.
وقد أُعِلَّ هذا الحديث بعدَّة علل، أجمل ذلك المنذري في (تهذيب السنن) ٦، فقال: "قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ من وجه من الوجوه، إلا من هذا الوجه. ولم يقل فيه محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة".
стр. 1375
قال المنذري: "ومحمد بن إسحاق مُدَلِّس، وإذا قال المدلس: عن فلان. ولم يقل: حدثنا، أو سمعت، أو أخبرنا، لا يحتجُّ بحديثه، وإلى هذا أشار البزار، مع أن ابن إسحاق إذا صَرَّحَ بالسماع: اختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديثه، فكيف إذا لم يصرح به". قال: "وقد رواه يحيى بن معين وغيره، فلم يذكروا فيه لفظة: به"١. قال: "وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي٢: وقد تَفَرَّدَ به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي الأخنسي، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم ... وليس لهما في صحيحي ... البخاري ... ومسلم رواية. وانفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب. وابن إسحاق: لا يحتجُّ بحديثه، وقد طعن فيه غير واحد من الأئمة، وَكَذَّبَه جماعة منهم".
فهذا حاصلُ ما أُعِلَّ به هذا الحديث، وقد تناول ابنُ القَيِّم هذه العلل بالجواب، فكان حاصل ما أجاب به:
أولاً: أما الطَّعْنُ في محمد بن إسحاق: فإنَّه مردود، قال: "إن ابن إسحاق بالموضع الذي جعله الله: من العلم والأمانة"٣. ثم أخذ في نقل أقوال الأئمة في الثناء على محمد بن إسحاق ومدحه، وأن الترمذي صحح
стр. 1376
له حديثاً لم يأت إلا من طريقه، وهو حديث سهل بن حنيف، قال: كنت ألقى من المذي شدة ... الحديث، قال ابن القَيِّم: "فهذا حكم قد تَفَرَّدَ به ابن إسحاق في الدنيا، وقد صححه الترمذي".
وأما القول بتكذيبه: فإن ذلك مبنيٌّ على ما حُكي عن هشام بن عروة، إذ قال: "حَدَّثَ عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، وأُدْخِلْتُ عليها وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيتُ الله".
وأجاب ابن القَيِّم ﵀ عن ذلك: بأن سليمان بن داود الشاذكوني - راوي هذه الحكاية - اتُّهِم بالكذب، فلا يجوز القدح في الرجل بمثل روايته. ثم إن هشاماً نفى رؤيته لها، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع، وفي هذا يقول الإمام أحمد: "لعله سمع منها في المسجد، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟ فقد كانت امرأة كبرت وأسنت"١. وقد رَدَّ الحافظ الذهبي ﵀ هذه الحكاية بنحو ذلك٢.
قلت: ولعلَّ الذي تطمئنُ إليه النفسُ في أمر ابن إسحاق: ما قرره الذهبيُّ ﵀؛ حيث قال: " ... له ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السِّير، وأمَّا في أحاديث الأحكام: فينحطُّ حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شَذَّ فيه، فإنه يعد منكراً"٣. وقال مرة: "فالذي
стр. 1377
يظهر لي: أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال صدوق، وما انفرد به: ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئاً"١.
قلت: وهذا الحديثُ من هذا القبيل؛ فإنَّ مداره على ابن إسحاق وحده، وإذا كان ما ينفرد به في الأحكام على هذه الصفة التي حكى الذهبيُّ - صاحب الاستقراء التام في الرِّجال - فإن ما ينفرد به في العقائد أولى أن يُتَوَقَّفَ فيه.
وعلى هذا، فإن إطلاق ابنِ القَيِّم القول بتوثيقِهِ، والاحتجاجِ بروايته لا يخلو من نظر.
ثانياً: وأما القولُ بأنَّ ابنَ إسحاقَ عنعنه، ولم يُصَرِّحْ بسماعه من يعقوب بن عتبة: فأجاب ابن القَيِّم بقوله: "فعلى تقدير العلم بهذا النفي: لا يخرج الحديث عن كونه حسناً، فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة الْمُدَلِّس: كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر كثيرة لذلك"٢. كذا قال ابن القَيِّم ﵀! وهاهنا وقفات:
- الأولى: هل عنعنة الراوي عن شيخه تحمل على الاتصال بمجرد ثبوت اللقاء؟ الجمهور على أن ذلك لا يكون متصلاً إلا بشرط عدم
стр. 1378
كون المعنعن مُدَلِّسَاً١، وهذا شرط أساسي، قال الحافظ الذهبي ﵀: "ثم بتقدير تيقن اللقاء، يشترط أن لا يكون الراوي عن شيخه مدلساً ... فإن كان مدلساً: فالأظهر أنه لا يحمل على السماع"٢. ولما كان ابن إسحاق مدلساً، فإن عنعنته لا تحمل هنا على الاتصال، خلافاً لما اختاره ابن القَيِّم ﵀.
- الثانية: فإذا ثبت أن ابن إسحاق من المدلسين، فهل يحتج بما قال فيه: "عن"، ولم يصرح بسماعه؟ قال النووي ﵀: " والصحيح التفصيل: فما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع: فمرسل، وما بينه فيه: كسمعت وحدثنا ... فمقبول محتج به"٣. وقال العلائي: "الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول: الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرح فيه بالسماع، دون ما رواه بلفظ محتمل"٤. وقال ابن حجر: "وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلاً: أن لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح"٥. فظهر من ذلك عدم الاحتجاج برواية المدلس ما لم يصرح بالسماع أو التحديث، خلافاً لما قاله ابن القَيِّم هنا.
وأما ما ذهب إليه ﵀ من القول بالاحتجاج في
стр. 1379
الصحيح بعنعنة المدلسين، كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار: فقد أجيب عن ذلك بأنه محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى١، على أن هذا قد نوزع فيه أيضاً٢.
وبعد ذلك كله: فإن ابن إسحاق قد عده الحافظ ابن حجر ﵀ في الطبقة الرابعة٣ من طبقات المدلسين، وهم: "الذين اتُّفِقَ على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل"٤.
فإذا ثبت ذلك، فإن عنعنة ابن إسحاق وعدم تصريحه بالسماع في هذا الحديث تبقى علة لا يمكن دفعها، خلافاً لابن القَيِّم ﵀.
ثالثاً: أما عن تَفَرُّدِ جبير بن محمد به: فقد أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن ذلك: بأن محمد بن جبير ثقة، وعدم رواية أصحاب الصحيحين عنه ليس بعلة٥. كذا وقع عند ابن القَيِّم "محمد بن جبير"، وقد تَقَدَّمَ أن كلام ابن عساكر في ابنه "جبير بن محمد بن جبير". ولا أدري: هل هذا خطأ طباعي، أم أن ابن القَيِّم فعلاً أراد محمد بن جبير؟
стр. 1380
وعلى كلِّ حال، فإنَّ جبير بن محمد مما يُعَلُّ به هذا الحديث، كما ذُكِر عن ابن عساكر؛ فإنه لم يرو عنه إلا: يعقوب بن عتبة، وحصين ابن عبد الرحمن١، ولم يوثقه مع ذلك أحد إلا ابن حبان، فإنه ذكره في (ثقاته) ٢.
وهو بهذه المثابة مجهول الحال، وقد قال عنه الحافظ ابن حجر: "مقبول"، يعني: حيث يتابع، ولم يتابعه أحد على هذا الحديث، فهو إذن لين الحديث.
ثم أخذ ابن القَيِّم في الجواب عن باقي علل هذا الحديث: كالقول باضطراب إسناده ومتنه وغير ذلك، فذهب إلى أن زيادة لفظة (به) من باب زيادة الثقات، وذلك لا يوجبُ رَدَّ الحديث٣.
والذي يتلخصُ من ذلك: أن هذا الحديثَ ضعيفُ السَّنَدِ، غريبُ المتن:
стр. 1381
الحديث شيئاً، - كما تقدم –؛ فإن جمعاً من الأئمة على إعلاله، وقد تقدم من ذلك قول: البزار، وابن عساكر، والمنذري، وأعَلَّهُ أيضاً: البيهقي ﵀، فقال: "وهذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق ... "١. فذكر نحواً من الكلام المتقدم.
وقال الحافظ الذهبي: "هذا حديثٌ غريبٌ جداً فردٌ، وابن إسحاق حجةٌ في المغازي إذا أَسْنَدَ، وله مناكيرُ وعجائبُ، فالله أعلم أقالَ النبيُّ ﷺ هذا أم لا ... "٢. واسْتَغْرَبَهُ كذلك الحافظ ابن كثير٣ ﵀. وقال الشيخ الألباني: "إسناده ضعيف، ورجاله ثقات. لكن ابن إسحاق مُدَلِّس، ومثله لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، وهذا ما لم يفعله فيما وقفت عليه من الطرق إليه ... "٤.
والخطابي ﵀ مع أنه أخذَ في تأويل هذا الحديث، إلا أنه - فيما يبدو - قد اختار إعلاله؛ إذ قال: "وذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ٥ ... ولم يُدْخِلْهُ في الجامع الصحيح"٦.
ثم توجَّهَ ابن القَيِّم ﵀ بعد ذلك إلى نفي تَفَرُّدِ ابنِ
стр. 1382
إسحاق برواية هذا المعنى، فقال: "وقد رُوِيَ هذا المعنى عن النبي ﷺ من غير حديث ابن إسحاق. فقال محمد بن عبد الله الكوفي - المعروف بمُطَيَّن-: حدثنا عبد الله بن الحكم وعثمان، قالا: حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن:
١٢٦- (٣) عمر ﵁، أنه قال: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امرأةٌ، فقالت: ادْعُ الله أن يُدْخِلَنِي الجنة. فَعَظَّمَ أَمْرَ الرَّبِّ، ثم قال: " إِنَّ كُرْسِيَّه فوقَ السموات والأرض، وأنه يقعدُ عليه، فما يَفْضُل منه مقدار أربع أصابع" ثم قال بأصابعه فجمعها، "وأنَّ له أطيطاً كأطيط الرحل " ١.
ثم قال ابن القَيِّم ﵀: "فإن قيل: عبد الله بن الحكم، وعثمان لا يعرفان. قيل: بل هما ثقتان مشهوران: عثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الحكم القطواني، وهما من رجال الصحيح"٢.
قلت: هذا الحديث أخرجه هكذا مسنداً: ابن أبي عاصم في (السنة) ٣ عن: إسماعيل بن سالم الصائغ. والبزار في (مسنده) ٤ عن: الفضل بن سهل. وابن خزيمة في (التوحيد) ٥ عن: يعقوب بن إبراهيم
стр. 1383
الدورقي. والطبراني١ عن: عبيد الله بن أبي زياد القطواني. وأبو الشيخ في (العظمة) ٢ عن: أبي بكر ابن إسحاق، والحسن بن ناصح. والدارقطني في (الصفات) ٣ عن: أحمد بن منصور بن سيار، كلهم عن: يحيى بن أبي بكير٤، عن إسرائيل٥، عن أبي إسحاق٦ السبيعي، عن عبد الله بن خليفة٧، عن عمر ﵁ به بنحو ما تقدم.
واللفظ الذي أورده ابن القَيِّم ﵀ هو لفظ ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٨، من الطريق التي ذكرها ابن القَيِّم.
وفي هذا الحديث عِدُّة علل:
стр. 1384
أولها: جهالة عبد الله بن خليفة، راويه عن عمر: فقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ١ ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وانفرد ابن حبان بتوثيقه٢ على قاعدته، فيكون بهذه المثابة مجهول الحال، إذ انتفت جهالة عينه برواية أبي إسحاق، ويونس بن أبي إسحاق٣ عنه، ولذلك قال عنه الذهبي ﵀: "لا يكاد يعرف"٤. وقال الحافظ ابن كثير: "ليس بذاك المشهور"٥. وقال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول" يعني: حيث يتابع، وإلا يكون لين الحديث، وهو لم يتابع هنا، إذ مدار الحديث عليه وحده.
العلة الثانية: اضطرابُه سنداً ومتناً: فقد رُوي عن عبد الله بن خليفة، عن النبي ﷺ مرسلاً، أخرجه كذلك الدارمي في (الرد على المريسي) ٦ من طريق: عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل به، وفيه: " ... وإنه ليقعدُ عليه، فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع - وَمَدَّ أصابعه الأربع - وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا ركبه من يثقله". وأخرجه ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٧ من طريق: وكيع، عن إسرائيل به، ولفظه
стр. 1385
عن النبي ﷺ : "الكرسيُّ الذي يجلس عليه ، ما يفضل منه ... ".
وقد وقع الحديث عند ابن خزيمة بالشك، ففيه: " ... عبد الله بن خليفة - أظنه عن عمر - أن امرأة ... " قال ابن خزيمة ﵀: "ما أدري: الشك والظن أنه عن عمر، هو من يحيى بن أبي بكير، أم من إسرائيل، قد رواه وكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة مرسلاً، ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن"١.
وقد روي مع ذلك موقوفاً على عمر ﵁، رواه كذلك: الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﵁ أنه قال: " إذ جَلَسَ ﵎ على الكرسي، سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد". أخرجه من هذا الطريق: عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب (السنة) ٢، وقد أشار البزار ﵀ إلى هذه الرواية الموقوفة، فقال: "وقد روى الثوري هذا الحديث عن: أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر موقوفاً"٣.
وقد أَعَلَّ الأئمة هذا الحديث من أجل هذا الاضطراب، فقال ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٤: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وإسناده مضطرب جداً ... وتارة يرويه ابن خليفة: عن عمر،
стр. 1386
عن رسول الله ﷺ . وتارة يقفه على عمر. وتارة يوقف على ابن خليفة. وتارة يأتي: فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع. وتارة يأتي: فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، وكل هذا تخليط من الرواة، فلا يُعَوَّل عليه". وقال الحافظ ابن كثير: " ... منهم من يرويه عنه، عن عمر موقوفاً، ومنهم من يرويه عنه مرسلاً، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها"١.
العلة الثالثة: أن أبا إسحاق السَّبيعي عَنْعَنَهُ، وهو مُدَلِّسٌ: وقد ذكره الحافظ ابن حجر ﵀ ضمن الطبقة الثالثة من المدلسين٢، والراجح في شأنهم: عدم قبول رواياتهم إلا إذا صرحوا بالسماع.
وعلة رابعة: ذكرها الحافظُ ابن كثير ﵀، فقال: "وفي سماعه - يعني عبد الله بن خليفة - من عمر نظر"٣.
وكأن ابن خزيمة ﵀ رَجَّحَ كونه مرسلا، ولذلك قال: "وليس هذا الخبر من شرطنا؛ لأنه غير متصل الإسناد. لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل والمنقطعات"٤.
فإذا تَبَيَّنَ ضعف هذا الحديث، فإن الهيثمي ﵀ لم يُصِبْ
стр. 1387
حين قال: "رجاله رجال الصحيح"١. فإنَّ عبد الله بن خليفة لم يخرج له أحد من أصحاب السنن الأربعة، فضلاً عن الصحيحين، ومثله قول أبي محمد الدّشتي في كتاب إثبات الحدِّ: "حديث صحيح، رواته على شرط البخاري ومسلم". نقل ذلك عنه الشيخ الألباني، ثم قال: "وهو خطأ بَيّنٌ مزدوج، فليس الحديث بصحيح، ولا رواته على شرطهما ... فأنّى للحديث الصحة؟! بل هو حديث منكر عندي"٢.
فتلخص من ذلك: أنَّ هذا الحديثَ ضعيفُ السَّنَدِ، مضطربٌ سنداً ومتناً، فمثله لا يصلح الاعتماد عليه في تقوية حديث ابن إسحاق الماضي. ومن ذلك يتضح عدم إصابة ابن القَيِّم ﵀ حينما حاول تقوية هذا الحديث، حيث أخذ يقوي أمر عبد الله بن الحكم القطواني، وعثمان بن أبي شيبة، والحديث معلول من جهات أخرى كما تقدم.
وبالجملة: فقد نفى الحافظ الذهبي ﵀ ثبوتَ لفظ الأطيط في أي خبر، فقال: "لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت"٣.
وابن القَيِّم ﵀ أورد ذلك في مقام الاستدلال على علوِّ الله واستوائه على عرشه، وفيما صحَّ من الأحاديث والآثار في هذا الباب كفايةٌ، وقد ساق ابن القَيِّم بعد هذين الحديثين جملة من
стр. 1388
الأحاديث الصحيحة في إثبات ذلك١، ولسنا بحاجة إذن إلى الاحتجاج بما اشتمل على بعض الألفاظ المنكرة.
يوضح ذلك ويبينه: قول الذهبي ﵀ عقب هذا الحديث: "وقولنا في هذه الأحاديث: أننا نؤمن بما صح منها، وبما اتفق السلف على إمراره وإقراره، فأما ما في إسناده مقال، واختلف العلماء في قبوله وتأويله: فإنا لا نَتَعَرَّضُ له بتأويل، بل نرويه في الجملة ونبين حاله، وهذا الحديث - يعني حديث الأطيط - إنما سُقْنَاه لما فيه مما تواتر من علو الله - تعالى - فوق عرشه مما يوافق آيات الكتاب"٢.
стр. 1389
٣ ـ باب ما جاء في نهي النبي صلى الله عليه عن اتخاذ قبره عيدا
...
٣ - باب ما جاء في نهي النبي ﷺ عن اتخاذ قبره عيدا
١٢٧- (٤) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم قبوراً، ولا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عَلَيّ، فإن صَلاتَكُم تَبْلُغُنِي حيث كُنْتُم".
قال ابن القَيِّم ﵀ وقد ساقه بإسناد أبي داود -: "هذا إسناد حسن، رواته كلهم ثقات مشاهير"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢، وأحمد في (مسنده) ٣، والحسين بن أحمد بن إبراهيم بن نفيل في (جزئه) ٤، من طرق، عن: عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ به.
قال المنذري في (تهذيب السنن) ٥: "في إسناده عبد الله بن نافع الصائغ ... ".
ثم نقل كلام الأئمة في تضعيفه، وتوثيق ابن معين وأبي زرعة له.
стр. 1390
قلت: وعبد الله بن نافع هذا قد تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه١، ومع ذلك فقد وَثَّقَهُ بعض الأئمة، فقال النسائي: "ثقة"٢. ومرة قال: "ليس به بأس"٣. وقال ابن معين: "ثقة"٤. وقال أبو زرعة: "لا بأس به"٥. وقال العجلي: "ثقة"٦.
وقال الدارقطني: "يعتبر به"٧. وقال الخليلي: "ثقة"٨. وقال ابن قانع: "مدني صالح"٩. وذكره ابن حبان في (الثقات) ١٠ وقال: "وكان صحيحَ الكِتَابِ، وإذا حَدَّثَ من حفظه رُبَّمَا أَخْطَأ".
فهذه أقوالُ الأئمةِ في عبد الله بن نافع، ويظهر منها أن الرَّجُلَ قد وَثَّقَهُ أئمةٌ معتبرون، فما قِيل من ضعفٍ في حفظه فإنه لا يُرَدُّ حديثه لأجله، اللهم إلا إذا خالفه من هو أحفظ منه وأثبت، فحينئذ يتوقف في حديثه.
стр. 1391
وقد رُوِيَ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن أبي هريرة ﵁، فأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ١ من طريق: عبد الله بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً، ولفظه: "لا تتخذوا قَبْرِي عيداً، لَعَنَ اللهُ قوماً اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد يُصَلُّون إليها، وصلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً".
وفي إسناده: عبد الله بن هشام، قال عنه أبو حاتم: "متروك الحديث"٢.
وللحديث شاهد من حديث عليِّ بن أبي طالب ﵁، أخرجه ابنُ أبي شيبة في (مصنفه) ٣ - وعنه أبو يعلى في (مسنده) ٤ - والضياء المقدسي في (المختارة) كما أفاده ابن القَيِّم٥ ﵀، كلهم من طريق: جعفر بن إبراهيم، عن علي بن عمر، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسين: أَنَّهُ رأى رجلاً يجيء إلى فُرْجَة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها، فيدعو. فنهاه، وقال: ألا أُحَدِّثُكَ حديثاً سمعته من أبي، عن جَدِّي، عن رسول الله ﷺ ؟ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً،
стр. 1392
وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني أينما كنتم".
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) ١: "فيه جعفر بن إبراهيم الجعفري، ذكره ابن أبي حاتم٢، ولم يذكر فيه جرحاً، وبقية رجاله ثقات".
قلت: "وعليُّ بن عمر" هو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال فيه ابن حجر: "مستور"٣. فيكون هذا الإسناد - والحالة هذه - ضعيفاً، إلا أنه يصلح للاستشهاد به، وإذا انضم إلى حديث أبي هريرة السابق أعطاه قوة، وتَبَيَّنَ أن للحديث أصلاً عن النبي ﷺ .
وقد أورد ابن القَيِّم ﵀ بعد ذلك حديثين مرسلين من رواية: أبي سعيد مولى المهري، والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بلفظ قريب من اللفظ الماضي، ثم قال: "فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين، يَدُلاّنِ على ثبوتِ الحديث، لاسيما وقد احتجَّ به من أرسله، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن رُوِيَ من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تَقَدَّمَ مسنداً؟ "٤.
стр. 1393
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أَنَّ حديثَ أبي هريرة الماضي حديثٌ حسنُ الإسناد، كما حَكَمَ ابن القَيِّم ﵀ عليه، وأنه قد يعتضد بهذه الشواهد - المسند منها والمرسل - فيصبح صحيحاً لغيره، فإن وقف عند كونه حسناً، فحسبه ذلك.
وقد حسنه - أيضاً -: الحافظ ابن حجر١، والشيخ الألباني ﵀، فقال: "رواه أبو داود وأحمد بسند حسن"٢. وقال مرة: "وسنده حسن، ومن صححه فقد ذهل أو تساهل، نعم الحديث صحيح باعتبار ما له من الشواهد ... "٣.
قلت: وصحح النووي إسناده٤، وهو غير مُسَلَّم لما مضى بيانه، والله أعلم.
стр. 1394
٤ - باب ما جاء في أطفال المشركين
١٢٨- (٥) عن أبي رجاء العطاردي قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول وهو على المنبر: قال رسول الله ﷺ : " لا يزالُ أمرُ هذه الأمَّة مواتياً١ - أو مقارباً - ما لم يتكلموا في الولدان والقدر". قال أبو حاتم - يعني ابن حبان -: "الولدان. أراد بهم: أطفال المشركين".
عزا ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث إلى (صحيح ابن حبان) ، ثم قال: "وأَمَّا حديث أبي رجاءٍ العطاردي، عن ابن عباس: ففي رَفْعِهِ نَظَرٌ، والنَّاس إنما رووه موقوفاً عليه، وهو الأشبهُ، وابن حِبَّان كثيراً ما يرفعُ في كتابه ما يَعْلَمُ أئمة الحديث أنه موقوف"٢.
وقال في موضع آخر: "في القلب من رَفْعِهِ شيءٌ، وإن أَخْرَجَهُ ابن حبان في (صحيحه) ، وهو يدلُّ على ذَمِّ من تَكَلَّمَ فيهم بغير علم، أو ضَرَبَ النُّصوصَ بعضها ببعض فيهم ... وأما من تَكَلَّمَ فيهم بعلمٍ وحقٍّ: فلا"٣.
стр. 1395
قلت: هذا الحديث أخرجه ابن حبان في (صحيحه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، كلاهما من طريق: الحسن بن سفيان، عن محمد بن أبان الواسطي٣ ويزيد بن صالح اليشكري٤.
وأخرجه الحاكم في (مستدركه) من طريق: أبي داود السجستاني، عن سليمان بن حرب٥ وشيبان بن أبي شيبة٦. كلهم من طريق: جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي٧، عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً، باللفظ المتقدم، ووقع عند الحاكم: "مُؤَامراً" بدل "مواتياً".
قال أبو عبد الله الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولا نعلم
стр. 1396
له علة، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي ﵀. قال الشيخ الألباني: "وهو كما قالا"١.
وساقه الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة ابن حبان من (سير النبلاء) ٢ بإسناده إليه، ثم قال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرج في الكتب الستة".
وعزاه الهيثمي إلى البزار والطبراني، ثم قال: "ورجال البزار رجال الصحيح"٣.
فقد صحح الحديث مرفوعاً - كما نرى -: ابن حبان، والحاكم، والذهبي، والهيثمي، والألباني، ولم يقل أحد منهم: بأن رفعه خطأ.
وحينئذ فلا وجه لما قاله ابن القَيِّم من أن الصواب وقفه على ابن عباس، وأما قوله: "والناس إنما رووه موقوفاً عليه" فلم أقف بعد البحث على من رواه كذلك.
وأما تضعيفه من قِبَلِ ابن حبان، وأنه هو الذي رفعه: فغير مقبول أيضاً، وقد رواه الحاكم – كما سلف - من غير طريق ابن حبان، والبزار - وهو متقدم على ابن حبان - فكلهم جاء به مرفوعاً، فلم يبق متعلق في ذلك على ابن حبان، والله أعلم.
стр. 1397
الخاتمة
في نهاية دراستي هذه لابن القَيِّم وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها، وبعد هذا التجوال في تراثه وآثاره النافعة، أسجل خلاصة ما تَضَمَّنَهُ بحثي هذا وأهمَّ النتائج التي أسفرتْ عنها هذه الدراسة:
١- أَنَّ هذا الدِّين محفوظ بحفظ الله له، وأنَّ من مظاهر هذا الحفظ: أولئك الأعلام الأفذاذ، والجهابذة الحُفَّاظ، الذين هَيَّأَهُم اللهُ - سبحانه - للذود عن دينه، ونُصْرَةِ شَرِيعَتِهِ، وأنَّ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ تأييداً خَاصَّاً من الله .
٢- أنَّ ابن القَيِّم ﵀ كان واحداً من أولئك الأعلام الذين نَصَرَ الله بهم الحق وهزم الباطل، وأظهر بهم السنة وقَمَعَ البدعة.
٣- كانت العلاقة وثيقة بين ابن القَيِّم وبين العصر الذي عاش فيه تأثراً وتأثيراً؛ لذا فقد كان للأوضاع السياسية، والاجتماعية، والدينية الْمُتَرَدِّيَةِ آنذاك أكبر الأثر على تَوَجُّهَاتِ ابن القَيِّم ودعوته الإصلاحية.
٤- أن ابن القَيِّم ولد في أُسْرَةٌ طَيِّبَة، وأن والده كان من أهل العلم والفضل، مما كان له - بتوفيق الله - أثر كبير في النشأة الصالحة لابن القَيِّم ﵀، وسلوكه طريق العلم وأهله.
٥- لقد كان ابن القَيِّم ﵀ متحلياً بمحاسن الأخلاق، وجميل العادات، مع الاجتهاد في الطاعة والجدِّ في العبادة، وذلك بشهادة كل من عرفه وعايشه، فجمع ﵀ بذلك بين العلم والعمل،
стр. 1398
فبورك له في علمه ودعوته، وعمَّ النفع بهما، وَسَرَتْ بركة ذلك في الأجيال من بعده إلى يومنا هذا.
٦- عاش ابن القَيِّم حياته مجاهداً من أجل تحقيق أهداف نبيلة وغايات جليلة، تمثلت في: الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسُّنَّة الصحيحة، ونبذ ما سوى ذلك من البدع الْمُحْدَثَةِ والآراءِ المستحدثة، ومحاربة التَّعَصُّبِ المذهبيِّ، والتقليد الأعمى. ولقد كان ملتزماً ذلك في حياته كلها عملاً وسلوكاً، فأحيا الله على يديه - ومن قبله شيخه ابن تَيْمِيَّة - الدعوة السلفية النَيِّرَة في تلك الحقبة المظلمة.
٧- تَعَرَّضَ ابن القَيِّم ﵀ في مسيرته الإصلاحية لمحنٍ شديدة وابتلاءات عديدة، نتيجة لصدعه بالحق، وقيامه في وجه الباطل، فلم يزده ذلك إلا ثباتاً على مبادئه، وصلابةً في مواجهة أعداء السُّنَّة وأهلها، فضرب ﵀ بذلك أروع الأمثلة في الصبر والثبات وتحمل الأذى في ذات الله .
٨- أما عن حياته العلمية: فقد بَرَّزَ وتفوق ﵀ في علوم عديدة، بشهادة الأئمة الأعلام له بذلك، وهنا نقف على حقيقة مهمة، وهي: صعوبةُ الحُكْمِ على ابن القَيِّم ﵀ بالتَّخَصُّصِ في فَنٍّ بعينه على حساب الفنون الأخرى؛ فقد شُهِدَ له بالتفوق في سائر العلوم والتقدم فيها.
٩- لقد كان لتتلمذ ابن القَيِّم ﵀ على خيرةِ علماءِ عصرهِ وأعلام وقته - مع ولوعه باقتناء الكتب وجمعها - أثر كبير في تفوقه وبروزه العلمي.
стр. 1399
١٠- وبعد هذه الرحلة المباركة في خدمة هذا الدين، ترك ابن القَيِّم ﵀ كتباً ومؤلفات مباركة، عَمَّ النفع بها على مَرِّ العصور والأزمان، حتى وقتنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فانقطع عمله ﵀ من الدنيا، إلا من هذا العلم النافع، فلا زال النفع به مستمراً، جزاه الله عن الإسلام وأهله خيراً.
١١- ولقد توافرت لمؤلفات ابن القَيِّم ﵀ خصائص وميزات عديدة، كان لها أثر كبير في رِفْعَةِ شأنها وذيوعِ صيتها، وعشقِ القلوب لها، مع انتفاعِ البعيد والقريب بها.
١٢- وفيما يتعلق بجانب الحديث وعلومه - موضوع هذه الدراسة - تبرز بعض الحقائق المهمة، فمن ذلك:
- تَمَكُّنُ ابن القَيِّم ﵀ من قواعد (مصطلح الحديث) ، ومعرفته التامة بها، وتطبيقه لتلك القواعد واستفادته منها أثناء دراسته للأحاديث النبوية ومناقشتها.
بل إن له فضل السبق والتميز في بعض قضايا المصطلح؛ ككلامه في تقسيم الحديث الحسن إلى ثلاث مراتب، كما مرّ معنا.
- معرفته التامة بقواعد "الجرح والتعديل ونقد الرواة" ورسوخ قدمه في ذلك، كما سبق بيانه عند الكلام على إفاداته في هذا الباب، ومَنْ وَقَفَ على ما أضافه من ضوابط وتفصيلات في مسألة "طلب تفسير الجرح"، - مثلا - عَلِمَ إمامة الرجل في هذا الفنِّ.
стр. 1400
- لابن القَيِّم ﵀ في نقد رواة الأحاديث، والكلام على الرجال جرحاً وتعديلاً منهج مميزٌ، مع معرفة تامة بأقوال أئمة الشأن في الرواة: عالماً بمراميها، مُرَجِّحَاً بين مختلفها، موفقاً بين ما ظاهره التعارض منها.
- ومع كل ذلك: نرى اجتهاد ابن القَيِّم ﵀ في إصدار أحكامٍ جامعةٍ على كثير من الرواة، وبيان مرتبتهم ومنزلتهم من القبول أو الردِّ؛ بما يدلُّ على شخصية مستقلة، وقدمٍ راسخةٍ، وإمامةٍ وتقدُّم في هذا الفن.
وحسبه في هذا الباب شرفاً أن يعتمد على أقواله في الرجال مثل الحافظ ابن حجر، كما تقدَّمَ نقل أمثلة لذلك عند الكلام على "أهمية أقوال ابن القَيِّم في الجرح والتعديل"، بل لعل قوله ﵀ في العلاء ابن إسماعيل: (مجهول) ، يُعَدُّ المصدر الوحيد - فيما أعلم - للحكم على هذا الرجل.
- ظهرت ثمرة تمكن ابن القَيِّم من قواعد علوم الحديث في تطبيقه لتلك القواعد واستفادته منها في الحكم على المرويات ونقدها، بعد بذل الجهد في تخريجها وجمع طرقها.
وبذلك تبرز قيمة هذه القواعد وفائدتها في تحقيق الهدف الأسمى والمطلوب الأعلى، وهو: تمييز صحيح الأخبار من سقيمها، ومعلولها من سليمها.
стр. 1401
١٣- لم تقف جهود ابن القَيِّم عند هذا الحدِّ في مجال علوم الحديث وفنونه المختلفة، بل كانت له إسهامات مميزةٌ في جوانب أخرى، تمثل ذلك في: شرح الحديث، وبيان غريبه، واستنباط فقهه وأحكامه، واستخراج فوائده، والكشف عن دقائقه.
وبذلك يقدِّم لنا ﵀ مثالاً يُحْتَذى في الجمع بين: المعرفة بقواعد الحديث وقوانين روايته، والفقه فيه ومعرفة أحكامه ودرايته. وذلك - لا شكَّ - من أعظم المقاصد، وأسمى المطالب.
١٤- وتأكيداً للجانب العملي التطبيقي في إبراز جهود ابن القَيِّم في خدمة السنة النبوية وعلومها، فقد تناول هذا البحث مجموعة من الأحاديث التي حكم عليها ابن القَيِّم بتصحيح أو تضعيف أو غير ذلك، وتمت دراستها في ضوء أقوال الأئمة المعتبرين وحكمهم عليها، وقد بلغ عدد الأحاديث المدروسة حوالي مائة وأربعين حديثاً، أصاب ابن القَيِّم ﵀ في الحكم على أكثرها، وجاء حكمه مرجوحاً في عدد قليل منها، ولا يضره ذلك ولا يقلل من مكانته؛ فإن ذلك يُعَدُّ قليلاً في جنب ما وُفِّقَ وسُدِّد فيه ﵀.
١٥- هذه الأحكام التي صدرت من هذا الإمام الجهبذ، تعد خدمةً جليلةً في مجال نقد المرويات الحديثية، وبيان درجتها، وتمييز صحيحها من غيره، وتمثل حلقة في سلسلة الجهود المباركة لأئمة النقد وفرسانه على مرِّ العصور.
стр. 1402
وفي النية - إن شاء الله - حَصْرُ كُلِّ الأحاديث التي تَكَلَّم عليها في جميع مؤلفاته، وتصنيفها، وإخراجها مطبوعة بحول الله وقوته، خدمة للسنة النبوية المشرفة، ولبنة تضاف إلى البناء الموسوعي في مجال نقد المرويات الحديثية والحكم عليها.
١٦- وأخيراً: فإنه لا يفوتني أن أُسَجِّل توصيةً واقتراحاً ظهرت لي أهميته خلال رحلتي مع هذا الإمام العلامة، وهو: أنَّ تراثَ ذلك الإمام البحر لا يزال في حاجة مَاسَّة إلى خدمة أهل العلم وطلابه، وذلك باستخراج مكنون فوائده، وتقريب علومه للناس عامة، وأحسب أن ما قام به الشيخ بكر أبو زيد في كتابه: (تقريب فقه ابن القَيِّم) يمثل نموذجاً يُحْتَذَى في بقية علوم ابن القَيِّم.
فإنَّ استخراج الفوائد المتعلقة بكلِّ فَنٍّ من كُتب ابن القَيِّم المختلفة، وضَمِّ ما توافَقَ من ذلك في شكل موسوعي، أمرٌ تتطلبه ظروف الحياة العلمية في وقتنا الحاضر.
ولذلك فإنني أهيبُ بالهيئات العلمية المتخصصة - وعلى رأسها أقسام الدراسات العليا في هذه البلاد المباركة - أن توجه جهود باحثيها إلى خدمة علوم هذا الإمام وتراثه المبارك.
وَيُقَال مثل ذلك عن كتبه ومؤلفاته؛ فإن الكثير منها لا يزال بحاجة إلى تحقيق عِلْمِيٍّ يليقُ بمكانة هذا الإمام، ويتيح فرصاً أكثر للانتفاع بها.
стр. 1403
ولذلك فإنني ألفت أنظار أهل العلم الغيورين على تراث هذا الإمام، المحبين له ولعلومه، إلى أن يولوا هذا الأمر عنايتهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1404
مصادر ومراجع
...
المصادر المطبوعة
١- ابن قيم الجوزية - حياته وآثاره.
د/ بكر بن عبد الله أبو زيد. نشر المكتب الإسلامي - بيروت، ومكتبة الرشد - الرياض، ط٢، ١٤٠٣هـ.
٢- ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف.
د/ عبد الله محمد جار النبي. نشر مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، ط١، ١٤٠٦هـ.
٣- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية.
لابن القيم. تصحيح لجنة بإشراف الناشر - نشر دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤٠٤هـ.
٤- الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة.
لأبي الحسنات، محمد بن عبد الحي، اللكنوي، الهندي (ت١٣٠٤هـ) . تحقيق: عبد الفتاح أبي غدة - نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط٢، ١٤٠٤هـ.
стр. 1405
٥- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان.
ترتيب علاء الدين علي بن بلبان الفارسي (ت ٧٣٩هـ) . تحقيق: كمال يوسف الحوت - نشر دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤٠٧هـ.
٦- أحكام أهل الذمة.
لابن القيم. تحقيق: د/ صبحي الصالح - نشر دار العلم للملايين، بيروت، ط٢، ١٤٠١هـ.
٧- أحوال الرجال.
لأبي إسحاق، إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت ٢٥٩هـ) . تحقيق: السيد صبحي السامرائي - نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٤٠٥هـ.
٨- اختصار علوم الحديث.
للحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) . تحقيق: أحمد محمد شاكر - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، (مطبوع مع الباعث الحثيث) .
٩- اختلاف الحديث.
للإمام الشافعي محمد بن إدريس (ت ٢٠٤هـ) . تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز - نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٦هـ.