المبحث الثاني: أسرته ونشأته الأولى
لاشك أن لأسرة الرجل وأهل بيته دوراً كبيراً في تكوينه الخُلُقِي، وتنشأته وتوجيهه، وذلك بحسب ما يكون عليه أفرادها من أخلاق وقيم وعادات، وبحسب ما يولون أولادهم من عناية ورعاية واهتمام.
فإن الأسرة التي يغلب على أفرادها الصلاح والتمسك بتعاليم الإسلام وتقوى الله عزوجل، ينشأ أولادها - في الغالب - كذلك، وإذا كان الأمر على خلاف ذلك، فقلَّ أن يرجى من أبناء هذه الأسرة خير.
من أجل ذلك، كان علينا - ونحن نصف حياة ابن القَيِّم - أن نتعرف على أسرته وأهل بيته، الذين كان لهم الفضل الأكبر - بعد الله سبحانه - في توجيهه الوجهة الصحيحة، وسلوكه طريق العلم وأهله.
ولم يتيسر لي الوقوف على شيء من أخبار هذه الأسرة عن طريق ابن القَيِّم نفسه؛ إذ لم يتعرض لشيء من ذلك - فيما أعلم - مثلما يفعل بعض العلماء، غير أنه أمكن التقاط بعض تلك الأخبار عن هذه الأسرة من خلال بعض الكتب التي تُعنى بالحوادث والتاريخ، وعلى رأسها: (البداية والنهاية) لابن كثير ﵀ تلميذ ابن القَيِّم، وصاحبه المقرب- فقد ذكر جملة من الأخبار عنهم، كما كان للشيخ الفاضل بكر بن عبد الله أبي زيد - حفظه الله - فضل السبق في ذلك؛ إذ ذكر طرفاً من أخبار هذه الأسرة المباركة١.
стр. 72
وَالِدُهُ:
هو الشيخ: أبو بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، الحنبلي، قَيِّم المدرسة (الجوزية) بدمشق، كما مضى ذكر ذلك.
أما عن أخلاقه وعبادته: فيقول ابن كثير ﵀: "كان رجلاً صالحاً، متعبداً، قليل التكلف، وكان فاضلاً"١.
وقد جاء أنه ﵀ اشتهر بكثرة عبادته، ولذلك ترجمه ابن كثير بقوله: "الشيخ العابد: أبو بكر". ولا شك أن ذلك كان له أثر كبير على ولده ابن القَيِّم ﵀، فأخذ عنه كثرة عبادته، كما سيأتي ذكر ذلك عنه إن شاء الله.
وأما عن طلبه للعلم: فيقول ابن كثير ﵀: "سمع شيئاً من دلائل النبوة على الرشيدي العامري"٢.
ولا شك أن عمله في قوامة المدرسة الجوزية والقيام بشأنها، قد أتاح له أن يحيا في جو علمي، وأن يكون على اتصال دائم بالعلم وأهله، وبخاصة أن هذه المدارس كان يوضع في وظيفة التدريس بها أكابر العلماء وأفاضلهم.
وأما عن علومه وإفاداته: فقد كان بارعاً في علم الفرائض، بل كان له فيها اليد الطولى، حتى إن ابنه - ابن القَيِّم - تلقاها عنه، ودرسها عليه٣.
стр. 73
وفاته:
توفي ﵀ فجأة ليلة الأحد، تاسع عشر ذي الحجة، من سنة (٧٢٣هـ) ، وذلك بالمدرسة الجوزية مقر عمله، وصُلِّيَ عليه بعد الظهر من الغد بالجامع - يعني الجامع الأموي- ودفن بباب الصغير١٢.
ولأجل سيرة الوالد الحسنة، وأخلاقه الفاضلة، فقد اكتسب حب الناس ومودتهم، فلما مات ﵀ "كانت جنازته حافلة، وأثنى عليه الناس خيراً"٣.
وعلى هذا، فإن ابن القَيِّم ﵀ كان عند وفاة أبيه في أواسط عمره، وريعان شبابه، إذ كان آنذاك في الثانية والثلاثين من العمر، وبذلك يكون ﵀ قد نال حظاً وافراً من رعاية والده وعنايته قبل رحيله عن الحياة الدنيا.
فرحم الله أبا بكر - قيم الجوزية - رحمة واسعة، فقد جمع بين: حسن الخلق، والصلاح والعبادة، مع الاشتغال بالعلم ونشره، مما كان له أكبر الأثر على حياة الولد - ابن القَيِّم - حيث جمع هذه الصفات كلها وزيادة، كما سيأتي الكلام على ذلك.
стр. 74
َأخُوه:
وقد بورك للشيخ أبي بكر في ذُرِّيَّتِه وبنيه، فكان لابن القَيِّم أخ يصغره بحوالي عامين، وكان هو الآخر من المشتغلين بالعلم.
ولا عجب في ذلك، فإن أباهما كان من أهل العلم-كما سلف- فحبب الله ذلك إلى بنيه، مع ما كان يمارسه الأب من حسن التوجيه، وجميل التربية.
أما عن هذا الأخ، فهو: الشيخ القدوة، أبو الفرج، عبد الرحمن بن أبي بكر بن أيوب ... مولده سنة (٦٩٣هـ) ١ بعد أخيه ابن القَيِّم بحوالي عامين.
وقد ذكره ابن رجب الحنبلي في (مشيخته) ٢، وقال: "سمعت عليه كتاب (التوكل) لابن أبي الدنيا، بسماعه على الشهاب العابر٣. وتفرد بالرواية عنه"٤.
وقال ابن حجر: "تفرد بالرواية عن الشهاب العابر"٥.
توفي ﵀ ليلة الأحد، عشرين من ذي الحجة سنة (٧٦٩هـ) ، ودفن بباب الصغير٦. وقد كَمُلَ له من العمر ست وسبعون سنة، فتكون وفاته قد تأخرت عن ابن القَيِّم أخيه بحوالي ثماني عشرة سنة.
стр. 75
أولادُه:
ولما كانت هذه الشجرة المباركة الطيبة، ثابتة الأصول ضاربة بجذورها الخيرة إلى أعماق بعيدة، فقد كانت دائمة الأُكُل، مستمرة العطاء.
فقد رزق الله ابن القَيِّم ﵀ أولاداً صالحين، عالمين عاملين، فكانوا خير خلف لخير سلف.
وممن وقفت على تراجمهم وبعض أخبارهم من هؤلاء الأبناء:
١- عبد الله، الفقيه الفاضل الْمُحَصِّل، جمال الدين، ابن الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية.
مولده سنة (٧٢٣) ١، وهي سنة وفاة جده أبي بكر.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "الشيخ ... الفاضل المحصل، جمال الدين عبد الله بن العلامة شمس الدين ... كانت لديه علوم جيدة، وذهنه حاضر خارق، أفتى ودَرَّسَ وأعاد وناظر، وحج مرات عديدة، ﵀ وَبَلَّ بالرحمة ثراه"٢.
وقال ابن حجر: " ... اشتغل على أبيه وغيره، وكان مفرط الذكاء، حفظ سورة الأعراف في يومين، ثم دَرَسَ (المحرر) في الفقه،
стр. 76
و (المحرر) في الحديث ... ومهر في العلم، وأفتى ودَرَّسَ، وحج مراراً ... قال ابن رجب: كان أعجوبة زمانه"١.
وقال ابن حجر أيضاً: "صلى بالقرآن سنة ٧٣١هـ"٢. فيكون ﵀ قد حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين.
وأما وظائفه العلمية التي شغلها: فإنه قد دَرَّسَ (بالصدرية) عقب وفاة أبيه، قال ابن كثير ﵀: "وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر شعبان - يعني من سنة ٧٥١هـ، بعد وفاة أبيه بشهر - ذكر الدرس بالصدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية عوضاً عن أبيه ﵀، فأفاد وأجاد، وسرد طرفاً صالحاً في فضل العلم وأهله"٣.
كما أنه ﵀ قد اشتغل بالخطابة؛ قال الحافظ ابن كثير: "وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول أقيمت جمعة جديدة بمحلة الشاغور بمسجد هناك يقال له: مسجد المزار، وخطب فيه جمال الدين عبد الله بن الشيخ شمس الدين ابن قَيِّم الجوزية ... "٤.
كما ذكر النعيمي في ترجمته أنه كان خطيباً في (جامع سليمان) وأنه أول من خطب به٥.
стр. 77
توفي ﵀ شاباً، وذلك سنة (٧٥٦هـ) وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة. "وكانت جنازته حافلة" ودفن عند أبيه بالباب الصغير١، فرحمه الله رحمة واسعة.
٢- إبراهيم، العالم الفقيه، برهان الدين، أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن أبي بكر.
ذكر ابن رافع أن مولده سنة (٧١٦هـ) ٢، ووافقه على ذلك: ابن حجر٣ ﵀، وكذا قال الشيخ بكر أبو زيد٤.
وذكر الحافظ الذهبي أن مولده سنة: "بضعة عشرة وسبعمائة"٥.
وأما الحافظ ابن كثير، فقد ذكر عمره حين وفاته، فقال: "بلغ من العمر ثمانياً وأربعين سنة"٦. وإذا اعتبرنا ذلك بتاريخ وفاته - الذي اتفقوا على أنه كان سنة ٧٦٧هـ - فيكون وقت ولادته هو سنة (٧١٩هـ) ، وبه جزم صاحب (منادمة الأطلال) ٧، ولعله استظهره من كلام ابن كثير ﵀، وهذا يعارض ما تقدم من أنه ولد سنة
стр. 78
(٧١٦هـ) ، ولعل الحافظ ابن كثير يكون أعرف به من غيره؛ إذ كان على صلة به ومعرفة، والله أعلم.
قال الذهبي ﵀: "قرأ الفقه والنحو على أبيه، وسمع وقرأ وتَنَبَّه وسَمَّعَه أبوه من الحجَّار"١.
وقال الحافظ ابن كثير: "كان بارعاً فاضلاً في النحو والفقه وفنون أخر على طريقة والده، رحمهما الله تعالى، وكان مدرساً بالصدرية، والتدمرية، وله تصدير٢ بالجامع، وخطابة بجامع ابن صلحان"٣.
وقال ابن رافع: "طلب الحديث وقتاً، وتَفَقَّه، واشتغل بالعربية، وشرح ألفية ابن مالك"٤.
وقال ابن قاضي شهبة: "وكان له أجوبة مسكتة"٥.
وذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أنه ولي تدريس الحنابلة في مشيخة دار الحديث التي فتحت بدرب القبلي، وذلك في جمادى الأولى من سنة (٧٦٥هـ) ٦.
стр. 79
وبعد عمر حافل بالجد والعطاء، وحياة علمية مزدهرة مشرقة، توفي هذا الإمام البارع، ابن الإمام العلامة، وذلك في يوم الجمعة مستهل صفر من سنة (٧٦٧هـ) ١. "وحضر جنازته القضاة والأعيان، وخلق من التجار والعامة، وكانت جنازته حافلة"٢.
وقد كان - مع هذا العلم والفضل - ذا مال ونعمة، فقد "ترك مالاً جزيلاً يقارب المائة ألف درهم"٣. فرحمه الله رحمة واسعة.
ومن هذا العرض لأسرة ابن القَيِّم ﵀ نعلم أن النشأة الأولى كانت طيبة، في جو تسوده الرعاية الدينية الصحيحة، والتربية الإسلامية القويمة، والقدوة الحسنة الرشيدة. فلا عجب إذن أن نجد ابن القَيِّم ﵀ ينشأ هذه النشأة السوية في هذه البيئة الطيبة المباركة.
ثم كانت البركة في أسرة ابن القَيِّم مستمرة، فكان أولاده من أهل العلم الأفاضل، الذين بذلوا في خدمته أعمارهم، فكانوا أعلاماً بارزين على طريق البذل والعطاء، كما كان أبوهم من قبلهم، فرحم الله هذه الأسرة الكريمة المباركة، وأسكنها فسيح الجنات، آمين.
стр. 80
المبحث الثالث: أخلاقه وصفاته الشخصية
إن أول ما يلمسه المرء ويحسه - وبخاصة إذا كان ممن عَرَفَ ابن القَيِّم، وعاش مع تراثه الممتع النافع - أنه أمام عالم عامل، وداعية مخلص صادق، ومربٍ فاضل، أفنى عمره في محاربة كل شر ورذيلة، والدعوة إلى التخلق بكل خير وفضيلة.
فلم يكن ابن القَيِّم ﵀ ممن يتكسبون بدعوتهم، أو يطلبون بها عرضاً زائلاً - كما كان حال البعض في عصره - وإنما كان صاحب رسالة سامية، عاش حياته مبلغاً لها ومنافحاً عنها.
فلا عجب إذن أن يكون على درجة عالية من الأخلاق الفاضلة، والخلال الحميدة، بشهادة كل من عايشه وسعد بصحبته، فقد كان (الغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة) كما وصفه بذلك تلميذه ابن كثير رحمه الله١.
كما لا يفوتنا التنبيه على أن هذه الأسرة الطيبة التي نشأ ابن القَيِّم بين أحضانها، وما لقيه منها من رعاية وحسن توجيه - وخاصة والده الذين قدمنا طرفاً من سيرته العطرة - كان لها أكبر الأثر في تحلي ابن القَيِّم ﵀ بجميل العادات، ومحاسن الأخلاق، كما سبق التنبيه على ذلك.
ويمكن لنا أن نسجل بعض هذه الصفات التي كان متخلقاً بها،
стр. 81
وذلك من خلال شهادة تلاميذه، وأصحابه ومن عرفوه، وكذا من خلال ما يظهر من مطالعة سيرته ومؤلفاته، فلعل ذلك يكون باعثاً على التحلي بمثل أخلاق هذا الإمام الفاضل.
فمن هذه الصفات:
١ـ حسن العشرة، وكثرة التودد إلى الناس والتَّحَبُّب إليهم، لاسيما أهل الفضل والصلاح منهم، فكان الحافظ ابن كثير - مثلاً - من (أحب الناس إليه) كما حكى هو كذلك١.
٢ـ كَفُّ الأذى عن الخلق، فكان ﵀ "لا يحسد أحداً، ولا يؤذيه، ولا يستعيبه، ولا يحقد على أحد". كما قال ذلك أصحب الناس له: ابن كثير٢ ﵀.
هكذا كان ابن القَيِّم متحبباً إلى الناس متجملاً معهم، كَافّاً أذاه عنهم؛ لأنه ﵀ كان يعلم أن حسن الخلق هو: (طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى) . فإنه قد نقل ذلك عن عبد الله بن المبارك ﵀، شارحاً به حسن الخلق وموضحاً معناه٣. فرحم الله ابن القَيِّم: الذي عَلِمَ، فتخلق بهذا العلم وعمل به، ثم دعا إليه ونشره بين الناس.
٣ـ شِدَّةُ محبته للعلم، وكتابته، ومطالعته. كما وصفه بذلك تلميذه ابن رجب٤ ﵀.
стр. 82
وكيف لا يكون شديد الحب للعلم، شديد التعلق به، وهو القائل: "النَّهْمَةُ١ في العلم، وعدم الشبع منه من لوازم الإيمان، وأوصاف المؤمنين"٢.
٤ـ جِدُّهُ واجتهاده ﵀ في تحصيل ما نذر نفسه لتحصيله من هذا العلم الشريف، وإنفاق أيام العمر وسِنِيِّه في ذلك، بحيث وصف بـ "كثرة الطلب ليلاً ونهاراً"٣.
٥ـ جرأته ﵀ وصلابته في دين الله، وصدعه بالحق؛ فلم يكن يحابي أحداً فيما يعتقد أنه الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم، مع ما سببه ذلك له من محن وإيذاء كما سيأتي. قال الإمام الشوكاني في وصفه إياه: " ... صادعاً بالحق لا يحابي فيه أحداً"٤.
٦ـ تجرده ﵀ في أبحاثه العلمية من كل هوًى نفسي، أو غرض ذاتي شخصي، وإنما كان يبتغي الوصول إلى الحق والصواب، ولو ظهر هذا الحق على لسان غيره.
فمن ذلك: أنه صوّب إثبات (الواو) في قوله ﷺ : "إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" ثم قال: "فهذا ما ظهر لي في هذه اللفظة، فمن وجد شيئاً فليلحقه بالهامش، فيشكر الله له، وعباده سعيه، فإن المقصود: الوصول إلى الصواب، فإذا ظهر وضع ما عداه تحت الأرجل"٥.
стр. 83
٧ـ تَوَاضُعُه وإنكاره لِذاتِهِ، واستصغاره لنفسه وعلمه، من ذلك: ما نجده في أكثر كتبه من تصريحه بقلة بضاعته في هذا الشأن، مع إسناده الصواب في ذلك إلى الله، وأن ذلك من فضله وتوفيقه، وإسناده الخطأ والنقص إلى نفسه١.
هذا ما يقوله، مع ما عرف عنه من جودة تصانيفه، وكثرة إفاداته، وغزارة علمه ﵀.
٨ - صَبْرُهُ ﵀ على الأذى والْمِحَن والابتلاء في ذات الله سبحانه، دون جزع أو ضَجَر، فكم عانى من ألم السجن ومرارة الحبس، فكان يقابل كل ذلك صابراً محتسباً، بل "كان في مدة حبسه مشتغلاً بتلاوة القرآن بالتَّدَبُّرِ والتَّفَكُّرِ، فَفُتِح عليه من ذلك خير كثير ... " كما يقول ابن رجب٢ ﵀، فانقلبت بذلك محنته إلى منحة، وسجنه إلى خلوة للتعبد والمناجاة. وهذا - لا شك - دال على شجاعته ﵀، تلك الخصلة التي وصفها مرة بقوله: "الشجاعة: ثبات القلب عند النوازل"٣. ولما كانت الشجاعة - بهذا المعنى - "خلقاً كريماً من أخلاق النفس"٤، فقد كان ﵀ متخلقاً بها متحلياً بفضائلها.
وأخيراً، فإنه ليس بغريب على مثل ابن القَيِّم ﵀ أن يجمع بين هذه الأخلاق الفاضلة، ويتحلى بكل هذه الخلال الحميدة، ذلك
стр. 84
أن "الأخلاق الفاضلة تتلازم وتتصاحب غالباً"١ كما يقول ابن القَيِّم نفسه.
ومع ذلك، فإن ما ذكرناه هنا ما هو إلا طرف يسير مما يتحلى به هذا الإمام الفاضل، والمربي القدوة من أخلاق حسنة، ومن شاء أن يقف على المزيد من فضائله، ومكارم أخلاقه، ومحاسن طباعه: فعليه بمؤلفاته وكتبه، فإن ما رسمه فيها من منهج متكامل لما ينبغي أن يتخلق به المسلم الحق في دينه ودنياه، لم يكن إلا صورةً حقيقية، ومرآة صادقة لأخلاقه ﵀، فما من خلة حميدة أو خلق فاضل دعا إليه، إلا وهو متخلق به، عامل بمقتضاه كما تقدم بيان شيء من ذلك، وكما سيأتي في الكلام على زهده وعبادته ﵀.
стр. 85
المبحث الرابع: زهده زعبادته
...
المبحث الرابع: زهده وعبادته
إنَّ في حياة العلامة ابن القَيِّم وسلوكه جانباً آخر- غير ما سبق - وهو جانب: اجتهاده مع مولاه، وخوفه منه ورجائه إياه، وسعيه في تحصيل رضاه، واستعداده ليوم لقاه.
فإن (من يقرأ مؤلفات ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى - وبخاصة كتابه (مدارج السالكين) - يخرج بدلالة واضحة: على أن ابن القَيِّم –رحمه الله تعالى– كان لديه من عمارة قلبه باليقين بالله والافتقار والعبودية، والاضطرار، والإنابة إلى الله، الثروة الطائلة، والقدح الْمُعَلَّى في جَوِّ العلماء العاملين، الذين هم أهل الله وخاصته.
وأن لديه من الأشواق والمحبة التي أخذت بمجامع قلبه - لا على منهج المتصوفة الغلاة، بل على طريق السلف الصالح - ما عمر قلبه بالتعلق بالله في السِّر والعلن، ودوام ذِكْرِهِ، وأن العبادة حَلَّت منه محل الدواء والمعالجة، وترويض النفس"١.
فلقد عَمَرَ ابن القَيِّم ﵀ ما بينه وبين الله سبحانه، بالاجتهاد في العبادات والطاعات، كما عَمَر ما بينه وبين الناس بحسن الخلق، والاتصاف بجميل العادات، فكان بذلك خير مثال للعلماء الصادقين، الذين جمعوا بين العلم والعمل.
стр. 86
نعم، لقد شَمَّر ابن القَيِّم ﵀ عن ساعد الجد في العبادة ليلاً ونهاراً، حتى قال عنه أقرب الناس إليه، وأعرفهم به، وأصحبهم له - وهو الحافظ ابن كثير -: "ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادة منه"١.
وفيما يلي طرفٌ مما حكاه بعض من شاهد أحواله في ذلك:
١ـ طول صلاته وقيامه بين يدي الله سبحانه، وطول ركوعه وسجوده: فقد وُصِفَ –﵀ بطول الصلاة "إلى الغاية القصوى"٢.
وكانت طريقته ﵀ في الصلاة: أنه (يطيلها جداً، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا يَنْزِع عن ذلك ﵀"٣.
وكيف يَنْزِع عن ذلك، أو يُقْلِع عنه، وقد وجد راحة نفسه، وطمأنينة قلبه، والأنس بمحبوبه في طول الوقوف بين يديه سبحانه، وكثرة المناجاة له؟ وكيف يُقْلِع عن ذلك وهو يرى أن (من لم تكن قرة عينه في الصلاة، ونعيمه وسروره ولذته فيها، وحياة قلبه وانشراح صدره"٤، فأولى به أن يكون من السُّرَّاق في صلاتهم، الذين ينقرونها نقراً.
стр. 87
٢ـ تهجده وقيامه الليل: فقد قال عنه ابن رجب ﵀: "كان ذا عبادة وتهجد"١.
وكيف بهذا العالم الرباني يغفل عن قيام الليل، أو يتوانى في ذلك، وقد علم أنه (وَقْتُ قَسْمِ الغَنَائم) ٢، فأسهر ليله، ووقف بين يدي مولاه والناس نيام حتى يكون يوم القيامة من الآمنين، وفي الموقف من المطمئنين؛ فإن من "سَبَّح الله ليلاً طويلاً، لم يكن ذلك اليوم ثقيلاً عليه، بل كان أخفَّ شيء عليه"٣. كما يقول هو ﵀.
ويقرر ﵀ أن في قيام الليل الكثير من الفوائد التي تعود على المسلم بالخير في صحته وبدنه؛ فإن قيام الليل "من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب"٤.
٣ـ كثرة ابتهاله وتضرعه ودعائه: فقد وصفه ابن كثير ﵀ بـ (كثير الابتهال) ٥. وقد وُصِفَ أيضاً بـ "الافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطِّراح بين يديه على عتبة عبوديته"٦ بحيث لم يشاهد مثله في ذلك.
стр. 88
٤ـ ملازمته ﵀ لذكر الله واستغفاره: بحيث كان ذا (لَهَجٍ١ بالذكر ... والإنابة والاستغفار"٢.
ومما يذكر عنه في ذلك أيضاً: أنه كان إذا صلى الفجر يجلس مكانه يذكر الله - تعالى - حتى يتعالى النهار جداً، وكان إذا سُئِل عن ذلك يقول: هذه غَدْوَتِي٣، ولو لم أَتَغَدّ هذه الغدوة سقطت قواي٤. وقد ذكر هو ﵀ عن شيخه ابن تَيْمِيَّة مثل ذلك٥ فلا مانع أن يكون هذا الفعل ثابتاً عنهما رحمهما الله.
وحريّ بمثل ابن القَيِّم أن يحرص على الذكر، ويكثر منه ولا يفارقه، ويجد فيه راحة قلبه؛ وذلك أنه عرف منزلة ذكر الله وفوائده الجمة، حتى أخبر ﵀ أن (في الذكر أكثر من مائة فائدة"٦. ثم ساق من هذه الفوائد نيفاً وتسعين فائدة٧.
فرحم الله ابن القَيِّم، ذاك الذي كان مثلاً صادقاً للعلماء العاملين.
стр. 89
٥ـ قراءة القرآن بالتدبر والتفكر: فقد كان ﵀ لا يفتر عن ذلك حتى في أوقاته الحرجة، ويصف تلميذه ابن رجب ﵀ حاله في السجن، فيقول: "وكان في مدة حبسه مشتغلاً بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر"١.
ولأجل ما كان عليه في ذلك من التدبر والتفكر في كتاب الله، فإن تلميذه ابن رجب لم ير "أعرف بمعاني القرآن ... منه"٢.
٦ـ حرصه ﵀ على أداء الحج مرات وكرات: فقد (حج مرات كثيرة، وجاور بمكة"٣.
وفي أثناء مجاورته بمكة كان مشتغلاً بالعبادة لا يفتر، حتى إن أهل مكة كانوا "يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمراً يُتَعَجَّب منه"٤.
ويصف هو ﵀ شيئاً من عبادته وخضوعه لربه أثناء مقامه بمكة، وذلك عند كلامه على تأليف كتابه (مفتاح دار السعادة) فيقول: "كان هذا من بعض النزل والتُّحف التي فتح الله بها علي حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكيناً ذليلاً، وتعرضي لنفحاته في بيته وحوله بكرة وأصيلاً"٥.
стр. 90
وكيف لا يكثر ابن القَيِّم من أداء الحج وهو يصف تلبية الحجيج بأنها (إجابة محب لدعوة حبيبه ... وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه وأحظى"١.
فلم يكن ابن القَيِّم في كثرة حجه، وزيارته لبيت الله الحرام، إلا مجيباً دعوة حبيبه ومولاه.
ومع كل هذا الذي كان عليه ابن القَيِّم ﵀ من الجد في العبادة، وبلوغه في ذلك رتبة عَلِيّة، فقد كان يتهم نفسه بالتقصير في حق مولاه، ويشكو كثرة ذنوبه وخطاياه! وهذا من كمال تواضعه وشدة خوفه من الله.
وقد وصف شيئاً من ذلك في قصيدة٢ له يُذَكِّر فيها نفسه، أولها:
بُنَيُّ أبي بكرٍ كثيرٌ ذُنُوبُهُ ... فَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَالَ مِنْ عِرْضِهِ إِثْمُ
بُنَيُّ أبي بكر جَهُولٌ بِنَفْسِهِ ... جَهُولٌ بِأَمْرِ الله، أَنَّى له العِلْمُ؟!
بُنَيُّ أبي بكر غدا مُتَصَدِّرَاً ... يُعَلِّمُ عِلْمَاً وَهُو لَيْسَ ُلهُ عِلْمُ
بُنَيُّ أبي بكر غَدَا مُتَمَنِّيَاً ... وِصَالَ الْمَعَالِي وَالذُّنُوبُ له هَمُّ
إلى آخر هذه القصيدة التي تبين خوفه ورجاءه وتضرعه لربه، مع ما كان عليه من الجد في العبادة ﵀.
стр. 91
وأما زهده: فقد وصف بأنه أزهد أصحاب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة رحمه الله١.
ولعل مما يدل على زهده ﵀ وتقلله من الدنيا، وعدم حرصه عليها ما ذكر في سبب تأليف كتابه (تحفة المودود) ، وهو: أن الله - عزوجل - قد رزق ابنه إبراهيم مولوداً، ولم يكن عند والده - ابن القَيِّم - في ذلك الوقت ما يقدمه لولده من متاع الدنيا، فصنف هذا الكتاب وأعطاه إياه، وقال له: "أُتْحِفكُ بهذا الكتاب إذ لم يكن عندي شيء من الدنيا أعطيك"٢.
فهكذا كان ابن القَيِّم ﵀ في عبادته وزهده وخشوعه وانكساره وخوفه وإنابته إلى ربه سبحانه، كان في ذلك كله نِعْمَ القدوة، وأصدق المثلٍ للسائرين إلى ربهم والدار الآخرة، فرحم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وطَيَّبَ ثراه، وجعل الجنة داره ومثواه، آمين.
стр. 92
المبحث الخامس: نُبْل أهدافه ونقاء آرائه
تَقَدَّمَ أن ابن القَيِّم ﵀ كان قد عاش في بيئة يسودها كثير من الفساد الديني والأخلاقي، وتنتشر فيها عادات اجتماعية متردية، وتروجُ فيها أفكارٌ ونِحَلٌ منحرفةٌ مع انتسابها - زُوراً - للإسلام.
وشاء الله وله الحمد - أن يشرح صدر ابن القَيِّم للمنهج الحق، وأن يريه الطريق المستقيم، وأن يُحَبِّبَ إلى قلبه التمسك بالكتاب والسنة دون سواهما.
وكان من توفيق الله - عزوجل - أن هيَّأ له أستاذاً فاضلاً، وعلماً شامخاً، وعالماً نِحْرِيراً مجاهداً، وهو: شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة ﵀، الذي كان سبقه إلى سلوك هذا السبيل، فكان له - بعد توفيق الله - خير القدوة، ونعم المرشد؛ فقد لازمه ابن القَيِّم ﵀ منذ عودته من الديار المصرية إلى دمشق سنة (٧١٢هـ) ، إلى أن توفي الشيخ ﵀ في سنة (٧٢٨هـ) ١، حتى صار من أصحب الناس له، وألصقهم به ومن أخصِّ تلاميذه والْمُقَرِّبِين إليه، ولقد تَمَكَّنَت محبةُ الشيخ من قلب تلميذه ابن القَيِّم ﵀، فكان لا يفارقه أبداً، حتى إنه كان محبوساً معه في القلعة إلى أن مات الشيخ ﵀.
وهكذا كان لابن تَيْمِيَّة ﵀ أثرٌ كبيرٌ؛ بل أكبر الأثر في حياة ابن القَيِّم ﵀: توجيهاً وتعليماً، وتربيةً وإرشاداً؛ فقد أخذ عنه
стр. 93
عِلماً غزيراً، واستفاد منه منهجاً قويماً في حياته ودعوته - (مع ما سلف له من الاشتغال) ١، والتحصيل - حتى حَمَل الراية من بعده، وسار على الدَّرْبِ نفسه، داعياً للرجوع إلى الكتاب والسنة، والتمسك بهديهما، وفتح الله عليه في ذلك الفتح المبين، فكان - ولا يزال - مِشْعَلَ خير ونور، هدى الله به الكثيرين إلى صراطه المستقيم٢.
فلعلها (سرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تَيْمِيَّة في السراء والضراء، والقيام معه في محنه، ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه) ٣. كما يقول الإمام الشوكاني ﵀.
كانت تلك إلماحة سريعة إلى أبرز العوامل التي هيأها الله - سبحانه - لابن القَيِّم في هذه البيئة المظلمة، فكانت أكبر عون له على الصمود في وجه تلك التحديات.
ولا بد لنا -بعد ذلك- أن نبرز الأهداف التي تَبَنَّاها ابن القَيِّم ﵀، وكان يسعى لتحقيقها، تلك الأهداف التي كانت محور دعوته، ولبَّ رسالته، التي عاش مجاهداً من أجل تحقيقها، حتى لقي الله - عزوجل- على ذلك، وهذه الأهداف وإن تنوعت وتعددت، فإنها تدور في مجملها حول محور واحد وغاية عظمى، ألا وهي: الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة ومحاربة البدعة.
стр. 94
ومن أبرز تلك الأهداف النبيلة والآراء السديدة:
أولاً: الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة، والعمل بهما، والتحاكم إليهما عند التنازع، ونبذ ما يخالف ذلك من الآراء والأقوال، فتجعل نصوص الوحي المنزل حكماً على ما سواها من آراء الرجال وأقوالهم.
وقد أولى ﵀ هذا الجانب عناية خاصة، واجتهد في تقريره والدعوة إليه، وسخَّر جهده ووقته وقلمه في سبيل الله تحقيقه، بل أفرد لذلك المصنفات التي يردُّ فيها على الفلاسفة وأهل الكلام، وأتباعهم من المنتسبين إلى الإسلام.
فنراه ﵀ يتبرأ من "جَعْلِ سُنَّةِ رسول الله ﷺ تابعة لآراء الرجال، منزلة عليها، مسوقة إليها"١.
وقال مرة: "ولسنا ممن يعرض الحق على آراء الخلق، فما وافقه منها قَبِلَهُ، وما خالفه رُدَّ، وإنما نحن ممن يعرض آراء الرجال وأقوالها على الدليل، فما وافقه منها اعتدَّ به وقبله، وما خالفه خالفه"٢.
وسيأتي مزيد كلام له ﵀ في ضرورة التمسك بالسنة، والتحذير من تركها لرأي أحد أو عمله كائناً من كان٣.
ثانياً: الدعوة إلى اتِّباع السنة النبوية الصحيحة النقية، كما
стр. 95
جاءت عن النبي ﷺ والتحذير مما خالط ذلك من البدع الْمُحْدَثَات، التي تَدَيَّنَ بها كثير من الناس، معرضين - في الوقت نفسه - عن الثابت الصحيح من سنته ﷺ .
وفي هذا الصدد يقول عنه العلامة الشوكاني ﵀: "وبالجملة فهو أحد من قام بنشر السنة، وجعلها بينه وبين الآراء الْمُحْدَثة أعظم جُنَّةٍ، فرحمه الله، وجزاه عن المسلمين خيراً"١.
وقال ابن القَيِّم في بيان منزلة صاحب السنة وصاحب البدعة: "فصاحب السنة حيُّ القلب مستنيره، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه"٢.
وَبَيَّنَ مرةً فضل متابعة النبي ﷺ ، وأثر ذلك، فقال: " ... وأكمل الخلق متابعة له: أكملهم انشراحاً ولذةً وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره، وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال"٣.
وقد كان ﵀ دائم التنبيه على البدع، وبيان الصحيح من سنته ﷺ من الدخيل الْمُحْدَثِ، كلما وجد مناسبة لذلك، فمن ذلك:
قوله ﵀: "ولم يكن من هديه ﷺ تَعْليَةُ القبور، ولا بناؤها بآجرٍّ ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها ... فكل هذا بدعة مكروهة، مخالفة لهديه ﷺ "٤.
стр. 96
وقال عن حديث الاكتحال يوم عاشوراء والتطيب: " ... مِنْ وضع الكذَّابين، وقَابَلَهُم آخرون فاتخذوه يوم تَأَلَّمٍ وحزنٍ، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة، وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي ﷺ من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع"١.
وقال ﵀: "وكان من هديه ﷺ تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يُجْتَمَعَ للعزاء، ويقرأ له القرآن، لا عند القبر ولا غيره، وكل ذلك بدعة حادثة مكروهة"٢.
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة لِذَمِّه ﵀ البدع، وقيامه عليها وتنفيره منها.
ثالثاً: ذمُّ التقليد الأعمى، الذي يحمل المقلد على ترك ما جاء به النبي ﷺ لقول مُقَلَّدِهِ، فلا يرى الحق إلا مع إمامه، ولا يقبل من الدين إلا ما جاء من طريقه.
ويصف ابن القَيِّم ﵀ هذا النوع من التقليد المذموم بأنه: "الإعراضُ عن القرآنِ والسننِ وآثارِ الصحابةِ، واتخاذُ رَجلٍ بعينه مِعْيَاراً على ذلك، وتركُ النصوص لقوله، وعرضها عليه، وقبول كل ما أفتى به، ورد كل ما خالفه"٣.
ولا شك أن استيلاء التقليد على القلوب سببه: ما تقدم من
стр. 97
الإعراض عن نصوص الكتاب والسنة، ونبذهما وراء الظهور، والالتفات - بدلاً من ذلك - إلى القيل والقال، وآراء الرجال؛ فإن الغالب على من كانت هذه حاله، أنه يكون أسيراً لأقوال إمامه، حبيساً في سجن آرائه، فتجد الواحد منهم قد "أَخْلَد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالاً على أمثاله من العبيد"١.
ويُبَيِّن ابن القَيِّم ﵀ شيئاً من حال الْمُقَلِّد، فيقول: "وعياذاً بالله من شر مقلد عَصَبِيّ، يرى العلم جهلاً، والإنصاف ظلماً، وترجيح الراجح على المرجوح عدواناً"٢.
ويُخْرِجُ ابن القَيِّم المقلد من زمرة العلماء؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء قد وَرَّثُوا العلم، "وكيف يكون مِنْ وَرَثة الرسول ﷺ من يجهد ويكدح في رد ما جاء إلى قول مقلد ومتبوعه؟! "٣
أقسام التقليد المحرم:
وقد بَيَّنَ ﵀ أن التقليد المحرم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- الإعراض عمَّا أنزل الله، وعدم الالتفات إليه، اكتفاءً بتقليد الآباء.
٢- تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهلٌ لأن يُؤْخذ عنه.
٣- التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.
стр. 98
ثم بَيَّنَ حرمة هذه الأنواع كلها، وذمَّ الله - سبحانه - لها في كتابه، وذلك في بحث له طويل ممتع نفيس١.
رابعاً: ذمُّ التعصب المذهبي ومحاربته، وكشف عواره، والتحذير منه.
فالتعصب المذهبي خطره عظيم، وشره جسيم، وإنما هو ناشئٌ عن التقليد ولا يقل في خطورته عنه، بل إنه أشد ضرراً من التقليد؛ فإن المقلد قد يكون قانعاً بمجرد التقليد، لكن المتعصبين زادوا على ذلك: أنهم - مع تقليدهم - "قد جعلوا التعصب للمذهب ديانتهم التي بها يدينون، ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون"٢، وفي سبيلها يوالون ويعادون ويصلون ويقطعون، ويحبون ويبغضون، فقد "أشقاهم التعصب وأصَمَّهم وأعمى أبصارهم عن نور الوحيين: الكتاب والسنة، حتى بلغ بهم الهوس إلى المهاترات، ورد المذهب بمذهب آخر"٣.
وقد سبقت الإشارة إلى شيوع التعصب المذهبي وانتشاره في المجتمع الذي عاش فيه ابن القَيِّم، وما كان يسببه ذلك من: فتن وصراعات، ومحن وخلافات٤، الأمر الذي جعل ابن القَيِّم ﵀ وهو ابن هذه البيئة - يهبُّ في وجه هؤلاء المتعصبة، ويعلنها حرباً عليهم في كل مناسبة وحين، بل قد أعطى هذه القضية من وقته وجهده وكتاباته الكثير والكثير.
стр. 99
ويبين ابن القَيِّم ﵀ خطر التعصب، وعاقبة أمره، فيقول: "تالله إنها فتنة عمَّت فَأَعْمَت، ورمت القلوب فَأَصَمَّتْ، رَبَا عليها الصغير، وهرم عليها الكبير، واتُّخِذ لأجلها القرآن مهجوراً ... "١.
ولقد صَبَرَ ابن القَيِّم ﵀ في محاربته للتقليد والتعصب على كل ما نَالَهُ مِنَ الأذى، وكَانَ ثَابِتَاً كالجَبَلِ الرَّاسِي، لَمْ تُؤَثِّر فيه مؤامراتُ الحاقدين، ولا نَالَتْ من ثَبَاتِهِ سِهَامُ الْمُقَلِّدة المتعصبين، حتى آتت جهوده أطيب الثمار، "فَذَابَتْ العصبيةُ المذهبية في الطريقة الأَثَرِيَّة، فَصُحِّحَت المفاهيم، وأخذ يَدُبُّ في الناس روحُ الأخذِ بِالدليل معَ احترام الأئمة السالفين، بل هو مَسْلَكُهُم ومَنْهَجُهُم، وما زالَ هذا يَدُبُّ في كل عهدِ ومَهْد حتى أيامنا هذه، بل في هذه الأيام والأزمان الحاضرة لم يجد الناس بُدًّا من ذلك المنهج السَّويِّ، والْمَشْرَعِ الرويِّ؛ لأنه هو الذي يتمشى ووقائع العصر ونوازله، فعاد أعداء المدرسة الأثرية لها أصدقاء، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"٢.
خامساً: محاربة الانحراف في العقيدة، والدعوة للرجوع إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة في باب العقيدة: فَهْماً وسلوكاً.
ولقد كان هذا هو هدف ابن القَيِّم الأهم، الذي أنفق في سبيله الكثير من جهده، وسطَّر من أجله العديد من مؤلفاته٣.
стр. 100
وذلك أنه قد انتشرت في عصره الأفكار الفلسفية، والمناهج الكلامية، وأدى ذلك إلى ظهور بدع التأويل لنصوص الصفات تأويلاً يُفْضي إلى تحريفها عن معناها، أو تعطيلها عن مضمونها ونفيها.
ولاشكَّ أن ذلك مخالف لما عليه سلف هذه الأمة من: إثبات ما وصف الله - سبحانه - به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ ، إثباتاً بلا تشبيه، وتنْزيهه عمَّا نزه عنه نفسه، ونَزَّهه عنه رسوله، تنْزيهاً بلا تعطيل١.
من أجل ذلك هبَّ ابن القَيِّم ﵀ للدفاع عن عقيدة السلف، والدعوة إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في فهم نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب، فكان له جهد مشكور، وبلاء حسن في إحياء عقيدة السلف بعدمَا دَرَسَت، وتصحيح كثير من المفاهيم بعد ما تحرَّفت وانطمست، ولا تزال بركة دعوتِهِ - وشيخه من قبله - ساريةً إلى وقتنا هذا، بما تركاه من كتب نفيسة ومؤلفات نافعة مباركة، يعتصمُ بها طالبُ الحقِّ من الوقوع في الفتن، وينهل من مَعِينها كل راغب في اتباع خير سَنَنٍ.
سادساً: تقرير أن سنة رسول الله ﷺ الصحيحة لا يضربُ بعضُهَا بعضاً، وأنها تتفق ولا تفترق، وأنها كلٌّ لا يتجزأ، ولذا فإنه لا ينبغي أخذ بعضها وترك بعضها الآخر، فيأخذ أحدهم ما يناسبه، ويَطِّرِح ما يخالف هواه، بل لابد من تنْزيل كل نص من نصوصها منْزله، وحمله على ما وُضِعَ له.
стр. 101
يقول ابن القَيِّم ﵀ في معرض ذمِّه لأولئك الذين يأخذون أحاديث التخفيف في الصلاة، وَيَدَعُون الأخرى التي جاءت بتطويله ﷺ الصلاة -: "فهو يميل من السنة إلى ما يناسبه، ويأخذ منها ما يوافقه، ويَتَلَطَّف لمن خشن في تأويل ما يخالفه، ودفعه بالتي هي أحسن، ونحن نبرأ إلى الله من سلوك هذه الطريقة، ونسأله أن يُعَافِيَنَا مما ابتلى به أربابها ... فليس الشأن في الأخذ ببعض سنة رسول الله ﷺ وترك بعضها، بل الشأن في الأخذ بجملتها، وتنزيل كل شيء منها منزلته، ووضْعِهِ بموضعه"١.
وهذا منه ﵀ تشخيص دقيق لداءٍ عضال، قد أصيب به كثير من الناس، يتلمسون من نصوص السنة ما يناسب أهواءهم، فيحملونها على غير مَحَامِلها لِتُنَاسب مقصودهم، ويَطِّرحُون - في الوقت نفسه - من النصوص النبوية ما يشق على نفوسهم اتباعه، وما لا توافقهم أهواؤهم على امتثاله.
تلك هي الطائفة التي تقول - كما يصورها ابن القَيِّم -: "حق الله مبني على المسامحة والمساهلة والعفو، وحق العباد مبني على الشح والضيق والاستقصاء، فقامت في خدمة المخلوقين كأنها على الفرش الوثيرة ... وقامت في خدمة ربها وفاطرها كأنها على الجمر المحرق، تعطيه الفضلة ... وتستوفي لأنفسها كمال الحظ"٢.
فلله درُّ ابن القَيِّم؛ لقد وَضع يده على كثير من أمراض القلوب وأدوائها، فهبَّ يصف الدواء الناجع الذي فيه الشفاء لها.
стр. 102
سابعاً: الحرص على توجيه العلماء والمفتين والمبلغين عن رب العالمين، وعن رسوله ﷺ إلى أن يكونوا صادقين مخلصين، عالمين عاملين، صادعين بالحق لا يخافون.
وما ذلك إلا لعظمِ مكانةِ العلماء وخطورة شأنهم؛ فإنه لَمَّا كان قيام الإسلام إنما هو بطائفتي: العلماء والأمراء، كان صلاح الدنيا كلها بصلاحهما، وفسادها بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك ﵀:
وهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إلا الْمُلُوُكُ ... وأحبارُ سُوءٍ وَرَهْبَانُهَا
ولاشكَّ أن خطر العلماء أشد، ومسؤوليتهم أعظم، فإنهم إن كانوا قائمين بالحق، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، لا يخافون في الله لومة لائم، فإن الملوك سيهابونهم، ويعرفون لهم قدرهم. وأما إن كانوا - والعياذ بالله - علماء سوء، يعينون الحكام على ظلمهم، ويزيِّنون لهم باطلَهم، ولا يُخَوِّفُونهم الله في الناس، فإنهم يكونون شرّاً على الدين والدنيا معاً.
ولما أدرك ابن القَيِّم ﵀ خطورة هذا لأمر، وقدره حق قدره، كان حريصاً على التنبيه عليه، والتحذير من التهاون فيه.
من شروط العلماء والمفتين:
قال ﵀: "ولما كان التبليغ عن الله - سبحانه - يعتمد: العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ، صادقاً فيه، ويكون مع ذلك: حسن الطريقة، مَرْضي السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر
стр. 103
والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله ... ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه"١.
ولقد كان ابن القَيِّم ﵀ كعادته - ممتثلاً ذلك في نفسه أولاً، فكان خير مثل للعلماء العالمين العاملين، الصادقين المخلصين، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر بلسانه ويده، قائماً لله بحقه، فبارك الله له في دعوته، وألقى في القلوب مَحَبَّتِهُ.
ثامناً: محاربة الفساد والأوضاع الخاطئة في مجتمعه، وإنكار المنكرات السائدة فيه، والتحذير منها.
وقد سبقت الإشارة إلى شيء من مواقفه في ذلك، كموقفه من عادة التحليل، والغناء والسماع الذي عمَّت به البلوى في وقته، وغير ذلك من المنكرات التي انتشرت آنذاك، فوقف لها بالمرصاد: يفضح أمرها، ويبين خطرها وسوءَ عَاقِبَتِهَا.
فكان ﵀ يُعدُّ بحق مُصلحاً اجتماعياً ناجحاً.
تلك هي أبرز الأهداف النبيلة التي كان ابن القَيِّم ﵀ يسعى لتحقيقها، والمبادئ التي كان ينادي بالتزامها والتحلِّي بها، والآراء السديدة التي كانت له، فجزاه الله خير الجزاء من عَالِمٍ صادق، وداعية مصلح، وإمامٍ ربانيِّ.
стр. 104
المبحث السادس: مِحَنُه وَوَفَاتُه
١- مِحَنُهُ:
لقد عشنا مع ابن القَيِّم ﵀ في بيئته التي نشأ وترعرع فيها، وعرفنا أحوال عصره ومجتمعه وما كان يسوده من سلبيات ومفاسد دينية أخلاقية، ورأينا كيف كان ابن القَيِّم- في ظل هذه الأوضاع السيئة- صاحب رسالة سامية، وأهداف نبيلة، ومبادئ إصلاحية يهدف من ورائها: إلى الرجوع بالناس إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة من التمسك بالكتاب والسنة ونبذ البدع والخرافات والتقليد والتعصب.
لكن طريقه هذا الذي سار فيه لم يكن سهلاً ميسوراً، بل كان محفوفاً بالمشاقِّ، فنزلت به بسبب ذلك محن عديدة، وتعرَّض لإيذاء واضطهاد وفتن أثناء جهاده لنشر دعوته، وسعيه لإصلاح حال مجتمعه.
فلم يكن من السهل على هذا المجتمع الذي سيطرت عليه الأفكار الدخيلة، وسادته البدع المتوارثة، أن يستجيب لهذا المصلح المجاهد الذي بزغ نوره في هذا الظلام الحالك، وكيف يتم له ذلك ولهذه البدع حُرَّاسٌ وحماةٌ من أمراء البلاد وحُكَّامها، بل ومن بعض الْمُنْتَسِبين إلى العلم أنفسهم؟!
فقد كان الأمر صعباً إذاً، والمواجهة إلى أشدِّها، وظهر في الساحة أعداء لابن القَيِّم، يتربصون به الدوائر، ويحيكون ضده الدسائس والمؤامرات، كما فعلوا من قبل مع شيخه وأستاذه ابن تَيْمِيَّة ﵀.
стр. 105
إنكاره شَدُّ الرَّحْلِ إلى قبر الخليل، ومحنته بسبب ذلك:
من البدع التي سادت المجتمع وقتئذ، وتقرب الناس بها إلى الله: بدعة شَدِّ الرَّحْلِ إلى قبر الخليل إبراهيم ﵇.
فقام ابن القَيِّم ﵀ في وجه هذه البدعة منكراً لها، ومبيناً مخالفتها لسنة رسول الله ﷺ وهَدْيِه، فما كان من أعدائِه وشانئيه إلا أن قاموا ضِدَّه، وآذوه، ثم حُبِس بسبب ذلك.
قال الحافظ الذهبي: "وقد حبس مدة وأوذي لإنكاره شدَّ الرحل إلى قبر الخليل"١.
والظاهر أن هذه هي المرة التي حبس فيها مع شيخه ابن تَيْمِيَّة ﵀؛ ذلك أنه في السادس عشر من شعبان سنة ٧٢٦هـ اعْتُقِل الشيخ ابن تَيْمِيَّة في قلعة دمشق، وذلك بسبب ما أفتى به من المنع من شد الرحل إلى قبور الأنبياء، وبعد ذلك بأيام "أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدين في سجن الحكم ... وعزَّرَ جماعة منهم على دواب ونودي عليهم، ثمَّ أطلقوا، سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية؛ فإنه حُبِس بالقلعة، وسكتت القضية"٢.
ولعل في إطلاقهم كل رفاقه وإبقائه وحده في الحبس، ما يُبَيِّنُ لنا مدى الحِنْق الذي كان في نفوس أعدائه - من أهل البدع - ضده، ويبين لنا في الوقت نفسه، ما كان لابن القَيِّم من دور بارز، وتأثير بالغ في الناس آنذاك، مما جعل هؤلاء يخشونه على بدعهم، فرأوا أن يحجبوه في السجن.
стр. 106
ولكن شاء الله سبحانه أن يشاطر ابن القَيِّم شيخه محنته هذه، فَسُجن معه في القلعة، ولأجل التهمة نفسها، ولكنه كان (منفرداً عنه) ١.
ولقد كان للحاقدين على شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة وتلميذه ابن القَيِّم دورٌ قبيح في حبسهما، وتدبير الشر ضدهما، ذلك أنهم حرَّفوا فتوى ابن تَيْمِيَّة: بأنه يُحَرِّمُ زيارة قبور الأنبياء مطلقاً، ويعتبر ذلك معصية، مع أن الشيخ - وكذا تلميذه - " لم يمنع الزيارة الخالية عن شد الرحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك ... ولا قال إنها معصية ... ولا هو جاهل قول الرسول ﷺ :» زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة «. والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ولا تخفى عليه خافية"٢.
ويَحكي المقريزي ﵀ هذه الواقعة - مبيناً ملابساتها وظروفها - بأوسع من هذا، وأن ابن القَيِّم ﵀ قد ضُرب في هذه المرة قبل أن يُحبس، فيقول: (وفي يوم الاثنين سادس شعبان - يعني سنة ٧٢٦هـ - حُبِس تقي الدين أحمد بن تيمية، ومعه أخوه زين الدين عبد الرحمن بقلعة دمشق. وضُرِب شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قَيِّم الجوزية، وشُهِّرَ به على حمار بدمشق.
وسبب ذلك: أن ابن قَيِّم الجوزية تكلم بالقدس في مسألة الشفاعة والتوسل بالأنبياء، وأنكر مجرد القصد للقبر الشريف دون قصد المسجد النبوي، فأنكر المقادسة عليه مسألة الزيارة، وكتبوا فيه إلى قاضي القضاة جلال الدين القزويني وغيره من قضاة دمشق.
стр. 107
وكان قد وقع من ابن تَيْمِيَّة كلام في مسألة الطلاق بالثلاث: (أنه لا يقع بلفظ واحد، فقام عليه فقهاء دمشق، فلما وصلت كتب الْمَقَادِسَة في ابن القَيِّم، كتبوا في ابن تَيْمِيَّة وصاحبه ابن القَيِّم إلى السلطان، فعرف شمس الدين الحريري - قاضي القضاة الحنفية بديار مصر- بذلك، فشَنَّع على ابن تَيْمِيَّة تشنيعاً فاحشاً، حتى كتب بحبسه، وضُرِبَ ابن القَيِّم) ١.
وقد ظل ابن القَيِّم محبوساً مدة، ولم يُفْرَج عنه إلا بعد وفاة شيخه بشهر؛ ذلك أن ابن تَيْمِيَّة قد توفي في محبسه بالقلعة في العشرين من ذي القعدة سنة (٧٢٨هـ) ، (وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أُفرج عن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين بن قَيِّم الجوزية) ٢.
وقد امتحن ابن القَيِّم ﵀ غير هذه المرة أيضاً:
فتواه بجواز السباق بغير مُحَلِّل ومحنته بسبب ذلك:
كان ابن القَيِّم ﵀ يُفتي بجواز إجراء السباق بين الخيل بغير مُحَلِّل، وَصَّنف في ذلك كتابه: (بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال) أو: (بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل) ٣. كما أنه تناول هذا الموضوع في بحث طويل مفيد ضمن كتابه (الفروسية) ٤.
стр. 108
وقد أشار ابن حجر ﵀ إلى محنته هذه، فقال: "وجرت له محن مع القضاة، منها: في ربيع الأول - يعني سنة ٧٤٦هـ - طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير مُحَلِّل، فأنكر عليه وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يُفتي به من ذلك"١.
وحكى ابن كثير هذه الحادثة، ولكنه ذكر ما يفيد أن ابن القَيِّم كان يفتي في ذلك برأي شيخه، وصَنَّف هذا المصنف لنصرة رأي الشيخ، ثم صار يفتي به دون نسبته إلى شيخه، فظنوه قوله، فحصل له ما حصل، ثم (انفصل الحالُ على أن أظهر الشيخ شمس الدين ... الموافقة للجمهور) ٢.
قال الشيخ بكر أبو زيد: "وقضية الرجوع محل نظر، فلابد من تثبيت ذلك، وأرجو من الله تعالى أن يمنَّ عليَّ بما يدل على ذلك، نفياً أو إثباتاً"٣.
قلت: أما كتبه التي بين أيدينا، فليس فيها ما يدل على رجوعه، وبخاصة كتاب (الفروسية) ، ولكن ابن كثير ﵀ يحكي ما شاهده بنفسه من إظهاره الموافقة للجمهور، فهل أظهر ابن القَيِّم ذلك دفعاً للشر عن نفسه دون أن يرجع حقيقة عن رأيه؟ الله أعلم.
والذي يهمنا في هذه القضية: أن ابن القَيِّم ﵀ قد امتحن من القضاة بسببها، وأوذي في سبيل ذلك.
стр. 109
فتواه في مسألة الطلاق الثلاث ومحنته بسبب ذلك:
وقد امتحن ابن القَيِّم مرة أخرى بسبب فتواه بأن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع طلقة واحدة، وهو اختيار شيخه ابن تَيْمِيَّة أيضاً.
ويشير ابن كثير ﵀ إلى ما وقع له بسبب ذلك، فيقول: "وقد كان متصدياً للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وجرت بسببها فُصُولٌ يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره"١.
ولم يبين لنا ابن كثير ما وقع له بسب ذلك، لكن الظاهر أنه لم يُحْبَس إلا في المرة التي كان فيها مع شيخه ابن تَيْمِيَّة، وذلك بسبب فتوى شد الرحل، وأما مسألة الطلاق، وكذا مسألة المحلل في السباق، فيظهر أنه جرت له بسببهما فتن ومحن مع القضاة فحسب، وأنه لم يُسجن بسبب ذلك، وقد ذكر الشيخ بكر أبو زيد أنه سُجن بسبب هذه الفتاوى كلها٢.
ولم أر ما يدل على ذلك، ولعل كلام ابن رجب صريح في أنه لم يُحبس إلا في تلك المرة مع الشيخ، فقد قال: "وقد امتُحن وأُوذي مرات، وحُبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة في القلعة ... "٣.
ومما يؤكد - أيضاً - أن فتواه في مسألة الطلاق قد سببت له
стр. 110
مشكلات مع القضاة، ما حكاه الحافظ ابن كثير ﵀ من الصلح الذي تم بين السبكي وابن القَيِّم، فقد ذكر في أحداث سنة ٧٥٠هـ - قبل موت ابن القَيِّم بعام واحد - في السادس عشر من شهر جمادى الآخرة منها، أنه (حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وبين الشيخ شمس الدين بن قَيِّم الجوزية، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب، في بستان قاضي القضاة، وكان قد نقم عليه إكثاره من الفتيا بمسألة الطلاق) ١.
فالمقصود أنه ﵀ ابتلي وأوذي وامتحن بسبب صدعه بالحق، وإعلانه رأيه وما يعتقده دون مجاملة أو خوف من أحد، فرحم الله ابن القَيِّم رحمة واسعة، وجزاه عما قَدَّم خير الجزاء.
٢- وفاتُه:
وبعد هذه الحياة الحافلة بالجهاد المتصل لنشر منهج السلف، ومحاربة كثير من الانحرافات التي ابتدعها الخلف، وما لقيه من محن في سبيل ذلك، وبعد أن كَمُلَ له من العمر ستون سنة، توفي هذا الإمام العالم العلامة، وذلك في ليلة الخميس، ثالث عشر من شهر رجب، من سنة إحدى وخمسين وسبعمائة (٧٥١هـ) وقت أذان العشاء٢.
ووقع عند ابن رجب: (ثالث عشرين رجب) ٣. ولعله تصحيف