الطريق الثاني عن سالم: رواه عنه محمد بن واسع١.
أخرجه الترمذي في (جامعه) ٢، والدارمي في (مسنده) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، والعقيلي في (الضعفاء) ٥ كلهم من طريق: يزيد بن هارون.
وأخرجه الطبراني في (الدعاء) ٦ من طريق: سعيد بن سليمان الواسطي. كلاهما عن:
أزهر بن سنان٧، عن محمد بن واسع قال: قدمتُ مكة فلقيني أخي سالم بن عبد الله بن عمر، فَحَدَّثَنِي عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: ... فذكره. وزاد الدارمي والعقيلي قول محمد بن واسع: "فقدمت خراسان فلقيتُ قتيبة بن مسلم، فقلت: إني أتيتك بهدية، فحدثته، فكان يركب في موكبه، فيأتي السوق، فيقوم فيقولها، ثم يرجع".
ووقع في المستدرك: "قدمت المدينة" بدل "مكة". ولعله خطأ.
стр. 1332
وأزهر بن سنان ضعيف، قال ابن معين: "لا شيء"١. ولَيَّنَه الإمام أحمد٢. وقال الساجي: "فيه ضعف"٣. وقال العقيلي: "في حديثه وهم"٤. وقال ابن حبان: " ... منكر الرواية في قلته، لم يتابع الثقات فيما رواه"٥. وقال الذهبي: "فيه لين"٦.
قلت: ومع ضعف أزهر هذا، فقد خالفه فيه يزيد الدورقي صاحب الجواليق٧، فقد أخرج العقيلي في (ضعفائه) ٨ من حديث إبراهيم بن حبيب بن الشهيد٩، قال: حدثنا يزيد الدورقي أبو الفضل - صاحب الجواليق - قال: كان محمد بن واسع الأزدي لا يزال يجيء إلى دكان، فيقعد ساعة في أصحاب الجواليق، فنرى أنه يذكر ربه، فحدثنا، قال: كنت بخراسان مع قتيبة، فاستأذنته في الحج، فأذن لي، فلقيت سالم ابن عبد الله، فسمعته يذكر: أنه من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله ... قال: فلما رجعت إلى خراسان قال لي قتيبة: ما أفدتنا؟ فحدثته بهذا
стр. 1333
الحديث. فكان قتيبة يركب في الأيام، فيقف في السوق فيقولها أربعين مرة، ثم ينصرف.
فهو هنا موقوفٌ على سالم من قوله، ولم أقف - بعد البحث - على ترجمة يزيد صاحب الجواليق، لكن قدم العقيلي هذه الرواية على رواية أزهر السالفة، فقال: "وهذا أولى من حديث أزهر"١.
وقد حكم الأئمة على رواية أزهر بالنكارة والضعف، فقد نقل أبو غالب الأزدي عن علي بن المديني أنه ضعّف أزهر بن سنان جداً في حديث رواه عن محمد بن واسع، وأشار ابن حجر ﵀ إلى أن المقصود هو هذا الحديث٢.
وحكم أبو حاتم على الحديث بالنكارة، وحمل ذلك على محمد بن واسع، فقال: "روى عن سالم، عن ابن عمر حديثاً منكراً"٣. لكن تعقبه الذهبي ﵀، فقال: "النكارة إنما هي من قِبَلِ الراوي عنه"٤. يعني: أزهر بن سنان.
فقد تَبَيَّنَ من ذلك أن حديث أزهر هذا ضعيف السَّنَد، وأنَّ الصَّوابَ وقفه على سالم بن عبد الله بن عمر، مع الحكم بنكارته: ربما من أجل متنه كما سيأتي، وربما من أجل المخالفة في إسناده، فإن المشهور أنه: عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله.
стр. 1334
ومن أجل ذلك فقد حكم الترمذي على حديث أزهر هذا بالغرابة، فقال: "هذا حديث غريب".
ولهذا الحديث طريق ثالث:
أخرجه الترمذي في (علله) ١ - وعلقه في (جامعه) ٢ - والعقيلي في (الضعفاء) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤ من طريق:
يحيى بن سليم الطائفي، عن عمران بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعاً.
وعمران بن مسلم اختلف فيه الأئمة في هذا الحديث: هل هو عمران القصير أم غيره؟ فَفَرَّقَ البخاريُّ بينهما، وجعل الراوي هنا غير القصير، فقد سأله الترمذي: من عمران بن مسلم هذا، هو عمران القصير؟ فقال البخاري: "لا، هذا شيخ منكر الحديث"٥. وفرق بينهما العقيلي في (الضعفاء) ٦، وكذا ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٧.
وخالفهم في ذلك الدارقطني ﵀، فقال: "وقد قيل إن
стр. 1335
عمران بن مسلم هذا ليس بعمران القصير، ذكره أبو عيسى ... عن البخاري، وهو عندي عمران القصير ... ليس فيه شك"١.
وحاصل الخلاف في ذلك: أَنَّ عمران القصير من رجال الصحيح، أما الآخر - فكما قال البخاري -: منكر الحديث، ولكن مهما يكن من أمر فإن هذه الرواية قد ضَعَّفَها الأئمة، فقال الإمام البخاري - لما سأله عنها الترمذي -: "هذا حديث منكر"٢. وكذا قال أبو حاتم٣ ﵀.
وقال ابن أبي حاتم: "وهذا الحديث هو خطأ، إِنَّمَا أراد: عمران ابن مسلم، عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، عن سالم، عن أبيه. فغلط وجعل بدل عمرو: عبد الله بن دينار، وأسقط سالماً من الإسناد"٤. ثم ساقه بإسناده إلى عمران بن مسلم على الصواب.
قلت: وعلى قول من ذهب إلى أن عمران هذا هو القصير، فَإِنَّه - أيضاً - ينفردُ بأشياء لا يرويها غيره٥. وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) ٦ لكنه قال: "إلا أن في رواية يحيى بن سليم عنه بعض
стр. 1336
المناكير ... ". وهذا الحديث هو من رواية يحيى بن سليم عنه، فيكون قد وقع فيه خطأ على ما بَيَّنَ ابن أبي حاتم ﵀، ويرجع الحديث بذلك إلى رواية عمرو بن دينار عن سالم المتقدمة، وقد تبين ما فيها من مقال.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أنَّ أسانيدَ هذا الحديثِ لا تخلو من مقال، قال العقيلي ﵀: "والأسانيد فيه فيها لين"١. وقد مضى معنا حكم جماعة من العلماء عليه بالنكارة، فقد تكون النكارة في متنه من جهة ذكر هذا العدد فيه على هذه الصورة، وقد أشار إلى ذلك الإمام الشوكاني بقوله: " ... وإن كان في ذكر العدد على هذه الصفة نكارة"٢. فقد علم أن من جملة القرائن التي يستدل بها على بطلان الحديث: اشتماله على الإفراط بالوعد العظيم على الفعل اليسير٣.
وقد ضَعَّفَهُ أيضاً الأئمة: النسائي، والدارمي، وأبو زرعة كما في (كشف الخفاء) ٤. وقال العلامة أحمد شاكر: "إسناده ضعيف جداً"٥. يشير إلى رواية عمرو بن دينار المتقدمة.
وأما جعل البغوي له في (مصابيح السنة) ٦ من قسم الحسن،
стр. 1337
وكذا تحسين الشوكاني له١، ثم الشيخ الألباني٢: فلم أر أن الصواب قد حالفهم في ذلك، ويكون ابن القَيِّم ﵀ بذلك قد أصاب في إعلاله هذا الحديث، وقوله إنه "لا يثبت مثله" والله تعالى أعلم.
стр. 1338
٣ - باب من قال: يصلي على النبي ﷺ عند العطاس
١٢٠- (٣) عن عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تذكروني عند ثلاث: تسمية الطعام، وعند الذبح، وعند العطاس".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث دليلاً للقائلين بعدم استحباب الصلاة على النبي ﷺ عند العطاس، ثم قال: "لا يصح ... وله ثلاث علل:
إحداها: تَفَرُّدُ سليمان بن عيسى به، قال البيهقي: وهو في عِدَادِ من يَضَعُ الحديث.
الثانية: ضَعْفُ عبد الرحيم العَمِّي.
الثالثة: انقطاعه"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه البيهقي في (سننه) ٢ من طريق: يحيى ابن يحيى، عن سليمان بن عيسى٣، عن عبد الرحيم بن زيد٤ العمي، عن أبيه٥، عن النبي ﷺ به.
стр. 1339
وقد ذكر البيهقي ﵀ العلل الثلاث، وأشار إلى عِلَّةٍ رابعة لم يَتَعَرَّض لها ابن القَيِّم ﵀، وهي: ضعف زيد العَمِّي، والد عبد الرحيم.
أما العلة الأولى، وهي الكلام في سليمان بن عيسى: فإنه كما قال البيهقي، فقد قال الجوزجاني: "كان كَذَّابَاً مُصَرِّحَاً"١. وقال أبو حاتم: "رَوَى أحاديث موضوعة، وكان كَذَّابَاً"٢. وقال الذهبي: "هالكٌ"٣. وتتمة كلام البيهقي - كما في (السنن) ٤ له -: "ولو عرف يحيى بن يحيى حالَه، لما استجازَ الرواية عنه".
وأما العِلَّةَ الثانية، وهي ضَعْفُ عبد الرحيم العَمِّي: فإن حاله أسوأ مما قال ابن القَيِّم ﵀، فقد كَذَّبَه ابن معين٥. وقال البخاري: "تركوه"٦. وقال النسائي: "متروك"٧. وقال أبو حاتم: "ترك حديثه"٨. وقال أبو زرعة: "واهي، ضعيف الحديث"٩. وقال
стр. 1340
الجوزجاني: "غير ثقة"١. وقال ابن حبان: "يروي عن أبيه العجائب، لا يشك من الحديث صناعته أنها معمولة أو مقلوبة كلها ... "٢. وقال الحافظ ابن حجر: "متروك".
وأما أبوه زيد: فإنه وإن كان أحسن حالاً من ولده، إلا أنه قد ضُعِّفَ أيضاً، فقال ابن معين: "ليس بشيء"٣. وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، يُكْتَبُ حديثه ولا يحتجُّ به"٤. وقال ابن حبان في ترجمة ابنه: " ... فأما ما روى عن أبيه: فالجرحُ ملزقٌ بأحدهما أو بهما"٥.
وقد سبق التنبيه على أنَّ ابن القَيِّم ﵀ لم يذكر سوى ثلاث علل، ولم يذكر ضعف "زيد العمي" والد عبد الرحيم، ولعل السبب في ذلك هو أنه أورد الحديث من رواية: عبد الرحيم بن زيد، عن النبي ﷺ ، بدون ذكر أبيه، ولكن الحديث في (سنن البيهقي) : عن عبد الرحيم بن زيد، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، وهو الصواب.
وأما العلة الثالثة، وهي انقطاعه: فلم يذكر ابن القَيِّم ﵀ وجهه، ولعل موضعه: بين زيد العمي والنبي ﷺ ، فإن زيداً هذا لم
стр. 1341
يدرك النبي ﷺ قطعاً، بل تُكُلِّم في روايته عن مرة الهمداني١.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن الحديث لا يصحُّ كما قال ابن القَيِّم ﵀، بل قال الشيخ الألباني: "موضوع"٢.
стр. 1342
١٩- من كتاب الفضائل
١ - باب في فضل الصلاة على النبي ﷺ
١٢١- (١) عن عامر بن ربيعة ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مَنْ صَلَّى عَلَيّ صَلاةً لَمْ تَزَل الملائكةُ تُصَلِّي عليه ما صَلَّى عَلَيَّ، فَلْيُقِلَّ عَبدٌ من ذلك أو لِيُكْثِرْ".
أورد ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث من طريق الإمام أحمد، بإسناد فيه عاصم بن عبيد الله، ثم أورده من طريق عبد الرزاق: عن عبد الله بن عمر العمري بلفظ قريب، ثم قال: "وعاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن عمر العُمَرِي، وإن كان في حديثهما بعض الضعف، فرواية هذا الحديث من هذين الوجهين المختلفين، يدلُّ على أن له أصلاً، وهذا لا ينزل عن وسط درجات الحسن"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٢، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٣، وإسماعيل بن محمد الأصبهاني في (الترغيب والترهيب) ٤ وإسماعيل بن إسحاق القاضي في (فضل الصلاة على
стр. 1343
النبي) ١ - وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ٢ من طريق الطيالسي - كلهم من طريق: شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه عامر بن ربيعة، عن النبي ﷺ به. واللفظ المذكور هو لفظ الإمام أحمد، وفيه قول عامر بن ربيعة: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول ... فذكره، وألفاظ الباقين بنحوه.
وهذا الإسناد ضعيف من أجل عاصم بن عبيد الله؛ فإن الجمهور على ضعفه٣، بل قال فيه البخاري٤، وأبو زرعة، وأبو حاتم٥: "منكر الحديث". وقال الدارقطني: "مدنيٌّ يترك هو مُغَفَّلٌ"٦.
قلت: وكأنَّ الكلام فيه من قِبَلِ حفظه، فقد كان يخطئ ويَهِمُ، ومع ذلك فقد احتمله البعضُ، قال العجلي: "لا بأس به"٧. وقال ابن عدي: "روى عنه ثقات الناس واحتملوه، وهو مع ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حديثه"٨. وقد جعله بعضُ الأئمة في مرتبة عبد الله بن محمد بن عقيل،
стр. 1344
فقال يحيى القطان: "هو عندي نحو ابن عقيل"١. وقال الإمام أحمد: "ما أَقْرَبُهُمَا"٢. والمعلوم أنَّ ابن عقيل صدوقٌ، قد احتمله بعض الأئمة، وقال البخاريُّ ﵀: "كان أحمد، وإسحاق، والحميدي يحتجون بحديثه"٣. وقال الذهبي: "حديثه في مرتبة الحسن"٤. فهذا حال عبد الله بن عقيل، وإذا كان عاصم - بمقتضى كلام هؤلاء الأئمة - في رتبته، فإن حاله يكون كحاله، وأمره يحتمل كأمره.
وقد روى عنه شعبة مع تشدده في الرجال، ولم يكن يروي إلا عن ثقة إلا في النادر، قال السخاوي: " ... وعلى كل حال: فهو لا يروي - يعني شعبة - عن متروك، ولا من أجمع على ضعفه"٥. وهذا الحديث من روايته عنه.
وأيضاً: فالترمذي ﵀ يصحح كثيراً من حديثه، ولذلك فقد جعله الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في قسم المختلف فيهم: هل هم ممن غلب على حديثهم الوهم والغلط أم لا؟ ٦.
وما دامَ الرجلُ بهذه المثابة، وأنَّ بعضَ الأئمةِ قد احتملوه، ولم يُجْمِع أهل هذا الشأن على ضعفه، وروى عنه أئمة معتبرون،
стр. 1345
وصَحَّحَ - مع ذلك - له مثل الترمذي، فإن حديثه يكون مُحْتَمَلاً، وبخاصة إذا تابعه غيره ممن هو مثله أو أعلى منه رتبة، وسيأتي أنه توبع على هذه الرواية.
ولذلك فقد قَبلَ هذا الحديث بعضهم، وجعله حسناً، فقال المنذري ﵀: "وعاصم وإن كان واهي الحديث، فقد مشاه بعضهم وصحح له الترمذي، وهذا الحديث حسن في المتابعات"١. وَحَسَّنَه كذلك الحافظ ابن حجر٢. ووافقهما على ذلك السخاوي٣ ﵀.
وقد ذكر السخاويُّ أن عاصماً اختلف عليه في هذا الحديث، فقيل: عنه، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه كما مضى. وقيل: عنه، عن عبد الله بن عامر، عن عمر بن الخطاب ﵁. لكن صحح السخاوي كونه عن عامر بن ربيعة، فقال: "وهو أصح"٤.
وقد تُوبعَ عاصمٌ على رواية هذا الحديث، تابعه: عبد الرحمن بن القاسم٥، وذلك فيما أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٦ - ومن طريقه
стр. 1346
أبو نعيم في (الحلية) ١ - عن:
عبد الله بن عمر٢، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "من صَلَّى عليّ صلاةً، صَلَّى الله عليه، فأكثروا أو أَقِلُّوا". وعند أبي نعيم: "من صَلَّى عليّ صَلاةً، صَلَّى الله عليه عشراً ... ".
وقد سقط من مصنف عبد الرزاق "عبد الرحمن بن القاسم" وجاء تاماً في (الحلية) ، وكذا ساقه ابن القَيِّم ﵀ من طريق عبد الرزاق تاماً٣.
فهذه متابعة جيدةٌ من عبد الرحمن بن القاسم - وهو إمام جليل - لعاصم بن عبيد الله، وهي وإن اختلف لفظها قليلاً عن لفظ رواية عاصم، إلا أن المعنى متقارب، وتشهد لها في الجملة.
وأما وجود عبد الله العمري في سند هذه المتابعة فإنه لا يَضُرُّ؛ لأنَّه وإن ضُعِّفَ، إلا أن أمره قد احْتُمِل، قال الحافظ الذهبي ﵀: "وحديثه يتردد فيه الناقد، أما إن تَابَعَه شيخ في روايته: فذلك حسن قوي إن شاء الله"٤. ولَمَّا لم ينفردْ برواية هذا الحديث، وإنما جاء من وجهٍ
стр. 1347
آخر كما تقدم، فإنَّ الأمر يكون على ما وصف الذهبي إن شاء الله، ويتأيد حينئذ قول ابن القَيِّم ﵀: " ... فرواية هذا الحديث من هذين الوجهين المختلفين، يدلُّ على أن له أصلاً".
وقد قَوَّى الشيخ الألباني ﵀ حديث عاصم السابق بهذه المتابعة، فقال: "ثم وجدتُ لعاصم متابعاً عند أبي نعيم في (الحلية) ، فالحديث حسن على الأقل"١. وحَسَّنَه كذلك في صحيح ابن ماجه٢.
فتلخص من ذلك: أن الحديثَ وإن كان فيه بعض الضعف، فإنَّه يَتَقَوَّى بمجيئه من وجهين مختلفين، وأن ذلك لا يقل عن وسط درجات الحسن، كما قال ابن القَيِّم ﵀.
стр. 1348
٢ - باب ما جاء في فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة
١٢٢- (٢) عن النبي ﷺ ، أنه قال: "مَنْ قَرَأ سورةَ الكهف يوم الجمعة، سَطَعَ له نور من تحتِ قدمه إلى عَنَانِ١ السَّمَاء، يُضيء به يوم القيامة، وغُفِرَ له ما بين الجمعتين ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث ضمن كلامه على خصائص يوم الجمعة، وصدره بصيغة التمريض: "رُوِي" ثم قال: "وذكره سعيد بن منصور من قول أبي سعيد الخدري، وهو أشبه"٢.
قلت: أما حديث أبي سعيد، فقد أخرجه: الحاكم في (المستدرك) ٣ - وعنه البيهقي في (سننه) ٤ - من طريق: نعيم بن حماد٥، عن هشيم، عن أبي هاشم٦، عن أبي مجلز٧،
стр. 1349
عن قيس بن عباد١: عن أبي سعيد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من قَرَأَ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين ".
قال أبو عبد الله الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". لكن تعقبه الذهبي فقال: "نعيم ذو مناكير".
وقد تابع نعيمَ بن حماد على هذه الرواية: يزيدُ بن مخلد بن يزيد٢، عن هشيم، وقال فيه: "أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق". أشارَ إلى هذه المتابعة: البيهقي في (سننه) ٣.
وخالفهما: سعيد بن منصور، وأبو النعمان، وأبو عبيد، وأحمد بن خلف البغدادي، فرووه عن هشيم، فجعلوه موقوفاً على أبي سعيد من قوله.
أما حديث سعيد بن منصور: فهو في (سننه) ، كما أشار البيهقي ﵀ إلى ذلك٤. ورواية أبي عبيد: أخرجها في (فضائل القرآن) ٥ له، قال: حدثني هشيم. وأخرج الدرامي في (مسنده) ٦ رواية
стр. 1350
أبي النعمان١: حدثنا هشيم. وأما رواية أحمد بن خلف: فأخرجها ابن الضريس في (فضائل القرآن) ٢ عن هشيم، والخطيب في (تاريخ بغداد) ٣ بإسناده إلى هشيم. وجاء عند هؤلاء: " ... أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق".
فهؤلاء الأربعة قد رووه موقوفاً، وفيهم إمامان جليلان: سعيد ابن منصور، وأبو عبيد، وأما أبو النعمان: فهو ثقة أيضاً، إلا أنه تغير بآخرة. وأحمد بن خلف: ذكره الخطيب في (تاريخه) ٤، وقال: "وهو شيخ غير مشهور عندنا".
ولا شَكَّ أن رواية من وقفه أرجحُ من الأخرى؛ إذ هم أوثق، وأشهر، وأثبت ممن رفعوه، فنعيم بن حماد - أحد رواة الرفع - كثير الخطأ، ويزيد بن مخلد - مُتَابِعُهُ - شبه المجهول، فلا يقاومان هؤلاء الأئمة.
وقد وقع في بعض ألفاظه: "ليلة الجمعة" بدل: "يوم الجمعة"، وانفرد بذلك أبو النعمان دون سائر من رواه، وذلك فيما أخرجه الدارمي، ولعل ذلك من تخليط أبي النعمان المعروف بـ"عارم"؛ فإنه اختلط في آخر حياته.
стр. 1351
ووقع فيه اختلاف آخر، إذ إن سائر الروايات قد وردت بلفظ: " ... ما بينه وبين البيت العتيق". وخالف نعيم بن حماد وحده، فقال: "ما بين الجمعتين"، ولعلَّ ذلك من مناكيره؛ فإنه لم يوافقه على هذه اللفظة أحد، حتى أن يزيد بن مخلد - الذي تابعه على رفع هذا الحديث - جاء به موافقاً للفظ الجماعة، مما يؤكد أن نعيم بن حماد قد أخطأ في متنه كما أصابه الخطأ في سنده.
وقد تُوبع هشيمٌ على معنى هذا الحديث، تابعه: سفيان الثوري، وشعبة.
أما حديث سفيان: فأخرجه النسائي في (عمل اليوم والليلة) ١، وعبد الرزاق في (مصنفه) ٢، والحاكم في (المستدرك) ٣ - وأشار إليه البيهقي٤ - كلهم من طريق: سفيان، عن أبي هاشم، بالإسناد الماضي إلى أبي سعيد ﵁ أنه قال: "من قَرَأَ سورة الكهف كما أنزلت، ثم أدرك الدجال، لم يُسَلَّطْ عليه، أو لم يكن له عليه سبيل، ومن قرأ سورة الكهف كان له نوراً من حيث قرأها ما بينه وبين مكة". هذا لفظ النسائي، ونحوه لفظ عبد الرزاق، والحاكم، ووقع في أوله عند عبد الرزاق: "من توضأ ثم فرغ من وضوئه،
стр. 1352
ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. خُتِمَ عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش، فلا تكسر إلى يوم القيامة، ومن قرأ سورة الكهف ... ".
وهذا وإن لم يكن فيه النص على "يوم الجمعة"، إلا أنه في جملته يشهد لحديث هشيم الماضي، ويؤكد صحة من أتى به عنه موقوفاً، فقد اتفق عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن مهدي على روايته عن سفيان موقوفاً على أبي سعيد.
قال أبو عبد الله الحاكم: "حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وأما شعبة: فقد اختلف عليه فيه، فأخرجه النسائي في (اليوم والليلة) ١ من طريق: غندر، عن شعبة، به موقوفاً. وأخرجه النسائي٢ أيضاً، والطبراني في (الأوسط) ٣، والحاكم في (المستدرك) ٤، ثلاثتهم من طريق: يحيى بن كثير٥، عن شعبة به مرفوعاً. ولفظه بنحو لفظ حديث الثوري، إلا أن عندهم: " ... ومن قرأ بعشر آيات من آخرها، فخرج
стр. 1353
الدجال ... ". وعند الطبراني زيادة دعاء الوضوء الماضي في حديث الثوري.
قال النسائي عقبه: "الصواب في هذا الحديث موقوف"١. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث مرفوعاً عن شعبة إلا يحيى بن كثير". ومال الدارقطني إلى ترجيح الوقف أيضاً، فقال: " ... وقيل ... عن يحيى، عن شعبة مرفوعاً، ولم يثبت، ورواه غندر وأصحاب شعبة، عن شعبة موقوفاً"٢.
فَتَبَيَّنَ من ذلك صِحَّة رواية الوقف عن شعبة، وبذلك توافق رواية الثوري وهشيم المتقدمتين، ويترجح بذلك كون الموقوف عن أبي سعيد أصحّ.
فإذا ثبت أنَّ الصواب في هذا الحديث الوقف، فإنَّه يكون من قبيل المرفوع، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ومثله لا يقال من قبل الرأي، فله حكم المرفوع"٣.
هذا فيما يتعلق بحديث أبي سعيد.
وأما اللفظ الذي ذكره ابن القَيِّم ﵀، وهو: "من قَرَأَ سورة
стр. 1354
الكهف يوم الجمعة، سَطَعَ له نورٌ من تحتِ قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم القيامة، وغُفِرَ له ما بين الجمعتين". فليس هذا من حديث أبي سعيد كما هو المتبادر من كلام ابن القَيِّم، وإنما هو من حديث ابن عمر ﵄.
وقد عزاه ابن كثير في (تفسيره) ١ إلى ابن مردويه، فقال: "وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره - بإسناد له غريب - عن خالد بن سعيد بن أبي مريم٢، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه قال ... " فذكره، وقال: "وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف".
وأورده المنذري في (الترغيب والترهيب) ٣، قال: " ... بإسناد لا بأس به".
وترجيحُ الحافظ ابن كثير كونه موقوفاً لا يضره، بل يُقال فيه ما قيل في حديث أبي سعيد المتقدم: من أنه موقوف له حكم الرفع.
فالحاصل: أن حديثَ ابن عمر هذا يصلح شاهداً في الجملة لحديث أبي سعيد المتقدم، وبخاصة ما جاء في لفظ رواية نعيم بن حماد،
стр. 1355
عن هشيم عند الحاكم: "أضاء له من النور ما بين الجمعتين". فإنَّ كلاً منهما يشهد للآخر، ويتقوى به.
ويتلخص من ذلك: أن الحديثَ الذي أشارَ إليه ابنُ القَيِّم من رواية أبي سعيد صحيحُ الإسنادِ، إلا أنَّ الصوابَ فيه الوقفُ كما اختاره ﵀، ومع ذلك فإنَّ له حكم الرفع كما مضى. وله شاهدٌ من حديث ابن عمر، والراجحُ فيه الوقف أيضاً، فيكونُ هو الآخر في حكم المرفوع، وبمجموعهما يتأكد ثبوت الحديث، والله أعلم.
стр. 1356
٢٠- من كتاب التفسير
١ - باب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
١٢٣- (١) عن أُبَيِّ بن كعب ﵁، قال: "كُلُّ حرفٍ في القرآنِ في القُنُوتِ: فهو الطاعة ".
أورد ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث مستدلاً به على ما قاله من رَفْع ابن حبان الموقوفات، فقال: "كما رَفَعَ قولَ أُبَيِّ بن كعب ... وهذا لا يُشْبهُ كلام رسولِ الله ﷺ ، وغايته أن يكون كلام أُبَيٍّ"١.
قلت: هذا الحديث مداره على: دَرَّاج٢، عن أبي الهيثم٣، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعاً.
أخرجه أحمد، وأبو يعلى في (مسنديهما) ٤ من طريق: حسن بن موسى٥، عن ابن لهيعة، عن دَرَّاج به.
стр. 1357
وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) ١، وابن أبي حاتم في (تفسيره) - كما ساقه عنه ابن كثير٢ - كلاهما من طريق: ابن وهب.
وأخرجه الطبراني في (الأوسط) ٣ من طريق: رشدين بن سعد٤، كلاهما عن: عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج به.
ولفظه عند الجميع: "كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة". إلا أنه جاء عند الطبراني بلفظ: "كلُّ قنوت في القرآن فهو طاعة".
قال الطبراني عقب روايته: "لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا رشدين".
وهذا الحديث ضعيفٌ، ضَعَّفَهُ غير واحدٍ من الأئمة، وذلك أن مداره على دَرَّاج أبي السمح، وقد ضَعَّفه الأكثرون، فقال الإمام أحمد: "حديثه منكر"٥. وقال النسائي: "ليس بالقوي"٦. وقال مرة: "منكر
стр. 1358
الحديث"١. وقال الدارقطني: "ضعيف"٢ ومرة قال "متروك"٣. وقال فضلك الرازي: "ليس بثقة ولا كرامة"٤.
وضَعَّفَه الإمام أحمد، وأبو داود في روايته عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد خاصة٥.
وَوَثَّقَه مع ذلك: ابن معين٦، وابن حبان٧، وابن شاهين٨. وقال عثمان الدارمي: "صدوق"٩.
ويَتَبَيَّنُ من هذا أنَّ جانب الضَّعْفِ أقوى في حقِّ دَرَّاج هذا، وبخاصة في روايته عن: أبي الهيثم، عن أبي سعيد كما قال أحمد، وأبو داود. واختاره ابن حجر.
وهذا الحديث من روايته عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، فيكون ضعيفاً، ولذلك قال الحافظ ابن كثير ﵀:
стр. 1359
"في هذا الإسناد ضعفٌ، لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكرٌ، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم. وكثيراً ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها، فإن السند ضعيف"١. وهذا الكلام من ابن كثير ﵀ يؤكد أَنَّ الضعف فيه من دَرَّاج.
ومع ذلك، فإنَّ في أكثر طرق هذا الحديث من يُضَعَّف غير دَرَّاج هذا؛ ففي إسناد أحمد وأبي يعلى: "ابن لهيعة"، وليس الحديث من رواية أحد من العبادلة عنه، وفيه ضعف في غير روايتهم عنه، ولذلك قال الهيثمي: "وفي إسناد أحمد وأبي يعلى: ابن لهيعة، وهو ضعيف"٢.
أما إسناد الطبراني، ففيه: "رشدين بن سعد"، وهو ضعيف أيضاً.
وقال الشيخ الألباني: "ضعيف"٣.
فتلخص من ذلك: أنَّ هذا الحديث ضعيف الإسناد، وأنَّ رفعه لا يصحُّ، كما قال ابن كثير ﵀، واختاره ابن القَيِّم أيضاً.
فإذا تَبَيَّنَ ذلك، فإن لنا مع ابن القَيِّم ﵀ وقفات:
الأولى: في نسبته رفع هذا الحديث إلى ابن حبان، ولا أدري ما وجه ذلك؟ فقد شارك ابن حبان في روايته مرفوعاً جماعة، وفيهم من هو متقدم على ابن حبان.
стр. 1360
الثانية: لم يُنَبِّهْ ﵀ على ضعف إسناده، بل أشارَ - فقط - إلى رجحان وقفه، وهذا لا يُغْني عن بيان ضعف سنده.
الثالثة: نسبته هذا الحديث إلى أُبَيِّ بن كعب، وقد علمنا أنه مرويٌّ عن أبي سعيد ﵁، ولم أقف على من نسبه إليه غيره، ولم أجده من روايته بعد البحث، فلعله وَهِمَ في ذلك ﵀.
وقد أوردَ ابن كثير ﵀ هذا الحديث في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] .
ثم ذكر معاني ﴿قَانِتُونَ﴾ ، وأن اختيار ابن جرير: أنها بمعنى "مطيعون". وأن هذا القول يجمع الأقوال كلها، ثم أورد هذا الحديث في بيان معنى القنوت في القرآن، وذكر أنه لا يصح مرفوعاً كما تقدم من قوله، والله أعلم.
стр. 1361
٢١- من كتاب التوحيد والأسماء والصفات
١ - باب في علو الله - عزوجل - واستوائه على عرشه
١٢٤- (١) عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: كُنْتُ في البَطْحَاءِ في عِصَابِةٍ فيهم رسول الله ﷺ ، فَمَرَّتْ بهم سحابةٌ، فَنَظَر إليها، فقال: "ما تُسَمُّونَ هذه؟ " قالوا: السَّحَاب. قال: "والْمُزْن؟ " ١. قالوا: والمزن. قال: "والعَنَان؟ " ٢. قالوا: والعنان - قال أبو داود في حديثه: لم أَتْقنْ العنان جيداً - قال: "هل تدرون ما بُعْد ما بين السماء والأرض؟ ". قالوا: لا ندري. قال: "إنَّ بُعْدَ ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك" حتى عَدَّ سبع سموات "ثم فوق السابعة بحرٌ، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوْعَالٍ٣، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ أن هذا الحديث قد رُدّ بأن في إسناده "الوليد بن أبي ثور" وهو ضعيف، وبحديث أبي هريرة الذي رُوي بمعنى حديث العباس، ولكن جاء فيه أن ما بين الأرض والسماء خمسمائة سنة.
стр. 1362
ثم أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن ذلك: بأنَّ الوليدَ لم ينفرد به، بل تَابَعَهُ عليه جماعةٌ، منهم: إبراهيم بن طهمان، وعمرو بن أبي قيس، فلا تعلق على الوليد في ذلك.
وبأن معارضته بحديث أبي هريرة: فاسدةٌ؛ لأن الترمذيَّ ضَعَّفَهُ، وأنَّ جماعةً قالوا بعدم سماع الحسن من أبي هريرة١.
وساقه ﵀ مرة من طريق أبي داود، ثم قال: "حديث حسن صحيح"٢. وقال مرة: "رواه أبو داود بإسناد جيد"٣.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه في (سننيهما) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥، والدارمي في (الرد على بشر المريسي) ٦، وابن أبي شيبة في (العرش) ٧، وعلقه ابن خزيمة في (التوحيد) ٨، والآجري في (الشريعة) ٩، واللالكائي في (شرح اعتقاد أهل السنة) ١٠، والعقيلي في
стр. 1363
(الضعفاء) ١، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٢، كلهم من طريق: الوليد ابن أبي ثور٣، عن: سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة٤، عن الأحنف ابن قيس٥، عن العباس ﵁ به. واللفظ المذكور هو لفظ أبي داود، ومثله لفظ: ابن ماجه، وابن أبي شيبة، واللالكائي، والآجري، إلا أنه جاء عند ابن أبي شيبة: "ثمانية أملاك، أو أوعال". وأما الدارمي فقد وقع عنده: " ... بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وكذلك غلظ كل سماء". وكذا لفظ الإمام أحمد، وزاد: "وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء".
قلت: وفي هذا الإسناد الوليد بن أبي ثور، وقد ضَعَّفَهُ الأئمة: ذأحمد، وصالح جزرة، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن نمير٦. وقال العقيلي: "يُحَدِّث عن سماك بمناكير لا يتابع عليها"٧. وقال ابن حبان: "منكر الحديث جداً، في أحاديثه أشياء لا تشبه أحاديث الأثبات ... "٨.
стр. 1364
ولذلك فقد أعلَّ الحديثَ به: ابن الجوزي١ ﵀، والمنذري، فقال: "وفي إسناده: الوليد بن أبي ثور، ولا يحتجُّ بحديثه"٢.
ولكن الوليد بن أبي ثور لم ينفرد بروايته عن سماك، وإنما تابعه جماعةٌ كما تقدم من كلام ابن القَيِّم ﵀، فمن هؤلاء:
١- عمرو بن أبي قيس٣: أخرجه من طريقه: أبو داود في (سننه) ٤، والترمذي في (جامعه) ٥، وابن أبي عاصم في (السنة) ٦، وابن خزيمة في (التوحيد) ٧، وأبو الشيخ في (العظمة) ٨، واللالكائي في (شرح اعتقاد أهل السنة) ٩، من طرق، عن: عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة به، ولفظه عندهم كلفظ حديث أبي داود المتقدم من رواية الوليد بن أبي ثور، إلا أنه وقع عند أبي الشيخ: "والله ﵎ فوق ذلك بعلمه على العرش". ولم أر كلمة "بعلمه" إلا عنده.
стр. 1365
وعمرو بن أبي قيس: صدوق، لكن في حديثه بعض الخطأ، ويَهِمُ قليلاً١، ومثله لا بأس بحديثه في المتابعات، وقد قال الترمذي عقبه: "حديث حسن غريب".
٢- إبراهيم بن طهمان: أخرجه من طريقه: أبو داود في (سننه) ٢، والآجري في (الشريعة) ٣، والبيهقي في (الأسماء والصفات) ٤ ثلاثتهم من طريق: إبراهيم بن طهمان، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة به، ولفظه بنحو ما تقدم في حديث الوليد بن أبي ثور، وهذه متابعة جيدة- أيضاً - للوليد بن أبي ثور، عن سماك.
٣- شعيب بن خالد٥: أخرجه من طريقه: أحمد في (مسنده) ٦، وابن أبي شيبة في (العرش) ٧ عن محمد بن أبان. والحاكم في (المستدرك) ٨ عن إسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن:
стр. 1366
عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء١، عن عمه شعيب بن خالد، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن العباس بن عبد المطلب ﵁ به بإسقاط الأحنف بن قيس، ونَبَّهَ ابن أبي شيبة في حديثه على ذلك، فقال: "ولم يَذْكُر عبد الرزاق في حديثه الأحنف".
وقد أخرجه الحاكم٢ مرة أخرى بالإسناد نفسه، فذكر فيه الأحنف بن قيس! وقد وقع عندهم أن المسافة بين السماء والأرض خمسمائة سنة.
وهذه المتابعة في إسنادها يحيى بن العلاء الرازي، وقد كذبه بعضهم، ورمي بالوضع.
ولذا لما قال الحاكم عقبه: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"! تَعَقَّبَهُ الذهبي ﵀، فقال: "يحيى واهٍ". وقال ابن الجوزي ﵀ بعد أن أخرجه من طريق الإمام أحمد -: "هذا حديث لا يصحُّ، قال بعض الحفاظ: تَفَرَّدَ به يحيى بن العلاء، قال أحمد، هو كذاب يضع الحديث. وقال يحيى: ليس بثقة ... "٣. وقال الذهبي - بعد أن أخرجه أيضاً من طريق أحمد -: "ويحيى بن العلاء متروك الحديث"٤.
стр. 1367
فإذا عُرف حالُ هذه المتابعة، وأن مدارها على يحيى هذا، فإنَّه لا قيمةَ لها في تقوية رواية الوليد بن أبي ثور، إذ وجودها - والحالة هذه - كعدمها.
٤- شريك: وأشار إلى روايته الترمذي، فقال: "وروى شريك، عن سماك بعض هذا الحديث، وأوقفه ولم يرفعه".
قلت: أخرج رواية شريك هذه: ابن خزيمة في (التوحيد) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢ من طرق، عن شريك، عن سماك بإسناد الوليد ابن أبي ثور الماضي، إلى العباس ﵁ في قوله : ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] قال: "ثمانية أملاك، على صورة الأوعال، بين أظلافهم إلى ركبهم مسيرة ثلاث وستين سنة". وفي رواية ابن خزيمة: "قال شريك مرة: ومناكبهم ناشبة بالعرش".
قال أبو عبد الله الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي! وفيه نظر؛ فإن عبد الله بن عميرة لم يخرج له مسلم كما تَقَدَّم في ترجمته.
فهذه المتابعاتُ للوليد بن أبي ثور يزول بها ما يخشى من التَّفَرُّدِ في هذا الحديث عن سماك بن حرب.
стр. 1368
ولكن هل يصحُّ إسناد هذا الحديث بعد وجود هذه المتابعات؟ كلاّ فإنه لا يزال مُعَلاًّ.
وبيان ذلك: أن مدار هذا الحديث على عبد الله بن عميرة، وقد تَفَرَّد عنه سماك بن حرب، لم يرو عنه أحد غيره، ولم يوثقه مع ذلك أحد إلا ابن حبان١، وذكره ابن أبي حاتم في كتابه، فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً٢. ولذلك قال عنه إبراهيم الحربي: "لا أعرفه"٣ وقال الذهبي: "فيه جهالة"٤. وقال مرة: "لا يعرف"٥. وتوثيق ابن حبان هنا لا ينفعه شيئاً، لما عرف من عادته في توثيق المجهولين، علماً بأنه قد اشتبه عليه رجل بآخر؛ فإنه جعل "عبد الله بن عميرة القيسي أبا المهاجر"، هو نفسه "عبد الله بن عميرة الكوفي" الذي معنا، وهما عند البخاري٦، وابن أبي حاتم٧ اثنان، فلينظر في ذلك. وقد قال فيه الحافظ ابن حجر "مقبول" يعني: حيث يُتَابع، ولم يتابع هنا، فهو لين الحديث.
فالحاصلُ: أن الرَّجُلَ مجهول، وبذلك أَعَلَّ الذهبي الحديث، فقال: "تَفَرَّدَ به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة"٨.
стр. 1369
فإذا أُضِيف إلى ذلك: تَفَرُّدُ سماك عنه، كانت تلك عِلَّة أخرى، فقد قال الإمام النسائي ﵀ في حق سماك: "إذا انفرد بأصل لم يكن حُجَّةً؛ لأنَّهُ كان يُلَقَّنُ فيتلقن"١. وقال يعقوب بن شيبة: "ومن سمع منه قديماً، مثل: شعبة وسفيان فحديثهم عنه صحيح مستقيم"٢. وليس هذا الحديث من رواية واحد من هؤلاء القدامى عن سماك، وكان قد اختلط بآخره كما مَرَّ.
وثمةَ عِلَّةٌ أخرى في هذا الإسناد أيضاً، قال البخاريُّ ﵀ في ترجمة عبد الله بن عميرة هذا: "لا نعلم له سماعاً من الأحنف"٣. فإذا ثبت ذلك، فإنه يكون منقطعاً.
وأيضاً قد اختلف في ألفاظ هذا الحديث، فروى "إما واحدة، أو اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة" وروي: "خمسمائة سنة" وروي: "ثلاث وستين سنة". ووقع عند أبي الشيخ: "والله فوق ذلك بعلمه ... " وغيره لا يذكر هذه اللفظة. هذا مع رواية بعضهم له عن سماك موقوفاً، وهذا لا شك اختلاف يورث ضعفاً في الحديث.
فتلخص من ذلك: أن هذا الحديثَ ضعيفُ الإسنادِ، لا يثبت مثله، ولم يُصِبْ ابنُ القَيِّم ﵀ في تصحيحه إياه أو حتى تحسينه؛ إذ قد تَبَيَّن من خلال هذه الدراسة أن الأمرَ على خلاف ذلك،
стр. 1370
وقد ضَعَّفه الذهبي كما مضى، وضَعَّفَ ابن الجوزي بعض طرقه١، وأورده العقيلي في (ضعفائه) ٢ في ترجمة ابن عميرة، ونقل كلام البخاري في عدمِ سماعه من الأحنف. وقال الشيخ الألباني: "إسناده ضعيف"٣ والله أعلم.