- حديث: "الحجامة على القفا تورث النسيان" ١.
- وحديث: " إذا غضب الله أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزله بالعربية" ٢.
- وحديث: " الْمَجَرَّةُ التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش" ٣.
٨ - أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلاً عن كلام رسول الله ﷺ ، الذي هو وحي.
وقد ساق ابن القَيِّم ﵀ أمثلة كثيرة لذلك، أغلبها من الأحاديث الواردة في حسان الوجوه، وأن النظر إليهم يجلو البصر، أو أنه عبادة، أو أنهم لا يعذبون، وغير ذلك٤.
٩- أن يكون الحديث مشتملاً على ذكر تاريخ حوادث مستقبلة.
نحو: "إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت". قال ابن القَيِّم ﵀: "وأحاديث هذا
стр. 422
الباب كلها كذب مفترى"١.
وهذا الحكم - لا شك - مبني على استقراءٍ لأحاديث الباب كلها، فإنه قد قرر أن هذه الأحاديث - مع اشتمالها على معان باطلة - لم يصح منها عن النبي ﷺ شيء.
١٠- أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطُّرُقِيَّة أشبه وأليق.
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀ لذلك:
- حديث: "الهريسة تشد الظهر" ٢.
- وحديث: "أكل السمك يوهن الجسد" ٣.
- وحديث: "من أخذ لقمة من مجرى الغائط أو البول، فغسلها ثم أكلها غفر له" ٤.
١١- أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه.
والظاهر أن ابن القَيِّم ﵀ قصد بذلك: مخالفة الحديث للشواهد الصحيحة من الكتاب والسنة.
стр. 423
وقد مثَّل ﵀ لذلك بحديث عُوج بن عُنُق، وما جاء من: أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة ثلاثين وثلثاً، وأن نوحاً لما خَوَّفَهُ الغَرَقَ، قال له: احملني في قصعتك هذه ... إلى آخر ما جاء في الحديث.
ثم بين ابن القَيِّم ﵀ قيام شواهد عديدة من الكتاب والسنة على بطلانه١.
١٢- ركاكةُ ألفاظِ الحديثِ وسَمَاجَتُهَا، بحيث يَمُجُّهَا السَّمع، ويدفعها الطبع ويسمج معناها للفطن٢.
١٣- ما يقترن بالحديث من القرائن التي يعلم بها أنه باطل.
وقد مثل ابن القَيِّم لهذا الضابط بحديث: " وضع الجزية عن أهل خيبر". ثم بين أنه يشتمل على قرائن عديدة تدل على بطلانه٣.
فمن القرائن التي جاءت في هذا الخبر، وهي تدل على كذبه:
- أن فيه "شهادة سعد بن معاذ"، وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق.
- وفيه: "وكتب معاوية بن أبي سفيان". ومعاوية إنما أسلم زمن الفتح. إلى غير ذلك من القرائن الدالة على كذبه.
стр. 424
١٤- أن يكون الحديث مما لم يوقف عليه في المصنفات الحديثية.
قال ابن القَيِّم ﵀ في حديث عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس، وقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة":
" ... فنحن نشهد بالله شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه: أن هذا كذب على عمر ﵁، وكذب على رسول الله ﷺ ... فلو يكون هذا عند عمر ﵁، عن النبي ﷺ ... لما فات هذا الحديث أئمة الحديث والمصنفين في السنن والأحكام"١.
وقد ذهب الفخر الرازي ﵀ إلى أن الخبر إذا روي في زمان استقرت فيه الأخبار، فَفُتِّشَ عنه فلم يوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرجال، عُلِمَ بطلانه، وذلك فيما بعد عصر الصحابة؛ فإنَّ الأخبار في عصرهم لم تكن استقرت٢.
ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه، بحيث يَتَسَنَّى لكل شخص الحكم ببطلان الحديث لمجرد أنه لم يقف عليه في كتب السنن، بل لابد من قيد وضابط لهذه المسألة، وقد ذكر الحافظ العلائي ﵀ لذلك قيداً حسناً، فقال: "وهذا إنما يقوم به - يعني التفتيش عن الحديث - الحافظ الكبير، الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث أو بمعظمه؛ كالإمام أحمد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، ومن بعدهم: كالبخاري، وأبي
стр. 425
حاتم، وأبي زرعة، ومن دونهم: كالنسائي ثم الدارقطنى؛ لأن المأخذ الذي يحكم به - غالباً - على الحديث بأنه موضوع: إنما هي الملكة النفسانية الناشئة عن جمع الطرق، والاطلاع على غالب المرويِّ في البلدان المتنائية، بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث الرواة مما ليس من حديثهم.
وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة، فكيف يَقْضِي بعدم وُجْدَانِهِ للحديث بأنه موضوع؟! هذا ما يأباه تصرفهم، فالله أعلم"١.
فلابد من تقييد كلام ابن القَيِّم ﵀ بمثل ذلك.
وبعد، فهذه هي الأمارات والضوابط التي وضعها ابن القَيِّم ﵀ لمعرفة الحديث الموضوع بمجرد النظر في متنه، دون البحث في إسناده.
ويحسنُ في هذا المقام التنبيه على أن بعض الأئمة قد ذكر بعضاً من هذه الضوابط٢، إلا أن ابن القَيِّم قد انفرد بزيادات عنهم٣، مع حُسْنِ عرضها وتنسيقها، وجمع أمثلة وشواهد عديدة تحت كل ضابط منها، بحيث تكون مرجعاً مهماً في هذا الباب.
стр. 426
المبجث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد
...
المبحث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد
اشتراط العدالة والضبط في الراوي:
قال ابن الصلاح ﵀: "أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه: على أنه يُشْتَرط فيمن يحتجُّ بروايته أن يكون عدلاً، ضابطاً لما يرويه ... "١.
فَبَيَّنَ ﵀ بذلك: أن رُكْنَي القبول للراوي هما: العدالة، والضبط. وقد سَبَقَ ضمن مباحث الحديث الصحيح الكلام عن هذين الشرطين.
وقد عَبَّرَ ابن القَيِّم ﵀ عن ضرورة توافر هذين الشرطين فيمن تقبل روايته، فقال: " ... اشْتُرِطَ فيها - أي الرواية - ما يكون مُغَلِّباً على الظن صدقَ الْمُخْبر، وهو: العدالةُ المانعةُ من الكذب واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط"٢.
فالشطرُ الأولُ من كلامِهِ يشيرُ إلى شرطِ العدالة، والشطرُ الثاني يشير إلى شرطِ الضبطِ.
ومن المسائل التي تتعلق بالكلام على صفة من تُقْبَل روايته ومن ترد:
стр. 427
إنكار الأصل تحديث الفرع:
إذا روى ثقة عن شيخ ثقة - أيضا ً- حديثاً، فأنكر الشيخ هذا الحديث ونفاه، فإن لذلك صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون الشيخ جَازِمَاً بِرَدِّهِ، فيقول: "ما رويته"، أو: "كذب عليّ". فعند ذلك يتعارض الجزمان، والشيخُ هو الأصل، فيجبُ رَدّ حديثِ فَرْعِهِ تبعاً لذلك١.
وإنِّمَا رُدَّ الخبر لكذبِ واحدٍ منهما لا بعينه، كما قال ابن حجر رحمه الله٢.
وفي هذه الحالة - حالة جزم الشيخ بالنفي - سَوَّى ابن الصلاح ﵀ وتبعه الحافظ ابن حجر٣- بين تصريح الشيخ بكذب الراوي، وبين مجرد الإنكار. إلا أن السخاوي ﵀ حكى خلافاً بين المحدثين في الصورة الثانية خاصة - وهي إنكار الشيخ الرواية دون تكذيب - وأن بعضهم قال بقبول الرواية في هذه الحالة٤.
الصورة الثانية: ألا يجزم الشيخ برد ذلك المروي، كأن يقول: "لا أذكره"، أو: "لا أعرفه" أو نحو ذلك من الألفاظ التي تقتضي نسيانه، فإن ذلك لا يوجب رد رواية الراوي، بل تقبل عند الجمهور من المحدثين، ومعظم الفقهاء٥.
стр. 428
وَحُكِيَ عن قوم من الحنفية القول بإسقاط المروي في هذه الحالة، وعدم قبوله.
وَرَدَّ ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: "وهذا مُتَعِقَّبٌ بأن عدالةَ الفرع تقتضي صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافيه، فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النافي"١.
وقد تناول ابن القَيِّم ﵀ هذه القضية وبيّن رأيه فيها، فإنه لمّا تكلم على حديث: ربيعة، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ في القضاء باليمين مع الشاهد، وأن سُهَيلاً لما عرض عليه قال: "لا أحفظه"، ثم إنه - يعني سُهيلاً- رواه عن ربيعة - راويه عنه - فقال: "أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه"، وقد طعن قوم في الحديث بسبب ذلك، فأجاب ابن القَيِّم عن ذلك - مصححاً الحديث - بقوله: " ... إنَّ هذا يدل على صدق الحديث؛ فإن سُهيلاً صَدَّقَ ربيعة، وكان يرويه عنه عن نفسه، ولكنه نسيه، وليس نسيان الراوي حجة على من حفظ.
الثالث: أن ربيعة من أوثق الناس، وقد أخبر أنه سمعه من سهيل، فلا وجه لرد حديثه ولو أنكره سهيل، فكيف ولم ينكره، وإنما نسيه للعلة التي أصابته؟ وقد سمعه منه ربيعة قبل أن تصيبه تلك العلة"٢.
فتضمن كلامه ﵀ أموراً، وهي:
стр. 429
١- أن الأصل قد صَدَّقَ الفرع، وكان يرويه عنه، مما يؤكد صدق الفرع، وهذا صريح في كلامه ﵀.
٢- أن الأصل نَسِيَ الحديث لِعِلَّة أصابته، والنسيان لا يوجب رد الحديث، فمن حفظ حجة على من نسي.
٣- أن الفرع إذا كان ثقة وأخبر أنه سمعه، فلا وجه لرد الحديث وإن أنكره الأصل، وهذا مفهوم من قوله عن سهيل: "فكيف ولم ينكره؟ ".
وهذا الكلام منه ﵀ لا غبار عليه، وهو متفقٌ مع ما تَقَدَّمَ تقريره في هذه المسألة، إلا أنه لم يتعرض لحالة انضمام التكذيب إلى الإنكار.
فيمكن أن يُحْمَلَ كلامُ ابن القَيِّم ﵀ على القبول في حالة إنكار الشيخ دون تكذيب، أو يكون قد اختار من الخلاف في هذه الصورة - حتى مع التكذيب -: القول بعدم الرد، والله أعلم.
стр. 430
المبحث الثالث عشر: رواية المجهول
المجهول عند أهل الفن على قسمين: مجهول العين، ومجهول الحال.
أما مجهول العين: فهو: "من لم يرو عنه إلا واحد، ولم يوثق".
وأما مجهول الحال: فهو: "من روى عنه أكثر من واحد، ولم يوثق". ويقال له أيضاً: المستور١.
ومن المسائل المتعلقة بالمجهول:
المسألة الأولى: تعديل الْمُبْهَم.
ذهب ابن القَيِّم إلى أن المبهم تثبت عدالته: إذا عدّله الراوي عنه الثقة؛ فقد أعلَّ ابن حزم حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن - في سقوط الحضانة بالتزويج - بالجهالة، حيث قال فيه أبو الزبير: "عن رجل صالح من أهل المدينة". فرد ابن القَيِّم ذلك عليه قائلاً: "وعنى بالمجهول: الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح، ولا ريب أن هذه الشهادة لا تُعَرِّفُ به، ولكنَّ المجهول إذا عَدَّلَهُ الراوي عنه الثقة: ثبتت عدالته؛ وإن كان واحداً على أصح القولين ... هذا مع أن أحد القولين: أن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل ... وأما إذا روى عنه وصَرَّحَ بتعديله: فقد
стр. 431
خَرَجَ عن الجهالة التي تُرَدُّ لأجلها روايته، ولا سيما إذا لم يكن معروفاً بالرواية عن الضعفاء والمتهمين"١.
وهذا الذي ذكره ابن القَيِّم ﵀ هو الراجح بالنسبة للراوي الذي سُمِّيَ، إذا كان الْمُعَدِّلُ متأهلاً لذلك٢.
وأما الراوي المبهم الذي لم يسم - كما في المثال الذي معنا - ففيه قولان للعلماء:
الأول: أن ذلك لا يكفي في توثيق الراوي. قاله الخطيب البغدادي، وابن الصباغ، والصيرفي وغيرهم.
الثاني: أن ذلك يكفي في توثيقه، قاله أبو حنيفة.
والصحيح من ذلك القول الأول، قال السخاوي ﵀: "لأنه لا يلزم من تعديله أن يكون عند غيره كذلك، فلعله إذا سَمَّاهُ يعرف بخلافها، وربما يكون قد انفرد بتوثيقه ... بل إضراب المحدث عن تسميته ريبة توقع تردداً في القلب"٣.
ثم إنه لو ووفق ابن القَيِّم على ثبوت التوثيق للراوي المبهم، وزوال الجهالة عنه بمجرد ذلك، فإن ذلك لا ينطبق على المثال الذي توجه إليه كلام ابن القَيِّم ﵀؛فقد جاء فيه: "عن رجل صالح ". فما المراد بالصلاح هنا؟
стр. 432
ظاهر الكلام: أن المقصود الصلاح في الدين، لا الصلاح في باب الرواية، قال السخاوي - عقب قول الخليلي في رجل: شيخ صالح -: "أراد صلاحيته في دينه، جرياً على عادتهم في إطلاق الصلاحية حيث يريدون بها الديانة، أما حيث أريد: في الحديث، فيقيدونها"١. يعني بقولهم: صالح الحديث.
فإذا تبين ذلك، فإن الوصف بهذا لا يؤخذ منه تعديل، فقد يكون الرجل صالحاً في دينه ولكنه ضعيف في الرواية٢.
فتلخص من ذلك: أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم من ثبوت عدالة المجهول بتوثيق الراوي عنه له: مع كونه صواباً في المجهول المُسَمَّى إذا كان الموثق له متأهلاً لذلك، إلا أنه ليس بصواب في الراوي المبهم.
المسألة الثانية: بمَ ترتفعُ جهالةُ الحالِ عن الراوي؟
وأما مجهول الحال: فقد ذَهَبَ ابن القَيِّم ﵀ إلى أن الجهالة تزول عنه، ويحتج بحديثه:
١- إذا روى عنه ثقتان فأكثر.
٢- ولم يُعلم فيه جرحٌ ولا قدحٌ.
ففي حديث سلمة بن المحبق في قضاء النبي ﷺ في الذي وقع على جارية امرأته - وقد أعل بجهالة خالد بن عرفطة - قال ابن القَيِّم ﵀: " ... فإن الحديث حسن؛ وخالد بن عرفطة قد روى عنه
стр. 433
ثقتان: قتادة، وأبو بشر. ولم يعرف فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين ... "١.
وخالد هذا: جَهَّلَه أبو حاتم الرازي٢، والبزار٣، وقال الذهبي: "لا يعرف"٤. ولم يوثقه غير ابن حبان على مذهبه.
وقال في حق الوليد بن زوران - وقد أعل ابن القطان حديثاً له بجهالة حاله -: "وفي هذا التعليل نظرٌ؛ فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن بُرْقان، وحجاج بن منهال، وأبو الْمَلِيح الحسن بن عمر الرقي وغيرهم. ولم يعلم فيه جرح"٥.
وقال في حق العالية بنت أنفع - وقد حَكَمَ الشافعي والدارقطني بجهالتها -: "هذا الحديث - يعني حديث النهي عن العينة - حسن، ويحتج بمثله؛ لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثبتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها، ولم يعلم فيها جرح، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك"٦.
فهكذا يذهب ابن القَيِّم ﵀ إلى ارتفاع جهالة الحال عن الراوي والاحتجاج بخبره: برواية ثقتين عنه، ما لم يعلم فيه جرح.
стр. 434
وقد نصَّ الخطيب البغدادي وغيره على أن: رواية الاثنين عن المجهول ترفع عنه جهالة العين، ولا تُثْبِت له عدالة ولا توثيقاً، وأنه لابد من التصريح بثقته والنص على ذلك١. وهذا مذهب الجمهور من الأئمة والمحققين٢.
على أن ابن القَيِّم ﵀ قد سُبِقَ إلى مثل ذلك أيضاً، فقد نُسِبَ إلى البزار والدارقطني القول بارتفاع جهالته والعمل بروايته، وعبارة الدارقطني - كما نقلها السخاوي ﵀: "من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته"٣.
وكذا اكتفى بروايتهما: ابن حبان كما نص عليه السخاوي أيضاً٤.
فَتَلَخَّصَ من ذلك أن في قبول رواية مجهول الحال أقوالاً:
١- رَدُّ روايته مطلقاً. وهو مذهب الجمهور، وذلك بناءً على أنه لابد من التصريح بتوثيقه.
٢- قبولها مطلقاً. وهو منسوب إلى البزار والدارقطني كما مضى، وبه يقول ابن حبان أيضاً.
وقد مضى بيان هذين المذهبين، وهناك مذهب ثالث، وهو:
стр. 435
٣- التوقف فيها، فلا تقبل ولا ترد حتى يتبين حاله، وهو مذهب إمام الحرمين الجويني، وأيده الحافظ ابن حجر ﵀، فقال: "والتحقيق: أن رواية المستور - ونحوه مما فيه الاحتمال - لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين"١.
وبذلك يتضح أن ما اختاره ابن القَيِّم من ارتفاع جهالة الحال عن الراوي بمجرد رواية اثنين عنه، مع عدم العلم بجرحه، ومن ثم الاحتجاج بخبره: مذهب مرجوح، وأن جمهور أهل العلم على خلافه، وأنه لابد في مجهول الحال من التوثيق الصريح، حتى تزول جهالته ويعمل بخبره.
المسألة الثالثة: جهالةُ الصحَابي.
إن توقفَ الأئمة في رواية المجهول وعدم قبولها: إنما هو للجهل بحال الراوي من العدالة.
إذ إن عدالة الرواة شرط من شروط قبول الخبر، ولما كان عدم العلم بعدالة المجهول ينافي تحقق شرط العدالة، لزم - لأجل ذلك - التوقف عن قبول خبره حتى يعلم حاله.
ولكن، هل يقال ذلك - أيضاً - في حق الصحابة رضوان الله عليهم؟؟ بمعنى: أنه إذا جاء الخبر عن صحابي غير مسمى مثلاً، فهل يتوقف عن قبول خبره بدعوى الجهل بحاله؟
الْمُتَقَرِّرُ عند أئمة هذا الشأن: أن ذلك يجري فيمن دون الصحابة، أما الصحابة ﵃ فإنهم جميعاً عدول بتعديل الله - عزوجل - ورسوله ﷺ لهم.
стр. 436
قال الخطيب البغدادي ﵀: "كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ ، لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم، سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن". ثم ساق ﵀ جملة من آيات القرآن في مدحهم والثناء عليهم، ثم قال: "ووصفَ رسولُ الله ﷺ الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم"١. ثم ساق جملة من الأحاديث في هذا المعنى.
وقال ابن الصلاح ﵀: "للصحابة بأسرهم خِصِّيصَة، وهي: أنه لا يُسْئَلُ عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه؛ لكونهم - على الإطلاق - معدلين بنصوص الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة"٢.
وقد أَكَّد ابن القَيِّم ﵀ هذا المعنى في أكثر من مناسبة، مبيناً أنه لا ينبغي إعلال حديث بدعوى الجهل بحال صَحَابيِّهِ، ومن أقواله في ذلك:
أن ابن حزم ﵀ أعل حديث أبي الزبير، عن بعض
стр. 437
أصحاب النبي ﷺ " أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة".
فقال ابن القَيِّم ﵀: "وأما العلة الثانية: فباطلة على أصل ابن حزم وأصل سائر أهل الحديث؛ فإن عندهم جهالة الصحابي لا تقدح في الحديث؛لثبوت عدالة جميعهم ... "١.
وقال ﵀ في حديث لأبي أمامة بن سهل ﵁ في صفة صلاة الجنازة - وقد وقع في بعض طرقه: عن أبي أمامة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : "وليس هذا بعِلَّةٍ قادحة فيه؛ فإنَّ جهالةَ الصحابي لا تَضُرُّ"٢.
المسألة الرابعة: هل تتقوى رواية المجهول بالمتابعات والشواهد؟
إذا بَقِيَ مجهول العين على جهالته، فهل تتقوى روايته برواية غيره، ويُقْبَلُ خبره في المتابعات والشواهد؟
أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن ذلك، فقال في حديث ميمونة ﵂ في مباشرة النبي ﷺ نساءه في الحيض وهن مُتَّزِرَات - وقد أعله ابن حزم بأن نُدْبة - راويته عن ميمونة - مجهولةٌ لا تعرف - فقال ابن القَيِّم ﵀ يرد عليه: "فأما تعليله حديث ندبة بكونها مجهولة: فإنها مدنية، روت عن مولاتها ميمونة، وروى عنها حبيب، ولم يعلم أحد جرحها.
стр. 438
والراوي إذا كانت هذه حالهُ، إنما يُخشى من تَفَرُّدِهِ بما لا يُتَابع عليه. فأما إذا رَوَى ما رواه الناس، وكانت لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا، ولا يردونه ولا يعللونه بالجهالة. فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه وأشهر: عللوه بمثل هذه الجهالة، وبالتفرد.
ومن تأمل كلام الأئمة رأى فيه ذلك، فيظن أن ذلك تناقض منهم، وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم. فيجب التنبه لهذه النكتة، فكثيراً ما تمر بك في الأحاديث، ويقع الغلط بسببها"١.
فابن القَيِّم ﵀ يقرر: أن رواية مجهول العين تتقوى بغيرها من المتابعات والشواهد، وتكون مقبولة؛ حيث لم ينفرد. وأما إذا انفرد هذا المجهول بهذه الرواية، أو خالف من هو أوثق منه وأشهر: فإن خبره حينئذ يكون مردوداً؛لأنه - والحالة هذه - يكون من قبيل المنكر.
وقد أشار الحافظ الدارقطني ﵀ إلى مثل ذلك، فقال: " ... فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، وانفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره"٢.
وقد نصَّ الحافظ ابن حجر ﵀ على ذلك أيضاً، لكنه خصه برواية مجهول الحال - المستور - فقال: "ومتى توبع السيئ الحفظ بِمُعْتَبَرٍ، وكذا: المستور، والمرسل، والمدلس: صار حديثهم حسناً، لا لذاته بل بالمجموع"٣.
стр. 439
وجعل الحافظُ السخاوي ﵀ روايةَ المجهول مما يصلحُ في المتابعات والشواهد، وأنها تُكْتَبُ روايته للاعتبار، وذلك عند كلامه على مراتبِ الجرح والتعديل، وحكم رواية أصحاب كل مرتبة منها.
فقد جعل "المجهول" في آخر مراتب الجرح - المرتبة السادسة - ثم حَكَمَ بأن أصحاب هذه المرتبة والتي قبلها ممن يُخَرَّجُ حديثهم في المتابعات والشواهد، قال: "لإشعار هذه الصِيَغِ بصلاحيةِ الْمُتَّصِفِ بها لذلك، وعدمِ منافاتها لها"١.
فَتَبَيَّنَ من ذلك: صحة ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم ﵀ من: أن رواية مجهول العين - وبالأحرى مجهول الحال - تَتَقَوَّى بالمتابعات والشواهد، وأن جماعة من أئمة هذا الشأن قد ذهبوا إلى ذلك.
стр. 440
المبحث الرابع عشر: كيفية سماع الحديث وتحمله
من المسائل التي تتعلق بكيفية التحمل والأداء مما تعرض له ابن القَيِّم ﵀:
المسألة الأولى: في تحمل الحديث قبل وجود الأهلية لذلك.
هل يصحُّ تحمل الصَّبِي والكافر الحديث، بحيث يُقْبَلُ منهما مَا أَدَّيَاه بعد البلوغ والإسلام؟
أما صِحَّةُ تحمل الكافر: فمتفق عليها بين أهل هذا الشأن١.
وأما تحمل الصغير الذي لم يبلغ: فإنه يصح على المذهب الصحيح الذي جزم به غير واحد من العلماء، منهم: ابن الصلاح٢، والنووي٣، وابن كثير٤، والعراقي٥ وغيرهم.
ومَنَعَ من ذلك آخرون، ولم يُجَوِّزُوه، قالوا: لأنَّ الصبيَّ مَظِنَّةُ عدمِ الضبط٦.
وقد رَدَّ الأئمةُ ذلك عليهم، فقال ابن الصلاح: "وَمَنَعَ من ذلك قومٌ فأخطؤوا"٧.
стр. 441
وقال العراقي: "وهو خطأ مردود عليهم"١.
ومما يُقَوِّي جانب القبول: أن الأئمة ﵏ أجمعوا على قبول حديث جماعة من الصحابة مما تحملوه حال الصغر: كالحسن، والحسين، وابن عباس وغيرهم. فلم يروا فرقاً بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده٢.
ولقد كان ابن القَيِّم ﵀ يذهب هذا المذهب الراجح في هذه المسألة، فقد أعل قوم حديث محمد بن عمرو بن عطاء المدني، عن أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي ﷺ ، وقوله فيه: سمعت أبا حميد الساعدي، بعدم سماع محمد بن عمرو من أبي حميد. فَرَدَّ عليهم ابن القَيِّم ذلك، وقال - بعد أن أثبت إمكان لقاء محمد بن عمرو لأبي حميد، وسماعه منه -: "ولو امتنع أن يكون رجلاً - لتقاصر سِنِّهِ عن ذلك - لم يمتنع أن يكون صبياً مميزاً، وقد شاهد القصة في صغره، ثم أداها بعد بلوغه، وذلك لا يقدح في روايته وتحمله اتفاقاً، وهو أسوة أمثاله في ذلك.
فَرَدُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الخيالات الفاسدة: مما يرغب عن مثله أئمة العلم"٣.
فهذا اختيار ابن القَيِّم ﵀ في هذه المسألة، وهو
стр. 442
الصحيح كما تقدم، ولعل نقله الاتفاق على ذلك إشارة إلى أن من خالف في هذه المسألة لا يعتد بخلافه، والله أعلم.
المسألة الثانية: متى يصحُّ سَمَاع الصَّغِير؟
اختلف أهل العلم في ضابط سماع الصغير على أقوال عدة، الصحيح المعتبر منها: اعتبار تمييز كلِّ صبيٍّ وفهمه، دون اعتبار لسن معينة في ذلك؛ فَإنْ فَهِمَ الخطاب ورد الجواب: كان سماعه صحيحاً، وإن كان سِنُّهُ أقلَّ من خمس سنين، وإن لم يكن كذلك: لم يصح سماعه، وإن زاد عن الخمس.
هذا ما صححه الأئمة: ابن الصلاح١، والنووي٢، والعراقي٣، وابن حجر٤.
وقد جاء عن ابن القَيِّم ﵀ ما يفيد اعتباره للتمييز في صحة السماع.
فقد تَقَدَّم قوله في المسألة التي قبل هذه في حق محمد بن عمرو بن عطاء: "ولو امتنع أن يكون رجلاً ... لم يمتنع أن يكون صبياً مميزاً، وقد شاهد القصة في صغره ... وذلك لا يقدح في روايته وتحمله اتفاقاً".
وقال في حق فاطمة بنت المنذر - وقد أعل قوم حديثاً بأنها روته عن أم سلمة، وقد لقيتها صغيرة -:
стр. 443
" ... فلا يلزم انقطاع الحديث من أجل أن فاطمة بنت المنذر لقيت أم سلمة صغيرة؛فقد يَعْقِلُ الصغيرجداً أشياء ويحفظها، وقد عقل محمود بن الربيع الْمَجَّةَ وهو ابن سبع سنين١، ويعقل أصغر منه"٢.
فجعل ﵀ عَقْلَ الصغير وتمييزه - دون مراعاة لسن معينة - أساساً للحكم بصحة سماعه من عدمه، وهذا هو القول المعتبر كما تقدم.
المسألة الثالثة: هل يصح السماع ممن وراء حجاب؟
هل يصح سماع من سمع من شخص دون أن يراه؟
الجمهور على صحة ذلك وجوازه إن ثبت عنده أنه صوته: إما بعلمه وخبرته، أو بإخبار ثقة عدل بأن هذا صوته٣.
ومن الأدلة على صحة ذلك: حديث أمهات المؤمنين ﵅، فقد كن يحدثن من وراء حجاب، ونقل ذلك عنهن، واحْتُجَّ به في الدواوين المعتمدة٤.
ومنع من ذلك شعبة ﵀، فقال: "إذا حَدَّثَكَ المحدثُ فلم تر
стр. 444
وَجْهَه، فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تَصَوَّرَ في صورته يقول: حدثنا، وأخبرنا"١.
وردَّ الأئمة هذا القول منه ﵀، فقال النووي: "وهو خلاف الصواب وقول الجمهور"٢. وقال ابن كثير: "وهذا عجيب وغريب جداً"٣.
وقد بين ابن القَيِّم ﵀ أن عدم رؤية الراوي المحدث لا يقدح في سماعه منه، وأن عدم الرؤية لا ينافي السماع.
فقد كَذَّبَ هشام بن عروة محمد بن إسحاق في قوله: إنه حَدَّث عن زوجته فاطمة بنت المنذر، واعتمد في ذلك على أنه لم يرها أحد من الرجال منذ تزوجها، فقال ابن القَيِّم ﵀: " ... إن هشاماً إنما نفى الرؤية، ولم ينف سماعه منها، ومعلوم أنه لا يلزم من انتفاء الرؤية انتفاء السماع.
قال الإمام أحمد: لَعَلَّه سمع منها في المسجد، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب، فأي شيء في هذا؟! فقد كانت امرأة كبرت وأَسَنَّت"٤.
فابن القَيِّم ﵀ يؤكد أنه لا تلازم بين السماع والرؤية، بل قد يحصل سماع لفظ الْمُحَدِّث دون رؤيته، ومع ذلك يكون سماعه صحيحاً معتبراً، والله أعلم.
стр. 445
المسألة الرابعة: الوجادة، وحكم العمل بها.
تعريفها: قال الحافظ العراقي: "أن تجد بخطِّ من عَاصَرْتَهُ - لقيته أو لم تلقه - أو لم تعاصره - بل كان قبلك - أحاديث يرويها، أو غير ذلك مما لم تسمعه منه ولم يُجِزْهُ لك"١.
ويلحق بذلك: ما يجده الشخص من كتب المصنفين ممن عاصره كذلك، أولم يعاصره٢.
أما حكم الوجادة: فإنها منقطعة غير متصلة، ولكنها تأخذ نوعاً من الاتصال في حالة وثوقه بأنه خط من وجد ذلك عنه، وذلك لقوله: "وجدت بخط فلان"٣.
ولا يجوز أن يقول فيها: "عن فلان" أو: "قال فلان"، فضلاً عن قوله: "حدثنا وأخبرنا"٤.
هذا من ناحية الراوية بالوجادة، فالرواية بها لا تكون متصلة.
وأما جواز العمل بالوجادة: ففيه أقوال ثلاثة:
الأول: المنع من العمل بها. قال بذلك معظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم.
стр. 446
الثاني: جواز العمل بها. وذلك مَحْكِي عن الإمام الشافعي ﵀، وطائفة من نظار أصحابه.
الثالث: وجوب العمل بها عند حصول الثقة به. جزم بذلك بعض المحققين من أصحاب الشافعي في أصول الفقه١.
واختار ابن الصلاح ﵀ القولَ بالوجوب، فقال: "وما قَطَعَ به هو الذي لا يَتَّجِه غيره في الأعصار المتأخرة؛ فإنه لو تَوَقَّف العمل فيها على الرواية لانسَدَّ باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها"٢.
ووافق ابنَ الصلاح على ذلك: النووي٣، وابن كثير٤، والعراقي٥.
وقد تناول ابن القَيِّم ﵀ قضية النُّسَخ والكتب التي أُخِذَت عن طريق الوجادة، وأكد أن الأخذ عنها، والعمل بمقتضاها متعين، وأن ذلك هو دأب علماء هذه الأمة قديماً وحديثاً.
قال ﵀ في الرد على من طعن في سماع الحسن من سمرة: "وغاية هذا أنه كتاب٦، ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديماً
стр. 447
وحديثاً، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم ... وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي، فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول: هذا كتاب. وكذلك خلفاؤه بعده، والناس إلى اليوم.
فَرَدُّ السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل، والحفظ يخون، والكتاب لا يخون"١.
ويؤكد في مناسبة أخرى حُجِّيَّة هذه الكتب، مشيراً إلى ضابط العمل بها، وشرط ذلك، فيقول - في الرد على من طعن في رواية مخرمة ابن بكير عن أبيه بأنها كتاب -: "إن كتاب أبيه كان عنده محفوظاً مضبوطاً، فلا فَرْقَ في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط إذا تَيَقَّنَ الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها. وهذه طريقة الصحابة والسلف ... ولو بَطَلَ الاحتجاجُ بالكتب، لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير؛ فإنَّ الاعتماد على النُّسَخِ لا على الحفظ، والحفظ خَوَّان، والنسخة لا تخونُ، ولا يُحْفظُ في زمنٍ من الأزمان المتقدمة أن أحداً من أهل العلم رَدَّ الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يُشَافِهْني به الكاتب، فلا أقبله. بل كُلُّهُم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كتابه"٢.
стр. 448
فابن القَيِّم ﵀ يؤكد صحة العمل بما وُجدَ من تلك الكتب، وبخاصة ما كان منها موثوقاً به، ومتأكداً من صحة نسبته إلى صاحبه ومؤلفه.
وهو بذلك يوافق ما رَجَّحَهُ أكثرُ الأئمة المتقدم كلامهم.
стр. 449
المبحث الخامس عشر: ناسخ الحديث ومنسوخه
النسخ: هو "عبارة عن رفع الشارع حكماً منه متقدماً بحكم منه متأخر".
ذكر ذلك ابن الصلاح ﵀، ثم قال: "وهذا حد وقع لنا سالم من اعتراضات وردت على غيره"١.
طرق معرفة النسخ: ويعرف ذلك بأمور، وهي:
أولاً: تصريح رسول الله ﷺ بذلك، وهو أصرحها، كقوله ﷺ في الحديث الذي رواه بريدة ﵁: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
ثانياً: أن يجزمَ الصحابيُّ بأن ذلك الخبر متأخر، كقول جابر ﵁: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار".
ثالثاً: يُعرف ذلك - أيضاً - بالتاريخ، وهو كثير.
رابعاً: أن يقعَ الإجماع على ترك العمل بحديث، وأنه منسوخ. والإجماع لا يَنْسَخ ولا يُنْسخ، وإنما يدل على وجود ناسخ٢.
وقد ورد في كلام ابن القَيِّم ﵀ استعماله لبعض الطرق التي يستدل بها على النسخ، فمن ذلك:
стр. 450
١- استدلاله على النسخ بمعرفة التاريخ.
قال ﵀ في حديث طلق في الرُّخصة في ترك الوضوء من مَسَّ الذكر، ومعارضته بحديث أبي هريرة وغيره: "أن حديث طلق لو صح، لكان حديث أبي هريرة ومن معه مُقَدَّماً عليه؛لأن طَلْقاً قَدِم المدينة وهم يبنون المسجد، فذكر الحديث، وفيه قصة مس الذكر، وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد ذلك بست سنين، وإنما يُؤْخَذُ بالأحدث فالأحدثِ من أمره ﷺ "١.
٢- وجود قرائن تدل على تأخر أحد الخَبَرين.
فقد استدلَّ ابن القَيِّم ﵀ على نسخ حديث أبي هريرة مرفوعاً: " من أَدْرَكَه الفجر جنباً فلا يصوم ". بما رواه أزواج النبي ﷺ من " أنه كان يصبح جنباً ويصوم "، فقال في تأييد القول بنسخ حديث أبي هريرة: "لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله ﷺ إبطال الصوم بذلك؛ لأن أزواجه أعلم الأمة بهذا الحكم، وقد أخبرن بعد وفاته: أنه كان يصبح جنباً ويصوم. ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروف عند أزواجه مثل حديث أبي هريرة، ولم يحتج أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نسخ، ومحال أن يخفى هذا عليهن؛ فإنه كان يقسم بينهن إلى أن مات في الصوم والفطر"٢.
стр. 451
شروط تحقق النسخ:
لابد للحكم بالنسخ في الخبرين المتعارضين من توافر بعض الشروط، وقد وَقَعَ في كلام ابن القَيِّم ﵀ ذكر شيء من هذه الشروط، فمن ذلك:
قوله ﵀ في الرد على من ادعى أن التمتع في الحج منسوخ: "أما العذر الأول، وهو النسخ، فيحتاج إلى أربعة أمور ... يحتاج إلى:
- نصوص أخر،
- تكون تلك النصوص معارِضَة لهذه،
- ثم تكون - مع هذه المعارضة - مُقَاوِمة لها،
- ثم يثبتُ تأخرها عنها"١.
وأشار مرة إلى بعض هذه الشروط، فقال في حديث عبد الله بن حمار في ترك قتل شارب الخمر في الرابعة، وأنه ناسخ للأمر بقتله في الرابعة:
"وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار، فإنما يتم بـ:
- ثبوت تأخره،
- والإتيان به بعد الرابعة،
- ومنافاته للأمر بقتله"٢.
стр. 452
ففي هذا تصريح منه ﵀ بضرورة أن يكون الناسخ متأخراً، وأن يعارض المنسوخ معارضة لا يمكن معها الجمع بينهما.
وعَبَّر ﵀ عن ذلك مرة بقوله:
"لا يمكن إثباته - يعني النسخ - إلا بعد أمرين:
أحدهما: ثبوت معارضته المقاوم له.
والثاني: تأخره عنه"١.
وقال ﵀ في الردِّ على من ذهب إلى أن القيام للجنازة- قيام تابعها، ومن مرت به، والمشيع عند القبر - منسوخ، رد على ذلك بقوله: "وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه: أحدها: أن شرطَ النسخ: المعارضةُ، والتأخرُ. وكلاهما منتف في القيام على القبر بعد الدفن، وفي استمرار قيام المشيعين حتى توضع ... "٢.
ويؤكد ابن القَيِّم ﵀ ضرورة مقاومة الناسخ - في الصحة والقوة - للمنسوخ، فيقول في حديث بريدة ﵁ مرفوعاً في الإذن في الإقران بين التمرتين، وأنه ناسخ لحديث ابن عمر ﵁ في النهي عن ذلك: "وهذا الذي قالوه - يعني ادعاء النسخ - إنما يصح لو ثبت حديث بريدة، ولا يثبت مثله ... "٣.
стр. 453
فتلخص من ذلك: أن الشروط التي قررها ابن القَيِّم ﵀ للحكم بالنسخ، هي:
١- عدمُ إمكان الجمع بين الخَبَرَين.
٢- صَلاحِية كلٍّ منهما للحُجَّة.
٣ - معرفةُ الْمُتَأَخِّرِ.
أما عدم إمكان الجمع بينهما: فلأن الجمع أولى من المصير إلى النسخ، قال الحازمي ﵀: " ... فَإِنْ أَمْكن الجمع جمع ... ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة كان أولى؛ صوناً لكلامه - بأبي هو وأمي - عن سمات النقص"١.
وأما اشتراط صلاحية كل من الخبرين للحجة: فلأن القويَّ لا تُؤَثِّر فيه مخالفة الضعيف٢، فضلاً عن أن يقاومه فينسخه.
وأما اشتراط ثبوت تأخر أحد الخبرين: فقد أشار إليه الحافظ ابن حجر ﵀ بقوله: "فإن عرف - يعني التاريخ - وثبت المتأخر به أو بأصرح منه: فهو الناسخ والآخر المنسوخ"٣.
стр. 454
المبحث السادس عشر: مُخْتَلِفُ الحديث
تعريفه: قال النووي ﵀: "هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً، فَيُوَفَّقُ بينهما أو يرجَّح أحدهما"١.
أقسامه: ينقسم مختلف الحديث إلى قسمين:
أحدهما: أن يمكن الجمع بين الحديثين، فَيَتَعَيَّن حينئذ المصير إلى ذلك، والقول بهما جميعاً.
الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمعُ بينهما، وهذا يكون على ضربين:
١- أن يظهر كون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، فَيُعْمَلُ بالناسخ ويَتْرَكُ المنسوخ.
٢- أن لا تقوم دلالة على النسخ، فَيُصَارُ إلى ترجيحِ أحدهما على الآخرِ بوجه من وجوه الترجيح٢.
فَتَبَيَّنَ من ذلك: الخطوات التي ينبغي أن تسلك فيما ظاهره التعارض، قال الحافظ ابن حجر ﵀: "فصار ما ظاهره التعارض واقعاً على هذا الترتيب:
стр. 455
- الجمع إن أمكن،
- فاعتبار الناسخ والمنسوخ،
- فالترجيح إن تعين،
- ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين"١.
وقد بَيَّنَ ابن القَيِّم ﵀ أنَّ الأحاديث التي ظاهرها التعارض لا تخرج عن أحد ثلاث حالات، فقال: "فإذا وقع التعارض:
- فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه ﷺ ، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتاً، فالثقة يغلط.
- أو يكون أحد الحديثين ناسخاً للآخر إذا كان مما يقبل النسخ.
- أو يكون التعارض في فهم السامع، لا في نفس كلامه ﷺ .
فلابد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة"٢.
فقد بَيَّنَ ابن القَيِّم ﵀ بهذه القسمة العقلية أن الحديثين إذا وقع بينهما تعارض: فإما أن يكون النبي ﷺ قد قالهما، أو أن أحدهما لا يكون من كلامه، ويكون أحد الرواة غلط فجعله من كلامه، كمن يرفع الموقوف أو يزيد لفظة ليست من كلامه ﷺ ، ونحو ذلك.
стр. 456
فإذا ثبت أن أحد الخبرين ليس من كلامه فلا إشكال، فإن الضعيف لا يُعَارَضُ به الثابت الصحيح.
وأما إذا ثبت أن النبي ﷺ قالهما جميعاً: فإنه ينظر في نسخ أحدهما بالآخر إذا ثبت تأخر أحدهما. فإن لم نجد سبيلاً إلى نسخ أحدهما بالآخر، فإنه يتعين الجمع بينهما، وحينئذ لا يكون هناك تعارض في واقع الأمر، وإنما التعارض في فهم السامع.
شرط وقوع التعارض:
لابد للحكم على حديثين بالتعارض، وجعلهما من باب مختلف الحديث: أن يكون كل منهما مُحْتَجًّا به، أما إن كان أحدهما لا يُقْبَلُ بحال، فإنه لا يُعَارَضُ به القوي؛ إذ إنه - والحالة هذه - لا أَثَر له.
وقد بين ابن القَيِّم ﵀ ذلك وأكده، فقال: "لا يجوز معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من قد أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به"١.
وقال: "ومعارضة الأحاديث الباطلة للأحاديث الصحيحة لا توجب سقوط الحكم بالصحيحة، والأحاديث الصحيحة يصدق بعضها بعضاً"٢.
стр. 457
ذِكْرُ بعض وجوه الترجيح التي استعملها ابن القَيِّم ﵀:
فمن وجوه الترجيح التي استعملها عند التعارض، أو أشار إليها:
١- أن يكون رواة أحد الخبرين من أهل الرجل - صاحب القصة - وخاصته، فإنهم أعلم به من غيرهم، فيقدم خبرهم.
قال ابن القَيِّم ﵀ في قصة توبة كعب بن مالك وانخلاعه من ماله، وقول النبي ﷺ له: "أمسك عليك بعض مالك" من غير تعيين لقدره، وما عارض ذلك من أنه عَيَّنَ له الثلث، قال مُقَدِّماً رواية عدم التعيين:
"فإن الصحيح ... ما رواه أصحاب الصحيح من حديث الزهري، عن ولد كعب بن مالك، عنه ... وهم أعلمُ بالقصةِ من غيرهم؛ فإنهم وَلَدُهُ، وعنه نقلوها"١.
وقال في حديث جابر ﵁ في قصة الصلاة على شهداء أحد: "وحديث جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ، فله من الخبرة ما ليس لغيره"٢.
٢- أن يكون عمل الصحابة أو أكثرهم - ولاسيما الخلفاء
стр. 458
الراشدين - موافقاً لأحد الخبرين، فيقدم على ما لم يكن كذلك.
قال أبو داود ﵀: "إذا تنازع الخبران عن النبي ﷺ ، ينظر بما أخذ به أصحابه"١.
قال ابن القَيِّم في ترجيحه أحاديث المزارعة على غيرها: "الأحاديث إذا اختلفت عن النبي ﷺ ، فإنه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وغيرهم من الصحابة بالمزارعة"٢.
وقال عند الكلام على أحاديث نقض الوضوء بمس الذَّكَر: "لو قُدِّر تعارض الخبرين من كل وجه، لكان الترجيح لحديث النقض؛ لقول أكثر الصحابة به: منهم: عمر بن الخطاب، وابنه، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان ﵃ ... "٣.
قال الحازمي ﵀ في وجه الترجيح بعمل الصحابة والخلفاء: " ... فيكون إلى الصحة أقرب، والأخذ به أصوب"٤.
стр. 459
٣- أن يكون أحد الخبرين جاء بالشك، والآخر مجزوماً به، فَتُقَدَّم روايةُ الجازم على رواية الشاكِّ.
قال ابن القَيِّم في حديث تعريف اللُّقَطَة، وتقديم الرواية التي فيها التعريف سَنَة، على حديث أُبَيٍّ الذي فيه: أن التعريف ثلاث سنين: "ووقع الشك في رواية حديث أُبَيِّ بن كعب أيضاً: هل ذلك في سنة أو في ثلاث سنين؟ وفي الأخرى: عامين أو ثلاثة؟ فلم يجزم، والجازم مَقَدَّمٌ"١.
وقال عند الكلام على رمي الجمرة، وقول ابن عباس ﵁: "ما أدري أَرَمَاهَا رسول الله ﷺ بست أو بسبع؟: "قد صح عن رسول الله ﷺ أنه رمى الجمرة بسبع حصيات من رواية: ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر. وشكُّ الشاكِّ لا يُؤَثِّرُ في جَزْمِ الجازم"٢.
٤- تقديم ما أخرجاه في "الصحيحين" أو أحدهما على ما لم يُخَرَّجْ فيهما٣.
قال ابن القَيِّم ﵀ في قصة صلاة معاذ بقومه وتطويله عليهم:
стр. 460
"الذي في الصحيحين: أنه قرأ سورة البقرة ... وقصة قراءته بـ (اقتربت) لم تُذْكَر في الصحيح، والذي في الصحيح أولى بالصحة منها"١.
٥- تقديم خبر الْمُثْبتِ على خبرِ النَّافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم خَفِيَتْ على النافي.
قال ابن القَيِّم في حديث جابر في الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، وما جاء في حديث أسامة بن زيد من قوله: "أُقِيْمت الصلاة فصلَّى المغرب ... ثم أقَيِّمت العشاء فصلاها" قال في حديث أسامة هذا: " ... وسكت عن الأذان ... بل لو نفاه جملة، لَقُدِّمَ عليه حديث من أَثْبَتَهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ زيادة خفيت على النافي"٢.
وقال ﵀ في الأحاديث التي تثبت سجوده ﷺ في المفصل، والأحاديث التي تنفي ذلك: "فلو تعارض الحديثان من كل وجه، وتقاوما في الصحة، لَتَعَيَّنَ تقديم حديث أبي هريرة؛ لأنه مثبتٌ معه زيادةُ علمٍ خفيت على ابن عباس"٣.
٦- أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه، والآخر لم